ومن الذي يحيط عقله بالقليل من خواص نفس البق والبعوض فضلًا عن التوغل في بحار أسرار الله سبحانه.
أما قوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } فللسلف فيه عبارات متقاربة يرجع غالبها إلى انه ألهم المؤمن المتقي تقواه وألهم الكافر فجوره بخلقهما مستعدين لذلك. قال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها. وقال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى وخذلاته إياها بالفجور. واختار الزجاج والواحدي ذلك.
والإلهام هو أن يوقع الله في قلب العبد شيئا، وأصل معنى الإلهام من قولهم: لهم الشيء والتهمه إذا ابتلعه. وقد استعمل ذلك فيما يقذفه الله تعالى في قلب العبد لما بينهما من المشابهة وقال ابن زيد: إن الله تعالى خلق في المؤمن تقواه وفي الكافر فجوره.
وقد ذكرت هذه الآيات للدلالة على أن الله تعالى مدبر للأجسام العلوية والسفلية البسيطة والمركبة وللنفوس الإنسانية على ما هو الظاهر {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ} .
هذا وقد بقى شيء واحد يختلج في القلب: أنه هل هو بقضائه وقدره، وكيف يكون ذلك مع سؤاله عنه وتعذيبه عليه، وهو الأفعال الإنسانية الاختيارية؟ فنبه سبحانه بقوله: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} على ذلك أيضا، وأنه منه وبه، وأن كل شيء بقضائه وقدره، وقد ثبت بالأدلة المعقولة والمنقولة أن كل شيء واقع بقضائه