الصفحة 323 من 386

ولا بأس أن نشير إلى حكمة كبرى من حكم الله تعالى التي نوهنا عنها فنقول: إنه سبحانه جعل كثرة الأشياء وسهولتها على قدر الاحتياج إليها، فلما كان الهواء يحتاج إليه كل أحد في كل نفس من أنفاسه جعله مالئًا للوجود كله، ولما كانت حاجة الناس إلى الماء أقل من حاجتهم إلى الهواء لم يجعله في السهولة كالهواء، ولكنه جعله كثيرا متيسرا لا يحتاج الإنسان في حصوله عليه إلى ثمن ولا مشقة فعزة الأشياء لازمة لقلتها لا للاحتياج إليها. وقد قال القائل:

سبحان من خص القليل بعزة . . . والناس مستغنون عن أجناسه

وأذل أنفاس الهواء وكل من . . . في الكون محتاج إلى أنفاسه

ولنرجع إلى بقية الكلام على الأرض وآياتها فنقول:

لم يجعلها سبحانه وتعالى شفافة لأن الجسم الشفاف لا يستقر عليه النور، وما كان كذلك لا يقبل للسخونة فيبقى في غاية البرودة فلا يستقر عليه الحيوان ولا يتأتى فيه إنبات النبات، لأن ذلك كله بفضل قبولها لأشعة الشمس التي لولاها لم يكن على الأرض نبات ولا حيوان: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } .

وكذلك لك يجعلها صقيلة براقة لئلا يحترق ما عليها بسبب انعكاس أشعة الشمس كما يشاهد من احتراق القطن ونحوه عند انعكاس شعاع الجسم الصقيل الشفاف عليه، فاقتضت حكمته أن جعلها كثيفة غبراء، فصلحت أن تكون مستقرًا للإنسان والحيوان والنبات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت