ولكن فيها أيها الإنسان عالمًا يعرف التنزيه، ولا يقف عند التشبيه، فيمكنه أن يستلمع شعاع تلك الأنوار، ويرى عظمة سرادقات الملك القهاز، ويلمح بوارق تلك الحضرات، ويكتحل بجمال تلك الإشراقات.
وأما أنت أيتها العوالم السفلية فليس مقرك إلا عالم التحديد، وليس لك من هذا المقام إلا صفة العجز والتقليد، فقلدى الروح فيما توحيه إليك وتلقيه عليك، فهي التي تعرف وتعترف، وتسجد وتقترب، فليعرف كل عالم من عوالمك قدره ولا يتجاوز طوره، فإن طلبت أن تعرف عوالمك السفلية فقد طلبت أن تحدده، والمحدود لا يكون إلهًا للأشياء، بل يكون له ما لها، وعليه ما عليها، وما هي إلا نزعة عباد الأصناك وإسراء الأوهام.
ولعمري لو رجعت إلى نفسك، ولم تتقيد بما لو فات حسك، لوجدتها أول البديهيات، وأوضح الواضحات، ولا تحس بوجودك إلا أحسست بوجوده، غير أنك لا تعرف التحديد ولا تقع عليه بالتكييف والإله يجب أن يكون كذلك، وإلا لم يكن إلهًا كما قلنا، بل أقرب لك الأمر بأن روحك وهي التي أمدتك بكل شيءٍ، وأفاضت عليك كل شيءٍ، ولست شيئاُ إلا بها بل ما أنت إلا هي، ومع ذلك لا تعرفها ولا تحيط بها لمزيد لطافتها، وخروجها عن عالم التقييد والتكييف: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} .