الصفحة 280 من 386

فما بالك تطمع في إدراك اللطيف القدوس الذي فوق كل شيء وما يماثله شيء؟ جل أن تشبهه الملائكة أو تماثله الروح"سبوح قدوس رب الملائكة والروح"بل أنزل بك إلى ما هو أقرب من هذا، فإنه لا يمكنك أن تعرف عالم الجن فإنك لا تستطيع أن تعرفه: بل لديك من الماديات التي بين يدك وتحت أمرك وتصرفاتك ما لم تصل إليه ولم تعرف كنهه. مثل الكهرباء والسر المودع في المغناطيس إلى غير ذلك من أسرار الطبيعة التي أودعها الله في المادة ولم يعرفوا إلا ظواهرها، لا حقائقها, بل لم يعرفوا حتى الآن ما هي المادة وما حقيقتها، إلى آخر ما قرره العلماء من مواقف العقول التي خروا لها ساجدين، وظلوا أمامها مبهوتين، مع كونها من العالم الكثيف لا من العالم اللطيف ومن الماديات لا من الروحانيات، فما أجدرني أن أنشد قول الغزالي:

قل لمن يفهم عني ما أقول. . . قصر القول فذا شرح يطول

ثم سر غامض من دونه. . . قصرت والله أعناق الفحول

هذا وما تدركه القلوب وتشاهده البصائر أكبر من كل ما يقال، ومن ذاق نور الوجود الحق يوجدانه وأدرك الأمر من أصله فهو غني عن البيان، ومن وصل إلى حد العيان فلا حاجة به إلى البرهان.

وعلى كل حال فنطاق التعبير قصير مهما بالغ صاحبه، فارجع إلى نفسك تجد الأمر أوضح من الشمس وأبين من الحس، وإذا عرفت الأمر من نفسك وجدت كل شيء بعد ذلك أكثف من ذلك الوجدان ولا معنى لأن تطلب شيئًا تجده في نفسك وتحس به في أعماق قلبك، ومن كان في أصل الشجرة فلا معنى لأن يستدل بأوراقها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت