بمعرفة واللجأ إليه، والإحساس به مفاض عليهامن نوره بحيث يجعلها تذهل عن نفسها ولا تذهل عنه، فحياتها في الحقيقة بأنسه، وفرحها ليس إلا بنور قدسه، فلا يمكن أن يفارقها إحساسه، أو يزاولها إيناسه، ولكن الناس نسوا الله فأنساهم أنفسهم، فبقهره وعظمة قدرته أذهلهم عنه وأبعدهم منه، فسبحان من يحول بين المرء وقلبه، ويضع الحجاب بينه وبين ربه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد. غاية الأمر أن الأوهام البشرية والخيالا الجسمانية التي لا تعرف غير المحسوسات، ولا تتصور غير المكيفات، ولا تعقل غير المحدودات، ولا تفهم غير المتشكلات المحصورات، أرادت أن تعرفه على نحو ما عرفت به مألوفاتها، وهي لا تعرف إلا ما كان محددًا مقيدًا، وهو يعلو عن التحديد والتقييد، فأرادت أن تحصره وهو لا ينحصر، وأن تكيف وهو لا يتكيف، وأن تقيده وهو لا يتقيد، وأن تنهيه وهو لا يتناهى، فنفر منها وبعد عنها، فلم تقع عليه ولم تصل إليه، ونادى منادي العزة: إنك أيتها العوالم السفلية قاصرة عن درك علاه، أو بلوغ سناه، أو معرفة مداه، فليس فيك صلاحية لذلك، ولا خلقت قابلة لما هنالك، فلك حد مرسوم، ومقام معلوم، فكما أن العين لا تدرك الهواء وهي واقفة مع رقتها على ما حد لها من درجتها، كذلك الخيال لا يرتفع عن درجة المحسوسات، ولا يعلو إلى أفق الروحانيات، ومحال عليه أن يعرف رب الأرض والسموات، الذي جل عن الكيفيات وعلا عن القياس وتنزه عن إدراك الحواس.