إلى آخر ما قال.
وبالجملة: فما أشد خسر الإنسان، وما أعظم الفرق بين حاله إذا نظر إلى حياته العنصرية وطاعته لسطان الهوى والشهوة، وانقياده لنفسه الأمارة بالسوء، وإلى ما كان عليه حال حياته الروحية قبل تعلق الروح بالبدن عندما كانت تسرح بين أفراد الملأ الأعلى، وتسبح في ذلك العالم الذي يبعد كل البعد عن ملابسة الأدناس والألواث.
وعلى كل حال فليس الشأن أن تكون إنسانًا حيوانيًا، بل الشأن أن تكون إنسانًا روحانيًا ولا تكون كذلك إلا إذا سافرت من ظاهرك إلى باطنك، وهناك تعرف ما حجب عنك من شرفك وعلو قدرك الذي جعل الملائكة تسجد لك قبل أن تنزل إلى حضيض حيوانيتك كما قلنا، فكن ممن عرف نفسه فعرف ربه، ولا تكن ممن نسوا الله فأنساهم أنفسهم.
ومن الغريب أن الإنسان هو الحيوان الناطق، وأن روح الإنسانية هو ذلك النطق المراد به الإدراك والتفكير، فإنه المعنى الخاص بالإنسان، وأما الحيوانية فأمر مشترك بينه وبين الحشرات وجميع الحيوانات، ومع ذلك لا نجد من أكثر أفراد هذا النوع إلا الحيوانية المشتركة لا النطق والتفكير الذي هو ميزتك وروح إنسانيتك.
واختصار الموضوع: أن خسر الإنسان إنما نشأ من ظنه أنه إنسان بجسمه، غافلًا عما أودع فيه من الأسرار التي تجعله {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} .