الآن. ولك أن تختصر الطريق وتقول لهم: ما الذي أمسك العوالم كلها في الفضاء الذي لا نهاية له غير قدرة من يقول للشيء كن فيكون؟
وبعد: فلو شاء لجعلها في غاية الصلابة والشدة كالحديد، فكان لا يمكن حفرها ولا شقها ولا البناء فيها ولا غرسها، ولو كانت رخوة غير متماسكة لم يمكن ذلك أيضا، فإنه لا يستقر إذا عليها الحيوان ولا بقية الأجسام.
فاقتضت حكمته أن تكون بين الصلابة المفرطة، والدمانة المفرطة. ولو فرضنا أن الأرض كلها من الذهب والفضة أو بقية الجواهر لفاتت مصالح الإنسان والحيوان، وتعطلت المنافع التي تراد منها في سائر ضروب المصالح.
لهذا قال بعض الفلاسفة: إن التراب أشرف من الذهب والفضة. ويكفي أنك خلقت من التراب"وإلى الآن تخلق من التراب"، فإن النطفة من الغذاء، وهو إما لحوم الحيوانات أو النباتات، ولحوم الحيوانات من النبات، والنبات من التراب، فأنت من التراب حتى الآن. فسبحان الحكيم الخبير، العليم القدير.
وما كان للذهب تلك المنزلة الرفيعة إلا لقلته وعزته، بخلاف التراب، بناء على ما سمعته من القاعدة المطردة في مخلوقات الله تعالى. وانظر إلى الهواء وحاجة الناس إليه، ولكن لما كان ملء الوجود لم نأبه ولم نلتفت إليه.