نتائج البحث عن (قتف) 35 نتيجة

الْقَاف وَالتَّاء وَالْفَاء

الفتق: نقيض الرتق.

فتقه يفتقه، ويفتقه فتقا، قَالَ:

ترى جوانبها بالشحم مفتوقا

إِنَّمَا أَرَادَ: مفتوقة، فاوقع الْوَاحِد موقع الْجَمَاعَة.

وفتقه فانفتق.

والفتق: الْخلَّة من الْغَيْم.

وَالْجمع: فتوق. قَالَ:

إنّ لَهَا فِي الْعَام ذِي الفتوق

وزلل النِّيَّة والتصفيق

رعية ربٍّ نَاصح شفيق

وأفتق الْقَوْم: تفتق عَنْهُم الْغَيْم.وأفتق قرن الشَّمْس: أصَاب فتقا من السَّحَاب فَبَدَا مِنْهُ، قَالَ الرَّاعِي:

كقرن الشَّمْس أفتق ثمَّ زَالا

والفتاق: الشَّمْس حِين يطبق عَلَيْهَا ثمَّ يَبْدُو مِنْهَا شَيْء.

والفتقة: الأَرْض الَّتِي يُصِيب مَا حولهَا الْمَطَر وَلَا يُصِيبهَا.

وأفتقنا: لم تمطر بِلَادنَا وطر غَيرنَا، عَن ابْن الْأَعرَابِي. وَحكى: خرجنَا فَمَا أفتقنا حَتَّى وردنا الْيَمَامَة، وَلم يفسره، فقد يكون من قَوْله: أفتق الْقَوْم: إِذا تفتق عَنْهُم الْغَيْم، وَقد يكون من قَوْلهم: أفتقنا: إِذا لم تمطر بِلَادنَا ومطر غَيرهَا.

والفتق: الْموضع الَّذِي لم يمطر.

وأفتقنا: صادفنا فتقا.

والفتق: الصُّبْح.

وصبح فتيق: مشرق.

وَرجل فتيق اللِّسَان: فصيحه.

ونصل فتيق: حَدِيد الشفرتين جعل لَهُ شعبتان فَكَأَن إِحْدَاهمَا فتقت من الْأُخْرَى.

وَامْرَأَة فتق: متفتقة بالْكلَام.

والفتق: انْشِقَاق الْعَصَا وتصدع الْكَلِمَة وَفِي الحَدِيث: " لَا تحل الْمَسْأَلَة إِلَّا فِي حَاجَة أَو فتق ".

والفتق: أَن تَنْشَق الْجلْدَة الَّتِي بَيت الخصية واسفل الْبَطن، فَتَقَع الامعاء فِي الخصية.

والفتق: الخصب، سمي بذلك لانفتاق الأَرْض بالنبات، قَالَ:

لم ترج خصبا بعد أَعْوَام الفتق

وعام فتق: خصيب.

وانفتقت الْمَاشِيَة، وتفتقت: سمنت.والفتق: دَاء يَأْخُذ النَّاقة بَين ضرْعهَا وسرتها فتنفتق، وَذَلِكَ من السّمن.

وفتق الطّيب يفتقه فتقا: طيبه وخلطه بِعُود وَغَيره، وَكَذَلِكَ الدّهن، قَالَ الرَّاعِي:

لَهَا فَأْرَة ذفراء كل عَشِيَّة...كَمَا فتق الكافور بالمسك فاتقه

ذكر إبِلا رعت العشب وزهره، وَأَنَّهَا نديت جلودها، ففاحت رَائِحَة الْمسك، وَقد أبنت قَول أبي حنيفَة ورده على الرَّاعِي فِي هَذَا الْبَيْت، ونبهت على وهمه فِي رده عَلَيْهِ فِي الْكتاب الْمُخَصّص.

والفتاق: مَا فتق بِهِ.

والفتاق: خمير الْعَجِين، وَالْفِعْل كالفعل.

والفتاق: أصل الليف الْأَبْيَض الَّذِي لم يظْهر.

والفيتق: النجار، قَالَ الْأَعْشَى:

ولابد من جَار يجير سَبِيلهَا...كَمَا سلك السكي فِي الْبَاب الفيتق

والفيتق: البواب.

وَقيل: الْحداد.

وَقيل: الْملك.

وفتاق: اسْم مَوضِع، قَالَ الْحَارِث بن حلزة:

فمحياة فالصفاح فأعنا...ق فتاق فعاذب فالوفاء

فرياض القطا فأودية الشَّرّ...بب فالشعبتان فالأبواء
(اقتفش) العنكبوت وَنَحْوه دخل جُحْره وَضم جسده وقوائمه
(اقتفاه) تبعه وَالشَّيْء اخْتَارَهُ وَفُلَانًا بِأَمْر اختصه بِهِ وَيُقَال اقتفى بفلان خص نَفسه بِهِ
الاقتفاء: اتباع القفاء، كما أن الارتداف اتباع الردف، ويكنى به عن الاغتياب وتتبع المعايب.

اقتفاء المنهاج، في أحاديث المعراج

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

اقتفاء المنهاج، في أحاديث المعراج
للحافظ، أبي محمود: أحمد بن محمد بن إبراهيم الخواص، المقدسي، الشافعي.
المتوفى: سنة خمس وستين وسبعمائة.

الاقتفا، في فضائل المصطفى – عليه الصلاة والسلام –

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الاقتفا، في فضائل المصطفى - عليه الصلاة والسلام -
لناصر الدين: أحمد بن محمد بن المنير.
المتوفى: سنة 683، ثلاث وثمانين وستمائة.
عارض به: (الشفا).
ورتب على قسمين:
الأول: في فضائله.
والثاني: في سيره.
وبسط قصة المعراج بسطا في: أربعة أبواب، وفيه فوائد كثيرة.

انتحاء السَّنن، واقتفاء السُّنن

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

انتحاء السَّنن، واقتفاء السُّنن
في شرح: (سنن أبي داود).
يأتي في: السين.

المقتفي لأمر الله

سير أعلام النبلاء

5074- المقتفي لأمر الله 1:
أمير المؤمنين، أبو عبد الله، محمد بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بالله عبد الله بن الذخيرة محمد بن القَائِمُ بِأَمْرِ اللهِ عَبْدُ اللهِ بنُ القَادِرِ بالله أحمد بن الأمير إسحاق بن المُقْتَدِرِ، الهَاشِمِيّ العَبَّاسِيّ البَغْدَادِيّ الحَبَشِيّ الأُمُّ.
مَوْلِدُهُ فِي رَبِيْع الأَوّل سَنَة تِسْعٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ.
وَسَمِعَ مِنْ أَبِي الحَسَنِ بنِ العَلاَّفِ، وَمِنْ مُؤَدِّبِهِ أَبِي البَرَكَات السِّيْبِيّ.
وَبُوْيِع بِالإِمَامَة فِي سَادِسَ عَشَرَ ذِي القَعْدَةِ سَنَة ثَلاَثِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
قَالَ السَّمْعَانِيُّ: وَأَظُنُّهُ سَمِعَ "جُزْءَ ابْنِ عَرَفَةَ" مِنِ ابْنِ بَيَانٍ، كَتَبتُ إِلَيْهِ قِصَّةً أَسْأَلُه الإِنعَامَ بِالإِذن فِي السَّمَاع مِنْهُ، فَأَنْعَم، وَفتش عَلَى الجُزْء، وَنفَّذه إِلَيَّ عَلَى يَدِ إِمَامِهِ ابْنِ الجَوَالِيْقِيّ، فَسمِعتُه مِنِ ابْنِ الجواليقي عنه، حَدَّثَنَا أَبُو مَنْصُوْرٍ بن الجَوَالِيْقِيّ، أَخْبَرَنَا المُقْتَفِي لأَمْرِ اللهِ ... فَذَكَرَ حَدِيْثاً. قَرَأْته عَلَى الأَبَرْقُوْهِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ بنُ الجَوَالِيْقِيّ، أَخْبَرَنَا الوَزِيْر عَوْن الدِّيْنِ، أَخْبَرَنَا المُقْتَفِي، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الصَّرِيْفِيْنِيّ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ المُخَلِّصُ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيْلُ الوَرَّاق، حَدَّثَنَا حَفْصٌ الرَّبَالِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو سُحَيْم، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لا يَزْدَادُ الأَمْرُ إلَّا شِدَّةً، وَلاَ النَّاسُ إلَّا شُحّاً، وَلاَ تَقُوْمُ السَّاعَةُ إلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ"2. وَأَنْبَأَنَاهُ جَمَاعَة سَمِعُوْهُ مِنْ أَبِي اليُمْنِ الكِنْدِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الفَتْحِ البَيْضَاوِيّ، أَخْبَرَنَا الصَّرِيْفِيْنِيّ.
كَانَ المُقْتَفِي عَاقِلاً لَبِيْباً، عَامِلاً مَهِيْباً، صَارِماً، جَوَاداً، مُحِبّاً لِلْحَدِيْثِ وَالعِلْمِ، مُكْرماً لأَهْلِهِ، وَكَانَ حَمِيْدَ السيرَةِ، يَرْجِع إِلَى تديُّنٍ وَحُسنِ سِيَاسَةٍ، جدَّد معَالِمَ الخِلاَفَة، وَبَاشر المُهمَّاتِ بِنَفْسِهِ، وَغَزَا فِي جُيُوْشه.
قَالَ أَبُو طَالِبٍ بنُ عَبْدِ السميع: كانت أيامه نضرةً بالعدل زهرة بِالخَيْرِ، وَكَانَ عَلَى قَدَمٍ مِنَ العِبَادَة قَبْل الخِلاَفَة وَمَعَهَا، وَلَمْ يُرَ مَعَ لينه بَعْد المُعْتَصِم فِي شهَامتِه مَعَ الزُّهْد وَالوَرَع، وَلَمْ تزل جيوشه منصورة.
__________
1 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "10/ ترجمة 286"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "5/ 332-333" وشذرات الذهب لابن العماد "4/ 172-174".
2 منكر: في إسناده أبو سحيم، مبارك بن سحيم، له نسخة معروفة عن عبد العزيز بن صهيب. قال أبو زرعة: ما أعرف له حديثا صحيحا. وقال النسائي: لا يكتب حديثه. وقال البخاري: منكر الحديث.

ذكر ما اعتمده الإمام المقتفي لأمر الله بعد

تاريخ دولة آل سلجوق

البشرى بأن عمه عام في بحر الليل سابحا، وساح لعرض الفلاة بالإفلات ماسحا. فسر بما وعي، وسار وسعى. وتلقاه أمراء الدولة مهنئين، وبحدة جده متهنئين، وعاد إلى قصره، وعادة نصره وذلك في سنة 548 هـ.
ذكر ما اعتمده الإمام المقتفي لأمر الله بعد موت السلطان مسعود محمد بن ملكشاه
قال-رحمه الله-: كانت السدة الشريفة الإمامية قد منيت بجور الأعاجم، ولم يزل عودها من عداوتهم تحت سن العاجم. وكان أهون ما عندهم خلاف الخليفة وعناده، وتمردهم عليه بأن يحصل مرادهم لا مراده، ولم تزل بغداد مظلمة، مشحونة منهم بالشحن الظلمة. ولهم من الديوان العزيز مطالب لا يفي بها خواصه، ومغارم تلحقه منهم يتعسر منها خلاصه. والحرم من جناياتهم خائف، والشرف لمهاباتهم عائف، وشريعة الشريعة مكدرة، والدماء والفروج مستباحة مهدرة. والخليفة يغضي ويغضب، ويعتب ولا يعتب، ويقدر عليه ولا يقدر. ويغدر به وهو على العهد لا يغدر.
فلما توفي السلطان مسعود قال: "لا صبر على الضيم، بعد اليوم. ولا قوام مع هول هؤلاء القوم"وآزره وزيره عون الدين بن هبيرة وأعانه، وثبت جنانه. وكان مسعود البلالي الخادم والي بغداد، فقامت عليه قيامة، وتعذرت عليه الإقامة. فرحل إلى الحلة، ومضى متحملا في تدبير الأمور المضمحلة. وأقام يحشد ويحشر، ويطوي وينشر. وكان بالحلة السلار الكردي، من أكابر أمراء السلطان، فلم يكترث بالخادم واسترسل إليه، وقصده ليسلم عليه. فأخذه الخادم وقتله وغرقه في الفرات، وجمع العساكر وأقطع تلك الولايات، وفرق على فريقه الإقطاعات. فسار إليه ابن هبيرة وهزمه وكسره، ولحق البلالي بهمذان مستصرخا، وغدا عقد جمعه منفسخا. وملك الخليفة العراق من أقصى الكوفة إلى حلوان، ومن حدّ تكريت إلى عبادان. وأقطع واسط وأعمالها، والبصرة وأنهارها، ومعاقلها وولاياتها. والحلة والكوفة، ونهر الملك، ونهر عيسى ودجيل والراذان، وطريق خراسان إلى نواحي حلوان. وأقطع الوزير عون الدين بن هبيرة جميع ما كان لوزير السلطان وأرباب مناصبه في جميع هذه البلاد، وأعانه على الاستعداد وإضعاف الأعداد بتضعيف الأعداء.
ونعته بتاج الملوك فلك الجيوش.

ذكر وفاة الإمام المقتفي لأمر الله وجلوس ولده الإمام

تاريخ دولة آل سلجوق

قزوين إلى الموصل للوصول به، وكوتب صاحبها في طلبه. وكان زين الدين علي كوجك أطلقه عند علمه بوفاة السلطان محمد، وجهزه بعد التوثقة منه بالإيمان. فقدم واستقر بهمذان على سرير الملك، ودخل في طاعته سراة الترك، وانتظم أمره، واضطرم جمره.
ووافقه مخالفوه، ووفاه محالفوه. وأصبح بالأمير إيناج حل الدولة وعقدها، وبيده حبلها، وبأيده وصلها. وصار مظفر الدين ألب أرغون بن يرنقش صاحب قزوين الأمير الحاجب الأمين. وقلد وزارته شهاب الدين محمود بن الثقة عبد العزيز النيسابوري، وكان وزير إيناج فنذ1في الأقاليم أقلامه، ومضت بالأحكام أحكامه. وأعاد إلى وجه الوزارة ماءها الذهاب، وأوضح في إنارة آفاقها المذاهب. ولما رأى أنه ليس معه، وأنه ربما قصد سليمان ليدفعه. سير إليه بولاية أرانية منشورا، ونظم وضم ما كان هناك منثورا منشورا. وجعل ولاية العهد للملك أرسلان بعد سليمان، وتذلل الصعب وهان. وحسبوا أن السلطان بعد غموضه ينبه ولكأسه يريق، ومن سكره يفيق. فبقي على الشرب مكبا وللعب محبا.
وللعقل هاجرا، وللحم زاجرا. فلا جرم حالت حاله وساء مآله، وسنذكر ذلك بعد ذكر بعض الحوادث في أيامه، ونصل افتتاحه بافتتاحه.
ذكر وفاة الإمام المقتفي لأمر الله وجلوس ولده الإمام المستنجد بالله أبي المظفر يوسف أمير المؤمنين
قال-رحمه الله-: كان الإمام المقتفي لأمر الله، بعد الحصر، آثر أن يخرج إلى البلاد ليراها، ويثري ببركة حركته ثراها. فما حضر طرفا إلا خضره، وما نظر كنفا إلا نضره.
وكانت إقامته في عسكره، طال أم قصر سفره وكانت الأخباز والأغنام والحوائج والعلائق، تفرق على عدد الناس والدواب، وعساكره مجرون من جراياتهم، ونفقاتهم وأعطياتهم على المبار والمحاب، فما ينفق لأحد فرس إلا أخلفه عليه، ولا يلتمس صاحب معونة ولا مغوثة إلا عجل بها إليه. وأجناده يتمنون أن تطول أسفارهم، ليدوم لصبح سعادتهم بعطاياه أسفاره. ووصل إلى واسط في أواخر صفر سنة 554 هـ، وأناب نائب الوزير ابن هبيرة بها، وخرجت في أصحابي للتلقي، وكنت من زحمة اللقاء على غاية
__________
نذ: خرج من الأنف أو الفم، واستعارها الكاتب هنا استعارة قبيحة لما يخرج من رأس الغنم.

المقتفي لأمر الله محمد بن المستظهر بالله 530 هـ ـ 555 هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

المقتفي لأمر الله محمد بن المستظهر بالله 530 هـ ـ 555 ه

المقتفي لأمر الله : أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله

ولد في الثاني و العشرين من ربيع الأول سنة تسع و ثمانين و أربعمائة و أمه حبشية و بويع له بالخلافة عند خلع ابن أخيه و عمره أربعون سنة و سبب تلقيبه بالمقتفي أنه رأى في منامه قبل أن يستخلف بستة أيام رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يقول له : سيصل هذا الأمر إليك فاقتف لأمر الله فلقب المقتفي لأمر الله و بعث السلطان مسعود بعد أن أظهر العدل و مهد بغداد فأخذ جميع ما في دار الخلافة من دواب و أثاث و ذهب و ستور و سرادق و لم يترك في إصطبل الخلافة سوى أربعة أفراس و ثمانية أبغال برسم الماء فيقال : إنهم بايعوا المقتفي على أن لا يكون عنده خيل و لا آلة سفر

ثم في سنة إحدى و ثلاثين أخذ السلطان مسعود جميع تعلق الخليفة و لم يترك له إلا العقار الخاص و أرسل وزيره يطلب من الخليفة مائة ألف دينار فقال المقتفي : ما رأينا أعجب من أمرك ! أنت تعلم أن المسترشد سار إليك بأمواله فجرى ما جرى و أن الراشد ولي ففعل ما فعل و رحل و أخذ ما تبقى و لم يبق إلا الأثاث فأخذته كله و تصرفت في دار الضرب و أخذت التركات و الجوالي فمن أي وجه نقيم لك هذا المال ؟ و ما بقي إلا أن نخرج من الدار و نسلمها فإني عاهدت الله أن لا آخذ من المسلمين حبة ظلما فترك السلطان الأخذ من الخليفة و عاد إلى جباية الأملاك من الناس و صادر التجار فلقي الناس من ذلك شدة ثم في جمادى الأولى أعيدت بلاد الخليفة و معاملاته و التركات إليه

و في هذه السنة رقب الهلال الثلاثين من شهر رمضان فلم ير فأصبح أهل بغداد صائمين لتمام العدة فلما أمسوا رقبوا الهلال فما رأوه أيضا و كانت السماء جلية صاحية و مثل هذا لم يسمع بمثله في التواريخ

و في سنة ثلاث و ثلاثين كان ببحترة زلزلة عظيمة عشرة فراسخ في مثلها فأهلكت خلائق ثم خسف ببحترة و صار مكان البلد ماء أسود

و فيها استولى المراء على مغلات البلاد و عجز السلطان مسعود و لم يبق له إلا الاسم و تضعضع أيضا أمر السلطان سنجر فسبحان مذل الجبابرة و تمكن الخليفة المقتفي و زادت حرمته و علت كلمته و كان ذلك مبدأ صلاح الدولة العباسية فلله الحمد

و في سنة إحدى و أربعين قدم السلطان مسعود بغداد و عمل دار ضرب فقبض الخليفة على الضراب الذي تسبب في إقامة دار الضرب فقبض مسعود على حاجب الخليفة فغضب الخليفة و غلق الجامع و المساجد ثلاثة أيام ثم أطلق الحاجب فأطلق الضراب و سكن الأمر

و فيها جلس ابن العبادي الواعظ فحضر السلطان مسعود و تعرض بذكر مكس البيع و ما جرى على الناس ثم قال : يا سلطان العالم أنت تهب في ليلة لمطرب بقدر هذا الذي يؤخذ من المسلمين فاحسبني ذلك المطرب وهبه لي و اجعله شكرا لله بما أنعم عليك فأجاب و نودي في البلد بإسقاطه و طيف بالألواح التي نقش عليها ترك المكوس و بين يديه الدباب و البوقات و سمرت و لم تزل إلى أن أمر الناصر لدين الله بقلع الألواح و قال : ما لنا حاجة بآثار الأعاجم

و في سنة ثلاث و أربعين حاصرت الفرنج دمشق فوصل إليها نور الدين محمود بن زنكي و هو صاحب حلب يومئذ و أخوه غازي صاحب الموصل فنصر المسلمون و لله الحمد و هزم الفرنج و استمر نور الدين في قتال الفرنج و أخذ ما استولوا عليه من بلاد المسلمين

و في سنة أربع و أربعين مات صاحب مصر الحافظ لدين الله و أقيم ابنه الظافر إسماعيل

و فيها جاءت زلزلة عظيمة و ماجت بغداد نحو عشر مرات و تقطع منها جبل بحلوان

و في سنة خمس و أربعين جاء باليمن مطر كله دم و صارت الأرض مرشوشة بالدم و بقي أثره في ثياب الناس

و في سنة سبع و أربعين مات السلطان مسعود

قال ابن هبيرة و ـ هو وزير المقتفي ـ : لما تطاول على المقتفي أصحاب مسعود و أساؤوا الأدب و لم يمكن المجاهرة بالمحاربة اتفق الرأي على الدعاء عليه شهرا كما دعا النبي صلى الله عليه و سلم على رعل و ذكوان شهرا فابتدأ هو و الخليفة سرا كل واحد في موضعه يدعو سحرا من ليلة تسع و عشرين من جمادى الأولى و استمر الأمر كل ليلة فلما تكامل الشهر مات مسعود على سريره و لم يزد على الشهر يوما و لا نقص يوما

و اتفق العسكر على سلطنة ملكشاه و قام بأمره خاصبك ثم أن خاصبك قبض على ملكشاه و طلب أخاه محمدا من خوزستان فجاءه فسلم إليه السلطنة و أمر الخليفة حينئذ و نهى و نفذت كلمته و عزل من كان السلطان ولاه مدرسا بالنظامية و بلغه أن في نواحي واسط تخبطا فسار بعسكره و مهد البلاد و دخل الحلة و الكوفة ثم عاد إلى بغداد مؤيدا منصورا وزينب بغداد

و في سنة ثمان و أربعين خرجت الغز على السلطان سنجر و أسروه و أذاقوه الذل و ملكوا بلاده و بقوا الخطبة باسمه و بقي معهم صورة بلا معنى و صار يبكي على نفسه و له اسم السلطنة و راتبه في قدر راتب سائس من ساسته

و في سنة تسع و أربعين قتل بمصر صاحبها الظافر بالله العبيدي و أقاموا ابنه الفائز عيسى صبيا صغيرا و وهى أمر المصريين فكتب المقتفي عهدا لنور الدين محمود بن زنكي و ولاه مصر و أمره بالمسير إليها و كان مشغولا بحرب الفرنج و هو يفتر من الجهاد و كان تملك دمشق في صفر من هذا العام و ملك عدة قلاع و حصون بالسيف و بالأمان من بلاد الروم و عظمت ممالكه و بعد صيته فبعث إليه المكتفي تقليدا و أمره بالمسير إلى مصر و لقبه [ بالملك العادل ] و عظم سلطان المقتفي و اشتدت شوكته و استظهر على المخالفين و أجمع على قصد الجهات المخالفة لأمره و لم يزل أمره في تزايد و علوا إلى أن مات ليلة الأحد ثاني ربيع الأول سنة خمس و خمسين و خمسمائة

قال الذهبي : كان المقتفي من سروات الخلفاء عالما أديبا شجاعا حليما دمث الأخلاق كامل السؤدد خليقا للإمامة قليل المثل في الأمة لا يجري في دولته أمر ـ و إن صغر ـ إلا بتوقيعه و كتب في خلافته ثلاث ربعات و سمع الحديث من مؤدبه أبي البركات بن أبي الفرج بن السني

قال ابن السمعاني : و سمع جزاء ابن عرفة مع أخيه المسترشد من أبي القاسم بن بيان روى عنه أبو منصور الجواليقي اللغوي إمامه و الوزير ابن هبيرة وزيره و غيرهما و قد جدد المقتفي بابا للكعبة و اتخذ من العقيق تابوتا لدفنه و كان محمود السيرة مشكور الدولة يرجع إلى الدين و عقل و فضل و رأي و سياسة جدد معالم الإمامة و مهد رسوم الخلافة و باشر الأمور بنفسه و غزا غير مرة و امتدت أيامه

و قال أبو طالب عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع الهاشمي في كتاب المناقب العباسية : كانت أيام المقتفي نضرة بالعدل زاهرة بفعل الخيرات و كان على قدم من العبادة قبل إفضاء الأمر إليه و كان في أول أمره متشاغلا بالدين و نسخ العلوم و قراءة القرآن و لم ير مع سماحته و لين جانبه و رأفته بعد المعتصم خليفة في شهامته و صرامته و شجاعته مع ما خص به من زهده و ورعه و عبادته و لم تزل جيوشه منصورة حيث يممت

و قال ابن الجوزي : من أيام المقتفي عادت بغداد و العراق إلى يد الخلفاء و لم يبق له منازع و قبل ذلك من دولة المقتدر إلى وقته كان الحكم للمتغلبين من الملوك و ليس للخليفة معهم إلا اسم الخلافة و من سلاطين دولته السلطان سنجر صاحب خراسان و السلطان نور الدين محمود صاحب الشام و كان جوادا كريما محبا للحديث وسماعه معتنيا بالعلم مكر ما لأهله

قال ابن السمعاني : [ حدثنا أبو المنصور الجواليقي حدثنا المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين حدثنا أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب حدثنا أبو محمد الصيرفيني حدثنا المخلص حدثنا إسماعيل الوراق حدثنا حفص بن عمرو الربالي حدثنا أبو سحيم حدثنا عبد العزيز ابن صهيب عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا يزداد الأمراء إلا شدة و لا الناس إلا شحا و لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ]

و لما عاد المقتفي الإمام أبا منصور الجواليقي النحوي ليجعله إماما يصلى به دخل عليه فما زاد على أن قال : السلام على أمير المؤمنين و رحمه الله ـ و كان ابن التلميذ النصراني الطبيب قائما ـ فقال : ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي و قال : يا أمير المؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية و روى الحديث ثم قال : يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانيا أو يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه لما لزمته كفارة لأن الله ختم على قلوبهم و لن يفك ختم الله إلا الإيمان فقال المقتفي : صدقت و أحسنت المقتفي ألجم ابن التلميذ بحجر مع غزارة أدبه

و ممن مات في أيام المقتفي من الأعلام : ابن الأبرش النحوي و يونس بن مغيث و جمال الإسلام بن المسلم الشافعي و أبو القاسم الأصفهاني صاحب لترغيب و ابن برجان و المازري المالكي صاحب كتاب [ المعلم بفوائد مسلم ] و الزمخشري و الرشاطي صاحب [ الأنساب ] و الجواليقي ـ و هو إمامه ـ و ابن عطية صاحب التفسير وأبو السعادات ابن الشجري و الإمام أبو بكر بن العربي و ناصح الدين الأرجاني الشاعر و القاضي عياض و الحافظ أبو الوليد بن الدباغ و أبو الأسعد هبة الرحمن القشيري و ابن علام الفرس المقرئ والرفاء الشاعر و الشهرستاني صاحب [ الملل و النحل ] و القيسراني الشاعر و محمد بن يحيى تلميذ الغزالي و أبو الفضل بن ناصر الحافظ و أبو الكرم الشهرزوري المقرئ و الوأواء الشاعر و ابن الجلاء إمام الشافعية و خلائق آخرون

المستنجد بالله يوسف بن المقتفى لأمر الله 555 هـ ـ 556 هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

المستنجد بالله يوسف بن المقتفى لأمر الله 555 هـ ـ 556 ه

المستنجد بالله : أبو المظفر يوسف بن المقتفي

ولد سنة ثمان عشرة و خمسمائة و أمه أم ولد كرجية اسمها طاوس خطب له أبوه بولاية العهد سنة سبع و أربعين

و بويع له يوم موت أبيه و كان موصوفا بالعدل و الرفق أطلق من المكوس شيئا كثيرا بحيث لم يترك بالعراق مكسا و كان شديدا على المفسدين سجن رجلا كان يسعى بالناس مدة فحضره رجل و بذل فيه عشرة آلاف دينار فقال : أنا أعطيك آلاف دينار و دلني على آخر مثله لأحبسه و أكف شره عن الناس

قال ابن الجوزي : و كان المستنجد موصوفا بالفهم الثاقب و الرأي الصائب و الذكاء الغالب و الفضل الباهر له نظم بديع و نثر بليغ و معرفة بعمل آلات الفلك و الإسطرلاب و غير ذلك

و من شعره :

( عيرتني بالشيب و هو وقار ... ليتها عيرت بما هو عار )

( إن تكن شابت الذوائب مني ... فالليالي تزينها الأقمار )

و له في بخيل :

( و باخل أشعل في بيته ... تكرمة منه لنا شمعة )

( فما جرت من عينها دمعة ... حتى جرت منه عينه دمعه )

و فيه في وزيره ابن هبيرة و قد رأى منه ما يعجبه من تدبير مصالح المسلمين :

( صفت نعمتان خصاتك و عمتا ... بذكرهما حتى القيامة تذكر )

( وجودك و الدنيا إليك فقيرة ... وجودك و المعروف في الناس منكر )

( فلو رام يا يحيى مكانك جعفر ... و يحيى لكفا عنه يحيى و جعفر )

( و لم أر من ينوي لك السوء يا أبا الـ ... مظفر إلا كنت أنت المظفر )

مات في ثمان ربيع الآخر سنة ست و ستين

و كان في أول سنة من خلافته مات الفائز صاحب مصر و قام بعده العاضد لدين الله آخر خلفاء بني عبيد

و في سنة اثنتين و ستين جهز السلطان نور الدين الأمير أسد الدين شيركوه في ألفي فارس لإلى مصر فنزل بالجيزه و حاصر مصر نحو شهرين فاستنجد صاحبها بالفرنج فدخلوا من دمياط لنجدته فرحل أسد الدين إلى الصعيد ثم وقعت بينه و بين المصريين حرب انتصر فيها على قلة عسكره و كثرة عدوه و قتل من الفرنج ألوفا ثم جبى أسد الدين خراج الصعيد و قصد الفرنج الإسكندرية و قد أخذها صلاح الدين يوسف بن أيوب ـ و هو ابن أخي أسد الدين ـ فحاصروها أربعة أشهر فتوجه أسد الدين إليهم فرحلوا عنها فرجع إلى الشام

و في سنة أربع و ستين قصدت الفرنج الديار المصرية في جيش عظيم فملكوا بلبيس و حاصروا القاهرة فأحرقها صاحبها خوفا منهم ثم كاتب السلطان نور الدين يستنجد به فجاء أسد الدين بجيوشه فرحل الفرنج عن القاهرة لما سمعوا بوصوله و دخل أسد الدين فولاه العاضد صاحب مصر الوزارة و خلع عليه فلم يلبث أسد الدين أن مات بعد خمسة و ستين يوما فولى العاضد مكانه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب و قلده الأمور و لقبه [ الملك الناصر ] فقام بالسلطنة أتم قيام

و من أخبار المستنجد قال الذهبي : ما زالت الحمرة الكثيرة تعرض في المساء منذ مرض و كان يرى ضوؤها على الحيطان

و ممن مات في أيامه من الأعلام : الديلمي صاحب [ مسند الفردوس ] و العمراني صاحب [ البيان ] ـ من الشافعية و ابن البزري شافعي أهل الجزيرة و الوزير ابن هبيرة و الشيخ عبد القادر الجيلي و الإمام أبو سعيد السمعاني و أبو النجيب السهرودي أبو الحسن بن هزيل المقرئ و آخرون

تولي المقتفي لأمر الله الخلافة بدل ابن أخيه الراشد.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

تولي المقتفي لأمر الله الخلافة بدل ابن أخيه الراشد.
530 ذو الحجة - 1136 م
لما قطعت خطبة الراشد بالله وخلع استشار السلطان جماعة من أعيان بغداد منهم الوزير علي بن طراد، وصاحب المخزن، وغيرهما، فيمن يصلح أن يلي الخلافة. فقال الوزير: أحد عمومة الراشد، وهو رجل صالح. قال. من هو؟ قال: لا أقدر أن أفصح باسمه لئلا يقتل، فتقدم إليهم بعمل محضر في خلع الراشد، فعملوا محضراً ذكروا فيه ما ارتكبه من أخذ الأموال وأشياء تقدح في الإمامة ثم كتبوا فتوى: ما يقول العلماء فيمن هذه صفته، هل يصلح للإمامة أم لا؟ فأفتوا أن من هذه صفته لا يصلح أن يكون إماماً. فلما فرغوا من ذلك أحضروا القاضي أبا طاهر بن الكرخي، فشهدوا عنده بذلك، فحكم بفسقه وخلعه، وحكم بعده غيره، ولم يكن قاضي القضاة حاضراً ليحكم فإنه كان عند أتابك زنكي بالموصل، ثم إن شرف الدين الوزير ذكر للسلطان أبا عبد الله محمد ابن المستظهر بالله، ودينه، وعقله، وعفته، ولين جانبه، فحضر السلطان دار الخلافة ومعه الوزير شرف الدين الزينبي، وصاحب المخزن ابن البقشلاني وغيرهما، وأمر بإحضار الأمير أبي عبد الله بن المستظهر من المكان الذي يسكن فيه، فأحضر وأجلس في المثمنة، ودخل السلطان إليه والوزير شرف الدين وتحالفا، وقرر الوزير القواعد بينهما، وخرج السلطان من عنده وحضر الأمراء وأرباب المناصب والقضاة والفقهاء وبايعوا ثامن عشر ذي الحجة ولقب المقتفي لأمر الله، ولما استخلف سيرت الكتب الحكيمة بخلافته إلى سائر الأمصار، ثم تتبع المقتفي القوم الذين أفتوا بفسق الراشد وكتبوا المحضر، وعاقب من استحق العقوبة، وعزل من يستحق العزل، ونكب الوزير شرف الدين علي بن طراد. وقال المقتفي: إذا فعلوا هذا مع غيري فهم يفعلونه معي؛ واستصفى أموال الزينبي، واستوزر عوضه سديد الدولة بن الأنباري.

إعادة بردة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخليفة المقتفي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

إعادة بردة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخليفة المقتفي.
535 - 1140 م
وصول رسول من السلطان سنجر ومعه بردة النبي صلى الله عليه وسلم، والقضيب، وكانا قد أخذا من المسترشد، فأعادهما إلى الخليفة المقتفي

وفاة الخليفة العباسي المقتفي بأمر الله وخلافة ابنه المستنجد بالله.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة الخليفة العباسي المقتفي بأمر الله وخلافة ابنه المستنجد بالله.
555 ربيع الأول - 1160 م
ثاني ربيع الأول، توفي الخليفة العباسي المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله، بعلة التراقي؛ وكانت خلافته أربعاً وعشرين سنة وثلاثة أشهر وستة عشر يوماً، ووافق أباه المستظهر بالله في علة التراقي وماتا جميعاً في نفس الشهر، وهو أول من استبد بالعراق منفرداً عن سلطان يكون معه من أول أيام الدليم إلى الآن، وأول خليفة تمكن من الخلافة وحكم على عسكره وأصحابه من حين تحكم المماليك على الخلفاء من عهد المستنصر إلى الآن، إلا أن يكون المعتضد، ثم بويع المستنجد بالله ابنه واسمه يوسف، وكان للمقتفي حظية، وهي أم ولده أبي علي، فلما اشتد مرض المقتفي وأيست منه أرسلت إلى جماعة من الأمراء وبذلت لهم الإقطاعات الكثيرة والأموال الجزيلة ليساعدوها على أن يكون ولدها الأمير أبو علي خليفة. قالوا: كيف الحيلة مع ولي العهد؟ فقالت: إذا دخل على والده قبضت عليه. وكان يدخل على أبيه كل يوم. فقالوا: لا بد لنا من أحد من أرباب الدولة؛ فوقع اختيارهم على أبي المعالي ابن الكيا الهراسي، فدعوه إلى ذلك، فأجابهم على أن يكون وزيراً، فبذلوا له ما طلب، فلما استقرت القاعدة بينهم وعلمت أم أبي علي أحضرت عدة من الجواري وأعطتهن السكاكين، وأمرتهن بقتل ولي العهد المستنجد بالله. وكان له خصي صغير يرسله كل وقت يتعرف أخبار والده، فرأى الجواري بأيديهن السكاكين، ورأى بيد أبي علي وأمه سيفين، فعاد إلى المستنجد فأخبره، وأرسلت هي إلى المستنجد تقول له إن والده قد حضره الموت ليحضر ويشاهده، فاستدعى أستاذ الدار عضد الدين وأخذه معه وجماعة من الفراشين، ودخل الدار وقد لبس الدرع وأخذ بيده السيف، فلما دخل ثارت به الجواري، فضرب واحدة منهن فجرحها، وكذلك أخرى، فصاح ودخل أستاذ الدار ومعه الفراشون، فهرب الجواري وأخذ أخاه أبا علي وأمه فسجنهما، وأخذ الجواري فقتل منهن، وغرق منهن ودفع الله عنه، فلما توفي المقتفي لأمر الله جلس للبيعة، فبايعه أهله وأقاربه، وأولهم عمه أبو طالب، ثم أخوه أبو جعفر بن المقتفي، وكان أكبر من المستنجد، ثم بايعه الوزير بن هبيرة، وقاضي القضاة، وأرباب الدولة والعلماء، وخطب له يوم الجمعة، ونثرت الدراهم والدنانير.

176 - محمد المقتفي لأمر الله، أمير المؤمنين أبو عبد الله ابن المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي بالله عبد الله ابن الأمير محمد ابن القائم بأمر الله عبد الله ابن القادر بالله أحمد بن إسحاق ابن المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد الهاشمي العباسي، رضي الله عنه.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

176 - مُحَمَّد المقتفي لأمر اللَّه، أمير المؤمنين أبو عبد الله ابن المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي بالله عبد الله ابن الأمير محمد ابن القائم بأمر الله عبد الله ابن القادر بالله أحمد بن إسحاق ابن المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد الهاشميّ الْعَبَّاسيّ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. [المتوفى: 555 هـ]
من سَرَوات الخلفاء، كان عالِمًا، ديَّنًا، شُجاعًا، حليمًا، دمِث الأخلاق، كامل السُّؤدُد، خليقًا للإمامة، قليل المِثْل فِي الأئمَّة عليهم السّلام، لا يجري في دولته أمرٌ وإن صَغُر إلا بتوقيعه. وكتب فِي خلافته ثلاث رَبْعات منها رَبْعةٌ نفذت إلى بلاد فارس.
ووَزَرَ له عليّ بْن طِراد الزَّيْنَبيّ، ثُمَّ أبو نصر بْن جَهِير، ثُمَّ أبو القَاسِم عليّ بْن صَدَقة، ثُمَّ أبو المظفَّر يحيى بْن هُبَيْرة. وحَجَبَه أبو المعالي ابن الصّاحب، ثُمَّ كامل بْن مسافر، ثُمَّ أبو غالب ابن المعوّج، ثُمَّ أبو الفتح بْن الصُّيْقل، ثُمَّ أبو القاسم علي ابن الصّاحب.
وكان آدَمَ، مجدُور الوجه، مليح الشيبة، له هَيْبة عظيمة، وأمّه حَبَشِيَّة.
وُلِدَ سنة تسع وثمانين وأربعمائة فِي الثّاني والعشرين من ربيع الأوّل، وبوُيع بالخلافة في السادس عشر من ذي القعدة سنة ثلاثين وخمسمائة، وقد جاوز الأربعين. وسمع من مؤدّبه أبي البركات بن أبي الفرج ابن السيبي.
قال ابن السَّمْعانيّ: وأظنّ أنّه سمع " جزء ابن عرفة " من أبي القاسم بن بيان، مع أخيه المسترشد بالله، واتَّفق أني كتبتُ قصَّةً إليه، وسألته الإنعام بالأحاديث، والإذن فِي السّماع منه، فأنعم وفتّش على الجزء ونفذه إليَّ على يد شيخنا أبي مَنْصُور ابن الجواليقي، وكان يؤم به الصلوات، فخرجت من بغداد قبل أن أسمعه منه، غير أنّي سمعته من ابن الجواليقيّ، وكان قد قرأه عليه: حَدَّثَنَا أَبُو مَنْصُورٍ، قال: أخبرنا المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، قال: أخبرنا أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا أبو محمد الصريفيني، قال: أخبرنا المخلص، قال: أخبرنا إسماعيل الوراق، قال: حدثنا حفص بن عمرو الربالي، قال: حدثنا أبو سحيم، قال: حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ -[99]- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَزْدَادُ الْأَمْرُ إِلَّا شِدَّةً وَلَا النَّاسُ إِلَّا شُحًّا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا على شرار الناس ".
قلت: أخبرناه أبو المعالي الهمذاني، قال: أخبرنا أبو علي ابن الجواليقي، قال: أخبرنا أبو المظفَّر يحيى بْن مُحَمَّد الوزير قال: قرأت على مولانا المقتفي لأمر اللَّه سنة اثنتين وخمسين: حدثكم السيبي، فذكره. وأجازه لنا جماعة سمعوه من الكندي، قال: أخبرنا أبو الفتح عبد الله ابن البيضاوي، قال: أخبرنا أبو محمد بن هزارمرد الصريفيني، فذكره.
وقد جدد المقتفي بابًا للكعبة، واتَّخذ من العتيق تابوتًا لدفنه. وكان محمود السّيرة، مشكور الدّولة، يرجع إلى دين، وعقل، وفضل، ورأي، وسياسة؛ جدّد معالم الإمامة، ومهَّد رسوم الخلافة، وباشر الأمور بنفسه، وغزا غير مرَّةٍ فِي جُنُوده، وامتدَّت أيّامه.
وذكر أبو طَالِب عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن عَبْد السميع الهَاشِميّ فِي كتاب " المناقب الْعَبَّاسيَّة " المقتفي، فقال: كانت أيّامه نَضِرة بالعدْل، زَهِرة بفعل الخيرات، وكان على قدمٍ من العبادة قبل إفضاء الأمر إليه ومعه. وكان فِي أوّل عمره متشاغلًا بالدين، ونسخ العلوم وقراءة القرآن. إلى أنّ قال: ولم يُر مع سماحته ولِين جانبه ورأفته بعد المعتصم خليفة فِي شهامته وصرامته وشجاعته، مع ما خُصَّ به من زُهده وورعه وعبادته. ولم تزل جيوشه منصورة حيث يمَّمت.
قال ابن الْجَوْزِيّ: مات بالتراقي، وقيل: دمل كان فِي عُنُقه، فتُوُفّي ليلة الأحد ثاني ربيع الأوّل، عن ستٍّ وستِّين سنة إلا ثمانيةٍ وعشرين يَوْمًا. قال: ومن العجائب أنّهُ وافق أَبَاهُ فِي علَّة التّراقي، وماتا جميعًا فِي ربيع الأوّل. وتقدَّم موت شاه مُحَمَّد على موت المقتفي بثلاثة أشهر، وكذلك المستظهر مات قبله السّلطان مُحَمَّد بْن ملكشاه بثلاثة أشهر. ومات المقتفي بعد الغَرَق -[100]- بسنة، وكذلك القائم مات بعد الغرق بسنة.
وكان من سلاطين دولته السّلطان سَنْجَر صاحب خُرَاسَان، والسّلطان نور الدِّين صاحب الشَّام.
واستوزر عَوْنَ الدِّين يحيى بْن هُبَيْرة. وكان هُوَ الذي أقام حشمة الدّولة العبّاسيَّة، وقطع عَنْهَا أطماع الملوك السَّلْجُوقيَّة وغيرهم من المتغلّبين.
ومِن أيّام المقتفي عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء، ولم يبق لهم فيها مُنَازع. وقبل ذلك لعلّ من دولة المقتدر إلى وقته كان الحكم للمتغلّبين من الملوك، وليس للخليفة معهم إلا اسم الخلافة.
وكان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كريمًا، جوادًا، محِبًا للحديث وسَمَاعه، معتنيًا بالعِلم، مُكرِمًا لأهله. وبويع بعده ولده أبو المظفر يوسف بن محمد، ولُقِّب بالمستنجد بالله.

239 - يوسف المستنجد بالله، أمير المؤمنين أبو المظفر ابن المقتفي لأمر الله محمد ابن المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي بالله أبي القاسم عبد الله الهاشمي العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

239 - يوسف المستنجد بالله، أمير المؤمنين أبو المظفر ابن المقتفي لأمر الله محمد ابن المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي بالله أَبِي القاسم عَبْد اللَّه الهاشميّ العبّاسيّ. [المتوفى: 566 هـ]
خطب لَهُ والده بولاية العهد فِي سنة سبْعٍ وأربعين، فلمّا احتضر أَبُوه كَانَ عنده حظيّته أمّ علي، فأرسلت إلى الأمراء بأن يقوموا معها ليكون الأمر لابنها علي، وبذلت لهم الإقطاعات والأموال، فقالوا: كيف الحيلة مَعَ وجود وليّ العهد يوسف؟ فقالت: أَنَا أقبض عليه، فأجابوها، وعينوا لوزارتة أبا المعالي ابن إلْكِيا الهرّاسيّ، وهيَّأت هِيَ عدَّة من الجواري بسكاكين، وأمرتهنّ بالوثوب عَلَى وليّ العهد المستنجد، وكان لَهُ خُوَيْدِم، فرأى الجواري بأيديهنّ السّكاكين، وبيد علي وأُمّه سيفين، فعاد مذعورًا إلى المستنجد وأخبره، وبعثت هِيَ إِلَيْهِ تَقُولُ: احضر، فأبوك يموت. فطلب أستاذ داره، وأخذه معه في جماعة من الفرّاشين، ولبس الدّرْع، وشَهَر سيفًا، فلمّا دخل ضرب واحدةً من تلك الجواري جرحها، فتهاربْنَ، وأخذ أخاه عليًّا وأُمّه فحبسها، وغرق بعضَ الجواري، وقتل بعضهنّ؛ واستُخْلِف يوم موت أَبِيهِ فِي ربيع الأوّل سنة خمسٍ وخمسين.
ووُلِد سنة ثمان عشرة، وأمّه طاوس كُرْجيَّة، أدركت خلافته.
قال ابن الدبيثي: كان يقول الشعر. قال: وكان نقش خاتمه: من أحب نفسه عمل لها.
قَالَ ابن النّجّار: حكى ابن صفيَّة أنّ المقتفي كَانَ قد نزل يومًا فِي المخيم بنهر عيسى، والدّنيا صَيْف، فدخل إِلَيْهِ المستنجد، وقد أثّر الحَرّ والعَطَش فِيهِ، فقال: أيْشٍ بك؟ قَالَ: أَنَا عطشان، قَالَ: ولِمَ تركت نفسك؟ قَالَ: يا مولانا، فإنّ الماء فِي الموكبيّات قد حمي. فقال: أيْش فِي فمِك؟ قَالَ: خاتم يَزْدَن عَلَيْهِ مكتوب اثني عشر إماما، وهو يسكِّن من العطش فضحك وقال: والك يريد -[358]- يُصَيِّرُكَ يَزْدَن رافضيًّا، سيّد هَؤُلَاءِ الأئمَّة الْحُسَيْن، ومات عطشان.
وقال ابن الْجَوْزيّ فِي " المرآة ": ومن شِعر المستنجد:
عيَّرتني بالشَّيْب وهو وقار ... ليتها عيَّرت بما هو عار
إن تكن شابت الذّوائب منّي ... فاللّيالي تزينها الأقمارُ
وله فِي بخيل:
وباخل أشعل فِي بيته ... تكرُمةً منه لنا شمعه
فما جَرَت من عينها دمعةٌ ... حتّى جَرَت من عينه دمعَهْ
وقال ابن الجوزيّ: أوّل من بايعه عمّه أَبُو طالب، ثم أخوه أبو جعفر وكان أسن من المستنجد، ثمّ الوزير عَوْن الدّين، ثمّ قاضي القضاة. وحدثني الوزير أَبُو المظفّر يحيى بن محمد بن هبيرة، قال: حدَّثني أمير المؤمنين المستنجد بالله، قَالَ: رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلّمَ في المنام منذ خمس عشرة سنة فقال لي: يبقي أبوك فِي الخلافة خمس عشرة سنة. فكان كما قَالَ. ورأيته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل موت أَبِي بأربعة أشهر، فدخل بي من باب كبير، ثمّ ارتفعنا إلى رأس جبل، وصلّى بي ركعتين وألبسني قميصًا، ثمّ قَالَ لي: قُل اللَّهُمّ اهدني فيمن هديت. وذكر دُعاء القُنُوت. وحدّثني الوزير ابن هُبَيْرة قَالَ: كَانَ المستنجد قد بعث إليَّ مكتوبًا مَعَ خادم فِي حياة أَبِيهِ، وكأنّه أراد أن يسره عن أبيه، فأخذته وقبلته، وقلت للخادم: قُلْ لَهُ: واللهِ ما يُمكنني أن أقرأه، ولا أن أجيب عَنْهُ. قَالَ: فأخذ ذَلِكَ فِي نفسه عليَّ. فلمّا ولي دخلت عَلَيْهِ فقلت: يا أمير المؤمنين، أكبر دليل فِي نُصحي أنّي ما حابيتك نُصْحًا لأمير المؤمنين. فقال: صَدَقْت، أنت الوزير. فقلت: إلى متى؟ فقال: إلى الموت. فقلت: أحتاج والله، إلى اليد الشّريفة. فأحلفته عَلَى ما ضمن لي.
قَالَ ابن الْجَوْزيّ: وحكي أنّ الوزير بعد ذَلِكَ خدم بحمْل الكثير من خيل، وسلاح، وغِلْمان، وطِيب، ودنانير، فبعث أربعة عشر فَرَسًا عرابًا، فيها فَرَس يزيد ثمنه على أربعمائة دينار، وست بغلات، وعشرة غلمان ترك، وعشرة -[359]- زرديات وخَوْذة، وعشرة تخوت من الثّياب، وسفْط فِيهِ عُود وكافور وعنبر، وسفْط فِيهِ دنانير، فقبِل منه وطاب قلبه. وأقرَّ المستنجد أصحاب الولايات، وأزال المكوس والضرائب.
توفي فِي ثامن ربيع الآخر. وكان موصوفًا بالعدل والرفْق. أطلق من المكوس شيئًا كثيرًا، بحيث لم يترك بالعراق مكْسًا فيما نقل صاحب " الروضَتَين " وقال: كَانَ شديدًا عَلَى المفسِدين والعوانية. سجن رجلًا كَانَ يسعى بالنّاس مدَّةً، فحضر رَجُل وبذل فِيهِ عشرة آلاف دينار، فقال: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار، ودُلَّني عَلَى آخر مثله لأحبسه وأكفّ شرّه.
ومن أخبار المستنجد، قَالَ ابن الأثير: كَانَ أسمر، تامّ القامة، طويل اللّحية. اشتد مرضه، وكان قد خافه أستاذ الدّار عضُد الدّين أَبُو الفَرَج ابن رئيس الرؤساء، وقُطْب الدّين قايماز المقتفوِيّ أكبر الأمراء، فلمّا اشتدَّ مرض الخليفة اتّفقا وواضعا الطّبيبَ عَلَى أن يصف لَهُ ما يُؤْذيه، فوصف لَهُ الحمّام، فامتنع لضَعْفه، ثمّ أدخلها، فأعلق عَلَيْهِ باب الحمّام، فمات. هكذا سَمِعْتُ غيرَ واحدٍ ممّن يعلم الحال.
قَالَ: وقيل إنّ الخليفة كتب إلى وزيره مَعَ طبيبة ابن صفيَّة يأمره بالقبض عَلَى قايماز وابن رئيس الرؤساء وصلبهما. فاجتمع ابن صفيَّة بابن رئيس الرؤساء، وأعطاه خطّ الخليفة، فاجتمع بقايماز ويَزْدَن، وأراهما الخطّ، فاتّفقوا عَلَى قتل الخليفة، فدخل إليه يزدن، وقايماز العميدي، فحملاه، وهو يستغيث، إلى الحمّام وأغلقاه عَلَيْهِ فتَلِف.
قَالَ: ولمّا مرض المستنجد أُرْجِف بموته، فركب الوزير بالأمراء والسّلاح، فأرسل إِلَيْهِ عضُد الدّين يَقُولُ: إنّ أمير المؤمنين قد خفّ، وأقبلت العافية. فعاد الوزير إلى داره. وعمد عضُد الدّين ابن رئيس الرؤساء وقايماز، فبايعا المستضيء بالله أبا محمد الحسن ابن المستنجد.
قَالَ ابن النّجّار: كَانَ المستنجد موصوفًا بالفَهْم الثّاقب، والرأي -[360]- الصّائب، والذّكاء الغالب، والفضل الباهر، لَهُ نثرٌ بليغ، ونظْمٌ بديع، ومعرفة بعمل آلات الفَلَك والأسطرلاب، وغير ذلك.

151 - الحسن المستضيء بأمر الله، أمير المؤمنين أبو محمد ابن المستنجد بالله يوسف ابن المقتفي محمد ابن المستظهر أحمد ابن المقتدي الهاشمي العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

151 - الْحَسَن المستضِيء بأمر اللَّه، أمير المؤمنين أبو محمد ابن المستنجد بالله يوسف ابن المقتفي محمد ابن المستظهر أحمد ابن المقتدي الهاشمي العباسي. [المتوفى: 575 هـ]
بويع بالخلافة بعد موت أبيه فِي ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة. وكان القائم بأخذ البيعة لَهُ الوزير عَضُد الدين أَبُو الفَرَج مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه ابْن رئيس الرؤساء واستوزره يومئذٍ.
وُلِد المستضيء في سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وكان ذا حُلُم وأناة، وفيه رَأفة. وكان كثير الصدَقة والمعروف. وأمه أرمنية تُدْعى غضة، وكان لَهُ من الولد أَحْمَد، وهو الْإِمَام الناصر، وهاشم أَبُو منصور.
قال ابْن الْجَوْزي فِي " المنتظم ": بايعة الناس ونودي برفع المكوس، ورد مظالم كثيرة، وأظهر من العدل والكرم ما لم نره فِي أعمارنا. وفَرق مالًا عظيمًا على الهاشميين، والعلويين، والعُلماء، والمدارس، والرُبط. وكان دائم البَذْل للمال ليس لَهُ عنده وقْع. ولما استخلف خلع على أرباب الدولة وغيرهم، فحكى خياط المخزن أنه فصل ألفًا وثلاثمائة قباء أبريسم. وخُطب لَهُ على -[552]- منابر بغداد، ونُثرت لَهُ الدنانير كما جَرَت العادة. ووُلّى رَوح ابن الحديثي قضاء القضاة، ثم أمر سبعة عشر مملوكًا.
وللحَيْص بَيص فِيهِ:
يا إمامُ الهُدَى علوتَ عن الجو ... د بمالٍ وفضّةٍ ونضارٍ
فوهبتُ الأعمارَ والأمن والبل ... دان فِي ساعةٍ مَضَتْ من نَهَارِ
فبماذا نُثْني عليك وقد جا ... وزت فضلَ البُحُورِ والأمطارِ
إنما أنت مُعجِزٌ مستقلٌّ ... خارقٌ للعقول والأفكار
جمعَت نفسُك الشريفة بالبأ ... س وبالجود بين ماءٍ ونارِ
قال ابْن الجوزي: واحتجبِ المستضيء عن أكثر الناس، فلم يركب إلا مع الخدم، ولم يدخل عَلَيْهِ غير قَيماز.
وفي خلافته انقضت دولة بني عُبَيد المصريين، وخُطب لَهُ بمصر، وضُربت السكة باسمه، وجاء البشير بذلك إلى بغداد، فغُلقت الأسواق ببغداد وعُملت القباب. وصنّفتُ كتابًا سميته " النصر على مِصْر " وعرضته على الْإِمَام المستضيء. تُوُفي فِي شوال.
قلت: رُزق سعادة عظيمة فِي خلافته، وخُطِب له باليمن، وبرقة، وتَوزر، ومصر إلى أسوان. ودانت الملوك بطاعته. وكان يطلب ابْن الجوزي، ويأمر بعقد مجلس الوعظ، ويجلس بحيث يُسمَع، ويميل إلى الحنابلة. وفي أيامه ضعُف الرفْض ببغداد ووهى، وأمِن الناس.
وقال ابن النجار: بويع المستضيء وله إحدى وعشرون سنة، وهذا وهم، قال: وكان حليمًا، رحيمًا، شفيقًا، لينًا، كريمًا. نقلت من خط أبي طالب بن عَبْد السميع أنه كان من الأئمة الموفقين كثير السخاء، حَسَن السيرة، إلى أن قَالَ: اتصل بي أنه وهب فِي يومٍ لجهاتٍ وحظايا زيادة على خمسين ألف دينار.
وقال عبد العزيز بن دلف: حدثنا مسعود بن النادر قَالَ: كنت أنادم المستضيء، وكان صاحب المخزن ابن العطّار قد عمل تور شمعة من ألف -[553]- دينار. قال: فحضر وفيه الشمعة، فلما قمت قام الخادم بها بين يدي، فأطلق لي التور.
مات في سلخ شوّال.

340 - زبيدة ابنة المقتفي لأمر الله التي تزوج بها السلطان مسعود السلجوقي على مهر مائة ألف دينار، ولم يدخل بها.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

340 - زُبيدة ابْنَة المقتفي لأمر اللَّه التي تزوج بها السّلطان مَسْعُود السَّلْجُوقيّ عَلَى مَهْر مائة ألف دينار، ولم يدخل بها. [المتوفى: 589 هـ]
عاشت إلى هذا العام.

128 - صندل الزمام الكبير، الأمير أبو الفضل الحبشي، المقتفوي الخادم.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

128 - صَندَل الزمام الكبير، الأمير أبو الفضل الحَبَشيّ، المُقَتَفوي الخادم. [المتوفى: 593 هـ]
سَمِعَ من أَبِي الفتح ابن البَطِّيّ، وعليِّ بْن عساكر البطائحيّ. وحدَّث. وكان يلقَّب عماد الدّين. فِيهِ ذكاء وفِطنة وعقل. وُلي أستاذيَّة الدّار للخلافة المُسَتَضوِية، فلمّا بويع النّاصر كان صَندَل قد كبر وضعُف، وطلب أذْنًا -[997]- بالانقطاع فِي تُربةٍ له، ففُسِح له. وتُوُفّي في ربيع الأول.

283 - أرتق بن جلدك المقتفوي، شحنة بغداد.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

283 - أرتق بْن جَلْدَك المُقْتَفَويّ، شِحنة بغداد. [المتوفى: 606 هـ]
تَزَهَّدَ وتَفَقَّر، وسمَّى نفسَه محمدًا، وتكلّم في الحقيقة بجامع المنصور، وفي الأصول بجهلٍ، فَمُنِعَ من ذَلِكَ، ثُمَّ قام معه جماعة.
روى عَنْ أبي بكر ابن الزاغوني. روى عنه أبو الحسن ابن القَطِيعيّ، وقال عَنْهُ: كَانَ يعتقد أنّ عذاب النّار ينقطع ولا يبقى فيها أحد. تُوُفّي في أيام التّشريق عَنْ بضْعٍ وثمانين سنة أو أكثر.

67 - أحمد أمير المؤمنين الإمام الناصر لدين الله، أبو العباس ابن الإمام المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن ابن الإمام المستنجد بالله أبي المظفر يوسف ابن الإمام المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد ابن الإمام المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي بأمر الله أبي القاسم الهاشمي العباسي البغدادي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

67 - أحمدُ أمير المؤمنين الإمام النّاصر لدين الله، أبو العبّاس ابن الإمام المستضيء بأمر الله أبي محمد الحَسَن ابن الإمام المستنجد بالله أبي المُظَفَّر يوسُف ابن الإمام المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد ابن الإمام المستظهر بالله أحمد ابن المقتديّ بأمر الله أبي القاسم الهاشميّ العبّاسيُّ البَغْداديُّ. [المتوفى: 622 هـ]
وُلِدَ يوم الاثنين عاشر رجب سَنةَ ثلاثٍ وخمسين وخمسمائة. وبويع أوّل ذي القعدة سَنةَ خمسٍ وسبعين.
وكان أبيضَ اللون، تُركيّ الوجه، مليحَ العَيْنَيْنِ، أنورَ الجبهة، أقنى الأنف، خفيفَ العارِضين، أشقرَ اللحية، مليحَ المحاسن. نَقْشُ خاتمه " رجائي مِن الله عفوُه ".
أجاز لَهُ أبو الحُسَيْن عبد الحقّ اليُوسُفيّ، وأبو الحَسَن عليُّ بن عساكر البَطائحيّ، وشُهْدَة، وجماعة. وأجاز هُوَ لجماعةٍ من الكبار، فكانوا يُحدِّثون عنه في حياته، ويتنافسُون في ذلك، وما غَرَضهُم العلو ولا الإِسْنَاد، بل غرضُهم التّفاخُرُ، وإقامة الشعار والوَهْم.
ولم تكن الخلافةُ لأحد أطولَ مُدَّة منه، إلّا ما ذُكِرَ عن الخوارج العُبيديّين، فإنَّه بقي في الأمر بديار مصر المُسْتَنْصِرُ نحوًا من ستّين سَنةَ. وكذا بقي الأميرُ عبدُ الرحمن صاحبُ الأندلس خمسين سنةً.
وكان المستضيء أبوه قد تخوّف منه، فاعتقله، ومال إلى أخيه أبي منصور. وكان ابن العطّار، وأكثر الدّولة مع أبي منصور، وحظيّة المستضيء بنفشا، والمجد ابن الصّاحبِ، ونفرٌ يسير مع أبي العبّاس. فلمّا بويع أبو العبّاس، قَبَضَ على ابن العطّار وسَلَّمه إلى المماليك. وكان قد أساء إليهم، فأُخْرِجَ بَعْدَ أيَّام ميتًا، وسُحِبَ في شوارع بغدادَ. وتمكَّن المجدُ ابن الصّاحب فوق الحدّ وطغا، وآلت به الحالُ إلى أنّ قُتِلَ.
قال الموفّق عبد اللّطيف: وكان النّاصِرُ لدين الله، شابًّا مرِحًا، عنده مَيْعَة الشباب. يَشُقُّ الدُّروبَ والأسواق أكثرَ الّليل والنّاسُ يتهَيَّبون لقاءَه. وظهر -[687]- التَشيّعُ بسبب ابن الصّاحب، ثمّ انطفى بهلاكه. وظهر التَّسنُّنُ المُفْرِطُ ثمّ زال. وَظَهَرتِ الفُتُوةُ والبُنْدق والحَمَام الهادي، وتفنَّن النّاسُ في ذلك. ودخل فيه الأجِلّاءُ ثمّ الملوك، فألبسوا الملك العادِلَ وأولادَه سراويلَ الفُتُوَّة، وكذا ألبسوا شهاب الدِّين الغوريّ ملك غَزْنة والهند، وصاحب كميش، وأتابَك سَعْد صاحب شيراز، والملكَ الظّاهر صاحب حلب، وتخوَّفوا من السُّلطان طُغْريل. وجرت بينهم حروبٌ. وفي الآخر استدعوا تِكش لحربه، وهُوَ خُوارِزم شاه، فخرج في جحفلٍ لجبٍ، والتقى معه على الرَّيّ، واحتزَّ رأسَه، وسيَّره إلى بغداد. ثمّ تقدَّم تِكش نحو بغداد يلتمسُ رسومَ السلطنة، فتحرَّكت عليه أُمَّةُ الخَطَا، فَرَجَعَ إلى خُوارزم، وما لَبِثَ أن مات. وكان النّاصرُ لدين الله قد خطب لولده الأكبر أبي نصر بولاية العهد، ثُمّ ضيَّق عليه لما استشعر منه، وعيَّن أخاه، ثمّ ألزم أبا نصر بأن أشهدَ على نفسه أنَّه لا يَصْلُح، وأنّه قد نزل عن الأمر. وأكبر الأسباب في نفور النّاصر من ولده هو الوزير نصير الدّين ابن مهديّ العلويّ، فإنَّه خَيَّلَ إلى الخليفة فساد نيَّة ولده بوجوهٍ كثيرة. وهذا الوزيرُ أفسد على الخليفة قلوبَ الرعية والْجُند، وبَغَّضَهُ إليهم وإلى ملوكِ الأطراف، وكاد يُخلي بغداد عن أهلها، بالإرهاب تارةً وبالقتل أخرى، ولا يَقْدِرُ أحد أنّ يكشِفَ للخليفة حالَ الوزير، حَتّى تمكّن الفسادُ وظهر، فقبض عليه برِفق. وفي أثناء ذلك، ظهر بخُراسان وما وراءَ النهر خُوارزم شاه محمد بن تكش وتجبّر وطوى البلاد، واستبعد الملوكَ الكِبَارَ وفَتَكَ بكثيرٍ منهم، وأباد أممًا كثيرةً من التُّرْك، فأباد أُمَّة الخَطا، وأُمَّة التُّرْك، وأساء إلى باقي الأمم الّذين لم يصل إليهم سَيْفُه. ورَهِبَه النّاسُ كُلُّهم. وقَطَعَ خطبة بني العبَّاس من بلاده، وصرَّح بالوقيعة فيهم. وقَصَدَ بغداد فوصل إلى هَمَذَانَ وبوادِرُه إلى حُلوان فوقع عليهم ثلج عظيمٌ عشرين يومًا، فغطّاهم في غير إبَّانِهِ، فأشعره بعضُ خواصِّه أنّ ذلك غضبٌ مِن الله، حيث نقصِدُ بيتَ النُّبُوّة. والخليفة مع ذلك قد جَمَعَ الجموعَ، وأنفق النفقاتِ، واستعدَّ بكُلِّ ما تصل المُكنةُ إليه، لكنّ الله وقَى شرَّه وردَّه على عقبه. وسَمِعَ أنَّ أمم التُّرْك قد تألَّبوا عليه وطَمِعُوا في البلاد لِبُعده عنها، فقصدهم، فقصدُوه، ثمّ كايدوه، وكاثروه إلى أن مزَّقوه في كلّ وِجْهة، وبَلْبَلوا لُبَّه، وشتَّتوا شملَهُ، وملكوا عليه أقطارَ الأرض، حَتّى ضاقت عليه بما رَحُبَتْ، وصار أين توجَّه، وَجَدَ سيوفَهم متحكّمة فيه، فتقاذفت به البلادُ حتّى -[688]- لم يجد موضعًا يحويه، ولا صديقًا يُؤويه، فشرَّق وغرَّب، وأنجد وأسهل، وأصحرَ وأجبل، والرُّعْبُ قد ملك لُبّه، فعند ذلك قضى نحبه.
قال: وكان الشيخ شهاب الدِّين لَمّا جاء في الرسالة خاطبه بِكُلِّ قولٍ ولاطفهُ، ولا يزدادُ إلّا طغيانًا وعُتوًّا، ولم يزل الإمامُ النّاصر مُدَّة حياته في عزٍّ وجلالةٍ، وقمْع للأعداء، واستظهارٍ على الملوك، لم يجد ضَيْمًا، ولا خرج عليه خارجيّ إلّا قمعه، ولا مخالفٌ إلّا دَمَغه، وكلّ مَنْ أَضْمر لَهُ سوءًا رماه الله بالخِذلان. وأبادَه. وكان مع سعادة جَدِّه شديدُ الاهتمام بمصالح المُلك، لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيّته كبارِهم وصغارِهم. وأصحابُ أخباره في أقطار البلاد يُوصلون إليه أحوال الملوك الظاهرة والباطنة حَتّى يُشاهد جميعَ البلادِ دفعة واحدة. وكانت لَهُ حيلٌ لطيفة، ومكايدُ غامضة، وخدعٌ لا يَفْطَنُ لها أحد. يُوقِعُ الصداقةَ بين ملوك متعادين وهم لا يشعرون، ويُوقع العداوة بين ملوكٍ متّفقين وهم لا يَفْطَنُونَ.
قال: ولو أخذنا في نوادِر حكاياته، لاحتاجت إلى صحفٍ كثيرة.
ولَمّا دخل رسول صاحب مازندران بغدادَ، كانت تأتيه ورقةٌ كُلّ صباح بما عَمِلَ في الّليل، فصار يُبالغ في التّكتُّم، والورقة تأتيه، فاختلى ليلةً بامرأةٍ دخلت من باب السِّرِّ، فصبّحته الورقة بذلك، وفيها: كَانَ عليكم دواجٌ فيه صُورة الأفْيلة. فتحيَّر، وخرج من بغداد وهُوَ لا يشكّ أنّ الخليفة يَعْلَمُ الغيب؛ لأنّ الإمامية يعتقدون أنّ الإمام المعصوم يعلم ما في بطن الحامل، وما وراء الجدار.
وقيل: إنَّ النّاصر كَانَ مخدومًا من الجنّ.
وأتى رسولُ خُوارزم شاه برسالةٍ مَخْفيّة وكتابٍ مختوم، فقيل: ارجع، فقد عرفنا ما جئتَ به، فرجع وهُوَ يظنّ أنّهم يعلمون الغيب.
ووصل رسول آخر فقال: الرسالة معي مشافهة إلى الخليفة، فحُبِسَ، -[689]- ونُسِيَ ثمانية أشهر، ثمّ أُخْرج وأُعطي عشرة آلاف دينار، فذهب إلى خُوارزم شاه، وصار صاحبَ خبرٍ لهم، وسيَّر جاسوسًا يُطْلِعُه على أخبار عسكر خُوارزم شاه لَمّا وجَّه إلى بغداد، وكان لا يقدِرُ أحدٌ أنّ يَدْخُلَ بينهم إلّا قتلوه، فابتدأ الجاسوسُ وشوَّه خِلقته وأظهر الجنونَ، وأنّه قد ضاع لَهُ حمار فأنِسُوا به، وضَحِكُوا منه، وتردّد بينهم أربعين يومًا، ثمّ عاد إلى بغداد، فقال: هم مائة وتسعون ألفًا إلّا أنّ يزيدوا ألفًا أو يَنْقُصُوا ألفًا.
وكان النّاصرُ إذا أَطعم أشبع، وإذا ضَرَبَ أوجع، ولَهُ مَوَاطِنُ يُعطي فيها عطاء من لا يخاف الفقر. ووصلَ رجلٌ معه بَبّغاء تَقرأ " {{قُلْ هُوَ اللَّهُ أحدٌ}} " تُحفةً للخليفة من الهند، فأصبحت ميتةً، وأصبح حيرانَ، فجاءه فرّاش يطلب منه الببغاء، فبكى، وقال: اللّيلة ماتت، فقال: قد عرفنا هاتِها ميتة، وقال: كم كَانَ في ظَنِّكَ أنّ يعطيك الخليفة؟ قال: خمسمائة دينار، فقال: هذه خمسمائة دينار خُذها، فقد أرسلها إليك أميرُ المؤمنين، فإنَّه علم بحالك مذ خرجت من الهند!
وكان صدر جهان قد صار إلى بغداد ومعه جمعٌ من الفقهاء، وواحد منهم لَمّا خرج من داره من سمرقند على فرسٍ جميلة، فقال لَهُ أهلُه: لو تركتَها عندنا لئلا تُؤْخَذَ منك في بغداد؟ فقال: الخَليفةُ لا يقدر أنّ يأخذها منّي، فأمر بعض الوقّادين أنَّه حين يَدْخُلُ بغداد يَضْرِبُه، ويأخُذُ الفرس ويَهْرُبُ في الزَّحمة، ففعل، فجاء الفقِيهُ يستغيثُ فلا يُغاث، فلمّا رجعوا من الحجِّ خُلِعَ على صَدْرِ جهان وأصحابه سوى ذلك الفقيه، وبعدَ الفراغ منهم، خُلِعَ عليه، وأُخرج إلى الباب وقُدِّمَتْ لَهُ فرسُه وعليها سرجٌ من ذهب وطوق، وقيل لَهُ: لم يأخذ فَرَسَك الخليفةُ، إنّما أخذها أتونيٌّ، فخرَّ مَغْشِيًّا عليه، وأسجل بكراماتهم.
قلت: يجوز أنّ يكون الخليفة أو لبعضِ خواصُه رَئِيٌّ من الجنّ، فيخبره بأضعاف هذا، والخطبُ في هذا سهل، فقد رأينا أنموذجَ هذا في زماننا بل وأكثر منه.
قال الموفقُ عبدُ اللّطيف: وفي وسط ولايته اشتغل برواية الحديث، -[690]- واستنابَ نُوابًا في ذلك، وأجرى عليهم جراياتٍ، وكتبَ للملوك والعلماءِ إجازات. وجمع كتابًا سبعينَ حديثًا ووصل على يدِ شهاب الدِّين إلى حَلَب، وسمعه الملكُ الظَّاهر وجماهيرُ الدَّولة، وشرحتُهُ شرحًا حسنًا، وسيَّرتُه صُحبة شهاب الدِّين. وسبب انعكافه على الحديث أنّ الشريفَ العبّاسيّ قاضي القضاة نُسِبَ إليه تزوير، فأحضر القاضي وثلاثة شهود، فعزّز القاضي بأنّ حرّكت عمامته فقط، وعزّز الثلاثة بأنْ أُرْكِبوا جِمالًا وَطِيفَ بهم المدينة يُضربون بالدِّرَّةِ، فمات واحد تلك اللّيلة، وآخر لبس لُبْسَ الفُسَّاق ودخل بيوتهم، والثالث لَزِمَ بيتَه واختفى وهُوَ البَنْدنيجيّ المُحدِّث رفيقنا. فَبَعْدَ مدّةٍ احتاج، وأراد بيع كُتُبه، ففتّش الْجُزازَ، فوجد فيه إجازة للخليفة من مشايخ بغداد، فرفعها، فَخُلِعَ عليه، وأُعطِيَ مائة دينار، وجُعِلَ وكيلًا عن أمير المؤمنين في الإِجازة والتّسميع.
قلت: أجاز النّاصرُ لجماعةٍ من الأعيان فحدّثوا عنه منهم: أبو أحمد بن سكينة، وأبو محمد ابن الأخضر، وقاضي القضاة أبو القاسم ابن الدَّامغانيّ، وولده الظّاهر بأمرِ الله، والملك العادلُ، وبنوه المعظَّم والكامِلُ والأشرفُ.
قال ابن النّجّار: شرّفني بالإِجازة، فرويتُ عنه بالحَرَمَين، وبيتِ المقدس، ودمشقَ، وحلبَ، وبغدادَ، وأصبَهَان، ونَيْسَابُور، ومَرْوَ، وهَمَذَانَ. ثمّ روى عنه حديثًا بالإجازة التي أذِن لَهُ بخطِّه.
وقال الموفّق عبد اللّطيف: وأقام سنين يُراسِلُ جلالَ الدِّين حسن صاحب أَلَموت يُراوِدُه أن يُعيد شعارَ الْإِسْلَام منَ الصّلاة والصيام وغير ذلك ممّا رفعوه في زمان سِنَان، ويقول: إنكم إذا فعلتم ذلك كنّا يدًا واحدة، ولم يتغيَّرْ عليكم مِن أحوالكم شيءٌ، ومَنْ يروم هذا مِن هؤلاء، فقد رام منال العَيُّوق، واتّفق أنّ رسول خُوارزم شاه بن تِكش ورد في أمرٍ من الأُمور، فزُوِّر على لسانه كُتُبٌ في حقِّ الملاحِدَةِ تشتمل على الوعيدِ، وعَزْمِ الإيقاع بهم، وأنه سيخرب -[691]- قِلاعَهم، ويطلبُ من الخليفة المعونةَ في ذلك، وأُحْضِرَ رجل منهم كَانَ قاطنًا ببغدادَ، ووُقِّفَ على الكتب، وأُخْرِجَ بها وبكُتب أخرى على وجه النصيحةِ نصفَ اللّيلِ على البريد، فلمّا وصل أَلَمُوتَ، أرهبهم، فما وجدوا مخلصًا إلّا التَّظَاهُرَ بالإسلام، وإقامة شِعاره. وسيَّروا إلى بغداد رسولًا ومعه مائتا شابّ منهم، ودنانيرَ كبارًا في مخانق، وعليها " لا إله إلّا الله مُحَمَّد رَسُول اللَّه "، وطافُوا بها في بغداد، وجميعُ من حولها يُعلِنُ بالشهادتين.
وكان النّاصرُ لدين الله قد ملأ القلوبَ هيبةً وخيفة. فكان يَرْهَبُه أهلُ الهند ومصر كما يَرْهَبُهُ أهل بغداد، فأحيى هيبةَ الخِلافة وكانت قد ماتت بموت المعتصم، ثمّ ماتت بموته. ولقد كُنْتُ بمصر والشّام في خلواتِ الملوكِ والأكابرِ، فإذا جرى ذِكْرُهُ، خفضوا أصواتهم هيبة وإجلالاً.
وورد بغدادَ تاجرٌ معه متاع دِمياط المُذهب، فسألوه عنه، فأنكر، فأُعطي علاماتٍ فيه مِن عدده وألوانه وأصنافه، فازداد إنكارُه، فقيل لَهُ: مِن العلامات أنَّك نَقَمْتَ على مملوكك التّركيّ فلان، فأخذْتَه إلى سَيفِ بَحْرِ دمياط خلوةً، وقتلتَه ودفنتَه هناك، ولم يشعر بذلك أحد.
قال ابن النّجّار في ترجمة النّاصر: دانت لَهُ السلاطينُ، ودخل تحتَ طاعته مَنْ كَانَ من المخالفين، وذَلَّتْ لَهُ العُتاة والطُّغاة، وانقهرت بسيفه الجبابرة والبُغاة، واندحضَ أضدادُه وأعداؤه، وكَثُرَ أنصارُه وأولياؤُه، وفَتَحَ البلادَ العديده، وملك مِن الممالك ما لم يملِكُه مَنْ تقدَّمه مِن الخلفاء والملوك أحد، وخُطِبَ لَهُ ببلادِ الأندلس وبلاد الصّين، وكان أسدَ بني العبّاس، تتصدَّع لهيبته الجبال، وتذِلُ لسطوته الأقيال. وكان حَسَنَ الخَلْقِ، لَطِيفُ الخُلُق، كامل الظَّرْفِ، فصيحَ اللّسان، بليغَ البيان، لَهُ التّوقيعاتُ المسدَّدة، والكلماتُ المؤيَّدة، كانت أيّامُه غُرَّةً في وجه الدّهر، ودُرَّةً في تاج الفخر. وقد حدَّثني الحاجب أبو طالب عليُّ بن مُحَمَّد بن جعفر قال: برز توقيعٌ من النّاصر لدين -[692]- الله إلى جلال الدّين ابن يونس صدر المخزن: " لا ينبغي لأرباب هذا المقام أن يُقَدِمُوا على أمرٍ لم ينظروا في عاقبته، فإنّ النظرَ قبل الإقدام خيرٌ من الندم بعد الفوات، ولا يؤخذ البراء بقول الأعداء، فلكلِّ ناصح كاشح، ولا يُطالب بالأموال من لم يَخُنْ في الأعمال، فإنّ المصادرة مكافأةً للظالمين، وليكُن العفافُ والتُقى رقيبان عليك ". قال الحاجبُ أبو طالب: وبرز توقيعٌ آخر منه إلى ابن يونس: " قد تكرر تَقَدُّمنا إليك مِمّا افترضه الله علينا، ويلزمنا القيامُ به؛ كيف يُهْمَلُ حال النّاس حَتّى تمَّ عليهم ما قد بُيّن في باطنها، فتنصف الرجل، وتقابل العامل إن لم يُفلج بحجّة شرعية ".
وقال القاضي ابن واصل: كَانَ النّاصرُ شَهمًا، شُجاعًا، ذا فكرةٍ صائبةٍ وعقلٍ رصينٍ، ومكرٍ ودهاءٍ، وكانت هيبتُه عظيمة جِدًّا، ولَهُ أصحابُ أخبار في العِراق وسائر الأطراف، يُطالعونه بجزئيات الأمورِ، حَتّى ذُكِرَ أنّ رجلًا ببغداد عمل دعوةً، وغسّل يَده قبل أضيافه، فطالع صاحبُ الخبر النّاصر بذلك. فكتب في جواب ذلك: " سوءُ أدبٍ من صاحب الدّار، وفضولٍ من كاتب المطالعة ".
قال: وكان مع ذلك رديءَ السِّيرة في الرعية، مائلًا إلى الظُّلم والعَسْفِ، فخِربَتْ في أيامه العِراق، وتفرَّق أهلُها في البلاد، وأخذ أموالَهم وأملاكَهم، وكان يفعل أفعالًا متضادّة، إلى أن قال: وكان يتشيَّعُ، ويميل إلى مذهب الإِمامية بخلاف آبائه، إلى أن قال: وبلغني أنّ شخصًا كَانَ يرى صحّة خلافةِ يزيد، فأحضره الخليفةُ لِيعاقبه، فقيل لَهُ: أتقولُ بصحّة خلافة يزيد؟ فقال: أنا أقولُ: إن الإمام لا ينعزِلُ بارتكاب الفِسْقِ، فأعرض النّاصرُ عنه، وأمر بإطلاقه، وخاف المحاققة.
قال: وسئل ابن الجوزيّ، والخليفة يسمع: مَن أفضلُ الناس بعد -[693]- رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ: أفضلُهم بعده من كانت ابنتُه تحته، وهذا جوابٌ محتمل لأبي بكر وعليّ - رَضِيَ اللَّهُ عنهما -.
وكتب إلى النّاصر خادمٌ لَهُ اسمه يُمن ورقه فيها يعتب، فوقع فيها: " بِمَن يَمُنُّ يُمْن، ثمنُ يمنٍ ثُمْن ".
وقال أبو المُظَفَّر الجوزيّ: قلّ بَصَرُ الخليفة في الآخر، وقيل: ذهب جملةً. وكان خادمُه رشيقٌ قد استولى على الخلافة، وأقام مدّة يوقّع عنه. وكان بالخليفة أمراض مختلفة، منها عسر البول، والحصى، ووجد منه شدّةً وشَقَّ ذَكره مرارًا، وما زال يعتريه حَتّى قتله. وغسّله خالي محيي الدِّين يوسُف.
وقال الموفّق: أما مرضُ موته، فسهوٌ نسيان، بقي به ستّةَ أشهر ولم يشعر أحد من الرعية بكُنْه حاله، حَتّى خَفِيَ على الوزير وأهلِ الدار. وكان لَهُ جاريةٌ قد علّمها الخطِّ بنفسه، فكانت تكتُبُ مثل خطِّه، فتكتب على التّواقيع بمشورة قَهْرَمَانَةِ الدار. وفي أثناء ذلك نزل جلال الدِّين محمد خُوارزم شاه على ضواحي بغداد هاربًا مُنَفَّضًا مِن المال والرجال والدّوابُ، فَأَفْسَدَ بقدر ما كانت تَصِلُ يدُه إليه. وكانوا يُدارونه ولا يُمضون فيه أمرًا لِغيبة رأي الخليفة عنهم، إلى أنّ راح إلى أَذْرَبَيْجَان، ونهب في ذهابه دَقُوقًا واستباحها. وكانت خلافتُه سبعًا وأربعين سَنةَ. تُوُفّي في سَلْخ رمضان، وبُويَع لِولده أبي نصر ولُقِّبَ بالظَّاهر بأمر الله؛ فكانت خلافتُه تسعة أشهر.
وذكر العَدْلُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن أَبِي بَكْرٍ الْجَزَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَالِدِي قَالَ: سَمِعْتُ الْوَزِيرَ مُؤَيَّدَ الدِّينِ ابن العلقميّ لمّا كان -[694]- على الأستاذداريّة، يَقُولُ: إِنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَشْرَبُهُ الإِمَامُ النَّاصِرُ كانت تجيء به الدّواب من فوق بغداد بسبعة فراسخ، ويغلى سبعة غَلْوَاتٍ، كُلَّ يَوْمٍ غَلْوَةٌ، ثُمَّ يُحْبَسُ فِي الأَوْعِيَةِ سَبْعَةَ أيََّامٍ، ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْهُ، وَبَعْدَ هذا مَا مَاتَ حَتّى سُقِيَ الْمُرَقِّدَ ثَلاثَ مِرَارٍ وَشُقَّ ذَكَرُهُ وَأُخْرِجَ مِنْهُ الْحُصَى.
وقال ابن الساعي: فأصبح النّاسُ يوم الاحد - يعني يوم الثلاثين من رمضان - وقد أغلقت أبوابُ دارِ الخلافة، وتولّى غسله محيي الدّين ابن الجوزيّ، وصَلَّى عليه ولدُه الظّاهر بأمر الله بعد أن بُويع، بايعه أولًا أقاربه، ثمّ نائب الوزارة مؤيّد الدِّين محمد القُمي وولدُه فخر الدِّين أحمد، والأستاذ دار عَضُدِ الدّولة أبو نصر ابن الضّحّاك، وقاضي القضاة محيي الدّين ابن فَضْلان الشّافعيّ، والنقيبُ قِوام الدِّين أبو عليّ الموسويّ. ودُفِنَ بصحن الدَّار، ثمّ نُقِلَ بعد شهرين إلى التُّرَبِ، ومشى الخلقُ بَيْنَ يدي جنازته. وأما بيعةُ الظّاهر، فهي في سَنَةِ اثنتين في الحوادث.
وقال ابن الأَثير: بقي النّاصرُ ثلاثَ سنين عاطلًا عن الحركة بالكُلِّية وقد ذهبت إحدى عينيه، وفي الآخر أصابه دُوسنطاريا عشرين يومًا، ومات ولم يُطلِقْ في طول مرضه شيئًا ممّا كَانَ أحدثه من الرسوم. وكان سيئَ السِّيرة خَرِبَ في أيَّامه العراقُ، وتفرَّق أهلُه في البلاد، وأخذ أموالَهم وأملاكَهم. قال: وكان يفعلُ الشيءَ وضِدَّه، جعل همَّه في رمي البُنْدِق والطُّيور المناسيب، وسراويلات الفُتُوّة.
ونقل الظّهير الكازرونيّ في " تاريخه " وأجازه لي أنّ النّاصر في وسط خلافته هَمَّ بترك الخِلافة، والانقطاع إلى التَّعبّد. وكتب عنه ابن الضّحّاك -[695]- توقيعًا فقُرِئَ على الأعيان، وبني رباطًا للفقراء، وأتَّخذ إلى جانب الرِّباط دارًا لنفسه كَانَ يتردَّدُ إليها، ويحادث الصوفية وعمل لَهُ ثيابًا كثيرةً بزِيّ الصُّوفية.
قلت: ثمّ تركَ ذلك، ومَلَّ، الله تعالى يُسامِحُه ويَرْحَمُهُ.

660 - عائشة بنت الإمام المستنجد بالله يوسف ابن المقتفي، السيدة المكرمة المدعوة بالفيروزجيه.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

660 - عائشة بنت الإمام المستنجد بالله يوسف ابن المقتفي، السيدة المكرمة المدعوةُ بالفَيْرُوزَجيَّهِ. [المتوفى: 640 هـ]
مُسِنَّة مُعَمَّرة، ذاتُ دين وصلاح. أدركتْ خِلافةَ أبيها، وأخيها، وابن أخيها الناصر، وابن ابن أخيها الظاهر، وابنِ هذا المستنصر بالله، وحفيده المستعصم، -[320]-
وماتت فِي ذي الحجّة. وشيَّعها كافةُ الدولة. وتكلم الوُعاظُ.
وعُمِّرت نحوًا من ثمانين سنة - رحمها اللَّه - وبَنَت ببغداد رباطًا.

692 - منصور المستنصر بالله، أمير المؤمنين، أبو جعفر ابن الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين محمد ابن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد ابن المستضيء بأمر الله الحسن ابن المستنجد يوسف ابن المقتفي الهاشمي العباسي البغدادي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

692 - منصورٌ المستنصرُ بالله، أميرُ المؤمنين، أَبُو جعفرٍ ابنُ الظاهر بأمر اللَّه أمير المؤمنين محمد ابن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد ابن المستضيء بأمر الله الحسن ابن المستنجد يوسف ابن المقتفي الهاشميّ العباسيُّ البغداديّ. [المتوفى: 640 هـ]
وُلِد سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة. وأمُّه جاريةٌ تركيةٌ. بُوِيعَ بعدَ موت أَبِيهِ فِي رجب سنة ثلاثٍ وعشرين.
قَالَ ابنُ النجار: فنشر العدلَ فِي الرعايا، وبَذَلَ الإنصافَ فِي القضايا، وقَرَّبَ أهلَ العلمِ والدّين، وبنَى المساجدَ والرُّبط والمدارسَ والمارستانات، وأقامَ منارَ الدينِ، وقَمَعَ المتمرِّدة، ونَشَرَ السُّنَنَ، وكَفَّ الفِتَنَ، وحَمَلَ الناسَ عَلَى أقومِ سَنَنِ، وقامَ بأمر الجهاد أحسنَ قيام، وجَمَعَ الجيوش لنُصْرةِ الإِسلْام، وحَفِظَ الثُّغورَ، وافتتحَ الحُصون. إلى أن قَالَ: وكان أبيضَ، أشقرَ الشَّعْرِ، ضَخْمًا، قصيرًا، وَخَطَّهُ الشيبُ، فخَضَبَ بالحِنَّاء، ثمّ تَرَكَ الخِضَابَ.
وقال المُوَفَّق عبدُ اللطيف: بُويعَ أَبُو جعْفَر، وسارَ السِّيرةَ الجميلةَ، وعَمَّرَ طرق المعروف الداثرة، وأقام شعار الدينِ ومنارَ الإسلامِ، وعَمَّرَ بسخَائِه وبَذْلِه. واجتمعَتِ القلوبُ عَلَى حُبِّه والألسنةٌ عَلَى مدحِه.
ولم يَجِدْ أحدٌ من المتعنتة فِيهِ مَعَابًا، قد أطبقوا عَلَيْهِ. وكان جدُّه الناصرُ يُقِّربُه ويُحِبُّه ويُسميه القاضي لعقله وهديه وإنكارِه ما يجدُ من المُنكَرِ. والناسُ معه اليوم فِي بُلَهْنِيَةٍ هنيةٍ، وعيشةٍ -[331]-
مرضيةٍ.
وسيرَّ إِلَيْهِ خُوارزم شاه يَلْتَمِسُ منه سَرَاوِيلَ الفُتُوة، فسيَّره إِلَيْهِ مَعَ أموال جمَّةٍ وتُحَفٍ. وفيما سيَّر إِلَيْهِ فرسُ النَّوبة، فسُرَّ بذلك وابتهجَ، وقبَّلَ الأرض مراتٍ شكرًا لله عَلَى هذه المنزلَة التي رُزِقَها وحُرِمَها أَبُوهُ، ثمّ إنه أذْعَنَ بالعبوديَّةِ والطاعةِ.
وقال ابنُ واصل: بَنَى المستنصرُ عَلَى دِجْلةَ من الجانب الشرقيّ ممّا يلي دارَ الخلافةِ مدرسةً ما بُنِيَ عَلَى وجه الأرضِ أحسنُ منها ولا أكثُر وقفًا، وهي بأربعة مُدرّسين عَلَى المذاهبِ الأربعة. وعمل فيها بيمارستاناً كبيرًا، ورتَّبَ فيها مَطْبَخًا للفُقهاءِ، ومزملة للماءِ الباردِ.
ورَتَّبَ لبيوتِ الفقهاءِ الحُصُرَ، والبُسُطَ، والفَحْمَ، والأطعمةَ، والوَرَقَ، والحِبْرَ، والزَّيتَ، وغيرَ ذَلِكَ. وللفقيه - بعد ذَلِكَ - فِي الشهر ديناران، ورَتَّبَ لهم حَمَّامًا، ورَتَّبَ لهمِ بالحمَّام قَومَةً. وهذا ما سُبق إِلَيْهِ.
وللمدرسةِ شبابيك عَلَى دِجْلة. وللخليفةِ منظرةٌ مطلةٌ عَلَى المدرسةِ يَحضُر فيها الخليفةٌ، ويَسَمعُ الدّرسَ.
إلى أن قالَ: واستخدمَ عساكرَ عظيمةً لم يَستخدِمْ مثلَها أَبُوهُ ولا جدُّه، وكانت تزيدُ عَلَى مائة ألفٍ وعشرين ألفَ فارسٍ، وأكثرَ منَ ذَلِكَ، كذا قَالَ ابنُ واصل. وكان ذا هِمَّةٍ عاليةٍ، وشجاعةٍ وإقدامٍ عظيمٍ.
قصدت التتار البلاد فلقيهم عسكره فهزموا التتار هزيمة عظيمة. وكان له أخٌ يُقَالُ لَهُ: الخَفَاجي، فِيهِ شهامةٌ زائدةٌ، كانَ يَقُولُ: إنْ وُلِّيتُ لأعْبُرَنَّ بالعساكر نهرَ جَيْحون، وآخذُ البلاد من أيدي التتار وأستأصلهم.
فلمّا ماتَ المستنصرُ لم يَرَ الدُّويدارُ ولا الشَّرابيّ تقليدَ الخَفاجيّ خَوفًا منه، وأقاما أَبَا أَحْمَد للِينةِ وضَعْفِ رأيه؛ ليكونَ لهما الأمرُ ليُنفذَ اللَّه أمرَه فِي عُبَادة. وقد رَثَاه الناصرُ داودُ بقصيدةٍ فائقةٍ مَطْلَعُها:
أيا رَنَّةَ الناعي عَبَثْتِ بَمسْمَعِي ... وأجَّجْتِ نارَ الحُزنِ ما بَيْنَ أضْلُعِي
وأخْرَسْتِ منِّي مِقْوَلًا ذا براعةٍ
يَصُوغُ أفَانِين القَريضِ المُوشَّع ... نَعَيْت إليَّ البَأْسَ والْجُودَ والحِجَى
فَأوْقَفْتِ آمالي وأجْرَيْتِ أدْمُعي -[332]-
وقال الحافظُ عبدُ العظيمِ: مولدُه فِي صفر سنة ثمانٍ وثمانين، وتُوُفّي فِي العشرين من جُمَادَى الأولى.
قَالَ: وكانَ راغبًا فِي فِعلِ الخير، مجتهداً فِي تكثير أعمالِ البِرِّ. وله فِي ذَلِكَ آثارُ جميلةٌ كثيرة، وأنشأ المدرسة المعروفة بِهِ، ورَتَّبَ فيها من الأمور الدّالَّةِ عَلَى تفقُّدِه لأحوالِ أهل العلم وكثرةِ فكرتِه فيما يقضي براحتهِم وإزاحةِ عِللهم ما هُوَ معروفٌ لمن شاهده وسَمِعَ بِهِ.
وأنبأني ابنُ البُزُوريّ أَنَّهُ تُوُفّي يومَ الجمعة عاشر جُمَادَى الآخرة، وكذا قَالَ ابنُ النّجّار فِي " تاريخه "، وغيرهُ. وهو الصحيحُ. وقولُ المنذريّ وَهْم.
قَالَ ابنُ البُزُوريّ: تُوُفّي بُكْرةً عن إحدى وخمسين سنة وأربعة أشهر وسبعة أيّام. وكُتِمَ يومئذٍ موتهُ فخَطَبوا لَهُ يومئذٍ، فحضرَ شرفُ الدّين إقبال الشَّرابيّ ومعه جمعٌ من الخَدَم إلى التاج الشريف، وحَضَروا بين يدي ولدِه أَبِي أَحْمَد عَبْد اللَّه، فَسَلَّم عَلَيْهِ إقبال بإمرَة المؤمنين، واستدعاهُ إلى سُدَّةِ الخلافةِ.
ثمّ عَرَفَ الوزيرُ، وأستاذُ الدّار ذَلِكَ، واسْتكْتماه إلى اللّيل. ثمّ استدُعيّ الوزيرُ، فجاء من باب السِّرِّ الّذِي بدارِ الأمير علاء الدّين الدُّويدار المقابل لداره، واستدعي - وهو عاجزٌ - فِي محفةٍ، وأحضر أيضًا مؤيَّدُ الدين محمد ابن العَلْقَميّ أستاذُ دار. فمَثَلا بينَ يَدي السُّدّة، فقَبَّلا الأرضَ وهنَّآه بالخلافَة، وعَزَّياه بالمستنصرِ وبايَعاه.
وأحْضِرَ جماعةٌ من الأسرةِ الشريفَة من أعمامِه وأولادِ الخُلفاء، ثمّ خَرَجَ الوزيرُ وسَلَّم إلى الزعماء والولاة محال بغداد، وأمر أن لا يركبَ أحدٌ من الأمراءِ من داره. وفي بُكرةِ السَّبْتِ رَأَى الناسُ أبوابَ الخلافةِ مُغْلَقةً، وجلسَ عبدُ اللطيف بن عَبْد الوَهَّاب الواعظُ وأخبرَ بوفاةِ الخليفة وجلوس ولدِه المُستعصم بالله، ومولده سنة تسعٍ وستمائة.
ثم لما ارتفع النهار استدعي الأعيان للبَيْعَةِ وجلسَ الوزيرُ لعَجزِه، ودونَه بمرقاة أستاذ الدار، وكانَ يأخُذُ البيعةَ عَلَى الناسِ، وصورتُها: " أبايعُ سيِّدَنا ومولانا أمير المؤمنينَ عَلَى كتاب اللَّه وسنةِ رسوله واجتهادِ رأيه الشريف وأن لا خليفة -[333]-
للمسلمين سواه "
.
فبايَعَ النَّاسُ عَلَى درجاتِهم. ثمّ أسْبلت السَّتارةُ. وبايعَ من الغدِ الأمراءُ الصغارُ والمماليكُ الميامينُ. ثمّ بايعَ فِي اليوم الثالث مَنْ تَبقَّى من الأمراءِ والتّجّارُ وبياضُ الناس.
ثمّ جلسَ المَلأ للعزاءِ بالمستنصرِ، وتكلّمَ المحتسبُ جمالُ الدّين أَبُو الفَرَج عبدُ الرَّحْمَن ابن محيي الدين يوسف ابن الإمام أبي الفرج ابن الْجَوْزيّ. وتكلَّم الشُّعراءُ، فأوَّلُ مَنْ أوردْ مقدمهم صفيُّ الدُّين عَبْد اللَّه بن جميل حاجبُ المخزن بقصيدته التي يَقُولُ فيها:
عَزَّ العَزَاءُ وأعوزَ الإلمامُ
واسْتَرجَعَتْ ما أعطتِ الأيَّامُ ... فَدَعِ العُيونَ تَسُحُّ بَعْد فِراقِهم
عِوَضَ الدُّموعِ دمًا فَلَيسَ تُلامُ
بانُوا فلا قَلْبي يَقِرُّ قَرَارُه ... أسَفًا ولا جَفْني القرِيحُ يَنَامُ
فَعَلى الذين فقدتُهُم وعَدِمْتُهُم
مِنِّي تحيةُ موجعٍ وسَلامُ
ثمّ أنشد الشعراء وعزوا بالمستنصر، وهنؤوا بالمُستعصِمِ. ثمّ بَرَزَت مطالعةٌ عَلَى يد إقبالٍ الشرابيّ فِي كيسٍ، وبَسْمَل الخَدَمُ بينَ يديها، فقرأها الوزيرُ، ثمّ قَرَأها أستاذُ الدّارِ عَلَى الناسِ قائمًا، خُلاصتُها التأسِّي والتَّسَلِّي والوعدُ بالعَدْلِ والإحسانِ.
قلتُ: بلغَ ارتفاعُ وقوفِ المستنصريةِ فِي بعضِ الأعوام نيفًا وسبعين ألفَ مِثْقال، وتليها فِي الكِبَر وكثرةِ الرَّيْع المنصوريةُ بالقاهرة، وبها ضريحُ السُّلطان فِي قبةٍ عظيمة، وبها دارُ حديث، وبها بيمارستان عديم النظير، إلا أن يكون الذي بدمشق.
فمن جُملة القُري الموقوفة عَلَى المدرسة المستنصرية ما مساحتُه مائة ألف جَريب، وخمسون ألفَ جَريب سوى الخاناتِ والرِّباع، وغير ذَلِكَ. ويقرُبُ من وقِفها وقوفُ جامع دمشق وهي أكثرُ منه وُقوفًا. لكن اليومَ ما يدخُلُ المستنصريَّة عُشرُ ذَلِكَ، بل أقَلُّ بكثير.

اقتفاء المنهاج في أحاديث المعراج

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

اقتفاء المنهاج، في أحاديث المعراج
للحافظ، أبي محمود: أحمد بن محمد بن إبراهيم الخواص، المقدسي، الشافعي.
المتوفى: سنة خمس وستين وسبعمائة.

الاقتفا في فضائل المصطفى - عليه الصلاة والسلام

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

الاقتفا، في فضائل المصطفى - عليه الصلاة والسلام -
لناصر الدين: أحمد بن محمد بن المنير.
المتوفى: سنة 683، ثلاث وثمانين وستمائة.
عارض به: (الشفا) .
ورتب على قسمين:
الأول: في فضائله.
والثاني: في سيره.
وبسط قصة المعراج بسطا في: أربعة أبواب، وفيه فوائد كثيرة.

انتحاء السنن واقتفاء السنن

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

انتحاء السَّنن، واقتفاء السُّنن
في شرح: (سنن أبي داود) .
يأتي في: السين.

حلبة المقتفى في حلية المصطفى

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

حلبة المقتفى، في حلية المصطفى
للشيخ، زين الدين: سريجا بن محمد الملطي.
المتوفى: سنة 788، ثمان وثمانين وسبعمائة.

الذهب الإبريز المحمر في اقتفاء علم الرمل والأثر

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

الذهب الإبريز المحمّر، في اقتفاء علم الرمل والأثر
للشيخ: أحمد بن علي بن أحمد المحلي، الشهير: بابن زينل الرمال.
أوله: (الحمد لله رب العالمين ... الخ) .

المقتفى في ذكر فضائل المصطفى

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

المقتفى، في ذكر فضائل المصطفى
وقيل اسمه: (الاقتفاء) .
للشيخ، بدر الدين: حسن بن عمر بن حبيب الحلبي.
المتوفى: سنة 779، تسع وسبعين وسبعمائة.

منار الاقتضاء ومنهاج الاقتفاء

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

منار الاقتضاء، ومنهاج الاقتفاء
لأبي عبد الله: محمد بن يحيى الزبيدي.
المتوفى: سنة 555، خمس وخمسين وخمسمائة.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت