المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
الحركة:[في الانكليزية] Movement ،motion [ في الفرنسية] Mouvement بفتح الحاء والراء المهملة في العرف العام النقل من مكان إلى مكان، هكذا ذكر العلمي في حاشية شرح هداية الحكمة، وهذا هو الحركة الأينية المسماة بالنقلة. قال صاحب الأطول: لا تطلق الحركة عند المتكلمين إلّا على هذه الحركة الأينية وهي المتبادرة في استعمالات أهل اللغة. وقد تطلق عند أهل اللغة على الوضعية دون الكميّة والكيفية انتهى.وهكذا في شرح المواقف. ويؤيد الإطلاقين ما وقع في شرح الصحائف من أنّ الحركة في العرف العام انتقال الجسم من مكان إلى مكان آخر، أو انتقال أجزائه كما في حركة الرّحى انتهى.وعند الصوفية الحركة السلوك في سبيل الله تعالى، كذا في لطائف اللغات:ثم المتكلمون عرّفوا الحركة بحصول جوهر في مكان بعد حصوله في مكان آخر أي مجموع الحصولين لا الحصول في الحيز الثاني المقيّد بكونه بعد الحصول في الحيز الأول، وإن كان متبادرا من ظاهر التعريف. ولذا قيل الحركة كونان في آنين في مكانين، والسكون كونان في آنين في مكان واحد. ويرد عليه أنّ ما أحدث في مكان واستقر فيه آنين وانتقل منه في الآن الثالث إلى مكان آخر لزم أن يكون كون ذلك الحادث في الآن الثاني جزءا من الحركة والسكون، فإنّ هذا الكون مع الكون الأول يكون سكونا، ومع الثالث يكون حركة، فلا تمتاز الحركة عن السكون بالذات، بمعنى أنّه يكون الساكن في آن سكونه أعني الآن الثاني شارعا في الحركة. فالحق هو المعنى المتبادر من التعريف. ولذا قيل الحركة كون أول في مكان ثان، والسكون كون ثان في مكان أول.ويرد عليه وعلى القول الأول أيضا أنّ الكون في أول زمان الحدوث لا يكون حركة ولا سكونا.اعلم أنّ الأشاعرة على أنّ الأكوان وسائر الأعراض متجدّدة في كل آن. والمعتزلة قد اتفقوا على أنّ السكون كون باق غير متجدّد، واختلفوا في الحركة هل هي باقية أم لا؟ فعلى القول ببقاء الأكوان يردّ على كلا الفريقين أنه لا معنى للكونين ولا لكون الكون أولا، وثانيا لعدم تعدّده اللهم إلّا أن يفرض التجدّد فرضا.وعلى القول بعدم بقائها يرد أن لا يكون الحركة والسكون موجودين لعدم اجتماع الكونين في الوجود، اللهم إلّا أن يقال يكفي في وجود الكل وجود أجزائه ولو على سبيل التعاقب.وقيل الحق أنّ السكون مجموع الكونين في مكان واحد، والحركة كون أول في مكان ثان.ومما يجب أن يعلم أنّ المراد بكونين في مكان أنّ أقل السكون ذلك وبالكون الثاني في مكان أول ما يعمّ الكون الثالث. وعلى هذا قس سائر التعاريف.واعلم أيضا أنّ جميع التعاريف لا يشتمل الحركة الوضعية لأنّه لا كون للمتحرك بها إلّا في المكان الأول، هكذا يستفاد مما ذكره المولوي عصام الدين والمولوي عبد الحكيم في حواشيهما على شرح العقائد النسفية. ويجيء ما يدفع بعض الشكوك في لفظ الكون.وأمّا الحكماء فقد اختلفوا في تعريف الحركة. فقال بعض القدماء هي خروج ما بالقوة إلى الفعل على التدريج. بيانه أنّ الشيء الموجود لا يجوز أن يكون بالقوة من جميع الوجوه وإلّا لكان وجوده أيضا بالقوة، فيلزم أن لا يكون موجودا، فهو إمّا بالفعل من جميع الوجوه وهو البارئ تعالى، والعقول على رأيهم أو بالفعل، من بعضها وبالقوة من بعض. فمن حيث إنّه موجود بالقوة لو خرج ذلك البعض من القوة إلى الفعل فهو إمّا دفعة وهو الكون والفساد فتبدل الصورة النارية بالهوائية انتقال دفعي، ولا يسمّونه حركة بل كونا وفسادا، وإمّا على التدريج وهو الحركة. فحقيقة الحركة هو الحدوث أو الحصول أو الخروج من القوة إلى الفعل إمّا يسيرا يسيرا أو لا دفعة أو بالتدريج.وكل من هذه العبارات صالحة لإفادة تصوّر الحركة. لكن المتأخّرين عدلوا عن ذلك لأنّ التدريج هو وقوع الشيء في زمان بعد زمان، فيقع الزمان في تعريفه، والزمان مفسّر بأنّه مقدار الحركة، فيلزم الدور. وكذا الحال في اللادفعة، وكذا معنى يسيرا يسيرا. فقالوا الحركة كمال أول لما هو بالقوة من جهة ما هو بالقوة.وهكذا قال أرسطو. وتوضيحه أنّ الجسم إذا كان في مكان مثلا وأمكن حصوله في مكان آخر فله [هناك] إمكانان، إمكان الحصول في المكان الثاني، وإمكان التوجّه إليه. وكلّ ما هو ممكن الحصول له فإنه إذا حصل كان كمالا له، فكل من التوجه إلى المكان الثاني والحصول فيه كمال، إلّا أنّ التوجّه متقدّم على الحصول لا محالة، فوجب أن يكون الحصول بالقوة ما دام التوجّه بالفعل. فالتوجّه كمال أول للجسم الذي يجب أن يكون بالقوة في كماله الثاني الذي هو الحصول. ثم إنّ التوجّه ما دام موجودا فقد بقي منه شيء بالقوة. فالحركة تفارق سائر الكمالات بخاصتين: إحداهما أنها من حيث إنّ حقيقتها هي التأدّي إلى الغير، والسلوك إليه تستلزم أن يكون هناك مطلوب ممكن الحصول غير حاصل معها بالفعل ليكون التأدّي تأدّيا إليه، وليس شيء من سائر الكمالات بهذه الصفة، إذ ليست ماهيتها التأدّي إلى الغير ولا يحصل فيها واحد من هذين الوصفين. فإنّ الشيء مثلا إذا كان مربعا بالقوة ثم صار مربعا بالفعل فحصول المربعية من حيث هو هو لا يستعقب شيئا ولا يبقى عند حصولها شيء منها بالقوة. وأما الإمكان الاستعدادي وإن كان يستلزم أن لا يكون المقبول غير حاصل معه بالفعل فإنّ التحقيق أنّ الاستعداد يبطل مع الفعل لكن حقيقتها ليس التأدّي. وثانيتهما أنها تقتضي أن يكون شيء منها بالقوة فإنّ المتحرّك إنما يكون متحركا إذا لم يصل إلى المقصد، فإنّه إذا وصل إليه فقد انقطع حركته، وما دام لم يصل فقد بقي من الحركة شيء بالقوة. فهوية الحركة مستلزمة لأن يكون محلها حال اتصافه بها يكون مشتملا على قوتين، قوة بالقياس إليها وقوة أخرى بالقياس إلى ما هو المقصود بها. أما القوة التي بالنسبة إلى المقصد فمشتركة بلا تفاوت بين الحركة، بمعنى القطع والحركة بمعنى التوسط. فإنّ الجسم ما دام في المسافة لم يكن واصلا إلى المنتهى، وإذا وصل إليه لم تبق الحركة أصلا. وأما القوة الأخرى ففيها تفاوت بينهما، فإنّ الحركة بمعنى القطع حال اتصاف المتحرّك بها يكون بعض أجزائها بالقوة وبعضها بالفعل. فالقوة والفعل في ذات شيء واحد. والحركة بمعنى التوسّط إذا حصلت كانت بالفعل، ولم تكن هناك قوة متعلّقة بذاتها، بل بنسبتها إلى حدود المسافة. وتلك النسبة خارجة عن ذاتها عارضة لها كما ستعرف. فقد ظهر أنّ الحركة كمال بالمعنى المذكور للجسم الذي هو بالقوة في ذلك الكمال وفيما يتأدّى إليه ذلك الكمال. وبقيد الأول تخرج الكمالات الثانية، وبقيد الحيثية المتعلّقة بالأول تخرج الكمالات الأولى على الإطلاق، أعني الصورة النوعية لأنواع الأجسام والصور الجسمية للجسم المطلق فإنّها كمالات أولى لما بالقوة، لكن لا من هذه الحيثية بل مطلقا، لأنّ تحصيل هذه الأنواع والجسم المطلق في نفسه إنّما هو بهذه الصور وما عداها من أحوالها تابعة لها، بخلاف الحركة فإنّها كمال أول من هذه الحيثية فقط، وذلك لأنّ الحركة في الحقيقة من الكمالات الثانية بالقياس إلى الصور النوعية.وإنّما اتصفت بالأولية لاستلزامها ترتّب كمال آخر عليها بحيث يجب كونه بالقوة معها فهي أول بالقياس إلى ذلك الكمال، وكونه بالقوة معها لا مطلقا. فالحاصل أنّ الحركة كمال أول للجسم الذي هو بالقوة في كماله الثاني بحيث يكون أوليته من جهة الأمر الذي هو له بالقوة بأن تكون أولية هذا الكمال بالنسبة إليه.وهاهنا توجيهان آخران. الأول أن يكون قولهم من جهة ما هو بالقوة متعلّقا بما يتعلّق به قولهم لما هو بالقوة كالثابت والحاصل، فيكون المعنى كمال أول حاصل للجسم الذي يجب كونه معه بالقوة في كماله الثاني، ومتعلّق به من جهة كونه بالقوة، وذلك لأنّ الحركة كمال بالنسبة إلى الوصول أو بقية الحركة للجسم الذي يجب كونه معه بالقوة في كماله الثاني، وحصوله له من جهة كونه بالقوة إذ على تقدير الوصول أو بقية الحركة بالفعل تكون الحركة منقطعة غير حاصلة للجسم. وبيان فائدة القيود مثل ما مرّ، لكن بقي انتقاض تعريف الحركة بالإمكان الاستعدادي إذ يصدق أنّه كمال بالنسبة إلى ما يترتب عليه سواء كان قريبا أو بعيدا للجسم الذي يجب كونه معه بالقوة في الكمال الثاني، من جهة كونه بالقوة، فإنّه إذا حصل ما يترتّب عليه بطل استعداده، وكذلك أولية الاستعداد بالنسبة إلى ما يترتب. والثاني أن يكون متعلّقا بلفظ الكمال ويكون المعنى أنّ الحركة كمال أول للجسم الذي هو بالقوة في كماله الثاني من جهة المعنى الذي هو به بالقوة، بأن يكون ذلك المعنى سببا لكماليته، وذلك فإنّ الحركة ليست كمالا له من جهة كونه جسما أو حيوانا بل إنما هي كمال من الجهة التي باعتبارها كان بالقوة، أعني حصوله في أين مخصوص أو وضع مخصوص أو غير ذلك؛ وفيه نظر، وهو أنّ الحركة ليست كمالا من جهة حصوله في أين أو وضع أو غير ذلك، فإنّ كماليتها إنما هو باعتبار حصولها بعد ما كان بالقوة.ويردّ على التوجيهات الثلاثة أنه يخرج من التعريف الحركة المستديرة الأزلية الأبدية الفلكية على زعمهم، إذ لا منتهى لها إلّا بالوهم، فليس هناك كمالان أول هو الحركة وثان هو الوصول إلى المنتهى إلّا إذا اعتبر وضع معين واعتبر ما قبله دون ما بعده؛ إلّا أنّ هذا منتهى بحسب الوهم دون الواقع المتبادر من التعريف. وفي الملخص أنّ تصور الحركة أسهل مما ذكر فإنّ كل عاقل يدرك التفرقة بين كون الجسم متحركا وبين كونه ساكنا. وأمّا الأمور المذكورة فمما لا يتصورها إلّا الأذكياء من الناس.وقد أجيب عنه بأنّ ما أورده يدلّ على تصورها بوجه والتصديق بحصولها للأجسام لا على تصوّر حقيقتها.اعلم انهم اختلفوا في وجود الحركة.فقيل بوجوده وقيل بعدم وجوده. وحاكم بينهم ارسطو، فقال: الحركة يقال بالاشتراك اللفظي لمعنيين. الأول التوجّه نحو المقصد وهو كيفية بها يكون الجسم أبدا متوسطا بين المبدأ والمنتهى، أي مبدأ المسافة ومنتهاها، ولا يكون في حيّز آنين بل يكون في كل آن في حيّز آخر، وتسمّى الحركة بمعنى التوسط. وقد يعبر عنها بأنها كون الجسم بحيث أي حدّ من حدود المسافة يفرض لا يكون هو قبل الوصول إليه ولا بعده حاصلا فيه، وبأنها كون الجسم فيما بين المبدأ والمنتهى بحيث أي آن يفرض يكون حاله في ذلك الآن مخالفا لحاله في آنين يحيطان به، والحركة بهذا المعنى أمر موجود في الخارج، فإنّا نعلم بمعاونة الحسّ أنّ للمتحرك حالة مخصوصة ليست ثابتة له في المبدأ ولا في المنتهى، بل فيما بينهما، وتستمر تلك الحالة إلى المنتهى وتوجد دفعة. ويستلزم اختلاف نسب المتحرك إلى حدود المسافة فهي باعتبار ذاتها مستمرة وباعتبار نسبتها إلى تلك الحدود سيالة وبواسطة استمرارها وسيلانها تفعل في الخيال أمرا ممتدا غير قارّ هو الحركة بمعنى القطع. فالحركة بمعنى التوسّط تنافي استقرار المتحرّك في حيّز واحد سواء كان منتقلا عنه أو منتقلا إليه، فتكون ضدا للسكون في الحيّز المنتقل عنه وإليه، بخلاف من جعل الحركة الكون في الحيّز الثاني كما يجيء في لفظ الكون. الثاني الأمر الممتد من أول المسافة إلى آخرها ويسمّى الحركة بمعنى القطع ولا وجود لها إلّا في التوهم، إذ عند الحصول في الجزء الثاني بطل نسبته إلى الجزء الأول منها ضرورة، فلا يوجد هناك أمر ممتد من مبدأها إلى منتهاها. نعم لما ارتسم نسبة المتحرك إلى الجزء الثاني الذي أدركه في الخيال قبل أن يزول نسبته إلى الجزء الأول الذي تركه عنه، أي عن الخيال، يخيّل أمر ممتد، كما يحصل من القطرة النازلة والشعلة المدارة أمر ممتد في الحسّ المشترك فيرى لذلك خطّا ودائرة.التقسيمالحركة إمّا سريعة أو بطيئة. فالسريعة هي التي تقطع مسافة مساوية لمسافة أخرى في زمان أقلّ من زمانها، ويلزمها أن تقطع الأكثر من المسافة في الزمان المساوي. أعني إذا فرض تساوي الحركتين في المسافة كان زمان السريعة أقلّ، وإذا فرض تساويهما في الزمان كانت مسافة السريعة أكثر. فهذان الوصفان لا زمان للسريعة مساويان لها. ولذلك عرفت بكلّ واحد منهما.وأمّا قطعها لمسافة أطول في زمان أقصر فخاصة قاصرة. والبطيئة عكسها فتقطع المساوي من المسافة في الزمان الأكثر أو تقطع الأقل من المسافة في الزمان المساوي، وربما قطعت مسافة أقل في زمان أكثر لكنه غير شامل لها. والاختلاف بالسرعة والبطء ليس اختلافا بالنوع إذ الحركة الواحدة سريعة بالنسبة إلى حركة والبطيئة بالنسبة إلى أخرى، ولأنهما قابلان للاشتداد والنقص.فائدة:قالوا علّة البطء في الطبيعة ممانعة المخروق الذي في المسافة، فكلما كان قوامه أغلظ كان أشدّ ممانعة للطبيعة وأقوى في اقتضاء بطء الحركة كالماء مع الهواء، فنزول الحجر إلى الأرض في الماء أبطأ من نزوله إليها في الهواء.وأمّا في الحركات القسرية والإرادية فممانعة الطبيعة إمّا وحدها لأنه كلما كان الجسم أكبر أو كانت الطبيعة السارية فيه أكبر كان ذلك الجسم بطبيعته أشدّ ممانعة للقاسر، والمحرك بالإرادة وأقوى في اقتضاء البطء وإن اتحد المخروق والقاسر والمحرّك الإرادي. ومن ثمّ كان حركة الحجر الكبير أبطأ من حركة الصغير في مسافة واحدة من قاسر واحد، أو ممانعة الطبيعة مع ممانعة المخروق كالسهم المرمي بقوة واحدة تارة في الهواء، وكالشخص السائر فيهما بالإرادة، وربّما عاوق أحدهما أكثر والآخر أقل فتعادلا، مثل أن يحرك قاسر واحد الجسم الكبير في الهواء والصغير في الماء الذي يزيد معاوقة الهواء بمقدار الزيادة التي في طبيعته. وأيضا الحركة إمّا أينية وهي الانتقال من مكان إلى مكان تدريجا وتسمّى النقلة، وإمّا كمية وهي الانتقال من كم إلى كم آخر تدريجا وهو أولى مما ذكره الشارح القديم من أنّها انتقال الجسم من كمّ إلى كمّ على التدريج، إذ قد ينتقل الهيولى والصورة أيضا من كم إلى كم، وهذه الحركة تقع على وجوه التخلخل والتكاثف والنمو والذبول والسّمن والهزال، وإمّا كيفية وهي الانتقال من كيفية إلى أخرى تدريجا وتسمّى بالاستحالة أيضا، وإمّا وضعية وهي أن يكون للشيء حركة على الاستدارة، فإنّ كلّ واحد من أجزاء المتحرّك يفارق كلّ واحد من أجزاء مكانه لو كان له مكان، ويلازم كله مكانه، فقد اختلفت نسبة أجزائه إلى أجزاء مكانه على التدريج. وقولهم لو كان له مكان ليشمل التعريف فلك الأفلاك.والمراد بالحركة المستديرة ما هو المصطلح وهو ما لا يخرج المتحرّك بها عن مكانه لا اللغوي فإنّ معناها اللغوي أعمّ من ذلك، فإنّ الجسم إذا تحرك على محيط دائرة يقال إنه متحرك بحركة مستديرة، فعلى هذا حركة الرحى وضعية وكذا حركة الجسم الآخر الذي يدور حول نفسه من غير أن تخرج عن مكانه حركة وضعية. وقيل الحركة الوضعية منحصرة في حركة الكرة في مكانها وليس بشيء إذ الحركة في الوضع هي الانتقال من وضع إلى وضع آخر تدريجا. وقيل حصر الوضعية في الحركة المستديرة أيضا ليس بشيء على ما عرفت من معنى الحركة في الوضع، كيف والقائم إذا قعد فقد انتقل من وضع إلى وضع آخر مع أنّه لا يتحرك على الاستدارة وثبوت الحركة الأينية لا ينافي ذلك.نعم لا توجد الوضعية هناك على الانفراد.وبالجملة فالحق أنّ الحركة الوضعية هي الانتقال من وضع إلى وضع كما عرفت، فكان الحصر المذكور بناء على إرادة الحركة الوضعية على الانفراد. ولذا قيل الحركة الوضعية تبدل وضع المتحرك دون مكانه على سبيل التدريج، وتسمّى حركة دورية أيضا انتهى.وهذا التقسيم بناء على أنّ الحركة عند الحكماء لا تقع إلّا في هذه المقولات الأربع، وأما باقي المقولات فلا تقع فيها حركة لا في الجوهر لأنّ حصوله دفعي ويسمّى بالكون والفساد، ولا في باقي مقولات العرض لأنها تابعة لمعروضاتها، فإن كانت معروضاتها مما تقع فيه الحركة تقع في تلك المقولة الحركة أيضا وإلّا فلا. ومعنى وقوع الحركة في مقولة عند جماعة هو أنّ تلك المقولة مع بقائها بعينها تتغير من حال إلى حال على سبيل التدريج، فتكون تلك المقولة هي الموضوع الحقيقي لتلك الحركة، سواء قلنا إنّ الجوهر الذي هو موضوع لتلك المقولة موصوف بتلك الحركة بالعرض وعلى سبيل التبع أو لم نقل وهو باطل، لأنّ التسود مثلا ليس هو أنّ ذات السواد يشتدّ لأنّ ذلك السواد إن عدم عند الاشتداد فليس فيه اشتداد قطعا، وإن بقي ولم تحدث فيه صفة زائدة فلا اشتداد فيه أيضا، وإن حدثت فيه صفة زائدة فلا تبدل ولا اشتداد قطعا ولا حركة في ذات السواد، بل في صفة والمفروض خلافه.وعند جماعة معناه أنّ تلك المقولة جنس لتلك الحركة، قاموا إنّ من الأين ما هو قارّ ومنه ما هو سيّال، وكذا الحال في الكم والكيف والوضع. فالسيّال من كل جنس من هذه الأجناس هو الحركة فتكون الحركة نوعا من ذلك الجنس وهو باطل أيضا إذ لا معنى للحركة إلّا تغيّر الموضوع في صفاته على سبيل التدريج، ولا شك أنّ التغيّر ليس من جنس المتغيّر والمتبدّل لأنّ التبدّل حالة نسبية إضافية والمتبدّل ليس كذلك، فإذا كان المتبدّل في الحركة هذه المقولات لم يكن شيء منها جنسا للتبدل الواقع فيها. والصواب أنّ معنى ذلك هو أنّ الموضوع يتحرك من نوع لتلك المقولة إلى نوع آخر من صنف إلى صنف آخر أو من فرد إلى فرد آخر.وأيضا الحركة إمّا ذاتية أو عرضية. قالوا ما يوصف بالحركة إمّا أن تكون الحركة حاصلة فيه بالحقيقة بأن تكون الحركة عارضة له بلا توسط عروضها لشيء آخر أو لا تكون، بأن تكون الحركة حاصلة في شيء آخر يقارنه فيوصف بالحركة تبعا لذلك، والثاني يقال له إنّه متحرك بالعرض وبالتبع وتسمّى حركته حركة عرضية وتبعية كراكب السفينة، والأول يقال له إنّه متحرك بالذات وتسمّى حركته حركة ذاتية.والحركة الذاتية ثلاثة أقسام لأنه إمّا أن يكون مبدأ الحركة في غيره وهي الحركة القسرية أو يكون [مبدأ] الحركة فيه إمّا مع الشعور أي شعور مبدأ الحركة بتلك الحركة، وهي الحركة الإرادية أو لا مع الشعور وهي الحركة الطبعية.فالحركة النباتية طبعية وكذلك حركة النّبض لأنّ مبدأ هاتين الحركتين موجود في المتحرّك ولا شعور له بالحركة الصادرة عنه. وقد أخطأ من جعل الحركة الطبعية هي الصاعدة والهابطة وحصرها فيهما إذ تخرج عنها حينئذ هاتان الحركتان، وكذا أخطأ من جعل الحركة الطبعية هي التي على وتيرة واحدة من غير شعور بخروج هاتين الحركتين. ومنهم من قسّم الحركة إلى ذاتية وعرضية، والذاتية إلى ستة أقسام، لأنّ القوة المحركة إن كانت خارجة عن المتحرك فالحركة قسرية، وإن لم تكن خارجة عنه فإمّا أن تكون الحركة بسيطة أي على نهج واحد وإمّا أن تكون مركّبة أي لا على نهج واحد.والبسيطة إمّا أن تكون بإرادة وهي الحركة الفلكية أو لا بإرادة وهي الحركة الطبعية.والمركّبة إمّا أن يكون مصدرها القوة الحيوانية أو لا. الثانية الحركة النباتية. والاولى إمّا أن تكون مع شعور بها وهي الحركة الإرادية الحيوانية أو مع عدم شعور وهي الحركة التسخيرية كحركة النبض.فائدة:الحركة تقتضي أمورا ستة. الأول ما به الحركة أي السبب الفاعلي. الثاني ما له الحركة أي محلها. الثالث ما فيه الحركة أي إحدى المقولات الأربع. الرابع ما منه الحركة أي المبدأ. والخامس ما إليه الحركة أي المنتهى وهما أي المبدأ والمنتهى بالفعل في الحركة المستقيمة وبالفرض في الحركة المستديرة.السادس المقدار أي الزمان فإنّ كل حركة في زمان بالضرورة فوحدتها متعلّقة بوحدة هذه الأمور، فوحدتها الشخصية بوحدة موضوعها وزمانها وما هي فيه ويتبع هذا وحدة ما منه وما إليه، ولا يعتبر وحدة المحرك وتعدده، ووحدتها النوعية بوحدة ما فيه وما منه وما إليه ووحدتها الجنسية بوحدة ما فيه فقط. فالحركة الواقعة في كل جنس جنس من الحركة، فالحركات الأينية كلّها متحدة في الجنس العالي، وكذا الحركات الكمية والكيفية. ويترتّب أجناس الحركات بترتب الأجناس التي تقع تلك الحركة فيها فالحركة في الكيف جنس هي فوق الحركة في الكيفيات المحسوسة وهي فوق الحركة في المبصرات وهي [جنس] فوق الحركة في الألوان، وهكذا إلى أن ينتهي إلى الحركات النوعية المنتهية إلى الحركات الشخصية. وتضاد الحركتين ليس لتضاد المحرّك والزمان وما فيه بل لتضاد ما منه وما إليه إمّا بالذات كالتسوّد والتبيّض أو بالعرض كالصعود والهبوط، فإنّ مبدأهما ومنتهاهما نقطتان متماثلتان عرض لهما تضاد من حيث إنّ إحداهما صارت مبدأ والأخرى منتهى، فالتضاد إنّما هو بين الحركات المتجانسة المتشاركة في الجنس الأخير. ففي الاستحالة كالتسوّد والتبيّض وفي الكم كالنمو والذبول وفي النقلة كالصاعدة والهابطة وأمّا الحركات الوضعية فلا تضاد فيها.فائدة:انقسام الحركة ليس بالذات بل بانقسام الزمان والمسافة والمتحرك؛ فإنّ الجسم إذا تحرّك تحركت أجزاؤه المفروضة فيه، والحركة القائمة بكل جزء غير القائمة بالجزء الآخر، فقد انقسمت الحركة بانقسام محلها.فائدة:ذهب بعض الحكماء كأرسطو وأتباعه والجبّائي من المعتزلة إلى أنّ بين كل حركتين مستقيمتين كصاعدة وهابطة سكونا، فالحجر إذا صعد قسرا ثم رجع فلا بد أن يسكن فيما بينهما فإنّ كل حركة مستقيمة لا بدّ أن تنتهي إلى سكون لأنها لا تذهب على الاستقامة إلى غير النهاية، ومنعه غيرهم كأفلاطون وأكثر المتكلّمين من المعتزلة. وإن شئت تحقيق المباحث فارجع إلى شرح المواقف وشرح الطوالع والعلمي وغيرها.تذنيبالحركة كما تطلق على ما مرّ كذلك تطلق على كيفية عارضية للصوت وهي الضم والفتح الكسر ويقابلها السكون. قال الإمام الرازي الحركات أبعاض المصوّتات. أمّا أولا فلأنّ الحروف المصوتة قابلة للزيادة والنقصان، وكلّما كان كذلك فله طرفان ولا طرف في النقصان للمصوّتة إلّا بهذه الحركات بشهادة الاستقراء.وأمّا ثانيا فلأنّ الحركات لو لم تكن أبعاض المصوّتات لما حصلت المصوتات بتمديدها، فإن الحركة إذا كانت مخالفة لها ومددتها لم يمكنك أن تذكر المصوّت إلّا باستئناف صامت آخر يجعل المصوّت تبعا له، لكن الحسّ شاهد بحصول المصوتة بمجرّد تمديد الحركات، كذا في شرح المواقف في بحث المسموعات.حركات الأفلاك وما في أجرامها لها أسماءالحركة البسيطة وتسمّى متشابهة وبالحركة حول المركز أيضا، وبالحركة حول النقطة أيضا، وهي حركة تحدث بها عند مركز الفلك في أزمنة متساوية زوايا متساوية. وبعبارة أخرى تحدث بها عند المركز في أزمنة متساوية قسي متساوية. والحركة المختلفة وهي ما لا تكون كذلك. والحركة المفردة وهي الحركة الصادرة عن فلك واحد وقد تسمّى بسيطة، لكن المشهور أنّ البسيطة هي المتشابهة. والحركة المركّبة وهي الصادرة عن أكثر من فلك واحد. وكل حركة مفردة بسيطة وكل مختلفة مركبة وليس كل بسيطة مفردة وليس كل مركّبة مختلفة. والحركة الشرقية وهي الحركة من المشرق إلى المغرب سمّيت بها بظهور الكوكب بها من الشرق، وتسمّى أيضا حركة إلى خلاف التوالي لأنّها على خلاف توالي البروج، والبعض يسمّيها بالغربية لكونها إلى جهة الغرب. والحركات الشرقية أربع: الأولى الحركة الأولى وهي حركة الفلك الأعظم حول مركز العالم سمّيت بها لأنها أول ما يعرف من الحركات السماوية بلا إقامة دليل، وتسمّى بحركة الكلّ أيضا إذ الفلك الأعظم يسمّى أيضا بفلك الكل لأنّ باقي الأجرام في جوفه وتسمّى أيضا بالحركة اليومية، لأنّ دورة الفلك الأعظم تتم في قريب من يوم بليلته على اصطلاح الحساب، وتسمّى أيضا بالحركة السريعة لأنّ هذه الحركة أسرع الحركات. الثانية حركة مدير عطارد حول مركزه وتسمّى حركة الأوج إذ في المدير الأوج الثاني لعطارد فيتحرك هذا الأوج بحركة المدير ضرورة. الثالثة حركة جوزهر القمر حول مركزه وتسمّى بحركة الرأس والذنب لتحركهما بهذه الحركة. الرابعة حركة مائل القمر حول مركزه وتسمّى حركة أوج القمر لتحركه بحركته. ولما كان الأوج كما يتحرك بهذه الحركة كذلك يتحرك بحركة الجوزهر أيضا. ويسمّى البعض مجموع حركتي الجوزهر والمائل بحركة الأوج صرّح به العلّامة في النهاية. والحركة الغربية كحركة فلك الثوابت وهي الحركة من المغرب إلى المشرق وتسمّى أيضا بالحركة إلى التوالي لأنها على توالي البروج والبعض يسميها شرقية أيضا لكونها إلى جهة الشرق، وتسمّى أيضا بالحركة البطيئة لأنها أبطأ من الحركة الأولى، وبالحركة الثانية لأنها لا تعرف أولا بلا إقامة دليل. وحركات السبعة السيارة أيضا تسمّى بالحركة الثانية والبطيئة وإلى التوالي والغربية أو الشرقية. فمن الحركات الغربية حركة فلك الثوابت. ومنها حركات الممثلات سوى ممثل القمر حول مراكزها وتسمّى حركات الأوجات والجوزهرات، وحركات العقدة. ومنها حركات الأفلاك الخارجة المراكز حول مراكزها. وحركة خارج مركز كل كوكب يسمّى بحركة مركز ذلك الكوكب اصطلاحا ولا تسمّى حركة مركز التدوير كما زعم البعض وإن كانت يطلق عليها بحسب اللغة. وحركة مركز القمر تسمّى بالبعد المضعف أيضا.اعلم أنّ خارج مركز ما سوى الشمس يسمّى حاملا فحركة حامل كل كوكب كما تسمّى بحركة المركز كذلك تسمّى بحركة العرض لأنّ عرض مركز التداوير إنّما حصل بها فلهذه الحركة دخل في عرض الكوكب وهي أي حركة العرض هي حركة الطول بعينها إذا أضيفت وقيست إلى فلك البروج.اعلم أنّ مركز التدوير إذا سار قوسا من منطقة الحامل في زمان مثلا تحدث زاوية عند مركز معدّل المسير ويعتبر مقدارها من منطقة معدل المسير، وبهذا الاعتبار يقال لهذه الحركة حركة المركز المعدّل الوسطى وتحدث أيضا زاوية عند مركز العالم ويعتبر مقدارها من منطقة البروج. وبهذا الاعتبار يقال لهذه الحركة حركة المركز المعدل. وإذا أضيفت إلى حركة المركز المعدّل حركة الأوج حصل الوسط المعدّل فإذا زيد التعديل الثاني على الوسط المعدّل أو نقص منه يحصل التقويم المسمّى بالطول وهذا في المتحيرة، ويعلم من ذلك الحال في النيرين.فلهذا سميت بهذه الحركة المضافة إلى فلك البروج بحركة الطول. ومعنى الإضافة إلى فلك البروج أن تعتبر هذه الحركة بالنسبة إلى مركز فلك البروج الذي هو مركز العالم.اعلم أنّ مجموع حركة الخارج والممثل في الشمس والمتحيّرة تسمّى حركة الوسط وقد تسمّى حركة المركز فقط بحركة الوسط وأهل العمل يسمّون مجموع حركة الممثل وفضل حركة الحامل على المدير في عطارد بالوسط، فإنهم لما سمّوا فضل حركة الحامل على حركة المدير في عطارد بحركة المركز سمّوا مجموع حركة الممثل والفضل المذكور بحركة الوسط.وأما الوسط في القمر فهو فضل حركة المركز على مجموع حركتي الجوزهر والمائل، وتسمّى حركة مركز القمر في الطول أيضا وقد يسمّى جميع الحركات المستوية وسطا.وحركة الاختلاف وهي حركة تدوير كل كوكب سمّيت بها لأنّ تقويم الكوكب يختلف بها، فتارة تزاد تلك الحركة على الوسط وتارة تنقص منه ليحصل التقويم وتسمّى أيضا حركة خاصة الكوكب لأنّ مركزه يتحرك بها بلا واسطة وهذه الحركة ليست من الشرقية والغربية لأنّ حركات أعالي التداوير لا محالة مخالفة في الجهة لحركات أسافلها لكونها غير شاملة للأرض فإن كانت حركة أعلى التدوير إلى التوالي أي من المغرب إلى المشرق كانت حركة الأسفل إلى خلافه، وإن كانت بالعكس فبالعكس. هذا كله مما يستفاد مما ذكره الفاضل عبد العلي البرجندي في تصانيفه في علم الهيئة والسيّد السّند في شرح الملخص.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحَرَكَة: هِيَ الَّتِي تعرض للحرف عرضا يحله. وَعند الْحُكَمَاء خُرُوج صفة الشَّيْء وانتقالها من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل على سَبِيل التدريج. وتفصيلها أَن الشَّيْء الْمَوْجُود لَا يكون بِالْقُوَّةِ من جَمِيع الْوُجُود وَإِلَّا لَكَانَ وجوده بِالْقُوَّةِ فَيلْزم أَن يكون بِالْقُوَّةِ فِي كَونه بِالْقُوَّةِ فَيكون الْقُوَّة حَاصِلَة وَغير حَاصِلَة وَيلْزم أَيْضا أَن لَا يكون مَوْجُودا وَقد فرضناه مَوْجُودا هَذَا خلف. فَذَلِك الشَّيْء الْمَوْجُود إِمَّا مَوْجُود من جَمِيع الْوُجُوه وَهُوَ الْمَوْجُود الْكَامِل الَّذِي لَيْسَ لَهُ كَمَال متوقع كالباري تَعَالَى عز اسْمه والعقول - أَو بِالْفِعْلِ من بعض الْوُجُوه وبالقوة من بَعْضهَا فَمن حَيْثُ إِنَّه مَوْجُود بِالْقُوَّةِ من بعض الْوُجُوه لَو خرج من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل فَذَلِك الْخُرُوج - إِمَّا أَن يكون دفْعَة وَاحِدَة وَهُوَ الْكَوْن وَالْفساد كانقلاب المَاء هَوَاء فَإِن الصُّورَة الهوائية كَانَت للْمَاء بِالْقُوَّةِ فَخرجت مِنْهَا إِلَى الْفِعْل دفْعَة فَذَلِك الانقلاب فَسَاد من جِهَة زَوَال الصُّورَة المائية وَكَون من حَيْثُ حُدُوث الصُّورَة الهوائية. وَإِمَّا أَن يكون ذَلِك الْخُرُوج على التدريج فَهُوَ الْحَرَكَة.
ثمَّ الْحَرَكَة: قد تطلق على الْحَرَكَة بِمَعْنى التَّوَسُّط. وَقد تطلق على الْحَرَكَة بِمَعْنى الْقطع: فالحركة بِمَعْنى التَّوَسُّط هُوَ كَون الْجِسْم فِيمَا بَين المبدأ والمنتهى بِحَيْثُ أَي حد يفْرض يكون حَاله فِي ذَلِك الْآن مُخَالفا لحاله فِي آنين يحيطان بِهِ - وَبِعِبَارَة أُخْرَى أَن يكون الْجِسْم واصلا إِلَى حد من حُدُود الْمسَافَة فِي كل آن لَا يكون ذَلِك الْجِسْم واصلا إِلَى ذَلِك الْحَد قبل ذَلِك الْآن وَبعده - وَالْحَرَكَة بِمَعْنى الْقطع أَمر ممتد من أول الْمسَافَة إِلَى آخرهَا لِأَنَّهَا إِنَّمَا تحصل عِنْد وجود الْجِسْم المتحرك إِلَى الْمُنْتَهى.وتفصيلهما مَا قَالَه أرسطو من أَن الْحَرَكَة قد تطلق على كَون الْجِسْم بِحَيْثُ أَي حد من حُدُود الْمسَافَة الَّتِي تفرض لَا يكون ذَلِك الْجِسْم قبل آن الْوُصُول إِلَى حد من حُدُود الْمسَافَة وَلَا بعد آن الْوُصُول حَاصِلا فِي الْحَد الْمَذْكُور فَيكون فِي كل آن فِي جِهَة أُخْرَى وَيُسمى الْحَرَكَة بِمَعْنى التَّوَسُّط لكَونهَا حَاصِلَة للجسم فِيمَا بَين المبدأ والمنتهى فَهِيَ صفة شخصية مَوْجُودَة فِي الْخَارِج دفْعَة مستمره إِلَى الْمُنْتَهى تَسْتَلْزِم اخْتِلَاف نسب المتحرك إِلَى حُدُود الْمسَافَة فَهِيَ بِاعْتِبَار ذَاتهَا مستمرة - وَبِاعْتِبَار نسبتها إِلَى تِلْكَ الْحُدُود سيالة - فباعتبار استمرارها وسيلانها تفعل فِي الخيال أمرا ممتدا غير قار تطلق عَلَيْهِ الْحَرَكَة بِمَعْنى الْقطع لِأَنَّهُ يقطع الْمسَافَة بهَا وَإِنَّمَا هِيَ أَمر ممتد لِأَنَّهُ لما ارتسم نِسْبَة المتحرك إِلَى الْجُزْء الثَّانِي فِي الخيال قبل أَن يَزُول نسبته إِلَى الْجُزْء الأول عَنهُ يتخيل أَمر ممتد ينطبق على الْمسَافَة كَمَا يحصل من القطرات النَّازِلَة والشعلة الجوالة أَمر ممتد فِي الْحسن الْمُشْتَرك فَيرى لذَلِك خطا أَو دَائِرَة - وَالْحَرَكَة بِهَذَا الْمَعْنى لَا وجود لَهَا إِلَّا فِي التَّوَهُّم لِأَن المتحرك مَا لم يصل إِلَى الْمُنْتَهى لم يُوجد الْحَرَكَة بِتَمَامِهَا وَإِذا وصل فَقَط انْقَطَعت الْحَرَكَة فالحركة بِمَعْنى الْقطع أَمر ممتد غير قار الْأَجْزَاء حَاصِل فِي الخيال بسيلان الْحَرَكَة بِمَعْنى التَّوَسُّط.ثمَّ اعْلَم أَن فِي وجود الْحَرَكَة اخْتِلَافا ذهب بَعضهم إِلَى أَن الْحَرَكَة مَوْجُودَة بالبداهة. وَعبارَة الطوسي فِي التَّجْرِيد تنظر إِلَى هَذَا حَيْثُ قَالَ وجودهَا ضَرُورِيّ. وَبَعْضهمْ ذهب إِلَى أَنَّهَا لَيست مَوْجُودَة إِذْ لَو كَانَ لَهَا وجود لَكَانَ فِي أحد الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة والتالي بَاطِل فالمقدم مثله إِمَّا الْمُلَازمَة فظاهرة. وَإِمَّا بطلَان التَّالِي فَلِأَن الْمَوْجُود مِنْهَا لَيْسَ مَا فِي الْمَاضِي وَلَا فِي الْمُسْتَقْبل وَذَلِكَ ظَاهر وَلَا فِي الْحَال لوُجُوب كَونه منقسما إِذْ لَو كَانَ غير منقسم لكَانَتْ الْمسَافَة الْمُطَابقَة لَهُ أَيْضا كَذَلِك وَيلْزم مِنْهُ الْجُزْء الَّذِي لَا يتجزئ وَإِذا انقسم فَيكون بعضه مَاضِيا وَبَعضه مُسْتَقْبلا وهما معدومان فَإِذن لَا وجود للحركة أصلا.وَأجَاب الشَّيْخ عَن هَذَا الِاسْتِدْلَال بِأَن الْحَرَكَة الْحَاضِرَة وَإِن كَانَت منقسمة لَكِن انقسامها بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ إِذْ انقسامها إِنَّمَا هُوَ بِالْعرضِ لِأَنَّهُ تَابع لانقسام الْمسَافَة وَالزَّمَان وانقسام هذَيْن الْأَمريْنِ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ.وَلَا يخفى أَن الْكَلَام الْمَنْقُول عَن أرسطو كالمحاكمة بَين الْقَوْلَيْنِ.وَتَحْقِيق الْحق من المذهبين أَن الْحَرَكَة إِن أُرِيد مِنْهَا مَا هُوَ بِمَعْنى الْقطع فَالْحق مَا ذكره النافون لوجودها - وَإِن أُرِيد مِنْهَا مَا هُوَ بِمَعْنى التَّوَسُّط - فَالْحق مَا نقل عَن الْقَائِلين بوجودها. |
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحَرَكَة فِي الكيف: هِيَ انْتِقَال الْجِسْم من كَيْفيَّة إِلَى كَيْفيَّة أُخْرَى على التدريج مَعَ بَقَاء الصُّورَة النوعية كتسخن المَاء وتبرده وَتسَمى هَذِه الْحَرَكَة اسْتِحَالَة أَيْضا لانتقال الْجِسْم من حَال إِلَى حَال. وَإِنَّمَا قُلْنَا مَعَ بَقَاء الصُّورَة النوعية إِذْ لَو زَالَت هَذِه الصُّورَة المائية إِلَى الهوائية بالتسخن أَو إِلَى الأرضية بالتبرد كَانَ هُنَاكَ أَيْضا انْتِقَال من كَيْفيَّة إِلَى كَيْفيَّة أُخْرَى وَلَكِن لَا يُطلق عَلَيْهِ الْحَرَكَة لكَونه دفعيا بل يُطلق عَلَيْهِ الْكَوْن وَالْفساد.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحَرَكَة الأينية: هِيَ انْتِقَال الْجِسْم من أَيْن إِلَى أَيْن على سَبِيل التدريج وَيُسمى نقلة على وزن شعلة أَيْضا للنَّقْل من أَيْن إِلَى أَيْن وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُطلق عَلَيْهِ الْحَرَكَة فِي الْعرف الْعَام. وَقيل هِيَ انْتِقَال الْجِسْم من مَكَان إِلَى مَكَان تدريجا. وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الْمُسَامحَة إِذْ الِانْتِقَال من مَكَان إِلَى مَكَان لَازم للحركة الأينية وَظَاهر أَنه غير مَحْمُول لِأَن الأين لَيْسَ عبارَة عَن الْمَكَان حَتَّى يكون الْحَرَكَة فِي الأين الِانْتِقَال من مَكَان إِلَى مَكَان آخر - والأين هُوَ النِّسْبَة إِلَى الْمَكَان أَو الْهَيْئَة الْحَاصِلَة للمتمكن من حُصُوله فِي الْمَكَان أَو الْحُصُول فِي الْمَكَان لَكِن لما كَانَ الِانْتِقَال من مَكَان إِلَى مَكَان لَازِما للحركة فِي الأين فَسرهَا بذلك اللَّازِم مجَازًا إطلاقا للازم على الْمَلْزُوم أَو أَرَادَ أَن الْحَرَكَة الأينية هِيَ الِانْتِقَال من حَالَة من مَكَان إِلَى حَاله حَاصِلَة من مَكَان آخر على التدريج يَعْنِي هِيَ الِانْتِقَال من نِسْبَة حَاصِلَة للجسم من حُصُوله فِي مَكَان إِلَى نِسْبَة حَاصِلَة لَهُ من حُصُوله فِي مَكَان آخر.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحَرَكَة كونان فِي آنين فِي مكانين: تَحْقِيقه فِي أَن السّكُون كونان فِي آنين فِي مَكَان وَاحِد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحَرَكَة فِي المقولة: أَي وُقُوع حَرَكَة الْجِسْم فِي مقولة. وَمَعْنَاهُ أَن الْمَوْضُوع أَي مَوْضُوع المقولة يَتَحَرَّك من نوع تِلْكَ المقولة إِلَى نوع آخر مِنْهَا كانتقال الْجِسْم من الْبيَاض إِلَى السوَاد وَبِالْعَكْسِ - أَو من صنف من مقولة إِلَى صنف آخر من تِلْكَ المقولة كانتقال الْجِسْم من الْبيَاض الشَّديد إِلَى الْبيَاض الضَّعِيف وَبِالْعَكْسِ - أَو من فَرد من مقولة إِلَى فَرد آخر مِنْهَا كالانتقال من بَيَاض معِين إِلَى بَيَاض مثله وَقس على هَذَا فِي المقولات الثَّلَاث الْبَاقِيَة الَّتِي تقع الْحَرَكَة فِيهَا بِالذَّاتِ. وَاعْلَم أَن الْحَرَكَة تقع بِالذَّاتِ فِي أَربع مقولات وَفِي الْبَوَاقِي بِالْعرضِ وَتلك الْأَرْبَع الْكمّ والكيف والأين والوضع.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحَرَكَة فِي الْكمّ: هِيَ الِانْتِقَال من كمية إِلَى كمية أُخْرَى تدريجا كالنمو والذبول. وَهَذَا التَّعْرِيف أولى من انْتِقَال الْجِسْم من كم إِلَى كم تدريجا لِأَن الْجِسْم كَمَا ينْتَقل من كم إِلَى كم تدريجا كَذَلِك الصُّورَة والهيولي أَيْضا بل الْمُنْتَقل من كم إِلَى كم بِالْحَقِيقَةِ هُوَ الصُّورَة لما بَين من أَن الْجِسْم التعليمي أَولا وبالذات قَائِم بالصورة إِلَّا أَن الْبَحْث مَخْصُوص بحركة الْجِسْم.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
ثمَّ الْحَرَكَة الكمية: أَرْبَعَة أَقسَام النمو والذبول والتخلخل والتكاثف كَمَا فِي غَايَة الْهِدَايَة. وَقَالَ السَّيِّد الشريف قدس سره وَجه الْحصْر أَن الْحَرَكَة فِي الْكمّ لَا بُد أَن يكون بِزَوَال كمية وَحُصُول أُخْرَى - فالكم الأول إِمَّا أَن يكون أَصْغَر من الثَّانِي أَو أكبر. وعَلى الأول إِمَّا أَن يكون حُصُول الْأَكْبَر بانضمام شَيْء أَو لَا. وعَلى الثَّانِي إِمَّا أَن يكون حُصُول الْأَصْغَر بانفصال شَيْء أَو لَا فانحصرت فِي أَرْبَعَة.ثمَّ اعْترض بِأَن السّمن والهزال أَيْضا من الْحَرَكَة الكمية مَعَ أَن الْوَجْه الْمَذْكُور دلّ على الانحصار فِي أَرْبَعَة وَأجَاب بِأَن الْأَرْبَعَة الَّتِي ذكرنَا فِي الْقِسْمَة شَامِلَة لَهما. وَإِن أردْت التَّصْرِيح قلت حُصُول الْأَكْبَر بانضمام شَيْء إِمَّا فِي جَمِيع الأقطار فَهُوَ النمو أَو فِي بَعْضهَا فَهُوَ السّمن وَكَذَا فِي الِانْفِصَال انْتهى. وَفِيه نظر أما أَولا فلأنا لَا نسلم أَن السّمن لَا يكون فِي جَمِيع الأقطار فَإِنَّهُ كَمَا يكون فِي الْعرض والعمق يكون فِي الطول أَيْضا كَمَا صرح بِهِ بعض الْمُحَقِّقين. وَأما ثَانِيًا فلأنا لَا نسلم أَن كل كم يَقع فِيهِ الْحَرَكَة متصف بالأصغرية والأكبرية فَإِن الشمعة تَتَغَيَّر من جسم تعليمي إِلَى آخر على سَبِيل التدريج مَعَ بَقَائِهِ بِعَيْنِه مثلا إِذا كَانَت الشمعة ذِرَاعا فِي الطول وَالْعرض والعمق وَتغَير كمها إِلَى كم آخر يكون ذِرَاعا فِي الأقطار الثَّلَاثَة وَأما ثَالِثا فَأَقُول مَا الْوَجْه فِي أَنهم لم يعدوا الورم وَرَفعه من أَقسَام الْحَرَكَة الكمية فَإِن قَالُوا إِن الْحَرَكَة فِي مقولة يَسْتَدْعِي أمرا وَاحِدًا بِعَيْنِه يتوارد عَلَيْهِ أَفْرَاد تِلْكَ المقولة وأفراد الْمِقْدَار فِي الورم وَرَفعه لَا يتوارد على شَيْء وَاحِد بِعَيْنِه فَنَقُول هَذَا مُشْتَرك بَين النمو والذيول وَالسمن والهزال فَمَا هُوَ جوابكم فَهُوَ جَوَابنَا انْتهى.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحَرَكَة فِي الْوَضع: هِيَ الْحَرَكَة الوضعية وَهِي انْتِقَال الْجِسْم من هَيْئَة وضعية إِلَى أُخْرَى على سَبِيل التدريج كَمَا إِذا كَانَ للجسم حَرَكَة على الاستدارة وكما أَن الْقَائِم إِذا قعد فَإِنَّهُ ينْتَقل من وضع إِلَى وضع آخر. وَمن هَذَا الْبَيَان قد ظهر لَك أَن الْحَرَكَة الوضعية لَيست منحصرة فِي الْحَرَكَة على الاستدارة كَمَا يظْهر من ظَاهر كَلَام أثير الدّين الْأَبْهَرِيّ رَحمَه الله فِي هِدَايَة الْحِكْمَة حَيْثُ قَالَ وحركة فِي الْوَضع وَهِي أَن تكون للجسم حَرَكَة فِي الْوَضع وَهِي أَن تكون للجسم حَرَكَة على الاستدارة وَأَنَّهَا منحصرة فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِك لما ذكرنَا أَن الْقَائِم إِذا قعد ينْتَقل من وضع إِلَى وضع فَيتَحَقَّق الْحَرَكَة الوضعية وَلَيْسَ هُنَاكَ الْحَرَكَة على الاستدارة. وَإِنَّمَا قُلْنَا من ظَاهر كَلَامه رَحمَه الله لِأَنَّهُ يُمكن أَن يُقَال مُرَاده وَهِي كَانَ تكون الخ يَعْنِي لم يرد تَعْرِيف الْحَرَكَة الوضعية بِمَا ذكره وَلَا حصرها فِيمَا ذكره بل أَرَادَ تمثيلها بِهِ فَهَذَا تَمْثِيل وتشبيه بليغ بِحَذْف أداته. أَو لِأَن مُرَاده بِمَا ذكره أَن الْحَرَكَة الوضعية على سَبِيل الِانْفِرَاد لَا تُوجد إِلَّا وَقت أَن تكون للجسم حَرَكَة على الاستدارة يَعْنِي أَن مَقْصُوده حصر الْحَرَكَة الوضعية الصرفة فِي الْحَرَكَة على الاستدارة وَلَا شكّ أَن الْقَائِم إِذا قعد كَمَا انْتقل من وضع إِلَى وضع آخر كَذَلِك انْتقل من أَيْن إِلَى أَيْن آخر فَلَا تُوجد الْحَرَكَة الوضعية هُنَاكَ على سَبِيل الِانْفِرَاد. فعلى مَا ذكرنَا يصير كالعهن المنفوش مَا ذكره الشَّارِح الْحسن الميبذي رَحمَه الله من قَوْله أَقُول هَا هُنَا بحث إِذْ علم مِمَّا سبق الخ وَالْحَرَكَة الوضيعة الصرفة أَن يخْتَلف نِسْبَة أَجزَاء الْجِسْم من غير أَن يتبدل الْمَكَان.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحَرَكَة على الاستدارة: هِيَ أَن يُفَارق كل جُزْء من أَجزَاء المتحرك كل جُزْء من أَجزَاء مَكَانَهُ ويلازم كُله مَكَانَهُ كَمَا فِي حجر الرَّحَى ويتحقق الْحَرَكَة الوضعية حِينَئِذٍ على سَبِيل الِانْفِرَاد لاخْتِلَاف نِسْبَة أَجزَاء المتحرك إِلَى أَجزَاء مَكَانَهُ على سَبِيل التدريج فَقَط فَإِن قلت إِن الْحَرَكَة الوضعية متحققة فِي فلك الأفلاك وَلَا مَكَان لَهُ قُلْنَا المُرَاد كل جُزْء من أَجزَاء مَكَانَهُ لَو كَانَ لَهُ مَكَان يَعْنِي أَن اعْتِبَار الْمُفَارقَة المكانية فِي الْأَجْزَاء إِنَّمَا هُوَ فِيمَا كَانَ لَهُ مَكَان لَا مُطلقًا. وَنَظِيره مَا قَالَ صَاحب المواقف أَن الْمَسْأَلَة مَا برهن عَلَيْهَا فِي الْفَنّ. وَقَالَ الشَّارِح رَحمَه الله أَن المُرَاد مَا برهن عَلَيْهَا على تَقْدِير كَونهَا نظرية لَا مُطلقًا. وَيُمكن الْجَواب أَيْضا بِأَن المُرَاد من الْمَكَان هُوَ الحيز فِي قَوْله أَجزَاء مَكَانَهُ إِذْ يجوز إِطْلَاق أَحدهمَا على الآخر لرابطة الْعُمُوم وَالْخُصُوص. ثمَّ اعْلَم أَن الْحَرَكَة المستديرة اصْطِلَاحا مَخْصُوص بِمَا لَا يخرج المتحرك عَن مَكَانَهُ. ولغة أَعم من ذَلِك فَإِن الْجِسْم إِذا تحرّك على مُحِيط دَائِرَة يُقَال إِنَّه متحرك بحركة مستديرة بِحَسب اللُّغَة.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحَرَكَة الذاتية: هِيَ الْحَرَكَة الَّتِي تعرض للمتحرك أَولا وبالذات من غير أَن تكون هُنَاكَ وَاسِطَة فِي الْعرُوض وَإِن كَانَ هُنَاكَ وَاسِطَة فِي الثُّبُوت لَا مَا يكون ذَات المتحرك عِلّة لَهَا كَيفَ فَإِنَّهَا تَنْقَسِم على ثَلَاثَة أَقسَام طبيعية وقسرية وإرادية ويقابلها.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحَرَكَة العرضية: فَهِيَ الَّتِي تعرض للمتحرك لَا أَولا وبالذات بل تكون هُنَاكَ وَاسِطَة فِي الْعرُوض للجسم بِوَاسِطَة عروضها. وَبِعِبَارَة أُخْرَى هِيَ مَا يكون عروضها للجسم بِوَاسِطَة عروضها لشَيْء آخر بِالْحَقِيقَةِ كالجالس فِي السَّفِينَة المتحرك بحركتها. وَهَذَا هُوَ مُرَاد الْحسن الميبذي رَحمَه الله مِمَّا قَالَ فِي (شرح الْهِدَايَة فِي الْحِكْمَة) مَا يُوصف بالحركة إِمَّا أَن تكون الْحَرَكَة حَاصِلَة فِيهِ بِالْحَقِيقَةِ أَو لَا بل تكون الْحَرَكَة حَاصِلَة فِي شَيْء آخر يقارنه فيوصف هَذَا بالحركة تبعا لذَلِك الشَّيْء وَالْحَرَكَة المنسوبة إِلَى الأول تسمى ذاتية والمنسوبة إِلَى الثَّانِي تسمى عرضية كحركة أَعْرَاض الْجِسْم انْتهى.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحَرَكَة الإرادية: وَإِنَّمَا تَنْقَسِم الْحَرَكَة الذاتية إِلَى الإرادية والطبيعية والقسرية لِأَن مبدأ الْحَرَكَة الَّذِي هُوَ طبيعة الْجِسْم المتحرك. إِمَّا أَن يَسْتَفِيد التحريك من أَمر خَارج فَهِيَ الْحَرَكَة القسرية أَولا يَسْتَفِيد فإمَّا لمبدأها شُعُور بِتِلْكَ الْحَرَكَة. أَولا، الأول: الْحَرَكَة الإرادية. وَالثَّانِي
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحَرَكَة الطبيعية: كحركة الْحجر إِلَى السّفل.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحَرَكَة القسرية: هِيَ الْحَرَكَة على خلاف مُقْتَضى طبيعة المتحرك بِوُجُود مبدئها فِيهِ المتصف بِالتَّحْرِيكِ من خَارج فمبدأ الْحَرَكَة القسرية هِيَ طبيعة المقسور بمعاونة القاسر وتحريكها مُسْتَفَاد من الْخَارِج كالحجر المرمي إِلَى الفوق.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحَرَكَة المستقيمة: فِي اللُّغَة هِيَ الْحَرَكَة الْوَاقِعَة على الْخط الْمُسْتَقيم. وَفِي الِاصْطِلَاح هِيَ الْحَرَكَة الأينية مُطلقًا أَي سَوَاء كَانَت مُسْتَقِيمَة أَو منحنية أَو جوالة أَي وَاقعَة على الْخط الْمُسْتَقيم أَو المنحني أَو المستدير فالحركة المستقيمة أَعم اصْطِلَاحا وأخص لُغَة.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْحَرَكَة المستديرة: فِي الِاصْطِلَاح هِيَ الْحَرَكَة على الاستدارة الْمَذْكُورَة آنِفا. وَفِي اللُّغَة شَامِلَة للحركة على الاستدارة ولحركة المتحرك على خطّ مستدير وللحركة الجوالة والمدحرجة والقوسية والمتحرك على الشكل البيضي فالحركة المستديرة أَعم لُغَة وأخص اصْطِلَاحا. وَاعْلَم أَن الْحسن الميبذي رَحمَه الله فِي شرح هِدَايَة الْحِكْمَة مَا قَالَ فِي فصل أَن الْفلك بسيط من أَن المستديرة هِيَ الوضعية جَوَاب دخل مُقَدّر تَقْرِيره أَن الْحَرَكَة المستقيمة مُقَابلَة للحركة المستديرة والأينية أَعم مِنْهُمَا فَلَمَّا فسر الْحَرَكَة المستقيمة بالأينية صَارَت أَعم من المستديرة عمومها يُنَافِي كَون المستقيمة مُقَابلَة للمستديرة لِأَنَّهُ لَا مُقَابلَة بَين الْأَعَمّ والأخص. وَحَاصِل الْجَواب أَن للمستديرة إطلاقين قد تطلق على الوضعية الْمَحْضَة وَبِهَذَا الْمَعْنى يُقَابل الْحَرَكَة المستقيمة والأينية لَيست أَعم مِنْهَا أَي شَامِلَة للمستديرة بِهَذَا الْمَعْنى. وَقد تطلق على الْحَرَكَة على الاستدارة بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ كَمَا إِذا تحرّك شَيْء على خطّ مستدير وَالْحَرَكَة المستديرة بِهَذَا الْمَعْنى نوع من الْحَرَكَة الأينية فَتكون نوعا من الْحَرَكَة المستقيمة أَيْضا وَلَا مُقَابلَة بَين المستقيمة والمستديرة بِهَذَا الْمَعْنى فتفسير الْحَرَكَة المستقيمة بالأينية لَا يرفع المقابله بَين الْحَرَكَة المستقيمة بِمَعْنى الْحَرَكَة الوضعية الْمَحْضَة يَعْنِي بِدُونِ الأينية. وَهَذَا تَحْقِيق فويق نَافِع هُنَاكَ.الْحَرَكَة على التوالي وَالْحَرَكَة على غير التوالي: اعْلَم أَن لكل فلك سوى الْفلك الْأَعْظَم حَرَكَة مُتَوَالِيَة وَله حَرَكَة غير مُتَوَالِيَة. وحركة التوالي هِيَ الْحَرَكَة من الْمغرب إِلَى الْمشرق. وَلَا على التوالي هِيَ الْحَرَكَة من الْمشرق إِلَى الْمغرب.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
المقولات الَّتِي تقع فِيهَا الْحَرَكَة أَربع: كَمَا مر فِي الْحَرَكَة فِي المقولة.
|
|
الحركة: الخروج من القوة إلى الفعل تدريجا، وقيل هي شغل حيز بعد أن كان في حيز آخر، وقيل هي كونان في آنين في مكانين كما أن السكون كونان في آنين في مكان واحد.
|
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
|
الحركة في الكم: انتقال الجسم من كمية إلى أخرى كالنمو والذبول، ولا تكون إلا للجسم.
|
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
|
الحركة في الكيف: كتسخن الماء وبرودته وتسمى حركة استحالة.
|
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
|
الحركة العرضية: ما يكون عروضها للجسم بواسطة عروضها لآخر بالحقيقة كجالس السفينة.
|
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
|
الحركة الذاتية: ما يكون عروضها لذات الجسم نفسه.
|
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
|
الحركة القسرية: ما يكون مبدؤها بسبب ميل مستفاد من خارج كحجر مرمي إلى فوق.
|
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
|
الحركة الإرادية: ما لا يكون مبدؤها بسبب أمر خارج مقارن للشعور والإرادة كحركة الحيوان بإرادته.
|
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
|
الحركة الطبيعية: ما لا يحصل بسبب أمر خارج وليس بشعور وإرادة كحركة الحجر إلى السفل.
|
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
|
الحركة بمعنى القطع: إنما تحصل عند وجود الجسم المتحرك إلى المنتهى لأنها هي الأمر الممتد من أول المسافة إلى آخرها.
|
|
الحركة:نصف الألف، وبها تقدّر -عند المتأخرين- مقادير المدود، وهي بمقدار نصف المد الطبيعي، ويقدر زمنها بمعدل قبض الإصبع أو بسطه، من غير سرعة ولا بطء، وُيعبر عنه بـ (فويق) و (فوق)، يقال: قرأ بـ (فويق القصر) و (فوق القصر) أي بمقدار ثلاث حركات، وقرأ بـ (فويق التوسط) و (فوقالتوسط) أي بمقدار خمس حركات.
|
مختصر العبارات لمعجم مصطلحات القراءات للدوسري
|
الحركة العارضة:حركة التقاء الساكنين نحو قوله تعالى: {{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ}}. وكذلك حركة الهمزة المنقولة إلى الساكن قبلها، نحو قوله تعالى: {{وَانْحَرْ (2) إِنَّ}} على رواية ورش (ت 197 هـ)، لأن أواخر هذه الكلم وأشباهها ساكنة، وإنما حركت لالتقاء الساكنين أو النقل، وكلاهما عارض في الوصل زائل في الوقف.
|
مختصر العبارات لمعجم مصطلحات القراءات للدوسري
|
الحركة المختلسة
انظر: الاختلاس. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
تعدية الأفعال اللازمة بالحركةالأمثلة: 1 - دَهَشَه الأَمْرُ 2 - نَخَر السوسُ الخَشَبَالرأي: مرفوضةالسبب: لأنَّ تعدية الفعل المُجَرَّد ليس من كلام الفصحاء.
الصواب والرتبة:1 - أدْهَشَه الأَمْرُ [فصيحة]-دَهَشَه الأَمْرُ [صحيحة]2 - نَخِر الخَشَبُ [فصيحة]-نَخَر السوسُ الخَشَبَ [صحيحة] التعليق: الثابت في المعاجم أنَّ الفعلين «دَهِش»، و «نَخِر» لازمان، ووزنهما «فَعِل». ويمكن تصحيح الاستعمالين المرفوضين، اللذين وَرَد فيهما الفعلان متعديين بالحركة، فصارا «دَهَش»، و «نَخَر»، على وزن «فَعَل»، باعتبار قياسية التعدية بالحركة كما ذكر بعض اللغويين كابن هشام. وقد جاءت أمثلة كثيرة على هذه التعدية، مثل: «حَزِن» اللازم و «حَزَن» المتعدي، وقد جاء الفعلان في القرآن الكريم في قوله تعالى: {{كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ}} طه/40، وهو مضارع «حَزِن» اللازم، وقوله تعالى: {{فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ}} لقمان/23، وهو مضارع «حَزَن» المتعدي، وقد جاء الاستعمالان المرفوضان في بعض المعاجم الحديثة والقديمة، فقد أثبت الأساسي والمنجد الفعل «نَخَر». أما الفعل «دَهَش»، فقد ذكر صاحب المصباح أنه يتعدَّى في لغة بالحركة، فيقال: دَهَشه، وهي دون الفصحى وهي التعدية بالهمزة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
البركة، في مدح السعي والحركة
للشيخ، جمال الدين: محمد بن عبد الرحمن الحبشي، اليمني. المتوفى: سنة 782. أوله: (الحمد لله الملك الجواد... الخ). في مجلد. |
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الحَرَكَةُ: حُصُول الْجَوْهَر فِي حيّز قبل حُصُوله فِي حيّز آخر.
|
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الحركةُ: هِيَ الْخُرُوج من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل لَا فِي آن وَاحِد.
|
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الحركةُ السريعةُ: مَا يقطع مَسَافَة أطول فِي زمَان مسَاوٍ، أَو الْمثل فِي زمَان أقل، أَو الأطول فِي الْأَقَل.
الحركَةُ البَطِيئَةُ: عكس ذَلِك. الحركةُ الكوكبيةُ: حَرَكَة مركبة من المستقيمة، والمستديرة. |
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الحركةُ القسْرِيَّة: مَا يكون بِقُوَّة حَاصِلَة مستفادة من خَارج.
|
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الحركةُ الإرادِيَّةُ: مَا يكون بِقُوَّة حَاصِلَة من خَارج مَعَ الْقَصْد.
|
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الحركةُ الطبيعيةُ: مَا لَا يكون بِقصد.
|
المخصص
|
ابْن السّكيت، السَّلْفَع، الجرِيئَة البَذِيَّةُ القَلِيلة الحَياءِ، قَالَ، وَلَا يُقال ذَلِك إِلَّا للحَدَث والتَّرِعةُ - الفاحِشَة الخَفيفة الرَّهِقة والسِّلْفة - الفاحِشَة والإِلْقة - الكَذُوب والمُفَنَّنة - الكَثِيرة الكلامِ والمِنْداص - الخَفِيفة الطَّيَّاشة وَأنْشد: وَلَا تَجِد المِنْداص إِلَّا سَفِيهةً وَلَا تَجِدُ المِنْداصَ نائِرةَ الشَّتْمِ والمِشَانُ - السَّلِيطة المُشاتِمَة وَأنْشد: وَهَبْتَه من سَلْفَع مِشَانِ والصَّيْدانَةَ - الكَثِيرة الكَلامِ السيِّئة الخُلُق والصَّيْدانةُ - الغُول وَأنْشد: صَيْدانَةٌ تُوِقدُ نارَ الجِنِّ والعَنْقَفِير - السَّلِيطة الغالِبَة الشرِّ الداهِيَةُ والعُنْظُوانة - الفاحِشَة يُقَال هِيَ تُعَنْظِي وتُغَنْظِي وتُحَنْظِي وتُخَنْظِي وتُشَنْظِرُ والشَّنْظرة - شَتْم أَعْراض القْومِ وَأنْشد: يُشَنْظِر بالقَوْمِ الكِرام ويَعْتزِي إِلَى شَرِّحافٍ فِي البِلاد وناعِلِ أَبُو عبيد، امْرَأَة نَعَّارة - فَحَّاشةٌ صَخَّابة من النَّعِير - وَهُوَ الصَّوْت وَقد تقدم، أَبُو عبيد، امْرَأَة هَمَشْى الحدِيثِ - وَهِي الَّتِي تُكْثِر الكلامَ وتُجَلِّب، السيرافي، امْرَأَة سِعْلاةُ - صَخَّابة وَقد مَثْل بِهِ سِيبَوَيْهٍ، أَبُو عبيد،
العِنْفِصُ - البَذِيَّة القَلِيلة الحياءِ وَقد تقدم أَنَّهَا القصيرة قَالَ والمجعة والجلعة الَّتِي أَلْقَت عَنْهَا الْحيَاء وَالِاسْم المَجَاعة والْجَلاعة، ابْن دُرَيْد، وَهُوَ الْجَلْع، وَقَالَ، جالِعُ ومُجَالِعٌ، صَاحب الْعين، جَلَعتْ تَجْلَعُ جَلْعاً، أَبُو خَيْرة، امرأةُ بِظْرِيرُ - طَوِيلة اللِّسان صَخَّابةٌ وَقد رُويت بِالطَّاءِ أَي أَنَّهَا بَطِرتْ وأشِرت، ابْن السّكيت، الخِنْجِرُ - البَذِيَّة الصَّخَّابة الجَسِيمة والفُتُق - الَّتِي تَفْتُق فِي الْأُمُور وَأنْشد: ليْستْ بشَوْشاةِ الحَدِيث وَلَا فُتُقٍ مُغَالِبةٍ على الْأَمر أَبُو عبيد، امْرَأَة فُتُقٌ - متُفتِقِّة بالْكلَام، الْأَصْمَعِي، امْرَأَة خطَّالة وخَطَلُها - فُحْشها وعَيْبها، اللحياني، امْرَأَة - فَيْلَقٌ صَخَّابة، أَبُو عبيد، الصَّهْصَلِقُ - الشَّدِيدة الصَّوتِ، ابْن دُرَيْد، وَهِي الصَّهْصَلِيق وَأنْشد غَيره: صَلَّبةُ الصَّيْحة صَهْصَلِيقُها أَبُو زيد، وَهِي الفَحَّاشة والبُهْصُلُ - الصَّخَّابة الجَريئة، صَاحب الْعين، امْرَأَة فَيْلَقٌ - صَخَّابة وَامْرَأَة ذَرِية - حَدِيدة اللِّسان، ابْن السّكيت، الشَّفْشَلِيق والبُهْلُقُ والبِهْلِق - الكَثِيرة الْكَلَام وَالَّتِي لَيْسَ لَهَا صَيُّور أَي رأْي ترْجِع إِلَيْهِ يُقَال لَقِينا فلَانا فتَمَلَّق لنا بِكَلَامِهِ وعِدَته فَيَقُول السامعُ لَا تَغُرَّنَّكم بَهْلَقتُه فَإِنَّهُ مَا عِنْده خَيْر والصَّيُود - السَّيِّئة الخُلُق الَّتِي كُلَّما وضَع زَوْجها يَده على شيءٍ من جَسَدِها ضَربَتْ يدَه، ابْن دُرَيْد، امْرَأَة جَهْوى - قَلِيلةُ التَّسَتُّر وَامْرَأَة خَنْبَش - كَثِيرة الحَرَكة، ابْن الْأَعرَابِي، امْرَأَة عَيَهَلٌ وعَيْهَلَةٌ - لَا تسْتِقرُّ فِي مَكَان نزقا وامرأةٌ علْجَنٌ - ماجِنَة وَأنْشد: يَا رُبّ أمِّ لصغيرِ عَلْجَنِ والعَنْجَرة - الجَرِيئة والدَلْعَوْس - الجرِيئة على اللَّيْل |
المخصص
|
أَبُو عُبَيْد: لَيْسَ بِهِ طِرْقٌ.
ابْن السّكيت: مَا بالبعير هُنانَةٌ. أَبُو زيد: مَا بِهِ هانَّةٌ كَذَلِك. غَيره: يُقَال للبخيل مَا بِهِ هانَّة: أَي لَيْسَ عِنْده شَيْء من الخَيْر. ابْن السّكيت: وَمَا بِهِ صُهارَة: أَي مَا بِهِ طِرْق، وَمَا بِهِ شَقَذٌ وَلَا نَقَذٌ وَمَا بِهِ حَبَضٌ وَلَا نبَضٌ وَلَا نَطيشٌ: أَي مَا بِهِ حَراكٌ، وَمَا بِهِ نَويصٌ: أَي قوَّة. غَيره: مَا بِهِ عَوْكٌ وَلَا بَوْكٌ: أَي حَرَكَة. |
معجم علوم القرآن - الجرمي
|
وحدة قياسية لقياس وتقدير زمن المد والسكت والغنة. ووزن الحركة الزمني نصف وزن الحرف المتولد عنها. ولذلك سموا الفتحة الألف الصغرى، لأن الألف متولدة عن فتحة بمضاعفة وزن زمنها. وكذلك الواو الصغرى والياء الصغرى. فالألف مد الصوت بمقدار النطق بفتحتين، والواو مقدار النطق بضمتين، والياء مقدار النطق بكسرتين. وقد كان العلماء والقراء القدماء يعبرون عن وزن الحركتين بالألف، فيقولون مثلا: تمد كلمة جاءَ [النصر: 1] بمقدار ألفين، ويعنون بها أربع حركات. وقدر البعض زمن الحركتين بمقدار زمن نطق كلمة بب أو تت. وقدرها البعض بزمن قبض الإصبع أو بسطها. وقدرها البعض بثانية من ثواني الدقيقة. وما هذا الاختلاف والتباين إلا تقريب لزمن المد المنقول خلفا عن سلف، ولا يغيبنّ عن بال القارئ أن تقدير زمن المد أمر نسبي تقريبي، وأنه لا يمكن ضبطه وإتقانه إلا بالمشافهة والتلقي عن القراء المجودين المهرة. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم
Silent Contract between Western Civilization and the Zionist Movent regarding Western Jewry «العقد» هو اتفاق بين طرفين يلتزمان بمقتضاه تنفيذ بنوده، أما «العقد الصامت» فهو عقد ضمني غير مكتوب لا يتم الإفصاح عنه أو التصريح به. والعقد الصامت في أغلب الأحيان غير واع ومع هذا فهو يعبِّر عن نفسه من خلال سلوك الأفراد والجماعات والمؤسسات. ويمكن القول بأن كل مجتمع إنساني يستند إلى عقد صامت بين أعضائه ينطلق من بعض المقولات الأولية القَبْلية التي يؤمن بها أعضاء هذا المجتمع، وتستمد السلطة الحاكمة شرعية وجودها واستمرارها من هذا العقد. والحديث عن «العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية» هو محاولة من جانبنا لتسمية شيء كامن مهم مُتضمَّن لم يُسمِّه أحد من قبل، رغم المقدرة التفسيرية للمصطلح. وقد ظل تاريخ الصهيونية متعثراً قبل ظهور هرتزل وظلت الصهيونية فكرة غير قادرة على التحقق لأسباب عديدة من أهمها أن دعاة الفكر الصهيوني كانوا من الصهاينة غير اليهود أو من أعداء اليهود، الأمر الذي جعل أعضاء المادة البشرية المستهدفة (أي اليهود) يرفضون الدعوة إلى استيطان فلسطين. كما أنه لم تكن هناك أية أطر تنظيمية تضم كل الجماعات اليهودية. وعلاوة على هذا كان هناك يهود الغرب المندمجين الذين كانوا يرون أن المشروع الصهيوني يهدد وجودهم ومكانتهم وكل ما حققوه من مكاسب. وقد حل هرتزل كل هذه الإشكاليات، فقام بوضع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية استناداً للصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي نبعت من صميم هذه الحضارة ومن تاريخها الفكري والاقتصادي والسياسي. ولم يكتف هرتزل بوضع العقد وإنما قام بتأسيس المنظمة الصهيونية التي طرحت نفسها كإطار تنظيمي يمكن من خلاله توقيع العقد مع الحضارة الغربية وفرض الصيغة الصهيونية الشاملة على الجماهير اليهودية بحيث تتحول هذه الجماهير إلى مادة استيطانية ويدخل المشروع الصهيوني إلى حيز التنفيذ. كما طوَّر هرتزل الخطاب المراوغ الذي جعل بالإمكان إرضاء مختلف قطاعات يهود العالم الغربي (في غرب أوربا وشرقها) ، بل استيعاب كل ما قد يجد من مشاكل في المستقبل، الأمر الذي فتح الباب أمام تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. وهرتزل، واضع العقد الصامت، لم يكن مفكراً من الطراز الأول أو مُنظِّراً قادراً على التجريد وإنما كان صحفياً ذكياً سطحياً قليل الثقافة وخبرته السياسية محدودة، ولذا فإن تَوجُّهه كان برجماتياً عملياً. ومع هذا، فإن كتاباته تضم مادة هذا العقد الصهيوني الصامت كما تضم كتابات من لحقه مواد تكميلية للعقد. وكما أسلفنا هذا عقد صامت، غير مكتوب، أي أن كلمة «عقد» هنا تُستخدَم مجازاً. ومع هذا يمكننا القول بأن هذه الصورة المجازية ليست من نحتنا إلا بشكل جزئي. فهي تتواتر في الأدبيات الصهيونية غير اليهودية (وهذا أمر متوقع، فهي صهيونية كانت تنظر لليهود كعنصر نافع غريب يمكن توظيفه) ثم انتقلت الكلمة إلى كتابات الصهاينة اليهود. فقد أشار هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول (1897 إلى ضرورة التفاهم التام مع الوحدات السياسية المعنية حتى يتم الحديث عن حقوق الاستعمار وعن المنافع التي سيقدمها الشعب اليهودي برمته مقابل ما يُعطَى له. كما أشار إلى أن هذا سيأخذ شكل اتفاقية وإلى أن الاتفاقية سوف تصاغ على أساس الحقوق (التي ستُمنَح لليهود) وعلى أساس تعهدات قانونية معترف بها. وحينما طلب القيصر ولهلم الثاني من هرتزل أن يلخص له مطالب الصهيونية، قال هذا "تشارتر charter"، أي «ميثاق» أو «براءة» أو «عقد شركة» . وكان الصهاينة يشيرون إلى وعد بلفور باعتباره هذا الميثاق أو البراءة أو العقد الذي مُنح للحركة الصهيونية. وقد كان هرتزل يهدف إلى تحديث المسألة اليهودية، ولذا فقد كان من اللازم أن يستخدم (فعلاً أو ضمناً) اللغة التعاقدية النفعية التي تفهمها الحضارة الغربية. وإذا حاولنا ترجمة هذا العقد الصامت الذي يستند إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة إلى لغة تعاقدية بسيطة، فإنه سيأخذ الشكل التالي: عقد بين المنظمة الصهيونية (كمتحدث غير مُنتخَب باسم يهود شرق أوربا وغربها) وبين العالم الغربي (وضمنه المعادون لليهود) ، وتفاهم ضمني بين يهود غرب أوربا ويهود اليديشية. تتعهد الحركة الصهيونية بمقتضى هذا العقد بإخلاء أوربا من يهودها (أو على الأقل الفائض البشري اليهودي) وتوطينهم في منطقة خارج هذا العالم الغربي (داخل دولة وظيفية) ، ويتحقق نتيجة ذلك ما يلي: 1 ـ الهدف الأكبر: يُؤسِّس المستوطنون، في موقعهم الجديد، قاعدة للاستعمار الغربي، وتتعهد الصهيونية بتحقيق مطالب الغرب ذات الطابع الإستراتيجي ومنها الحفاظ على تَفتُّت المنطقة العربية. 2 ـ أهداف أخرى: أ) يتم بذلك تخليص العالم الغربي من اليهود الزائدين، باستيعابهم في ذلك الجيب وتحويل فيض المهاجرين من يهود اليديشية. ب) عن طريق نَقْل اليهود، ستقوم الحركة الصهيونية بالسيطرة على الشباب اليهودي وتسريب طاقته الثورية من خلال القنوات الصهيونية. جـ) ستقوم الحركة الصهيونية بحشد يهود العالم وراء المشروع الصهيوني الغربي بحيث يصبحون عملاء ووكلاء للغرب أينما كانوا. د) ستقوم الحركة الصهيونية بتجنيد يهود الغرب المعروفين بثرائهم ليدعموا هذا المشروع الغربي دون أن تطالبهم بالهجرة. هـ) عن طريق نقل اليهود، ستقضي الصهيونية على معاداة اليهود في الغرب. ونظير ذلك، سيقوم الغرب (ككل) برعاية هذا المشروع ودَعْمه، كما أنه سيساعد الحركة الصهيونية في الهيمنة على يهود العالم الغربي (الذين يشكلون غالبية يهود العالم) . ولم يتوجه العقد بطبيعة الحال لمشكلة السكان الأصليين وكيفية حلها، ومع هذا يمكن القول بأن الحل مُتضمَّن في تَعهُّد الدول الغربية بضمان بقاء الدولة الوظيفية، الأمر الذي يعني استعدادها لاستخدام الآليات المألوفة المختلفة ضد السكان الأصليين من طَرْد أو إبادة أو محاصرة. وبرغم تناقض بنود العقد، إلا أنه تم توقيعه (مجازاً) وأصبح قيام الصهيونية بـ "خدمة اليهود والمسيحيين" (على حد قول نوردو) ممكناً وبتوظيف المادة البشرية اليهودية في خدمة الحضارة الغربية، ولذا "ستقام الصلوات في المعابد] اليهودية] من أجل نجاح هذا المشروع، وستُقام الصلوات في الكنائس أيضاً" (على حد قول هرتزل) . وقد أُضيف بعد ذلك عقد تكميلي أو تفاهم بين يهود الغرب التوطينيين ويهود شرق أوربا الاستيطانيين بحيث تَكفَّل يهود الغرب بالجانب التوطيني بدعم المُستوطَن الصهيوني مالياً والضغط من أجله سياسياً شريطة ألا تناقض مصالح المُستوطَن الصهيوني مصالح بلادهم، وبحيث يكتسبون شيئاً من هويتهم من خلال تَوحُّدهم العاطفي مع المُستوطَن الصهيوني مع بقاء ولائهم لأوطانهم، كما يتعيَّن على الصهاينة الاستيطانيين ألا يقوموا بشيء من شأنه إحراجهم أمام حكوماتهم أو وَضْع ولائهم لأوطانهم موضع الشك. أما الاستيطان والقتال والدفاع عن المصالح الإستراتيجية، فيقوم به الاستيطانيون في صهيون: أرض الميعاد والقتال. وقد لعبت الصياغة الصهيونية المراوغة دوراً أساسياً في صياغة العقد وترويجه. كما تم توقيع العقد بإصدار إنجلترا وعد أو عقد بلفور. وقد عبَّر العقد عن نفسه عبر تاريخ الصهيونية من خلال مذكرات تفاهم واتفاقيات عسكرية وإستراتيجية ودعم عسكري ومالي وسياسي فعلي. الوعود البلفورية Balfour Declarations «الوعود البلفورية» مصطلح نستخدمه للإشارة إلى مجموعة من التصريحات التي أصدرها بعض رجال السياسة في الغرب يدعون فيها اليهود لإقامة وطن قومي لهم في فلسطين ويعدون بدعمه وتأمينه نظير أن يقوم اليهود على خدمة مصالح الدولة الراعية، أي أنها دعوة لتوقيع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية. والوعود البلفورية تعبير عن نموذج كامن في الحضارة الغربية يضرب بجذوره فيها. وهي حضارة تنحو منحى عضوياً، وتجعل التماسك العضوي مثلاً أعلى. ونظراً لأن التماسك العضوي هو المثل الأعلى، فإن عدم التجانس يصبح سلبياً كريهاً. وينتج عن هذه الرؤية للكون رفض الآخر في شكل الأقليات. ومن ثم، نجد أن الحضارة الغربية (والمسيحية الغربية) لم تتوصل إلى إطار تتعامل من خلاله مع الأقليات، وبالذات اليهود، وإنما همَّشتهم (شعب شاهد) وحوسلتهم (جماعة وظيفية) . ومنذ عصر النهضة الغربية والثورة العلمانية الشاملة، بدأت أزمة الجماعات اليهودية وظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي تُعَد جزءاً من فكرة العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم: شعب عضوي منبوذ ـ نافع ـ يُنقَل خارج أوربا إلى فلسطين ليُوظَّف لصالحها في إطار الدولة الوظيفية. وقد صدرت معظم الوعود البلفورية في القرن التاسع عشر واستمرت حتى صدور وعد بلفور عام 1917، الذي حسم مسألة علاقة اليهود بالحضارة الغربية. وسنقوم بمحاولة تحليل عدد من الوعود البلفورية وسنقسمها إلى ثلاثة عناصر أساسية: 1 ـ نص الوعد 2 ـ الديباجة العلنية (أو الأسباب المعلنة) التي عادةً ما ترد في الوعد نفسه أو في مجال الدفاع عنه. 3 ـ الدوافع الخفية (العميقة أو الحقيقية) وهي عادةً لا ترد في أيٍّ من الوعود، وعلينا أن نبحث عنها في نصوص وحقائق تاريخية تشكِّل السياق التاريخي للوعد البلفوري موضع البحث. ويُعتبَر نابليون بونابرت من أوائل القادة الغربيين الذين أصدروا وعداً بلفورياً وهو أيضاً أول غاز للشرق في العصر الحديث. وفيما يلي الجزء المهم من نص الوعد: "من نابليون القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين. أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذين لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم اسمهم ووجودهم القومي وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط. إن مراقبي مصائر الشعوب الواعين المحايدين ـ وإن لم تكن لهم مواهب المتنبئين مثل أشعياء ويوئيل ـ قد أدركوا ما تنبأ به هؤلاء بإيمانهم الرفيع من دمار وشيك لمملكتهم ووطنهم: أدركوا أن عتقاء الإله سيعودون لصهيون وهم يُغنّون، وسيُولَد الابتهاج بتَملُّكهم إرثهم دون إزعاج، فرحاً دائماً في نفوسهم (أشعياء 35/10) . انهضوا إذن بسرور أيها المبعدون. إن حرباً لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، تخوضها أمة دفاعاً عن نفسها بعد أن اعتبر أعداؤها أرضها التي توارثوها عن الأجداد غنيمة ينبغي أن تُقسَّم بينهم حسب أهوائهم. وبجرة قلم من مجلس الوزراء تقوم للثأر وللعار الذي لحق بها وبالأمم الأخرى البعيدة. ولقد نُسي ذلك العار تحت قيد العبودية والخزي الذي أصابكم منذ ألفي عام. ولئن كان الوقت والظروف غير ملائمة للتصريح بمطالبكم أو التعبير عنها، بل وإرغامكم على التخلي عنها، فإن فرنسا تقدم لكم إرث إسرائيل في هذا الوقت بالذات، وعلى عكس جميع التوقعات. إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به، والذي يقوده العدل ويواكبه النصر، جعل القدس مقراً لقيادتي، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي لم تَعُد تُرهب مدينة داود. يا ورثة فلسطين الشرعيين: إن الأمة التي لا تتاجر بالرجال والأوطان، كما فعل أولئك الذين باعوا أجدادهم لجميع الشعوب (يوئيل 4/6) ، تدعوكم لا للاستيلاء على إرثكم بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء. انهضوا وأظهروا أن قوة الطغاة القاهرة لم تُخمد شجاعة أحفاد هؤلاء الأبطال الذين كان تَحالُفهم الأخوي شرفاً لإسبرطة وروما (مكابيون 12/15) ، وأن معاملة العبودية التي دامت ألفي عام لم تُفلح في إخمادها. سارعوا! إن هذه هي اللحظة المناسبة ـ التي قد لا تتكرر لآلاف السنين ـ للمطالبة باستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم، تلك الحقوق التي سُلبت منكم لآلاف السنين، وهي وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي في عبادة يهوه، طبقاً لعقيدتكم، علناً وإلى الأبد. (يوئيل 4/20. وفيما يتعلق بوعد نابليون البلفوري، يمكن ملاحظة ما يلي: 1 ـ جوهر الوعد هو العبارة التالية: "تقدِّم فرنسا فلسطين لليهود في هذا الوقت بالذات، وعلى عكس جميع التوقعات ... وهذه هي اللحظة المناسبة التي قد لا تتكرر لآلاف السنين". "تدعوكم [فرنسا] لا للاستيلاء على إرثكم بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء". "وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي في عبادة يهوه طبقاً لعقيدتكم، علناً وإلى الأبد". 2 ـ لا يختلف تصريح نابليون عن وعد بلفور، فنابليون يعتبر أعضاء الجماعات اليهودية شعباً غريباً عن وطنه (وهو ما يعني إسقاط المواطنة عنه) وهو شعب مرتبط بفلسطين. وقد وجه نابليون نداءه إلى "الشعب الفريد" و"المبعدين" الذين عاشوا "تحت قيد العبودية والخزي ... منذ ألف عام" و"ورثة فلسطين الشرعيين" (أي الشعب العضوي المنبوذ) بأن يتبعوا فرنسا التي ستقدم لهم إرث إسرائيل، أي أرض فلسطين، أي أنهم سيتم خروجهم من فرنسا وتوطينهم في فلسطين. 3 ـ ثم نأتي ثالثاً إلى الدوافع الخفية الحقيقية، وليس من الصعب تخمينها، فنابليون لم يَكُن يُكن كثيراً من الحب أو الاحترام لليهود، وهذا يظهر في تشريعاته داخل فرنسا. ولذا، فإن إرسالهم إلى فلسطين فيه حل للمسألة اليهودية في فرنسا (والتي كانت قد بدأت في التفاقم) . ومع هذا، كان نابليون يهدف إلى توظيف اليهود في خدمة مشاريعه وتحويلهم إلى عملاء له، وهذا ما قاله ملك إيطاليا لهرتزل (وقد وافقه الزعيم الصهيوني على رأيه) . ولعل إشارة نابليون إلى التقاليد المكابية هو إشارة خفية للدور القتالي (المملوكي) الذي يمكن أن تلعبه الدولة اليهودية المقترحة في خدمة المصالح الغربية. وقد صدرت أيضاً عدة وعود بلفورية ألمانية. ويمكننا هنا أن نتوقف قليلاً عند واحد من أهم إسهامات هرتزل للحركة الصهيونية وهو أنه إذا كانت الفكرة الصهيونية إمكانية كامنة في الحضارة الغربية تود أن تتحقق، فلم يكن بإمكانها أن تخرج من عالم الوجود بالقوة إلى عالم الوجود بالفعل إلا من خلال آليات محددة أهمها تنظيم المادة البشرية (اليهودية) التي سيتم ترحيلها وتأسيس إطار تنظيمي يستطيع أن يتلقى الوعود وأن يقوم بتنفيذها. وحينما أصدر نابليون وعده البلفوري لم يكن هناك تنظيم يهودي يمكنه تلقِّي هذا الوعد والعمل على تسخير المادة البشرية لتنفيذه. وهذا ما أنجزه هرتزل بعد أن نشر كتابه دولة اليهود الذي وضَّح فيه ما نسميه «العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية» . فقرَّر هرتزل أن يأخذ بزمام الأمور وأن يتوجه للدول العظمى. وقد ساعده في مسعاه هذا القس (الواعظ) الصهيوني نصف المجنون هشلر إذ قدمه إلى أحد كبار المسئولين الألمان الذي تحدَّث إلى القيصر عن الموضوع. وكانت ثمرة هذه الاتصالات وعد بلفوري ورد في خطاب من دون إيلونبرج باسم حكومة القيصر إلى هرتزل (مؤرخ في سبتمبر 1898وجاء فيه: "إن صاحب الجلالة على استعداد أكيد أن يناقش الأمر [توطين اليهود] مع السلطان، وأنه سيسعده أن يستمع إلى مزيد من التفاصيل منكم في القدس. وقد أصدر جلالته أوامره بأن تُذلِّل كل الصعاب التي تواجه استقبال وفدكم. وأخيراً يحب جلالته أن يخبركم عن استعداده أن يأخذ على عاتقه مسئولية محمية [يهودية] في حالة تأسيسها. وجلالته، حينما يكشف لكم عن نواياه، فهو يعوِّل، بطبيعة الحال، على مقدرتكم على الكتمان. وكم يسعدني أن أنقل لكم هذه المعلومات، وأتمنى أن تنجح في الوصول إلى القدس في الموعد المحدد. وفي الحقيقة، فإن فشلك في هذا سيسبب لجلالته خيبة الأمل. وأترك لكم، بما تتميزون به من لباقة، أن تقرروا ما إذا كنتم تودون الوصول إلى إستنبول في الوقت الذي يصل فيه جلالته إليها أم لا ". ويمكننا ملاحظة ما يلي: 1 ـ جوهر الوعد يُوجَد في العبارة: "يحب جلالته أن يخبركم عن استعداده أن يأخذ على عاتقه مسئولية محمية [يهودية] في حالة تأسيسها" وأنه "على استعداد أكيد أن يناقش الأمر [توطين اليهود] مع السلطان". 2 ـ وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الديباجة العلنية والنوايا المعلنة، فإننا لن نجد لها أيَّ أثر، فقيصر ألمانيا لم يكن تحت أية ضغوط للبحث عن مسوغات رومانسية، بل إن العكس في حالته هو الصحيح، إذ كان عليه أن يبرر أمام شعبه مسألة تعاطفه مع المشروع الصهيوني وتأييده له، بل واستعداده لأن يضع الصهاينة تحت حمايته. وكما قال في خطابه المؤرخ 29سبتمبر 1898والمُرسَل إلى دوق بادن، فإن تسعة أعشار شعبه سيُصدَم صدمة عميقة إذا اكتشف هذه الحقيقة. فاليهود ـ كما يقول ـ هم قتلة المسيح، وهو يعترف بهذه الحقيقة، ولكنه يضيف قائلاً: "إن الإله قد أنزل بهم العقاب على ما اقترفوه من آثام، إلا أنه لم يأمر المسيحيين بأن يسيئوا معاملة هذا الشعب". 3 ـ وأما العنصر الثالث، أي الدوافع الحقيقية الخفية، فهي موجودة وبغزارة، في خطاب القيصر المذكور، وفي تعليقه على تقرير سفير ألمانيا في سويسرا عن المؤتمر الصهيوني الأول (1897 فهو، في مجال تسويغ تعاونه مع "قتلة المسيح"، يورد الأسباب التالية لتأييد ألمانيا للمشروع الصهيوني: أ) سينتج عن توطين شعب إسرائيل رخاء للمنطقة، ولا سيما أن الملايين ستصب في الأكياس العثمانية، الأمر الذي قد يؤدي إلى شفاء الرجل المريض. ب) ستُوجَّه طاقة اليهود ومواهبهم إلى أهداف أكثر نبلاً من استغلال المسيحيين. جـ) إفراغ ألمانيا من اليهود الذين فيها "وكلما عجلوا بالذهاب..، كان ذلك أفضل. فلن أضع أية عراقيل في طريقهم". د) إذا بُحثت المسألة من منظور الحقائق السياسية [لا الأخلاقية] ، فإن ألمانيا ستستفيد غاية الاستفادة لأن رأس المال اليهودي العالمي، بكل خطورته، سينظر بعين العرفان إلى ألمانيا. ولعل موقف القيصر من اليهود، بما يتسم به من كره عميق لهم وترحيب شديد بالتخلص منهم واستعداد تام لتوظيفهم في خدمة المصالح الألمانية، لا يختلف كثيراً عن موقف نابليون من قبله أو موقف بلفور من بعده. ورغم وعود القيصر، ورغم حرصه على تبنِّي المشروع الصهيوني، إلا أنه لم يكن مدركاً مدى عُمْق الرفض العثماني للمشروع الصهيوني، وهو الأمر الذي أدركه إبان زيارته لإستنبول. ولذا، فحينما تم اللقاء في نهاية الأمر في القدس، حيث كان من المتوقع أن يُصدر القيصر وعده البلفوري العلني الكامل، تراجع واكتفى ببعض المجاملات الخالية من المعنى. ومن الأمثلة الأخرى على الوعود البلفورية، الوعد البلفوري الروسي القيصري. فقد قام هرتزل بمقابلة فون بليفيه، وزير الداخلية الروسي المعادي لليهود، بتفويض من المؤتمر الصهيوني الخامس (1901) ، حتى يَحصُل على تصريح يعبِّر عن نوايا الروس يتلوه في المؤتمر الصهيوني السادس المزمع عقده سنة 1903. وبالفعل، صَدَر الوعد البلفوري القيصري على النحو التالي (في شكل رسالة وجهها فون بليفيه إلى تيودور هرتزل) . وهذا هو منطوق الوعد: "ما دامت الصهيونية تحاول تأسيس دولة مستقلة في فلسطين، وتنظيم هجرة اليهود الروس، فمن المؤكد أن تظل الحكومة الروسية تحبذ ذلك. وتستطيع الصهيونية أن تعتمد على تأييد معنوي ومادي من روسيا إذا ساعدت الإجراءات العملية التي يفكر فيها على تخفيف عدد اليهود في روسيا". وقد توصَّل هرتزل أيضاً إلى اتفاق مع المسئولين الروس مفاده: أنْ تبذل الحكومة الروسية مساعيها الحميدة لدى تركيا لتسهيل دخول اليهود إلى فلسطين. وستقدم مساعدات مالية للمهاجرين تُجمَع من مصادر يهودية، وستُسهِّل تنظيم الجمعيات الصهيونية الملتزمة ببرنامج بازل. وقد سُمح أيضاً لبنك الاستيطان اليهودي ببيع أسهمه في روسيا شريطة أن يفتح فرعاً له في البلد لكي تستطيع السلطات مراقبة عمليات البيع. كذلك قام بليفيه بتزويد هرتزل برسالة موقعة منه، وبعد أن بحث محتوياتها مع القيصر، أعلن فيها أن الحكومة الروسية تنظر بعين العطف إلى الصهيونية ما دام هدفها إقامة دولة مستقلة في فلسطين، وأنها على استعداد لمساعدتها. وهذه المساعدة قد تتخذ شكل حماية الممثلين الصهاينة أمام الحكومة العثمانية، وتسهيل نشاط جمعيات الهجرة ومساعدتها مالياً من الضرائب التي تُجبى من اليهود. وقد استغل هرتزل هذه الرسالة، في أكثر من مناسبة، فيما بعد. ويُلاحَظ أنه لا توجد أية ديباجات رومانسية في هذا الوعد، فهو مسألة تعاقدية جافة يتحدث فيها كل طرف عن الفائدة المرجوة وعلى العائد من الصفقة. ولذا، فقد أكد فون بليفيه دون مواربة أو حياء أن الهدف هو التخلص من اليهود عامة باستثناء الأثرياء منهم، وجاء هذا واضحاً في قوله: " ... إن نجاح اليهود في إقامة دولة مستقلة لهم تستوعب عدة ملايين منهم لهو أمر نقبله وندعمه ... إننا لا نريد التخلص من جميع اليهود الروس ... إننا نريد فقط التخلص من المعدمين والمضطربين". وحذر فون بليفيه من أن التأييد الروسي القيصري سيتم سحبه إن كان هدف الصهيونية، غير المعلن، هو تحقيق تركيز قومي لليهود في روسيا، فالدعم الروسي مشروط بالتخلص من اليهود. وقد كان ذلك مفهوماً تماماً لدى هرتزل الذي أكد في مفاوضاته مع بليفيه أن الحركة الصهيونية "ستستقطب جميع اليهود وضمنهم المتطرفون [أي العناصر الثورية التي كانت تقض مضجع الدولة الروسية القيصرية] . أما إذا انهارت آمالنا، فإن الوضع سينقلب رأساً على عقب وستكسب الأحزاب الثورية إلى صفوفها أولئك الذين سينسحبون من الصهيونية التي أمثلها أنا وزملائي". كما أن هرتزل فهم تماماً تحذير بليفيه. وهكذا فإننا نجده، في المؤتمر الصهيوني السادس (1903، يؤكد للمجتمعين أن الحكومة الروسية لن تسبب أية مشاكل للحركة الصهيونية، ما دام نشاطها منحصراً ضمن النظام والقانون (أي في عملية التخلص من اليهود وتفريغ روسيا منهم) . واستطاع هرتزل بجهد وتصميم أن يحول بين المؤتمر وبين مناقشة مذابح كيشينيف، وقد علق على الموضوع في رسالة بعث بها إلى بليفيه قال فيها: " ... رغم المصاعب التي واجهتني في إدارة جلسات المؤتمر بجوها المشحون نتيجة الأحداث المؤلمة (مذابح كيشينيف) ، إلا أنني نجحت في المحافظة على النظام وإعادة الهدوء إلى الجلسات.. ولا شك في أن الفضل يعود في ذلك إلى رسالتكم التي تكرمت بإرسالها في 2 1أغسطس والتي كشفت محتوياتها لأخمد بذلك كل جدال ثار حول تلك الأحداث". ويمكن أن ننظر إلى مشروع شرق أفريقيا باعتباره أحد أهم الوعود البلفورية وهو لا يختلف كثيراً عن الوعود البلفورية التي أشرنا إليها وإن كان أكثر جدية وأكثر تحدداً منها. كما أنه يشبه في كثير من النواحي وعد بلفور الذي صدر في نهاية الأمر. (انظر الباب المعنون «الصهيونية الإقليمية» ) . وقد صدر آخر الوعود البلفورية عن ألمانيا بعد صدور وعد بلفور نفسه عن إنجلترا، إذ استغل الصهاينة الوضع الدولي الناشيء عن الجمود الذي ساد جبهات القتال عام 1916 واتجهوا إلى حث الحكومة الألمانية على إصدار بيان رسمي يتضمن العطف على الصهيونية في فلسطين. ولكن الحكومة الألمانية كانت لا تزال مرتبطة بتحالف مع الحكومة العثمانية. كما كانت تخشى أن يؤدي تدهور الوضع العسكري إلى أن تسارع الحكومة العثمانية بعقد صلح منفرد مع الحلفاء. وحيث إن ألمانيا لن تضحي بتحالفها من أجل الصهاينة، فإنها ترددت كثيراً في الاستجابة للمطلب الصهيوني. ثم صدر وعد بلفور نفسه عام 1917، وعند هذه النقطة. وحسبما جاء في دراسة الدكتور محافظة، "اندفع الصهاينة يلحون على حكومة برلين لتلبية مطالبهم مع تشكيل وزارة طلعت باشا في عام 1917 وحاولت الحكومة الألمانية إرضاء الصهاينة بتَدخُّلها الحاسم لإلغاء التدابير العسكرية التي فرضها جمال باشا على اليهود في فلسطين عام 1917. وبعد صدور تصريح بلفور، اتجه الصهاينة إلى برلين لإستصدار تصريح مماثل. كما انتهزوا زيارة الصدر الأعظم (طلعت باشا) في مطلع يناير 1918، فقابله الزعيم الصهيوني ألفريد نوسيج الذي بحث معه موضوع اليهود في الدولة العثمانية (ومما يجدر ذكره أن هذا الزعيم الصهيوني أصبح عميلاً للجستابو النازي فيما بعد، كما وضع خطة لإبادة يهود أوربا. وقد قبض عليه ثوار جيتو وارسو. وبعد محاكمة قصيرة، نُفِّذ فيه حكم الإعدام) . وطلب نوسيج باسم الصهاينة إلغاء القيود المفروضة على هجرة اليهود إلى فلسطين. فوعدهم الصدر الأعظم بأن الباب العالي سوف يعيد تنظيم الأوضاع حالما تعود القدس وجنوب فلسطين إلى السيادة العثمانية بصورة تَكفُل الرضا التام لليهود وتحقق أمانيهم كافة. وقد نُشر هذا التصريح في الصحف الألمانية في اليوم التالي للقاء. ولا يمكن أن نسمي هذا التصريح وعداً بلفورياً بمعنى الكلمة وإن كان يقترب من ذلك. ومن الواضح أن ذلك يمثل إحدى الحيل التي كانت تستعملها الدولة العثمانية على ممثلي العالم الغربي، وهو فن تَملَّك العثمانيون ناصيته نظراً لضعفهم العسكري. ولكن أهمية هذا التصريح لا تكمن فيه وإنما في أنه أعطى الضوء الأخضر للدولة الألمانية. وقد استمر الصهاينة في ضغوطهم حتى حصلوا على تصريح من وكيل وزارة الخارجية الألمانية في اليوم التالي لتصريح الصدر الأعظم هذا نصه: "نحن نؤيد رغبة الأقليات اليهودية، في البلدان التي لهم فيها ثقافة متطورة، في أن تختط طريقها الخاص بها، ونميل إلى دعم أمانيها. أما بالنسبة إلى أماني اليهود، وبخاصة أماني الصهاينة منهم في فلسطين، فإن الحكومة [الألمانية] ترحب بالتصريح الذي أدلى به مؤخراً الصدر الأعظم، طلعت باشا، والذي يعبِّر عن عزم الحكومة التركية، المتفق مع نظرتها الودية نحو اليهود بوجه عام، على تنمية استقرار يهودي مزدهر في فلسطين، عن طريق الهجرة غير المُقيَدة والاستيطان ضمن قدرة البلاد الاستيعابية وقيام حكم ذاتي يتفق وقوانين البلاد والتطور الحر لحضارتها". ويُلاحَظ أن صياغة هذا الوعد تميل نحو الإبهام الشديد، فهو يؤكد حق اليهود المندمجين في الاستمرار في اندماجهم، وهو يميِّز بينهم وبين الصهاينة الذين لهم أمان في فلسطين حيث سيسمح لهم "باستقرار يهودي مزدهر في فلسطين"، وهي عبارة غامضة حاول الوعد تحديدها عن طريق عبارة "قيام حكم ذاتي"، ثم عاد وعدَّلها من خلال إضافة عبارة "يتفق وقوانين البلاد والتطور الحر لحضارتها". ولنلاحظ أن فكرة "قوانين البلاد" تحل محل عبارة "القانون العام" أو "القانون الدولي" التي ترد في الأدبيات الصهيونية، خصوصاً في صياغتها الهرتزلية، وهي عبارة تعني "حسب القانون الغربي أو الاستعماري". فكأن الوعد هنا ينزع المشروع الصهيوني من سياقه الغربي ويضعه في سياق عثماني، الأمر الذي يعني فقدانه كل معنى، فالمستوطنون الصهاينة كان معروضاً عليهم دائماً أن يحصلوا على المواطنة العثمانية ويستقروا في فلسطين كعثمانيين لا كعنصر استيطاني تابع لدولة غربية. والقضية لم تكن قضية عدة آلاف يهودي لا وطن لهم، أو مضطَّهدين في أوطانهم ويبحثون عن مأوى لهم، وإنما هي قضية غَرْس عنصر بشري غريب يتحول إلى دولة ذات تَوجُّه غربي استعماري استيطاني رفض هذا الحل. وبعد صدور الوعد البلفوري الألماني، استمر الصهاينة في الضغط على الدولة العثمانية. وكلَّف الصدر الأعظم، بعد عودته من برلين، النائب اليهودي التركي قاراصو بتأليف لجنة يهودية عثمانية لوضع التفاصيل العملية لإنشاء شركة ذات امتياز في إستنبول تتولَّى العمل في المناطق المأهولة باليهود لإقامة حكم ذاتي فيها. وأمر طلعت باشا بدراسة الخطة التي وضعهتا اللجنة ووعد بتبنيها عند بَحْث شروط الصلح بعد انتهاء الحرب. وسعى الصهاينة، انطلاقاً من هذا الوعد، إلى الحصول على مزيد من التنازلات من الجانب العثماني، وإصدار تصريح عثماني مماثل لتصريح بلفور. وقد تمكنوا من الحصول على هذا التصريح في 4 1تموز 1918، وتشكلت لجنة عثمانية لوضع ما جاء فيه موضع التنفيذ. ويمكننا ملاحظة اختفاء الديباجات العلنية المزخرفة أو الإشارة إلى الدوافع الحقيقية، فلا توجد أية إشارة للشعب اليهودي أو أمانيه القومية أو ارتباطه الأزلي بالأرض، وإنما هي إشارة روتينية إلى "أماني الصهاينة" وحديث عن استقرار يهودي مزدهر. ومقابل هذا، لا توجد أية إشارة لكره اليهود أو الرغبة في استخدامهم أو تأسيس حامية عسكرية يقطنون فيها كمادة قتالية. ولا شك في أن وجود العثمانيين كطرف هو الذي أفضى إلى هذا الوضع. فهم لم يتحمسوا قط للمشروع الصهيوني، بل كانوا يرونه جزءاً من المحاولة الغربية لتفتيت حكمهم ودولتهم. ومع هذا، فقد اضطروا كارهين للدخول في حوار مع الصهاينة وتقديم بعض التنازلات بسبب تدهور الوضع العسكري العام على الجبهات كافة وفقدان معظم فلسطين، واعتقاد الدولة العثمانية أن تحقيق بعض المطالب الصهيونية قد يُحسِّن وضعها في مؤتمر الصلح الذي كان مقبلاً. ويمكننا أن نقول إن وعد بلفور هو أهم حدث في تاريخ الصهيونية وتاريخ الجماعات اليهودية في العالم، كما أن أهميته بالنسبة لفلسطين والفلسطينيين لا تخفى على أحد. وعد بلفور Balfour Declaration «وعد بلفور» هو التصريح الشهير الذي أصدرته الحكومة البريطانية عام 1917 تعلن فيه عن تعاطفها مع الأماني اليهودية في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وحين صدر الوعد كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية في فلسطين لا يزيد عن 5% من مجموع عدد السكان. وقد أخذ الوعد شكل رسالة بعث بها لورد بلفور في 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد إدموند دي روتشيلد أحد زعماء الحركة الصهيونية آنذاك. وفيما يلي النص الكامل للرسالة: "عزيزي اللورد روتشيلد: يسعدني كثيراً أن أنهي إليكم، نيابةً عن حكومة جلالة الملك، التصريح التالي تعاطفاً مع أماني اليهود الصهاينة التي قدموها ووافق عليها مجلس الوزراء. إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وسوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف. وليكن مفهوماً بجلاء أنه لن يتم شيء من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية للجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين أو بالحقوق أو الأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أية دولة أخرى. وسوف أكون مديناً بالعرفان لو قمتم بإبلاغ هذا التصريح إلى الاتحاد الصهيوني. ) إمضاء ( وفيما يتصل بهذا النص، نلاحظ ما يلى: 1 ـ صيغة الوعد واضحة تماماً هنا إذ تُوجَد هيئة حكومية (حكومة جلالة الملك) تؤكد أنها تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي سيضم "الشعب اليهودي"، أي أنه تم الاعتراف باليهود لا كلاجئين أو مضطهدين مساكين، كما أن الهدف من الوعد ليس هدفاً خيرياً ولكنه هدف سياسي (استعماري) . كما أن هذه الحكومة التي أصدرت الوعد لن تكتفي بالأمنيات وإنما سوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف. هذا هو الجوهر الواضح للوعد. 2 ـ ثم تبدأ بعد ذلك الديباجات التي تهدف إلى التغطية، فالوعد لن يضر بمصالح الجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين ولا بمصالح الجماعات اليهودية التي لا تود المساهمة في المشروع الصهيوني، بل تود الاستمرار في التمتع بما حققته من اندماج وحراك اجتماعي. وسنلاحظ أن الديباجات تتسم بكثير من الغموض إذ أن الوعد لم يتحدث عن كيفية ضمان هذه الحقوق. ثم نأتي الآن للأسباب التي يوردها بعض المؤرخين (الصهاينة أو المتعاطفون مع الصهيونية) لتفسير إصدار إنجلترا لوعد بلفور. فهناك نظرية مفادها أن بلفور قد صدر في موقفه هذا عن إحساس عميق بالشفقة تجاه اليهود بسبب ما عانوه من اضطهاد وبأن الوقت قد حان لأن تقوم الحضارة المسيحية بعمل شيء لليهود، ولذلك، فإنه كان يرى أن إنشاء دولة صهيونية هو أحد أعمال التعويض التاريخية. ولكن من الثابت تاريخياً أن بلفور كان معادياً لليهود، وأنه حينما تولى رئاسة الوزارة الإنجليزية بين عامي 1903 و1905 هاجم اليهود المهاجرين إلى إنجلترا لرفضهم الاندماج مع السكان واستصدر تشريعات تحد من الهجرة اليهودية لخشيته من الشر الأكيد الذي قد يلحق ببلاده. وقد كان لويد جورج رئيس الوزراء لا يقل كرهاً لأعضاء الجماعات اليهوديةعن بلفور، تماماً مثل تشامبرلين قبلهما، والذي كان وراء الوعد البلفوري الخاص بشرق أفريقيا. وينطبق الوضع نفسه على الشخصيات الأساسية الأخرى وراء الوعد مثل جورج ملنر وإيان سمطس، وكلها شخصيات لعبت دوراً أساسياً في التشكيل الاستعماري الغربي. ويرى بعض المؤرخين أن إنجلترا أصدرت الوعد تعبيراً عن اعترافها بالجميل لوايزمان لاختراعه مادة الأسيتون المحرقة أثناء الحرب العالمية الأولى، وهو تفسير تافه لأقصى حد لا يستحق الذكر إلا لأنه ورد في بعض الدراسات الصهيونية والدراسات العربية المتأثرة بها. ويبدو أن وايزمان نفسه قد تقبَّل هذا التفسير بعض الوقت. ولذا، حينما توترت العلاقات بين إنجلترا والمستوطنين الصهاينة في الأربعينيات، وضع وايزمان مواهبه العلمية تحت تصرف الإمبراطورية، متصوراً أن بإمكانه ممارسة بعض التأثير عليها. وبطبيعة الحال، لم يُوفَّق وايزمان في مساعيه. وفيما يتصل بجهوده الدبلوماسية نفسها أثناء الحرب، يمكن القول بأنه كان شخصية محدودة الذكاء، فلم يدرك الأبعاد الإمبريالية للمشروع الصهيوني أو لوحشية المشروع الإمبريالي، وغير مدرك حتى لدقائق السياسة البريطانية (وهذا هو وصف موظفي الخارجية البريطانية له في تقاريرهم السرية التي تم الكشف عنها مؤخراً) . وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى، كان وايزمان قد وصل لتوه إلى سويسرا في إجازة صيفية. ثم اضطر إلى العودة إلى بريطانيا، فطلب منه لويد جورج أن يقابل هربرت صمويل، فعبَّر عن خوفه من أن يكون صمويل مثل سائر يهود إنجلترا معادياً للصهيونية، ولكنه فوجئ بأن صمويل هذا صهيوني هو الآخر. وحينما تقدَّم بطلباته الصهيونية، أخبره صمويل بأن طلباته هذه متواضعة أكثر من اللازم وأن عليه أن يفكر على مستوى أكبر من ذلك (ويبدو أن هرتزل لم يشف التسلليين تماماً من ضيق الأفق والفشل في إدراك عالمية الظاهرة الإمبريالية ووحشيتها) . ثم أخبره صمويل بأن أعضاء الوزارة يفكرون في أهداف صهيونية، ودوَّن وايزمان بعد ذلك العبارة التالية: "لو كنت يهودياً متديناً لظننت أن عودة الماشيَّح قد دنت". ومع هذا، وكما سنبيِّن فيما بعد، أظهر وايزمان شيئاً من الذكاء باكتشافه بريطانيا (لا ألمانيا) باعتبارها القوة الإمبريالية الصاعدة التي يمكنها أن ترعى المشروع الصهيوني. ولعل الأمر لا يدل على ذكاء بقدر ما ينبع من وجوده في إنجلترا بالفعل وتَحرُّكه داخل إطار المصالح البريطانية. ولعله لو وُجد في فرنسا لما أدرك شيئاً. وهناك نظرية تذهب إلى أن الضغط الصهيوني (واليهودي) العام هو الذي أدَّى إلى صدور وعد بلفور، ولكن من المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا كتلة بشرية ضخمة في بلاد غرب أوربا، وهم لم يكونوا من الشعوب المهمة التي كان على القوى العظمى أن تساعدها أو تعاديها، بل كان من الممكن تجاهلهم. ويمكن القول بأن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا مصدر ضيق وحسب، ولم يكونوا قط مصدر تهديد. أما الصهاينة فلم تكُن لهم أية قوة عسكرية أو سياسية أو حتى مالية (فأثرياء اليهود كانوا ضد الحركة الصهيونية) . ولكل هذا، لم يكن مفر من أن تكون المطالب الصهيونية على هيئة طلب لخدمة مصالح إحدى الدول العظمى الإمبريالية. ولعل أكبر دليل على أن الضغط الصهيوني أو اليهودي لا يشكل عنصراً فعالاً في عملية استصدار وعد بلفور وأنه عنصر ثانوي على أحسن تقدير، هو نجاح الصهاينة في إنجلترا وفشلهم في ألمانيا. فقد بذل صهاينة ألمانيا جهوداً محمومة لاستصدار وعد بلفوري، وكانت توجد عندهم مقومات النجاح، ولكن كل هذا لم يُجد فتيلا: 1 ـ بذل صهاينة ألمانيا قصارى جهدهم ليبينوا للحكومة الألمانية مدى نفع اليهود للمشروع الاستعماري الألماني، وقد كان هناك كثير من المفكرين الألمان غير اليهود يشاركون في هذه الرؤية. 2 ـ كان عدد كبير من الزعماء الصهاينة يقف وراء ألمانيا، وكانت برلين لوقت طويل المقر الرئيسي للمنظمة. 3 ـ كانت ألمانيا حليفة لتركيا التي كانت فلسطين تابعة لها. 4 ـ كانت لغة المؤتمرات الصهيونية هي الألمانية، كما كانت ثقافة مؤسسي الحركة الصهيونية ألمانية. 5 ـ كانت الجماعة اليهودية في ألمانيا مُشرَّبة بالثقافة الألمانية، وكان كثير من أعضاء النخبة الثقافية الألمانية من اليهود، وقد يسَّر هذا على اليهود الحركة داخل المجتمع الألماني. 6 ـ كانت الجماعة اليهودية في ألمانيا ذات ثقل مالي وثقافي وسياسي كبير إذ كانت أهم البنوك الألمانية في أيد يهودية. 7 ـ اشترك أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا في القوات الألمانية أثناء الحرب بأعداد تفوق نسبتهم القومية. 8 ـ كانت القوات الألمانية في الحرب العالمية الأولى تقوم بما سمته «تحرير» بولندا وليتوانيا وغرب روسيا (مراكز الكثافة البشرية اليهودية) واعتبرت اليهود عنصراً بشرياً ألمانياً تابعاً لألمانيا. وقد أسَّس الزعيم الصهيوني ماكس بودنهايمر لجنة لتحرير يهود روسيا عام 1914. وكان بين أعضائها ليو موتزكين. وقد تم إصدار نشرة بالعبرية كتب ناحوم سوكولوف افتتاحيتها. وكان أمل الصهاينة أن تستولي القوات الألمانية على غرب روسيا حيث كان يوجد معظم اليهود. ومعنى هذا أنه كان ثمة تلاق بين الآمال الصهيونية والآمال التوسعية الألمانية. 9 ـ كانت أرستقراطية اليهود في أمريكا (كبار المموِّلين) من أصل ألماني، وقد كانت هذه الأرستقراطية متعاطفة تماماً مع ألمانيا ومؤيدة لها. ويمكن أن نقارن هذا الوضع بوضع الجماعة اليهودية في إنجلترا، التي كانت صغيرة العدد ومندمجة ومعادية للصهيونية، وكانت الحركة الصهيونية فيها ضعيفة للغاية. ومع هذا، فشل صهاينة ألمانيا في استصدار وعد بلفوري من ألمانيا. وحينما نجحوا، كان ذلك في مرحلة متأخرة من الحرب وكان وعداً باهتاً للغاية، بينما نجح صهاينة إنجلترا فيما فشل فيه صهاينة ألمانيا. وفي الواقع، يمكننا تفسير الفشل الصهيوني في ألمانيا والنجاح الصهيوني في إنجلترا، لا بالقوة والضعف الذاتيين الصهيونيين، ولا بحجم الضغوط الصهيونية مهما كانت ضخمة ومهمة وحيوية، ولكن بالعودة إلى المصالح الإستراتيجية الغربية. ويبدو أن ألمانيا، بسبب علاقتها الحميمة مع تركيا، لم يكن بإمكانها أن تُصدر مثل هذا الوعد (تماماً كما كان الوضع مع إنجلترا عام 1904 حينما أصدرت وعد شرق أفريقيا البلفوري ولم تذكر فلسطين من قريب أو بعيد لأن علاقتها مع الدولة العثمانية لم تكن تسمح بذلك) . ومن المعروف أن وايزمان، كي ينجح في الحصول على وعد بلفور، قطع علاقته مع اللجنة التنفيذية الصهيونية في برلين ورفض التراسل مع زملائه في دول الوفاق Entente ورفض موقف الحياد الرسمي الذي اتخذته المنظمة. كما أنه لم يخبر المقر الرئيسي للمنظمة في كوبنهاجن بمباحثاته مع إنجلترا. ويُقال إن انقسام الحركة الصهيونية لم يُعق جهوده بل ساعدها. والواقع أن نجاحه في إنجلترا، تماماً مثل الفشل الصهيوني في ألمانيا، يمكن تفسيره بإستراتيجية الإمبراطورية الإنجليزية التي قررت تقسيم الدولة العثمانية واحتلال الشرق العربي. ولعل ذكاء وايزمان يَكمُن في اكتشافه ذيلية الصهيونية وحتمية الاعتماد على الإمبريالية وصعود القوة البريطانية فتبعها بكل قوته وقطع كل علاقاته مع المنظمة الصهيونية ذات الجذور الألمانية والتوجه الألماني. ويمكننا الآن تناول الديباجات والأسباب الحقيقية لصدور الوعد: كان وعد بلفور إمكانية كامنة في الحضارة الغربية تريد أن تتحقق لتوجد بالفعل، ولذا يجب ألا ننظر لوعد بلفور بمعزل عن الوعود البلفورية السابقة عليه أو اللاحقة له أو عن المعاهدات الاستعمارية الدولية التي أُبرمت أثناء الحرب العالمية الأولى وكانت تهدف إلى حل المسألة الشرقية عن طريق تقسيم تركيا، وأهم هذه المعاهدات اتفاقية سايكس ـ بيكو واتفاقية ماكماهون ـ حسين. كما لا يجب النظر إلى الوعد بعيداً عن البراءات التي كانت تُعطَى للشركات الاستيطانية في آسيا وأفريقيا، ولا عن تقسيم العالم من قبَل القوى الإمبريالية الغربية وإعادة تقسيمه عام 1917، ولا عن الرؤية المعرفية الإمبريالية، ولا عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي كانت كامنة في الحضارة الغربية. ولذا، قد يكون من المفيد أن نحاول فَهْم وعد بلفور في هذا الإطار باعتباره براءة لاستعمار فلسطين، الأمر الذي يتطلب منا أن نزيح الديباجات العلنية لنصل إلى لُب الموضوع، أي المصالح الإستراتيجية الغربية كما تخيَّلها أو توهَّمها أصحابها وكما قاموا بتحديدها، ويمكن أن نتحدث عن بعض الفوائد الجانبية التي سيجنيها أصحاب الوعد من إصداره ومن تأسيس الوطن القومي اليهودي: 1 ـ يتحدث العقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية عن تحويل يهود شرق أوربا عن غربها، حفاظاً على الأمن القومي بالداخل. ولابد أن الحكومة البريطانية كانت تأخذ هذا في اعتبارها، وخصوصاً أنه قد سبق لها إصدار وعد شرق أفريقيا البلفوري لهذا السبب. 2 ـ يتحدث العقد الصامت عن تسريب الطاقة الثورية من شباب اليهود من خلال المشروع الصهيوني. وهذه مسألة لم تكن بعيدة عن أذهان أصحاب وعد بلفور. وقد نُشر خبر إصدار الوعد في الصحف في 8 نوفمبر 1917، وهو العدد نفسه الذي نُشرت فيه أنباء اندلاع الثورة البلشفية، وقامت طائرات الحلفاء بإلقاء ألوف النسخ من وعد بلفور وأنباء صدوره على يهود روسيا القيصرية وبولندا وألمانيا والنمسا. 3 ـ كان ثمة اعتقاد غالب بأن الإعلان سيكون ذا قيمة دعائية على الصعيد الدبلوماسي، ذلك أن وعد بلفور سيَلقى صدى لدى اليهود الروس بحيث يمكن أن يصبحوا بشكل من الأشكال أداة ضغط على الحكومة الروسية المؤقتة حتى لا تتراجع عن رغبتها في متابعة الحرب مع ألمانيا. 4 ـ كان من المتوقع أن يؤدي الوعد إلى عائد مماثل بين يهود أمريكا الذين كانوا قد أصابهم شيء من خيبة الأمل بسبب تحالف الحلفاء الوثيق مع حكومة روسيا القيصرية التي كانت مكروهة عند أعضاء الجماعات اليهودية، فكان من المؤمل أن يشجع الوعد أصحاب الأموال من أعضاء الجماعات اليهودية على المساهمة في الجهود الحربية للحلفاء وعلى عدم الارتماء في أحضان الألمان، وخصوصاً أن أرستقراطية يهود الولايات المتحدة كانت من أصل ألماني. ولكن مسار الأحداث أثبت أن ثمة خطأً فاحشاً في التقدير، فلم يكن يهود روسيا أو الولايات المتحدة مهمين إلى هذا الحد. وكانت المنظمة الصهيونية منقسمة على نفسها، كما أن عدد الصهاينة من اليهود كان لا يزال صغيراً للغاية. وقد أوقفت الحكومة الروسية كل عملياتها العسكرية في أكتوبر 1917 حتى قبل وعد بلفور، ثم استولى البلاشفة على الحكم وأنهوا النفوذ الصهيوني فيها. وعلى أية حال، كان يهود روسيا منقسمين ولم يكن بوسعهم أن يحملوا روسيا على الاستمرار في الحرب. أما في أمريكا، فلم يلعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً في الحرب وتم توفير الدعم الأمريكي المطلوب من خلال الحكومة دون أي التفات إلى الصهيونية أو الصهاينة. ولكن كل هذه فوائد جانبية للحضارة الغربية. أما الفائدة الكبرى، فهي تأسيس دولة وظيفية في فلسطين تُوظَّف في إطارها المادة البشرية اليهودية في خدمة الاستعمار الغربي. فالدافع الحقيقي لوعد بلفور هو رغبة الإمبراطورية البريطانية في زرع دولة استيطانية في وسط العالم العربي في بقعة مهمة جغرافياً لحماية مصالحها الاستعمارية، وخصوصاً في قناة السويس ولحماية الطريق إلى الهند. وكان وايزمان يعرف، رغم بطء إدراكه، أن كل هؤلاء الإنجليز الذين لا يهمهم اليهود ولا اليهودية تُحرِّكهم دوافع المصالح الإمبريالية، وأن مهمته تتلخص في تقديم المادة البشرية حتى يمكنهم توظيفها. ولذا، فقد صرح قائلاً: إن وافقت إنجلترا على منحنا فلسطين، فإننا سنحصل على وطن وستحصل هي على سند فعال. وقد قال وايزمان إنه لم يحلم قط بوعد بلفور، وإنه جاء بكل صراحة بشكلٍّ مفاجئ. إذ كان قد أعد نفسه لأن يبدأ نشاطه بعد انتهاء الحرب، ولكن الإمبراطورية الإنجليزية كانت قد قررت أن تُوظِّف اليهود لمصلحتها. ومن ثم، لم يكن هناك مفر من إدخالهم في الصورة. ولذا، وعلى عكس المُتصوَّر، لم يبادر الصهاينة بالمفاوضات مع الحكومة الإنجليزية وإنما نجد أن الحكومة البريطانية هي التي بادرت بالاتصال بهم. وقد تَقدَّم الصهاينة بمطالبهم، ولكن رئيس الوزراء إسكويث كان ملتزماً بسياسة إحلال العرب محل الأتراك. ولكن قبل استقالة إسكويث، كانت الحكومة البريطانية قد درست مستقبل فلسطين وتوصلت إلى مخطط بشأن هذا المستقبل. وهناك لحسن الحظ المذكرة التي تقدَّم بها السير هربرت صموئيل في مارس 1915 للحكومة البريطانية ووضَّح فيها الاحتمالات الخمسة لمستقبل فلسطين بعد انهيار الدولة العثمانية. وما يهمنا هنا الاحتمالان الرابع والخامس في هذه المذكرة. لقد كان الاحتمال الرابع هو "الإقامة المبكرة لدولة يهودية وإنشاء محمية بريطانية". لكن هذا الاحتمال تم رفضه لأن اليهود كانوا لا يشكلون آنذاك سوى أقلية صغيرة لا تُذكَر "الأمر الذي سيؤدي إلى تلاشي حلم الدولة الصهيونية". وتضيف المذكرة أن زعماء الحركة الصهيونية "كانوا على إدراك تام لهذه الاعتبارات". وأما الاحتمال الخامس فهو الاحتمال الأوحد القابل للتحقيق حسبما جاء في المذكرة، وهو يشكل في رأينا الدوافع الحقيقية والعامة لإصدار وعد بلفور: 1 ـ يشكل إنشاء المحمية ضماناً لسلامة مصر [أي سلامة المصالح الإمبراطورية البريطانية التي كانت مصر تشكل إحدى ركائزها الأساسية أنذاك [ 2 ـ سوف يُقابَل إعلان الحماية البريطانية بالترحيب من السكان الحاليين [وسيتم بالتالي تحاشي الصدام مع اليهود [ 3 ـ ستُعطَى المنظمات اليهودية تحت ظل الحكم البريطاني تسهيلات لابتياع الأراضي وإنشاء المستعمرات وإقامة المؤسسات التربوية والدينية، والتعاون في إنماء البلاد اقتصادياً، وستنال مسألة الهجرة اليهودية مركز الأفضلية بحيث يتحول السكان اليهود إلى أكثرية مستوطنة في البلاد [أي توطيد دعائم الاستيطان الصهيوني] . 4 ـ ستؤدي هذه الخطوة إلى شعور يهود العالم بالامتنان تجاه بريطانيا وسوف يؤلف اليهود كتلة متحيزة للإمبراطورية البريطانية [توظيف اليهود في الداخل والخارج لخدمة المصالح الإمبريالية البريطانية] . 5 ـ يشير صموئيل في المذكرة (وفي أماكن أخرى) إلى أنه، بعد أن يستقل اليهود في دولة خاصة بهم، سوف تشكل هذه الدولة جزءاً من الحضارة الغربية وتدافع عن مصالحها. وإذا كان هذا هو الإطار العام، فإن التحرك من خلاله كان يتطلب استقالة إسكويث عام 1916، وقد حل محله لويد جورج كرئيس للوزراء وبلفور وزيراً للخارجية. وهنا ظهر السير مارك سايكس (1979-1919 المهندس الحقيقي لوعد بلفور الذي عُيِّن مستشاراً لوزارة الخارجية البريطانية لشئون الشرق الأوسط. ويكاد يكون هناك ما يشبه الإجماع بين المؤرخين على أن الإمبراطورية البريطانية كانت شديدة الاهتمام بفلسطين، وقد أبرمت معاهدة سايكس ـ بيكو لتحديد طريقة تقسيم الدولة العثمانية. ولم يشترك الصهاينة في المفاوضات المؤدية، ولم يُدعَوا إليها، ولم يعرفوا بها حتى بعد توقيعها، أي أن مصير فلسطين تقرَّر دون مشاركتهم. وكان سايكس يقبل مبدأ تقسيم الدولة العثمانية، ولكنه كان معارضاً لذلك القسم الخاص بتدويل فلسطين. لأن هذا كان "ينفي السيطرة البريطانية عليها" بل كان يعني قيام سيطرة فرنسية، الأمر الذي كان يعني زيادة حجم نفوذ الفرنسيين بشكل لا يتفق مع الواقع، كما قد يؤدي إلى نسف الموقف الإستراتيجي لبريطانيا في الشرق الأوسط برمته. وكان لويد جورج مقتنعاً بحاجة بريطانيا إلى فلسطين للدفاع عن مشارف قناة السويس، ومن هنا برزت أهمية المشروع الصهيوني كوسيلة للانسحاب بلباقة من اتفاقية سايكس ـ بيكو. فهذا المشروع يعني ببساطة تحويل فلسطين إلى وطن قومي يهودي تحت الرعاية البريطانية، وهذه الرعاية تعني في الواقع احتلال بريطانيا لفلسطين، ومن ثم قررت بريطانيا توظيف اليهود حتى تتخلص من البنود الخاصة بفلسطين في اتفاقية سايكس بيكو. ومنذ أن اتصل الصهاينة بهربرت صموئيل، اكتشفهم سايكس الذي أراد أن يستخدمهم في محاولة تعديل الاتفاقية وظلوا هم الجانب المتلقي لما تشاؤه الإرادة الإمبريالية البريطانية. وبعد أن تقرَّر توظيفهم، دُعي الصهاينة لأول مرة للاجتماع مع ممثلي الحكومة في فبراير 1917. وتتالت الأحداث، فقام سايكس بكتابة أولى مسودات الوعد، وتمت الموافقة عليها. وحينما تمت صياغة الوعد (كما لاحظ آحاد هعام) تمت صياغته بدون الالتفات إلى مقترحات الصهاينة أو مقترحات أعداء الصهيونية. وقد تأخر صدور الوعد بعض الوقت بسبب معارضة يهود إنجلترا المعادين للصهيونية، إذ قاد لوسيان وولف وسير إدوين مونتاجو حملة ضد الوعد وإصداره لأنه يُسقط حق المواطنة عن اليهود ويجعلهم مواطنين في دولة أخرى. واستجابةً لهذه الضغوط، أُسقطت عبارة "الجنس اليهودي" وحل محلها عبارة "الشعب اليهودي" كما أضيفت عبارة أن الوعد لن يؤدي إلى الإخلال بالحقوق والأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أية دولة أخرى. ولكن الحكومة الإنجليزية لم تعامل أعداء الصهيونية برفق شديد إذ أن بلفور أخبر وولف وأصدقاءه أن يوقفوا الهجوم على الصهيونية، فالمشروع الصهيوني يشكل جزءاً من المشروع الاستعماري الغربي وعليهم أن يعوا ذلك. ووعد بلفور صيغة جديدة من البراءات الاستعمارية التي كانت تُمنَح للمستوطنين الغربيين في آسيا وأفريقيا. وحينما أُصدر وعد بلفور، سماه الصهاينة «الميثاق أو البراءة» . وقد كانوا، في ذلك، أكثر دقة من كثير من العرب ومؤرخي الصهيونية، فوعد بلفور كان الميثاق الذي يشبه البراءة التي مُنحت لرودس (وإن كان وعد بلفور أكثر التزاماً بمساعدة اليهود من البراءة التي مُنحت لرودس) . وقد مُنحت براءة بلفور لليهود بعد تقسيم تركيا بطريقة لا تختلف كثيراً عن البراءات التي أُعطيَت لبعض الشركات الغربية في أعقاب تقسيم أفريقيا في مؤتمر برلين. وقد أصدرت بريطانيا البراءة بعد التفاوض مع الحلفاء، ووافقت عليه مسبقاً كلٌّ من فرنسا وإيطاليا، ثم أيَّدته الولايات المتحدة، فهو ليس وعداً إنجليزياً وإنما هو وعد غربي، كما أن المستعمرة اليهودية التي ستُؤسَّس لن تكون تابعة لإنجلترا وحسب وإنما ستخدم المصالح الإمبريالية الغربية كافة. ولذا، فإن ثمة مسافة بين الصهاينة والحكومة البريطانية رغم التزام إنجلترا بدعم المُستوطَن الصهيوني، إلا أنه كان من المتوقع أن يقع عبء العمل الاستيطاني نفسه على عاتق الصهاينة أنفسهم (تماماً كما هو الحال مع شركات الاستيطان (. ويُلاحَظ أن براءة بلفور الاستيطانية، مثل البراءات الأخرى، صدرت دون استشارة السكان الأصليين ودون أخذ مصيرهم في الاعتبار. عقد بلفور Balfour Contract «عقد بلفور» مصطلح قمنا بسكه للإشارة إلى وعد بلفور. فوعد بلفور هو بمنزلة «عقد» علني واضح وقِّع بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية العالمية باعتبارها ممثلة للجماعات اليهودية في العالم لوضع العقد الصامت والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة موضع التنفيذ. جيمس بلفور (1848-1930 ( James Balfour صهيوني غربي بريطاني يستخدم الديباجات المسيحية تارة، والعلمانية (العرْقية والإمبريالية) تارة أخرى، ويمزج بينها جميعاً تارة ثالثة. ويُنسَب إليه التصريح الذي أصدرته الحكومة البريطانية عام 1917 ويُسمَّى «وعد بلفور» . تلقَّى بلفور تعليماً دينياً من أمه في طفولته، وتشبَّع بتعاليم العهد القديم، خصوصاً في تفسيراتها الحرفية البروتستانتية. ورؤية بلفور لليهود متأثرة بالرؤية الألفية الاسترجاعية التي تراهم باعتبارهم شعباً مختاراً ومجرد وسيلة للتعجيل بالخلاص، وهي الرؤية التي تمت علمنتها فتحوَّل اليهود إلى الشعب العضوي (المختار) المنبوذ. ويتجلى هذا المزيج من الكره والإعجاب من جانب بلفور في تلك المقدمة التي كتبها لمؤلَف سولوكوف تاريخ الصهيونية حيث يبدي معارضته لفكرة المُستوطَن البوذي أو المُستوطَن المسيحي. فالمسيحية والبوذية في رأيه هما مجرد أديان، ولكنه يَقْبل فكرة المُستوطَن اليهودي لأن "العرْق والدين والوطن" أمور مترابطة بالنسبة إلى اليهود كما أن ولاءهم لدينهم وعرْقهم أعمق بكثير من ولائهم للدولة التي يعيشون فيها. إن هذا الشعب العضوي يتميَّز أعضاؤه بالنشاط والحركية، ولذا فقد حققوا نجاحاً باهراً في المجتمع. ولكن هذا الشعب العضوي المختار هو أيضاً "جماعة أجنبية معادية" تؤمن بدين هو محل كره مُتوارَث من المحيطين بها، أدَّى وجودها في الحضارة الغربية إلى "بؤس وشقاء استمرا دهراً من الزمان". ولأن تلك الحضارة لا تستطيع طَرْد أو استيعاب هذه الجماعة، فهم يتسببون في كوارث تحيق بإنجلترا (كما فعل يهود اليديشية المهاجرون إليها) . وقد أعلن بلفور أن ولاء اليهود للدولة التي يعيشون فيها "ضعيف إذا ما قُورن بولائهم لدينهم وعرْقهم، وذلك نتيجة طريقتهم في الحياة ونتيجة عزلتهم، فهم لا يتزاوجون إلا من بني جنسهم". وهذا اتهام لليهود بأنهم جماعة لا تندمج كما أنها تعاني من ازدواج الولاء بل من انعدامه أحياناً، وهو اتهام يوجهه دائماً الصهاينة ومعادو اليهود لما يسمونه «الشخصية اليهودية» . وقد اعترف بلفور نفسه لوايزمان بأنه وجد نفسه متفقاً مع افتراضات كوزيما فاجنر (ابنة الموسيقار) عن اليهود ومتقبلاً لها، وهي افتراضات معادية لليهود بشكل متطرف. لكل هذا، خلص بلفور إلى أنه ليس من مصلحة أي بلد أن يكون فيه يهود مهما بلغت وطنيتهم وانغماسهم في الحياة القومية. وانطلاقاً من كل هذا، فقد تبنَّى قانون الغرباء الذي صدر بين عامي 1903 و1905 والذي كان يهدف إلى وضع حدٍّ لدخول يهود اليديشية إلى إنجلترا. وقد أدَّى موقفه هذا إلى الهجوم عليه من قبَل المؤتمر الصهيوني السابع (1905، حيث وُصفت تصريحاته بأنها "معاداة صريحة للشعب اليهودي بأسره"، كما هاجمته الصحافة البريطانية. وقد يبدو الأمر لأول وهلة وكأنه نوع من التناقض الواضح الذي يقترب من الشيزوفرانيا، ولكن أفكار بلفور الاسترجاعية (علمانية كانت أم دينية) تعبِّر عن رغبة في التخلص من اليهود وفي حوسلتهم لخدمة الحضارة الغربية. والواقع أن مفهوم الحوسلة هو الذي يفسر تأرجحه بين الحب والكره، فالحب هو حب لشعب عضوي مختار متماسك، ومن ثم فإنه لا ينتمي إلى مسار التاريخ الإنساني العادي ولا يمكن استيعابه في الحضارة الغربية، والكره هو أيضاً كره لشعب عضوي مختار متماسك يرفض الاندماج أو الانتماء لمسار التاريخ الإنساني العادي أو الحضارة الغربية. والنتيجة واحدة، حباً أو كرهاً، وهي نقل اليهود خارج أوربا وتوظيفهم في خدمة الحضارة الغربية. فالشعب العضوي المنبوذ لا يمكن أن يحل مشكلته داخل التشكيل الحضاري الغربي عن طريق الاندماج في المجتمعات الغربية، وإنما يمكنه حلها من داخل التشكيل الاستعماري الغربي عن طريق التحول إلى مادة استيطانية نافعة بيضاء تُوطَّن خارج أوربا (في أية بقعة في آسيا أو أفريقيا) . وبالفعل، تعمَّق اهتمام بلفور بالمسألة اليهودية حين حضر هرتزل وتفاوض مع وزير المستعمرات جوزيف تشامبرلين ووزير الخارجية لانسدون، حيث أجرى معهما مفاوضات بشأن توطين اليهود في شبه جزيرة سيناء لتحويل الفائض البشري اليهودي عن إنجلترا وتوطينه في خدمة الإمبراطورية. وفي هذا الإطار، اقترح تشامبرلين، الوزير في وزارة بلفور، توطين اليهود في إحدى المستعمرات الإنجليزية، وتُرجم هذا الاقتراح إلى مشروع شرق أفريقيا. وفي عام 1905، قام بلفور بمقابلة حاييم وايزمان في مانشستر وأُعجب به كثيراً، ولكنه نسي فكرته الصهيونية إلى حدٍّ كبير في فترة الحرب. ثم قابله مرة أخرى عام 1915 وناقش معه الأهداف الصهيونية (بعد أن كانت الوزارة البريطانية قد ناقشتها عام 1914 وعندما عُيِّن وزيراً للخارجية في وزارة لويد جورج عام 1916، عاد بلفور لاهتمامه القديم بالصهيونية بسبب تزايد أهمية فلسطين في المخطط الإمبريالي البريطاني وبسبب تصاعُد الجو الثوري الذي ساد أوربا والشرق العربي (وقد كان بلفور يرى أن الصهاينة حماة مجتمع ذي تقاليد دينية وعرْقية تجعل اليهودي غير المندمج قوة محافظة هائلة في السياسة العالمية) . زار بلفور الولايات المتحدة عام 1917 في إطار محاولات إنجلترا حث الولايات المتحدة على دخول الحرب إلى جانب الحلفاء، وقابل الزعيم الصهيوني الأمريكي لويس برانديز. وفي نوفمبر من العام نفسه، أصدر بلفور تصريحه أو وعده المشهور نيابةً عن الحكومة الإنجليزية. وقد شهد العام نفسه رفضه التدخل لدى الحكومة الروسية لإزالة القيود المتعلقة بإعطاء اليهود حقوقهم المدنية. وبعد ذلك، استمر بلفور في دعم الصهيونية عدة سنوات وفي يونيه عام 1922، ألقى خطاباً في مجلس اللوردات البريطاني يحث فيه بريطانيا على قبول فرض الانتداب على فلسطين، وتقدَّم بمسودة قرار الانتداب لعصبة الأمم، كما شارك في افتتاح الجامعة العبرية عام 1925 وقد بيَّن بلفور تصوُّره لمستقبل فلسطين في إحدى المذكرات حيث قال: إن الصهيونية، سواء أكانت على حق أم كانت على باطل، خيِّرة كانت أم شريرة، فإنها ذات جذور متأصلة في "تعاليم قديمة وحاجات حالية وآمال مستقبلية" (غربية) . ولذا، فإن أهميتها "تفوق رغبات وميول السبعمائة ألف عربي" قاطني هذه الأرض. وقد أكد بلفور في مذكرة أخرى أن الحلفاء لم يكن في نيتهم قط استشارة سكان فلسطين العرب. وانطلاقاً من إدراك الأهمية الجغراسية (الجغرافية/السياسية) لفلسطين، طلب بلفور أن تكون فلسطين متاحة لأكبر عدد من المهاجرين (الذين رفض من قبل دخولهم إنجلترا) وأن تُوسَّع حدودها لتشمل الأراضي الواقعة شرقي نهر الأردن. ويوجد في إسرائيل موشاف يُدعَى «بلفوريا» أسسه مستوطنون من الولايات المتحدة، كما توجد شوارع في القدس وتل أبيب سُمِّيت جميعها باسمه، ويطلق كثير من اليهود على أبنائهم اسم «بلفور» مع أنه ليس اسماً عبرياً أو يهودياً. وقد ألَّف بلفور عدة كتب في الفلسفة الدينية، من أهمها: دفاع عن الشك الفلسفي (1879) ، وأُسس الاعتقاد الديني: ملاحظات أولية لدراسة اللاهوت (1893) ، والإيمان بالله والفكر: دراسة في العقائد المألوفة (1923) . مارك سايكس (1879-1919) Mark Sykes دبلوماسي ورحالة بريطاني وُلد في لندن وتلقَّى تعليمه في موناكو وبروكسل وكمبردج. عمل في الجيش البريطاني بعض الوقت في جنوب أفريقيا (1902 وسافر إلى سوريا والعراق، وعُيِّن ملحقاً فخرياً للسفارة البريطانية في إستنبول. وعُيِّن بسبب خبرته الواسعة في شئون الشرق مساعداً لوزارة الحرب البريطانية، وكانت وظيفته تزويد مجلس الوزراء بالمعلومات والمشورة حول شئون الشرق الأوسط. ولم يكن سايكس من صانعي القرار إلا أنه كان مؤثراً جداً فيهم بسبب شهرته كخبير في شئون الشرق الأوسط وحظوته لدى أصحاب السلطة. بل يرى كاتب سيرة حياته أنه كان القوة المحركة للسياسة البريطانية الخاصة بفلسطين التي أدَّت إلى إصدار وعد بلفور ثم الانتداب البريطاني على فلسطين. ومما تجدر ملاحظته أن سايكس كان كاثوليكياً على عكس الغالبية الساحقة من الصهاينة غير المسيحيين الذين يأتون من أوساط بروتستانتية. اشترك سايكس، بحكم منصبه، في المباحثات التي جرت في لندن وكان يمثل فيها الجانب البريطاني. أما فرانسوا جورج بيكو، القنصل الفرنسي السابق في بيروت ومستشار السفارة الفرنسية في لندن، فكان يُمثل الجانب الفرنسي فيما يتصل بما كان يُسمَّى «المسألة السورية» ، أي مستقبل المنطقة العربية (وخصوصاً الشام) وتقسيم ممتلكات الدولة العثمانية في آسيا. وقد انتهت هذه المباحثات، بشكل مبدئي (عام 1916 بتوقيع اتفاقية سايكس ـ بيكو الشهيرة لتقسيم مناطق النفوذ بين إنجلترا وفرنسا. وقد وُضعَت فلسطين بمقتضى الاتفاق تحت إشراف إدارة دولية. وبعد هذا التوقيع المبدئي، اطَّلع السير مارك سايكس على المذكرة التي وزعها هربرت صمويل على أعضاء الوزارة البريطانية يقترح فيها أن تبنَّت إنجلترا المشروع الصهيوني. وقد اكتشف سايكس على التو أنه لو تبنَّت إنجلترا المشروع الصهيوني، فإن هذا سيوفر لها موطئ قدم راسخاً في الشرق الأرسط. واكتشف سايكس أن بوسعه استخدام الصهاينة في التخلص من الجزء الخاص بوضع فلسطين تحت إدارة دولية (أي فرنسية إنجليزية) . ومما له دلالته، أن القيادة الصهيونية لم تكن تعرف شيئاً عن الاتفاق السري هذا (أي أن القرار دائماً قرار استعماري يتم توظيفه لاحقاً الصهاينة) . ولم يعرف وايزمان عن الاتفاق إلا في 16 أبريل 1917 من تشارلز سكوت رئيس تحرير المانشستر جارديان. وقد تقرَّر أن يعبِّر الصهاينة عن رغبتهم في أن تكون فلسطين تحت حكم إنجلترا وحسب وألا تُقسَّم. وبالفعل، قام الصهاينة بما طُلب منهم، وقام سوكولوف بمقابلة بيكو وعبَّر له عن وجهة النظر الصهيونية، وأكد له أن الدولة الصهيونية لن تضر بمصالح فرنسا. ولكن العنصر الحاسم في تغيير وجهة النظر الفرنسية لم يكن الضغوط الصهيونية وإنما وصول القوات البريطانية تحت قيادة أللنبى إلى فلسطين واستيلائهم عليها دون عون القوات الفرنسية. كما أن اندلاع الثورة البلشفية وانسحاب روسيا من الحرب غيَّر الصورة تماماً. وقد انتهى الأمر بأن تنازلت فرنسا عن فلسطين لإنجلترا. وقد شارك سايكس بشكل أساسي في الصياغة النهائية لوعد بلفور. وكان سايكس ـ كما هي العادة مع الصهاينة غير اليهود ـ معادياً لليهود بشكل صريح ويَصدُر عن مفهوم الشعب العضوي المنبوذ. فاليهودي بالنسبة له هو المموِّل العالمي. وينقسم اليهود ـ حسب تصوُّره ـ إلى قسمين: اليهود المتأنجلزون (أي المندمجون) الذين يتخلون عن هويتهم (العضوية) ، ومن ثم يمكثون في بلادهم ولا يهاجرون منها، وكان سايكس يكن لهم احتقاراً عميقاً، وهناك العبراني الحقيقي (هذا الذي يترك إنجلترا ليستوطن في بلده العضوي) ، وهؤلاء كان يحبهم سايكس، شأنه في هذا شأن النازيين وشأن كل من يرغب في أن "يعود" اليهود إلى "وطنهم القومي" في فلسطين، فتُفرَّغ أوربا من يهودها. ومن هنا، فلا غرو أن يؤيد سايكس المشروع الصهيوني. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
المنظمة الصهيونية العالمية
المنظمة الصهيونية العالمية: تاريخ World Zionist Organization: History أُسِّست المنظمة الصهيونية العالمية عام 1897 في المؤتمر الصهيوني الأول. كان اسمها في البداية «المنظمة الصهيونية» وحسب (ولكن الاسم عُدِّل عام 1960 ليصبح «المنظمة الصهيونية العالمية» ) . وعُرِّفت المنظمة عند تأسيسها بأنها الإطار التنظيمي الذي يضم كل اليهود الذين يقبلون برنامج بازل ويسددون رسم العضوية (الشيقل) ، وقد أنيطت بها مهمة تحقيق الأهداف الصهيونية التي جسدها برنامج بازل وعلى رأسها إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين "يضمنه القانون العام" وهي عبارة تعني في واقع الأمر: "تضمنه القوى الاستعمارية في الغرب". وكانت المنظمة بمنزلة هيئة رسمية تمثل الحركة الصهيونية في مفاوضاتها مع الدول الاستعمارية الرئيسية آنذاك من أجل استمالة إحداها لتبنِّي المشروع الصهيوني، وكانت إطاراً لتنظيم العلاقة بين الصهاينة الاستيطانيين والصهاينة التوطينيين، أي أن تأسيسها كان بداية انتقال النشاط الصهيوني من مرحلة البداية الجنينية التسللية إلى مرحلة العمل المنظم على الصعيد الغربي. ولتنفيذ مخططها الاستيطاني والتوطيني عملت المنظمة على إنشاء عدد من المؤسسات المالية لتمويل المشروع الصهيوني، كان من أهمها صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار، وهو بنك صهيوني تم تأسيسه عام 1899. وقد أشار سوكولوف إلى أن هذا البنك قد أُسِّس على نمط شركة الهند الشرقية وشركة خليج هدسون للفراء في كندا وشركات التعدين في جنوب أفريقيا. وفي عام 1903، أنشأ الصندوق فرعاً مصرفياً برأسمال قدره 40 ألف جنيه إسترليني، كما أنشأ فروعاً أخرى في هولندا وفرنسا (وقد عُرف فيما بعد باسم «البنك البريطاني الفلسطيني» ثم عُرف بعد ذلك باسم «بنك ليئومي ليسرائيل» منذ عام 1951) وفي عام 1901، أسَّست المنظمة الصندوق القومي اليهودي (كيرين كايميت) بهدف توفير الأموال اللازمة لشراء الأراضي في فلسطين ونص القانون الأساسي لهذا الصندوق على اعتبار الأراضي التي يشتريها ملكية أبدية للشعب اليهودي لا يجوز بيعها أو التفريط فيها. كما حصلت المنظمة على امتياز مجلة دي فيلت لتكون لسان حال المنظمة. وقد نمت المنظمة الصهيونية خلال سنواتها الأولى. فمع انعقاد المؤتمر الصهيوني السادس عام 1903، بلغ عدد الأعضاء المشاركين فيه 600 عضو، وازداد عدد الجمعيات الصهيونية إلى 1572 جمعية موزعة على بلاد مختلفة. وقد وصل الأعضاء عشية الحرب العالمية الثانية (1939) إلى مليون عضو. وفي عام 1946، كان عدد دافعي الشيقل 2.159.840 (ولكن يجب مراعاة أن عضوية المنظمة بالنسبة لكثير من الصهاينة لا تتجاوز حرفياً دفع الشيقل، ولا تعني بالضرورة القيام بأي نشاط آخر) وقد انتقل مركز المنظمة من عاصمة إلى أخرى. فبعد وفاة هرتزل، انتقل مكان وجود رئيس المنظمة من فيينا إلى كولونيا، وهو مقر ديفيد ولفسون في الفترة 1905 ـ 1911، ثم إلى برلين في ظل رئاسة أوتو واربورج (1911 ـ 1920) . وبعد صدور وعد بلفور، انتقل مركز المنظمة إلى لندن: مركز الثقل الإمبريالي في العالم (وكان ذلك يعني الارتباط بالإمبريالية البريطانية وتوقيع العقد الصامت مع الحضارة الغربية) . وظل مركز المنظمة في لندن إبان رئاسة حاييم وايزمان (1920 ـ 1931) ثم ناحوم سوكولوف (1931 ـ 1935) في عام 1936، وبعد استقرار المؤسسات الاستيطانية في فلسطين التي وُضعت تحت حكم الانتداب عام 1921، انتقلت المنظمة إلى القدس وإن ظلت لندن مقر رئيس المنظمة وبعض أعضاء اللجنة التنفيذية. ولم يخلُ تاريخ المنظمة من الخلافات والصراعات بين التيارات المختلفة وكذلك الانقسامات والانشقاقات، فمنذ المؤتمر الصهيوني الأول (1897) وحتى عام 1905 تبلورت معارضة الصهاينة العمليين (الاستيطانيين التسلليين) الذين طالبوا بالتركيز على البند الأول من برنامج بازل الخاص بتشجيع حركة الاستيطان في فلسطين، في حين تزعَّم هرتزل تيار الصهاينة الدبلوماسيين (الاستعماريين) الذين ركزوا على تحقيق البند الرابع من البرنامج الصهيوني الخاص بالحصول على «ميثاق» دولي (أي غربي) يتيح الاستيطان اليهودي في فلسطين القائم على القانون وتحت حماية الدول الاستعمارية الكبرى. ومن الجدير بالذكر أن الخلاف بين الفريقين لم يكن خلافاً مبدئياً أو إستراتيجياً بقدر ما كان خلافاً تكتيكياً يرى التركيز على بند دون الآخر من بنود البرنامج الصهيوني. وبالفعل، تم التوصل في نهاية الأمر إلى صيغة توفيقية تجمع بين الاتجاهين وتتمثل في الصهيونية التوفيقية (أو التركيبية) التي طرحها وايزمان في المؤتمر الصهيوني الثامن (1907) ، وقد نجح الصهاينة الاستيطانيون في إحكام سيطرتهم على المؤسسات الصهيونية كافة خلال المؤتمر الحادي عشر (1913ظهرت خلافات عميقة حول إدارة المنظمة وبرز الجناح الديموقراطي الصهيوني (العصبة الديموقراطية) بقيادة حاييم وايزمان وليو موتزكين وفيكتور جيكوبسون ومارتن بوبر وغيرهم من الذين انتقدوا قيادة هرتزل لأنها غير ديموقراطية ولا تكترث بقضية بَعْث الثقافة اليهودية. وعلى الصعيد نفسه، وجهت المعارضة التي قادها مناحم أوسيشكين من خلال اللجنة الروسية وعَبْر مؤتمرها الذي عقد عام 1903 إنذاراً لهرتزل بالتخلي عن أسلوبه في إدارة المنظمة وبإلغاء مشروع شرق أفريقيا والتركيز على المشاريع الاستيطانية في فلسطين. وقد شهدت المنظمة انشقاقات مهمة، كان أولها انسحاب إسرائيل زانجويل وأتباعه الصهاينة الإقليميين بعد أن رفض المؤتمر الصهيوني السابع (1905) مشروع إقامة وطن قومي يهودي في أوغندا وقاموا بتأسيس منظمة مستقلة عُرفت باسم المنظمة الصهيونية الإقليمية. كما شهدت المنظمة انقساماً آخر عام 1933 حينما انشق غالبية الصهاينة التصحيحيين بزعامة فلاديمير جابوتنسكي عن المنظمة الصهيونية بعد إخفاقهم في حملها على تبنِّي مطلبهم المتمثل في الإعلان بصراحة عن أن الهدف النهائي للحركة هو إقامة الدولة اليهودية. وشكلوا منظمة أخرى تُدعَى «المنظمة الصهيونية الجديدة» . وبالإضافة إلى ذلك، كانت المنظمة منقسمة إلى اتجاهات سياسية متباينة: حركة عمال صهيون (وهم الصهيونيون العماليون) وحركة مزراحي (التي تمثل الصهيونية الإثنية الدينية) والصهاينة العموميين. كذلك كان هناك تيار الصهيونية الإثنية الثقافية وعلى رأسه آحاد هعام وأنصاره. ويجب أن نذكر، مرة أخرى، أن هذا الانقسام أو هذه الانشقاقات كانت تتم داخل إطار من الوحدة والالتزام المبدئي. ولذلك، نجد أن الإقليميين والتصحيحيين عادوا إلى حظيرة المنظمة بعد بضع سنوات، كما أن أتباع المزراحي الذين انشقوا عام 1901 تحت زعامة الحاخام إسحق راينس وأسسوا حركة مزراحي ظلوا يعملون داخل إطار المنظمة مع أعضاء عمال صهيون الماركسيين والصهاينة العموميين ذوي الاتجاهات الليبرالية. وقد شهد انتهاء الحرب العالمية الأولى صدور وعد بلفور والبداية الحقيقية لتطبيق المشروع الصهيوني في فلسطين بفرض الانتداب البريطاني عليها، وبالتالي بدأ اتخاذ الخطوات لترجمة وعد بلفور على المستوى التنظيمي، فأكملت المنظمة جهازها المالي بإنشاء الصندوق التأسيسي الفلسطيني (كيرين هايسود) عام 1921 المختص بتمويل نشاطات الهجرة والاستيطان. كما تحولت اللجنة الصهيونية في فلسطين إلى حكومة في طور التكوين قامت بالإشراف على كل الشئون الاستيطانية والاقتصادية والثقافية للتجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين. كما أسَّست المنظمة ساعدها التنفيذي المعروف باسم «الوكالة اليهودية» عام 1922، إذ نص صك الانتداب البريطاني على فلسطين على الاعتراف بوكالة يهودية مناسبة لإسداء المشورة إلى سلطات الانتداب في جميع الأمور المتعلقة بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. واعترف صك الانتداب بأن المنظمة الصهيونية هي هذه الوكالة. وفي عام 1929، نجح وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية آنذاك في إقناع أعضاء المؤتمر الصهيوني السادس عشر بضرورة توسيع الوكالة اليهودية بحيث يتشكل مجلسها من عدد من أعضاء المنظمة وعدد مماثل من غير أعضائها (وكان الغرض من ذلك استمالة أثرياء اليهود التوطينيين لتمويل المشروع الصهيوني دون إلزامهم بالانخراط في صفوف المنظمة، والإيحاء في الوقت نفسه بأن الوكالة تمثل جميع اليهود في العالم ولا تقتصر على أعضاء المنظمة) . وكان من شأن هذه الخطوة أن تعطي دفعة قوية للحركة الصهيونية وتدعم الموقف التفاوضي للمنظمة الصهيونية مع الحكومة البريطانية التي كان يقلقها تصاعد الأصوات الرافضة للصهيونية في أوساط يهود بريطانيا. وقد ظلت المنظمة وساعدها التنفيذي تُعرَفان بنفس الاسم على النحو التالي: المنظمة الصهيونية/الوكالة اليهودية، وذلك حتى عام 1971، إذ جرت في ذلك العام عملية مزعومة وشكلية لإعادة التنظيم بحيث أصبحت المنظمتان منفصلتين قانونياً وتعمل كل منهما تحت قيادة هيئة خاصة (سمّاها أحدهم «المنظمة ذات الرأسين» ) . ويمكننا أن نستخدم الجزء الأول من الاسم (أي «المنظمة الصهيونية العالمية» ) للإشارة إلى نشاط المنظمة بين الجماعات اليهودية في العالم من حيث تجنيدهم لدعم المُستوطَن مالياً وسياسياً، وذلك مقابل تعميق إحساسهم بالهوية اليهودية (وهو نشاط الصهيونية التوطينية الأساسي) . أما حينما تكون الإشارة إلى الجانب التنفيذي أو الاستيطاني، فإن عبارة «الوكالة اليهودية» هي التي تُستخدَم وحدها. وحتى عام 1948، كانت المنظمة الصهيونية/الوكالة اليهودية هي المسئول عن المشروع الصهيوني بشقيه الاستيطاني (أي المرتبط بالتجمُّع الاستيطاني اليهودي في فلسطين وبنشاطه الاقتصادي والعسكري) والتوطيني (أي المرتبط بالجماعات اليهودية في العالم وبنشاط بعض عناصرها في دعم النشاط الاستيطاني في فلسطين سياسياً ومادياً وضمان استمرار الدعم الإمبريالي له) . كذلك ظلت المنظمة ممثلة للتيار الصهيوني الإثني العلماني وأيضاً للتيار الصهيوني الإثني الديني. ورغم وجود تناقضات أساسية بين الصهاينة الاستيطانيين والتوطينيين، وكذلك بين الاتجاهات الدينية والعلمانية (وذلك بخلاف التناقضات الفرعية داخل كل فريق) ، فقد ظلت هذه التناقضات محصورة في أضيق نطاق بسبب الحاجة الماسة لدى المستوطنين إلى دعم يهود العالم وبسبب عجزهم عن الحركة بحرية على الصعيد الغربي، فهم كمستوطنين في فلسطين لم يكونوا يملكون الاتصالات اللازمة للقيام بهذه العملية. وفي الأعوام القليلة السابقة على إعلان الدولة، كان الصهاينة الاستيطانيون والتوطينيون يشعرون بضرورة وجود هيئة تمثل جميع الصهاينة وتكون المحاور الوحيدة للدولة المنتدبة والأمم المتحدة وهو الدور الذي قامت به المنظمة. ومع تعاظُم نفوذ الولايات المتحدة داخل المعسكر الإمبريالي، تصاعد نفوذ الصهاينة الأمريكيين وأصبحوا المهيمنين تقريباً على المنظمة الصهيونية. وقبل ذلك بكثير، كان وايزمان قد اهتم ببناء جسور قوية مع الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك حتى تم انعقاد مؤتمر صهيوني طارئ في نيويورك عام 1914 تشكلت فيه اللجنة التنفيذية المؤقتة للشئون الصهيونية العامة برئاسة القاضي لويس برانديز زعيم الصهاينة الأمريكيين آنذاك. وقد اتجهت المنظمة عقب الحرب العالمية الثانية إلى نَقْل مركز ثقلها من لندن إلى واشنطن وتم عقد مؤتمر استثنائي في بلتيمور عام 1942 صَدَر عنه برنامج بلتيمور الصهيوني الشهيرالذي نادى باستبدال كومنولث يهودي بالانتداب البريطاني في فلسطين حتى يمكن تحقيق الوطن القومي لليهود الذي وعد به تصريح بلفور. وقد ضغطت المنظمة داخل الأمم المتحدة من أجل صدور قرار التقسيم عام 1947، ثم قامت بتأسيس مجلس وطني بعد ذلك ليكون بمنزلة برلمان للدولة الصهيونية المزمع إنشاؤها وإدارة وطنية لحكومة الدولة المرتقبة. وفي مايو عام 1948، قام ديفيد بن جوريون رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية/الوكالة اليهودية والإدارة الوطنية (حيث لم يُنتخَب رئيس للمنظمة الصهيونية بعد أن استقال وايزمان خلال المؤتمر الثاني والعشرين عام 1946) بإعلان قيام الدولة الصهيونية. ولكن قيام الدولة الصهيونية فجَّر التناقضات الكامنة بين الصهاينة الاستيطانيين والصهاينة التوطينيين، ودخلت العلاقة بين الدولة والمنظمة في أزمة طويلة ومتصاعدة لم تخف حدتها إلا عام 1968. بدأت ملامح تلك الأزمة تتبين مع اقتراب قيام الدولة الصهيونية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
اللوبي اليهودي والصهيوني (أو جماعات الضغط الصهيونية)
Jewish and Zionist Lobby » لوبي «Lobby كلمة إنجليزية تعني «الرواق» أو «الردهة الأمامية في فندق» ، ولذا يُقال مثلاً: "سأقابلك في لوبي الفندق"، أي في الردهة الأمامية التي توجد عادةً أمام مكتب الاستقبال. وتُطلَق الكلمة كذلك على الردهة الكبرى في مجلس العموم في إنجلترا، وعلى الردهة الكبرى في مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة، حيث يستطيع الأعضاء أن يقابلوا الناس وحيث تُعقَد الصفقات فيها، كما تدور فيها المناورات والمشاورات ويتم تبادل المصالح. وقد أصبحت الكلمة تُطلَق على جماعات الضغط (الترجمة الشائعة للمعنى المجازي لكلمة «لوبي lobby» ) التي يجلس ممثلوها في الردهة الكبرى ويحاولون التأثير على أعضاء هيئة تشريعية ما مثل مجلس الشيوخ أو مجلس النواب. وفعل «تو لوبي to lobby» يعني أن يحاول شخص ذو نفوذ (يستمده من ثروته أو مكانته أو من كونه يمثل جماعة تشكل مركز قوة) أن يكسب التأييد لمشروع قانون ما عن طريق مفاوضة أعضاء المجلس التشريعي في ردهته الكبرى، فيعدهم بالأصوات أو بالدعم المالي لحملاتهم الانتخابية أو بالذيوع الإعلامي إن هم ساندوا مطالبه وساعدوا على تحقيقها، ويهددهم بالحملات ضدهم وبحجب الأصوات عنهم إن هم أحجموا عن ذلك. ويوجد في الولايات المتحدة أكثر من لوبي أو جماعة ضغط تمارس معظم نشاطاتها في العلن بشكل مشروع، وإن كان هذا لا يستبعد بعض الأساليب الخفية غير الشرعية (مثل الرشاوي التي قد تأخذ شكل منح نقدية مباشرة أو تسهيلات معيَّنة أو منح عقود أو التهديد بنشر بعض التفاصيل أو الحقائق التي قد تسبب الحرج لأحد أعضاء النخبة الحاكمة وصانعي القرار ... إلخ) وتوجد أشكال وأنواع من جماعات الضغط، فهناك جماعات الضغط الإثنية: مثل اللوبي اليوناني أو اللوبي الأيرلندي، كما يوجد الآن لوبي عربي. وهناك كذلك جماعات الضغط الدينية، فهناك لوبي كاثوليكي وآخر علماني. ويوجد جماعات ضغط مهنية وجيلية ونفسية واقتصادية، فيوجد لوبي للمصالح البترولية وآخر لمنتجي الألبان وثالث لمنتجي البيض ورابع لزارعي البطاطس وخامس لنقابات العمال وسادس لمنتجي التبغ وسابع لصانعي السجائر وثامن لمن يحاربون التدخين وتاسع للعجائز وعاشر للشواذ جنسياً (وهناك بالطبع لوبي لمن يحاربون الشذوذ الجنسي ويدافعون عن قيم الأسرة) . وقد أصبحت جماعات الضغط على درجة من الأهمية جعلت النظام السياسي الأمريكي أصبح يُسمَّى «ديموقراطية جماعات الضغط» ، أي أنه لم يَعُد هناك نظام ديموقراطي تقليدي يعبِّر عن مصالح الناخبين مباشرةً حسب أعدادهم (لكل رجل صوت) ، بل أصبح النظام يعبِّر عن مقادير الضغوط التي تستطيع جماعات الضغط أن تمارسها على المشرِّعين الأمريكيين لتحديد قرارهم بشأن قضية ما بحيث تَصدُر تشريعات وقوانين معيَّنة وتُحجَب أو تُعدَّل أخرى. فالمواطن الأمريكي لم يَعُد يمارس حقوقه الديموقراطية مباشرةً وإنما أصبح يمارسها من خلال هذه الجماعات. ويُقال إن أهم جماعات الضغط في الولايات المتحدة جماعة المدافعين عن حق المواطن الأمريكي في اقتناء الأسلحة النارية (دون ترخيص) واستخدامها للدفاع عن النفس، وهو حق يعود للجذور الاستيطانية الإحلالية للولايات المتحدة، ويشبه "حق" المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية في استخدام الأسلحة لقتل العرب "دفاعاً عن النفس". وتشير كلمة «لوبي» ، بالمعنى المحدَّد والضيق للكلمة، إلى جماعات الضغط التي تسجل نفسها رسمياً باعتبارها كذلك. ولكنها، بالمعنى العام، تشير إلى مجموعة من المنظمات والهيئات وجماعات المصالح والاتجاهات السياسية التي قد لا تكون مسجلة بشكل رسمي، ولكنها تمارس الضغط على الحكام وصناع القرار. وعبارة «اللوبي اليهودي الصهيوني» في الأدبيات العربية والغربية (في كثير من الأحيان) تشير إلى معنيين اثنين: 1 ـ اللوبي الصهيوني بالمعنى المحدَّد: تشير كلمة لوبي في هذا السياق إلى لجنة الشئون العامة الإسرائيلية الأمريكية (إيباك) ، وهي من أهم جماعات الضغط. ومهمته، كما يدل اسمه، الضغط على المشرعين الأمريكيين لتأييد الدولة الصهيونية. ويتم ذلك بعدة سبل، من بينها تجميع الطاقات المختلفة للجمعيات اليهودية والصهيونية وتوجيه حركتها في اتجاه سياسات وأهداف محددة عادةً تخدم إسرائيل. كما أن اللوبي يحاول أيضاً أن يحوِّل قوة الأثرياء من أعضاء الجماعات اليهودية (وخصوصاً القادرين على تمويل الحملات الانتخابية) ، وأعضاء الجماعات اليهودية على وجه العموم (أصحاب ما يُسمَّى «الصوت اليهودي» ) إلى أداة ضغط على صناع القرار في الولايات المتحدة، فيلوح بالمساعدات والأصوات التي يمكن أن يحصل المرشح عليها إن هو ساند الدولة الصهيونية والتي سيفقدها لا محالة إن لم يفعل. 2 ـ اللوبي الصهيوني بالمعنى العام الشائع للكلمة: وهو إطار تنظيمي عام يعمل داخله عدد من الجمعيات والتنظيمات والهيئات اليهودية والصهيونية تنسق فيما بينها، من أهمها: مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى، والمؤتمر اليهودي العالمي، واللجنة اليهودية الأمريكية، والمؤتمر اليهودي الأمريكي، والمجلس الاستشاري القومي لعلاقات الجماعة اليهودية. وكل هذه المنظمات لديها ممثلون في واشنطن للتأثير على عملية صنع السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. ورغم أن هذه المنظمات لديها أنشطة مختلفة ترتبط بالموضوعات الاجتماعية، فإنها أيضاً تعمل بشكل مباشر في الموضوعات التي ترضي إسرائيل حيث تسعى إلى الضغط على الكونجرس من خلال إرسال الخطابات إلى أعضائه، وغير ذلك من أشكال الضغط. وهناك أيضاً عدد من الجماعات الصهيونية التي تسعى إلى كسب تعاطف الرأي العام الأمريكي مع إسرائيل، والتي ظهرت في بداية الأمر من أجل السعي لإنشاء دولة إسرائيل ثم تأييدها بعد ذلك. ومن هذه المنظمات: المنظمة الصهيونية لأمريكا، والتحالف العمالي الصهيوني، والهاداساه، ومنظمة النساء الصهاينة في أمريكا. وتعمل هذه الجماعات على كسب الرأي العام عن طريق مشروعات متعددة تتراوح بين إنشاء المدارس التي تعلِّم العبرية وإنشاء المستشفيات وإنتاج الأفلام الموالية لإسرائيل وتمويل رحلات الباحثين والسياسيين الأمريكيين إلى إسرائيل. ومن الناحية التنظيمية، تتميَّز هذه الجمعيات والمنظمات عن نظيراتها الأمريكيات بكونها تضم عضوية كبيرة، كما أن أجهزتها تتميَّز بوجود موظفين متميزين ومدربين على العمل في مجالات جماعات الضغط والتأثير. كذلك فإنها قادرة حالياً على تشجيع برامج سياسية واجتماعية غير مرتبطة دائماً بالبرنامج الصهيوني، كما أنها تملك جماعات متخصصة وقادرة على معالجة مشاكل بعينها وتنمية شبكات للاتصال. وكذلك فإن لديهم بيروقراطية مركزية لها القدرة على الربط الدائم بين اليهود النشيطين سياسياً على مستوى أمريكا كلها عن طريق كل من مؤتمر الرؤساء ولجنة الشئون العامة. هذا بدوره يجعل لدى الجماعات الصهيونية القدرة على الرد الفوري والتعبئة السريعة وبشكل منسق على المستوى القومي، وذلك عندما تظهر موضوعات تستحق التدخل من جانب هذه الجماعات. وفي مجال الدعاية والتأثير على الرأي العام الأمريكي، فإن اللوبي الصهيوني بالمعنى المحدد للكلمة، وبالمعنى العام، نجح في جعله موالياً لإسرائيل بصورة عامة. وهذا النجاح لا يرجع فقط إلى الدعاية المنظمة والمؤتمرات وإنما يرجع أيضاً لقدرة اللوبي الصهيوني على عقد تحالفات دائمة مع جماعات المصالح الأخرى مثل العمال والمرأة والمنظمات الدينية وتلك التي تمثل الأقليات الأخرى وجمعيات حقوق الإنسان، واستخدام هذه الجماعات للتأثير على الرأي العام والكونجرس. ولا يعمل اللوبي الصهيوني (بالمعنى العام الشائع) بشكل مستقل عن الحركة الصهيونية وإنما ينسق معها. وعندما يُثار موضوع مهم، فإن قادة مؤتمر الرؤساء ولجنة الشئون العامة يحتفظون باتصال وثيق مع العاملين في السفارة الإسرائيلية في واشنطن ومع المستويات العليا في الحكومة الإسرائيلية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن كلتا المنظمتين لديها القدرة على تنسيق أنشطتها مع الجماعات الصهيونية على المستوى العالمي من خلال المنظمة الصهيونية. هذا هو المعنى الشائع، ولكننا سنطرح معنى ثالثاً غير شائع إذ أننا نذهب إلى أن اللوبي الصهيوني لا يتكون من عناصر يهودية وحسب وإنما يضم عناصر غير يهودية أيضاً، وهو يضم كل أصحاب المصالح الاقتصادية الذين يرون أن تفتيت العالم العربي والإسلامي يخدم مصالحهم، وأعضاء النخبة السياسية والعسكرية ممن يتبنون وجهة نظرهم. كما يضم اللوبي الصهيوني كثيراً من الليبراليين ممن كانوا يدعون إلى اتخاذ سياسة ردع نشيطة ضد الاتحاد السوفيتي (سابقاً) ، وكثيراً من المحافظين الذين يرون في إسرائيل قاعدة للحضارة الغربية وقاعدة لمصالحها، كما يضم جماعات الأصوليين (الحَرْفيين) ممن يرون في دولة إسرائيل إحدى بشائر الخلاص. ولا يُوظِّف اللوبي اليهودي الصهيوني عناصر اليهودية والصهيونية وحسب، وإنما يُوظِّف عناصر ليست يهودية ولا صهيونية (بل قد تكون معادية لليهود واليهودية) ولكنها مع هذا تُوظِّف نفسها دفاعاً عنه وعن مصالحه، بسبب الدور الذي تؤديه الدولة الصهيونية في الشرق الأوسط وبسبب تلاقي المصالح الإستراتيجية الغربية والصهيونية. اللوبي اليهودي والصهيوني: الأطروحة الشائعة Jewish and Zionist Lobby: The Dominant Hypothesis يُعَدُّ اللوبي اليهودي والصهيوني (بالمعنى الشائع) أداة ضغط فعالة في يد من يمثلون مصالح الدولة الإسرائيلية. ولا يستطيع أي دارس أن ينكر قوة اللوبي الذاتية التي يمكن تلخيص مصادرها فيما يلي: 1 ـ يستند اللوبي اليهودي والصهيوني إلى قاعدة واسعة من الناخبين من أعضاء الجماعة اليهودية. 2 ـ توجد بين هؤلاء الناخبين نسبة عالية من الأثرياء يُقدَّر أنهم يتبرعون بأكثر من نصف مجموع الهبات الكبرى للحملة الانتخابية للحزب الديموقراطي، إضافة إلى مبالغ ضخمة لحملات الحزب الجمهوري (انظر: «الصوت اليهودي» ) 3 ـ ازدادت أهمية هؤلاء الناخبين بعد الزيادة الهائلة في كلفة الحملات الانتخابية. 4 ـ من أسباب قوة اللوبي اليهودي والصهيوني ارتفاع المستوى التعليمي لأعضاء الجماعات اليهودية. 5 ـ يوجد عدد كبير من المثقفين الأمريكيين اليهود الذين أصبحوا جزءاً عضوياً من النخبة الحاكمة، فهم أبناء حقيقيون للمجتمع الأمريكي لا يعيشون على هامشه أو "في مسامه" وإنما في صلبه، وهو ما يجعلهم قادرين على ممارسة الضغط والتأثير بشكل مباشر. 6 ـ الجماعة اليهودية جماعة منظمة لدرجة كبيرة، وهذا يجعلها قادرة على مضاعفة قوتها وزيادة نفوذها لدرجة لا تتناسب مع أعداد أعضائها. 7 ـ ساعد نظام الانتخابات في الولايات المتحدة على أن يلعب اليهود دوراً ملحوظاً في الانتخابات بسبب تركُّزهم في بعض أهم الولايات التي تقرر مصير الانتخابات الأمريكية (نيويورك ـ كاليفورنيا ـ فلوريدا) . 8 ـ لا يهتم الناخب الأمريكي كثيراً بقضايا السياسة الخارجية ولا يفهمها كثيراً، ولذا فإن أقلية مثل الجماعة اليهودية عندها هذا الاهتمام بإسرائيل وسياسة الولايات المتحدة تجاهها يمكنها أن تمارس نفوذاً قوياً في تحديد السياسة الخارجية الأمريكية. والافتراض الكامن في كثير من الأدبيات العربية أن اللوبي اليهودي الصهيوني (بالمعنى الشائع) هو الذي يؤثر في صناع القرار الأمريكي، بل يرى البعض أنه يسيطر سيطرة تامة على مراكز صنع السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وأنه يدفع هذه السياسة في اتجاه التناقض مع المصالح القومية الأمريكية الحقيقية بما يخدم مصلحة الدولة الصهيونية (وينسب البعض للوبي مقدرات بروتوكولية رهيبة) . وهذا يعني بطبيعة الحال أن اللوبي الصهيوني هو لوبي يهودي وأن اليهود يشكلون قوة سياسية وكتلة اقتصادية موحدة خاضعة بشكل شبه كامل للسيطرة الصهيونية ويتحركون وفق توجيهاتها، وأن بإمكان أقلية قوامها 4.2% من السكان أن تتحكم في سياسة إمبراطورية عظمى مثل الولايات المتحدة. كما يفترض المفهوم أن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة علاقة عارضة متغيرة وليست إستراتيجية مستقرة، وأن تأييد الولايات المتحدة لإسرائيل ناجم عن عملية ضغط عليها "من الخارج" تقوم به قوة مستقلة لها آلياتها المستقلة وحركياتها الذاتية ومصلحتها الخاصة، وليس نابعاً من مصالح الولايات المتحدة أو من إدراكها لهذه المصالح. ويستند إدراك كثير من المنادين بمقولة قوة اللوبي الصهيوني إلى مجموعة من المقدمات المنطقية المعقولة التي تكاد تكون بدهية، ومن وجهة نظرهم. فنحن إذا حكَّمنا العقل ودرسنا الواقع بشكل موضوعي لتوصلنا إلى أنه ليس من صالح الولايات المتحدة الأمريكية أن تدخل في معركة مع الشعب العربي، بل من صالحها أن تتعاون معه في كل المجالات الممكنة، لأن مثل هذا التعاون سيؤدي إلى استقرار المنطقة العربية وسيعود على الولايات المتحدة بالفائدة. فالعالم العربي يشغل موقعاً إستراتيجياً مهماً، فهو يقع في وسط أفريقيا وآسيا، وله امتداد حضاري وسكاني في كليهما، وهو شريك أوربا في حوض البحر الأبيض المتوسط، ويشكل نواة العالم الإسلامي. ولذا فمن صالح الولايات المتحدة أن تكون علاقاتها جيدة مع شعب يشغل مثل هذا الموقع الإستراتيجي، وألا يزاحمها أحد في مثل هذه المكانة. علاوة على هذا، يضم العالم العربي نسبة ضخمة من بترول العالم ومن مخزونه الإستراتيجي المعروف، وهذا البترول ـ كما هو معروف ـ أمر حيوي بالنسبة للمنظومة الصناعية في الغرب. كما أن الأسواق العربية من أهم الأسواق من منظور تسويق السلع وكذلك استثمار رأس المال. والعلاقة الطيبة بين الدول العربية والولايات المتحدة ستؤدي حتماً إلى تحسين صورتها لا في العالم العربي وحسب بل في العالم الثالث بأسره. ولكن الولايات المتحدة، هذا البلد العقلاني الذي تحكمه معايير عملية عقلانية مادية باردة، لا تسلك حسب هذه المعايير المعقولة البديهية، فهي تتمادى في تأييد إسرائيل وتقف وراءها بكل قوة وتستجلب على نفسها عداء العرب. مثل هذا الوضع شاذ وغير عقلاني لا يمكن تفسيره إلا بافتراض وجود قوة خارجية، ذات مقدرة ضخمة، قادرة على أن تضغط على الولايات المتحدة بحيث تتصرف، لا بحسب ما تمليه عليها مصالحها الموضوعية، وإنما حسبما تمليه عليها مصالح هذه القوة، أي المصالح اليهودية والصهيونية والإسرائيلية التي يمثلها اللوبي اليهودي والصهيوني (بالمعنى الشائع ( ولكن ما لم يطرأ لمثل هؤلاء على بال هو أن من المحتمل أن الولايات المتحدة لا تدرك "مصالحها" بهذه الطريقة التي يتصورون أنها عقلانية بل لعلها ترى أن "عدم الاستقرار أو عدم الاستقرار المحكوم" (بالإنجليزية: كونترولد إنستابيليتي Controlled instability) أفضل وضع بالنسبة لها، وأن وضع التجزئة العربية هو ما يخدم "مصالحها"، وأن إسرائيل هي أداتها في خلق حالة عدم الاستقرار المحكوم هذه، والخادم الحقيقي "لمصالحها". اللوبي اليهودي والصهيوني: تلاقي المصالح الإستراتيجية بين العالم الغربي والدولة الصهيونية Jewish and Zionist Lobby: The Convergence of the Strategic Interests of the Western World and the Zionist State مفهوم «المصلحة الإستراتيجية» ليس مفهوماً بسيطاً أو عقلانياً. ومما لا شك فيه أن عملية اتخاذ القرار السياسي في العالم الغربي مركبة لأقصى حد، فهي تتم من خلال مؤسسات يديرها علماء متخصصون (تكنوقراط) بطريقة "رشيدة"، بمعنى أنها تتبع إجراءات معروفة ومحددة لا تخضع للأهواء الشخصية، ولذا لا يُتخذ القرار إلا بعد توفير المعلومات اللازمة وإشراك المستشارين والمتخصصين. ثم بعد ذلك تتم عملية موازنات صعبة ودقيقة بشأن حساب المكسب والخسارة وجدوى القرار وقوة العدو ونقط ضعفه. وعلى سبيل المثال، حينما قرَّر كيسنجر التخلص من حكم الليندي في تشيلي الذي كان قد وصل إلى سدة الحكم من خلال انتخابات نزيهة، وأحل محله حكماً عسكرياً شرساً. وحينما قررت الولايات المتحدة دعم الكونترا وهو ما يعني التدخل في الشئون الداخلية لنيكاراجوا وإثارة حفيظة دول أمريكا اللاتينية التي كانت تعلم تماماً أن نظام الساندنيستا ليس نظاماً شيوعياً كما تزعم الولايات المتحدة وإنما نظام وطني ينحو منحى يسارياً. نقول، حينما قررت الولايات المتحدة أن تفعل ذلك، فإنها كانت مدركة تماماً أن ثمة خسارة ما ولكن حساب المكسب والخسارة كان واضحاً، فالعائد السياسي (القضاء على نظم قومية تحاول أن تحرز نمواً اقتصادياً خارج نطاق المنظومة الرأسمالية والهيمنة الأمريكية والغربية) كان أعلى كثيراً من العادم (تدعيم صورة اليانكي القبيح المستغل وترسيخها في الوجدان اللاتيني) . والشيء نفسه ينطبق على قرار غزو بنما والقضاء على عميل مهم للولايات المتحدة، فنروييجا كان مخلوق أمريكا القبيح. وحينما أرسلت الولايات المتحدة قوتها للقيام بعملية الغزو فإنها كانت مدركة أن العائد الاجتماعي السياسي (القضاء على واحد من أهم مصادر المخدرات، وبالتالي حل مشكلة المخدرات التي تهدد نسيج المجتمع الأمريكي وأمنه القومي ودعم صورة المؤسسة الحاكمة أمام جماهيرها، على أنها مؤسسة جادة في عملية محاربة المخدرات) كان أعلى كثيراً في تصوُّرها من العادم (تدخُّل قوة عظمى في شئون دولة صغيرة والقضاء على عميل نافع مفيد) ولكن، إذا كان التكنوقراط يتخذون القرار حسب إجراءات موضوعية ومعايير محسوبة تضمن توظيف الوسائل على أحسن وجه في خدمة الأهداف، فإن الأهداف الإستراتيجية نفسها لا تحددها اللجان التكنوقراطية، فهذه العملية تتم على أعلى المستوىات وتصبح جزءاً من العقد الاجتماعي الذي يستند إليه المجتمع ككل، كما أن تغيير هذه الأهداف لا يتم إلا بثورة اجتماعية شاملة. وحساب المكسب والخسارة والعائد والعادم يتم في إطار ما يُسمَّى «مصلحة الدولة العليا» . وهذه المصلحة ليست قضية بسيطة يمكن تحديدها موضوعياً ورياضياً وبشكل إجرائي غير شخصي، فرؤية أعضاء النخبة الحاكمة لمصالحهم، والمصالح الفعلية التي يحاولون الحفاظ عليها، والإطار الرمزي الذي يدركون من خلاله هذه المصالح، والعقيدة السياسية والدينية التي تستند إليها شرعية النخبة، تساهم كلها، بشكل أو بآخر، في تحديد «مصلحة الدولة العليا» ، فما يرى أعضاء النخبة أنه مصلحة الدولة العليا قد يكون مصلحتهم هم كجماعة أو طبقة ولا يمثل بالضرورة صالح الدولة ككل أو صالح أغلبية أعضاء المجتمع. وما قد يكون رشيداً من وجهة نظر إنسانية عامة قد لا يكون رشيداً من وجهة نظر أصحاب القرار. وما نود تأكيده هنا أن سلوك دولة عظمى مثل الولايات المتحدة ليس مسألة تتم حسب قواعد رشيدة بسيطة، وإنما هو نتيجة عملية مركبة تدخل فيها عناصر "ذاتية" وعقائدية ومادية وغير مادية، قد لا تنضوي بالضرورة داخل إطار الرشد كما نتخيله (وهنا يأتي دور الصور الذهنية وعالم الرموز والتراث المسيحي اليهودي والذاكرة التاريخية ... إلخ) . وإن لم يكن الأمر على هذا النحو، فكيف نفسِّر دخول الولايات المتحدة حرباً ضروساً في فيتنام (بعد هزيمة فرنسا فيها) ، وتورطها في هذه الحرب لعشرات السنين، وإنفاقها بلايين الدولارات وإهدارها دماء عشرات الألوف من الأمريكيين والفيتناميين، في حرب كان يعرف الجميع أنها خاسرة، واعترف بذلك ـ فيما بعد ـ مهندس الحرب الحقيقي روبرت ماكنمارا؟ ولماذا لم تخرج هذه الدولة العقلانية من الحرب إلا بعد تصاعُد المظاهرات في الولايات المتحدة لما يزيد عن عشرة أعوام؟ وأعتقد أن الغرب قد عرَّف مصلحته الإستراتيجية منذ بداية القرن التاسع عشر بطريقة تجعله ينظر للمنطقة العربية باعتبارها مصدراً هائلاً للمواد الخام (الرخيصة) ومجالاً خصباً للاستثمارات الهائلة (التي تعود عليه وحده بالربح) وسوقاً عظيمة لسلعه (التي ينتجها ويصرفها فيزداد هو ثراءً) ، أو قاعدة إستراتيجية شديدة الخطورة والأهمية (بالنسبة لأمنه هو) إن لم يتحكم فيها قامت قوى معادية (مثل الاتحاد السوفيتي في الماضي) باستخدامها ضده، ويعبِّر هذا الموقف عن نفسه في مصطلح مثل «الفراغ» الذي كثيراً ما يُستخدَم للإشارة إلى شرقنا العربي وكأن وطننا رقعة أرض أو مساحة لا يقطنها شعب عريق له امتداده الحضاري، وكأن أوطاننا هي وجود جغرافي رحب مجرد من التاريخ، أي أننا في الإدراك الغربي مجرد شيء قد يصلح للاستخدام أو الاستعمال. وحتى حينما نتحول إلى أكثر من مجرد مساحة، فإن الإدراك الغربي للمنطقة (وهو إدراك تحدده مصلحته كما يراها هو أو كما تراها نخبته الحاكمة ومؤسسات صنع القرار فيه) يرى وطننا العربي على أنه منطقة مأهولة بشعوب وقبائل وأقليات معظمها يتحدث العربية وتدين بديانات مختلفة لا يربطها رابط حضاري أو اجتماعي واحد لكلٍّ مصلحته الاقتصادية ومستقبله السياسي المستقل (وتفتُّتها يُسهِّل عملية تحويلها إلى مادة استعمالية) وتكمن مصلحة الغرب (كتشكيل حضاري نهم يود استغلال الشرق والاستثمار فيه بما يعود عليه هو بالربح وبتوجيهه لما يخدم أمنه) في الحفاظ على عدم الترابط الحضاري أو الاجتماعي في عالمنا العربي. وهذه هي مصلحة الغرب كما يدركها أهله، وهذا هو الإطار الذي يتم اتخاذ القرار من خلاله. والمفهوم الصهيوني لعالمنا العربي يتفق تمام الاتفاق مع المفهوم الغربي، فالصهاينة يشيرون إلى فلسطين باعتبارها «أرضاً بلا شعب» ، وإلى الضفة الغربية باعتبارها «يهودا والسامرة» ، وهي مصطلحات تلغي التاريخ العربي تماماً. وهم يشيرون إلى الشرق الأوسط على أنه «المنطقة» وهو اصطلاح يشبه في كثير من الوجوه اصطلاح «الفراغ» ، فكلاهما يؤكد فكرة أن عالمنا العربي مكان بلا زمان، وجغرافيا بلا تاريخ، أو مساحة تسكنها شعوب عديدة متفرقة متناثرة، والصهيونية في نهاية الأمر وليدة التراث الفكري الاستعماري الغربي في القرنين التاسع عشر والعشرين، وهي أداته في المنطقة، وقد بدأ الاهتمام الغربي بالصهيونية كفكرة منذ القرن السابع عشر، ولكن الاهتمام الفكري تحوَّل إلى فكر سياسي ثم إلى خطاب سياسي ثم إلى مُخطَّط استعماري ثابت بعد ظهور محمد علي الذي كان يهدد المصالح الغربية لأنه كان قادراً على ملء «الفراغ» في المنطقة إما عن طريق طرح نفسه على أنه القوة الجديدة، أو عن طريق إدخال العافية على رجل أوربا المريض. ومن هنا كانت فكرة الدولة الصهيونية التي وُلدت داخل الخطاب السياسي الغربي، ومن هنا الدعم الغربي الحاسم للمشروع الصهيوني، أداة الغرب في خَلْق الفراغ والحفاظ عليه كوسيلة للدفاع عن أمن الغرب لا عن أهل المنطقة، وعن مصالح الغرب لا مصالح العرب. ولا يمكن إنكار دور الصهاينة في ترسيخ هذا الإدراك الغربي للشرق الأوسط، ولكن تظل العلاقة بين الصهيونية والتشكيل الاستعماري الغربي تدور في إطار المصالح الإستراتيجية الثابتة التي تشكلت داخل الحضارة الغربية قبل ظهور الجماعات اليهودية كقوة سياسية فاعلة في الغرب. هذا هو السر الحقيقي للنجاح الصهيوني في الغرب، فهو لا يعود إلى سيطرة اليهود على الإعلام، أو لباقة المتحدثين الصهاينة، أو إلى مقدرتهم العالية على الإقناع والإتيان بالحجج والبراهين، أو إلى ثراء اليهود وسيطرتهم المزعومة على التجارة والصناعة، وإنما يعود إلى أن صهيون الجديدة جزء من التشكيل الاستعماري الغربي، وإلى أنه لا يمكن الحديث عن مصالح يهودية وصهيونية مقابل مصالح غربية، وإلى أن الإعلام واللوبي الصهيونيين يمثلان أداة الغرب الرخيصة: دولة وظيفية عميلة للولايات المتحدة تؤدي كل ما يوكل إليها من مهام بنجاح وتنصاع تماماً للأوامر، ولا توجد سوى مناطق اختلاف صغيرة بينها وبين الولايات المتحدة (لا تختلف كثيراً عن الاختلافات التي تنشأ بين الدولة الإمبريالية الأم والجيوب الاستيطانية التابعة لها، كما حدث بين فرنسا والمستوطنين الفرنسيين في الجزائر، وبين إنجلترا من جهة والمستوطنين الإنجليز في روديسيا والمستوطنين الصهاينة في فلسطين من جهة أخرى) . وتنصرف هذه الاختلافات أساساً إلى الأسلوب والإجراءات لا إلى الأهداف النهائية، اختلافات يمكن حسمها عن طريق الإقناع والضغط كما يحدث عندما تطلب السعودية صفقة أسلحة ولا ترضى إسرائيل عن ذلك، أو عندما تريد إسرائيل توسيع رقعة استقلالها قليلاً عن طريق إنتاج سلاح مثل طائرة اللافي ولا ترضى المؤسسة العسكرية الصناعية الأمريكية عن ذلك. فالاختلاف ينصرف إلى التفاصيل لا إلى "المصلحة" وإدراكها، ومن هنا يمكن إدارة الحوار حسب قوانين اللعبة المتعارف عليها وتتم ممارسة الضغط داخل إطار من التفاهم بشأن المبادئ الأساسية ومن داخل النسق لا من خارجه. ويجب ألا يثير هذا الوضع دهشتنا فتاريخ الحركة الصهيونية ليس جزءاً من «تاريخ يهودي عالمي وهمي» ولا هو جزء من التوراة والتلمود (رغم استخدام الديباجات التوراتية والتلمودية) وإنما هو جزء من تاريخ الإمبريالية الغربية. ولذا فالصهيونية لم تظهر بين يهود اليمن أو الهند أو المغرب وإنما ظهرت بين يهود العالم الغربي، وهي لم تظهر في العصور الوسطى، على سبيل المثال، وإنما في أواخر القرن السابع عشر مع ظهور التشكيل الاستعماري الغربي وبدايات استيطان الإنسان الغربي في العالم الجديد وفي بعض المدن الساحلية في أفريقيا وآسيا. ويدرك الساسة الإسرائيليون هذه الحقائق إدراكاً كاملاً، ولذا فهم لا يكفون عن الحديث عن أهمية إسرائيل كقاعدة عسكرية وحضارية وأمنية للغرب، وأنها، علاوة على ذلك، قاعدة رخيصة، أرخص بكثير من 10 حاملات طائرات تبلغ تكاليفها 50 بليون دولار، كانت الولايات المتحدة ستضطر لبنائها وإرسالها للبحر الأبيض المتوسط وللبحر الأحمر لحماية "المصالح" الأمريكية. إن إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة "كنز إستراتيجي" (أو دولة وظيفية في مصطلحنا) ، وهذا ما يؤكده المتحدثون الإسرائيليون في واشنطن، قبل الدخول في أية مفاوضات. وقد جاء في إحدى إعلانات النيويورك تايمز (الذي مولته إحدى الهيئات الصهيونية) أنه إذا ما تهددت مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط فإن وضع قوة لها شأنها هناك يحتاج إلى "أشهر، أما مع إسرائيل كحليف فإنه لا يحتاج إلا بضعة أيام". إن هذه العبارة تتحدث عن إجراءات القمع والتأديب ضد العالم العربي وتبين مدى كفاءة الدولة الوظيفية في إنجاز مهمتها، ولا تتحدث عن نقطة الانطلاق ولا عن الأسباب الداعية للقمع والتأديب وهي أن مصلحة الغرب تتطلب مثل هذا القمع لأنها مسألة مستقرة مفروغ منها في الفكر الإستراتيجي الغربي. اللوبي اليهودي والصهيوني: أوربا الغربية Jewish and Zionist Lobby: Western Europe نذهب إذن إلى أن "سر" نجاح اللوبي اليهودي والصهيوني هو أنه يدور في إطار المصالح الإستراتيجية الغربية وأنه يعرض دولته الصهيونية باعتبارها أداة، أي أن مصدر نجاحه لا يعود لقوته الذاتية أو لعناصر كامنة فيه، وإنما بسبب اتفاق مصلحته مع مصلحة الغرب الإستراتيجية. والنموذج السائد في الخطاب التحليلي العربي (الرسمي والشعبي) هو عكس هذا، فهو يفترض أن نجاح الصهاينة يعود لقوتهم الذاتية ومن ثم يُفسِّر تزايُد الدعم الغربي لإسرائيل على أساس تعاظُم النفوذ اليهودي والصهيوني، فإن زاد الثاني زاد الأول. ولاختبار هذه الأطروحة الشائعة، ولتوضيح ضعف مقدرتها التفسيرية، سنورد بعض الشواهد والقرائن التاريخية والحديثة: 1 ـ أول من دعا لإنشاء دولة يهودية في فلسطين في العصر الحديث هو نابليون بونابرت، وهو أيضاً أول غاز غربي للشرق العربي في العصر الحديث. ومما يجدر ذكره أن نابليون كان معادياً لليهود، كما يدل على ذلك سجله في فرنسا. ولا يمكن الحديث عن وجود لوبي يهودي أو صهيوني قوي أو ضعيف حين أطلق نابليون دعوته، فقد كانت نابعة من إدراكه لمصالح فرنسا الإستراتيجية. 2 ـ هناك حشد من الساسة البريطانيين (بالمرستون ـ شافتسبري ـ أوليفانت ـ لويد جورج ـ بلفور) دعوا لإقامة دولة يهودية في فلسطين، إما قبل ظهور الحركة الصهيونية بين اليهود أو في غياب لوبي يهودي أو صهيوني. ومما يجدر ذكره أن كل هؤلاء الساسة كانوا ممن يكرهون اليهود، وبخاصة بلفور، الذي كان وراء استصدار قانون الغرباء عام 1950 لمنع اليهود من دخول إنجلترا، والذي اعترف بعدائه للسامية، والذي كان يرى أن اليهود يشكلون عبئاً على الحضارة الغربية ولكنهم جميعاً وجدوا أن ثمة فائدة إستراتيجية تعود على إنجلترا لو أسست دولة صهيونية. 3 ـ لا شك في أن صدور وعد بلفور هو أهم حدث في تاريخ الصهيونية ودراسة الظروف المحيطة بصدوره. ولذا فهو يزودنا بلحظة نادرة لاختبار نموذج الضغط اليهودي والصهيوني. ولإنجاز هذا سنعقد مقارنة بين "قوة" الجماعتين اليهوديتين في ألمانيا وإنجلترا من منظور مقدرتهما على الضغط: أ) فمن المعروف أن الوجود اليهودي في ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى كان قوياً جداً، وكان اليهود يشغلون مناصب حكومية مهمة، ويوجدون في مواقع اقتصادية ذات طبيعة إستراتيجية، فكان أهم ثلاثة بنوك يملكها بعض أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا، كما كانوا متغلغلين في الإعلام وقيادات الأحزاب السياسية، وكان منهم كثير من المؤلفين والفنانين. وقد حققوا معدلات عالية للغاية من الاندماج، وهو ما يسَّر لهم عملية التحرك داخل المجتمع الألماني، كما أن اليهود الألمان اشتركوا بأعداد كبيرة في الحرب تفوق نسبتهم القومية. والحركة الصهيونية حتى ذلك الوقت كانت حركة ألمانية في توجهها الثقافي، فكانت لغة المؤتمرات الصهيونية هي الألمانية، كما كانت برلين مقر المنظمة الصهيونية العالمية. وكان الصهاينة على أتم استعداد لأن يجعلوا مشروعهم الصهيوني جزءاً من المشروع الألماني الاستعماري. ب) مقابل هذا كانت توجد في إنجلترا جماعة يهودية صغيرة للغاية ليست لها القوة المالية أو الثقافية للجماعة اليهودية في ألمانيا، وكانت جماعة مندمجة تماماً ومعادية للصهيونية (كان وايزمان والقيادات الصهيونية من شرق أوربا) مع هذا نجح الصهاينة في إنجلترا في استصدار وعد بلفور، رغم ضعفهم وعزلتهم، بينما فشل صهاينة ألمانيا في ذلك رغم قوتهم وارتباطهم بالمجتمع. ولا يمكن العودة إلى الصورة الإعلامية أو اللوبي الصهيوني وما شابه من نماذج تفسيرية. وإنما علينا أن نعود إلى المصالح الإستراتيجية الإمبريالية الإنجليزية مقابل المصالح الإستراتيجية الإمبريالية الألمانية. أما الإمبريالية الألمانية فكانت متحالفة مع الدولة العثمانية، ولذا لم يكن هناك مجال لإعطاء أي وعود للصهاينة على حساب هذه الدولة. لكن الوضع كان مختلفاً بالنسبة للإمبريالية الإنجليزية فقد ظل التحالف قائماً بينها وبين الدولة العثمانية حتى اندلاع الحرب، ولذا حينما صدر أول وعد بلفوري إنجليزي وهو الخاص بمشروع شرق أفريقيا فقد كان وعداً بقطعة أرض خارج الدولة العثمانية. ولكن بعد أن قررت الإمبريالية الإنجليزية تقسيم الدولة العثمانية أصبح من الممكن إصدار وعد بلفور لمجموعة من الصهاينة ليسوا من الإنجليز. وكان على الموجودين في إنجلترا أن يقطعوا علاقتهم مع المنظمة الخاضعة لنفوذ ألمانيا آنذاك، وكان الوعد هذه المرة وعداً بقطعة أرض داخل الدولة العثمانية. إن وعد بلفور والدعم البريطاني للمشروع الصهيوني لا علاقة لهما بأي لوبي يهودي أو صهيوني قوي أو ضعيف. 4 ـ إذا نظرنا إلى سياسة كل من إنجلترا وفرنسا في الوقت الحالي تجاه الشرق الأوسط لوجدنا أنها تتفق مع السياسة الأمريكية والتوجه الإستراتيجي الغربي بشكل عام مع اختلافات طفيفة. ويستطيع الباحث المدقق أن يجد أن سياسة إنجلترا أكثر اقتراباً من السياسة الأمريكية وأكثر دعماً لإسرائيل، وأن السياسة الفرنسية أكثر ابتعاداً وربما اعتدالاً (من وجهة نظر غربية) . ولو حاول تفسير هذا الاختلاف على أساس النفوذ الصهيوني لباءت محاولته بالفشل: أ) فالجماعة اليهودية في إنجلترا ضعيفة لأقصى حد من الناحية الكمية، أما من الناحية الكيفية فهي من أكثر الجماعات اندماجاً وهي آخذة في التناقص (إن لم يكن أيضاً الاختفاء) . وعند وقوع مذبحة صبرا وشاتيلا لم يجد التليفزيون البريطاني مفكراً بريطانياً يهودياً واحداً يدافع عن الموقف الصهيوني، فاضطروا إلى إحضار نورمان بودوريتس رئيس مجلة كومنتاري من الولايات المتحدة لتقديم وجهة النظر الصهيونية. ب) أما في فرنسا فتوجد جماعة يهودية يبلغ تعدادها 700 ألف، وهي جماعة اكتسبت لوناً يهودياً قوياً نوعاً ما بعد هجرة يهود المغرب العربي، وهي جماعة ذات نفوذ قوي في الإعلام وغيره. وأعتقد أنه لتفسير موقف كلا البلدين يجب ألا نعود إلى قوة أو ضعف الجماعة اليهودية في كلٍّ منهما وإنما إلى موقف كليهما من التحالف الغربي وإلى رؤية كل منهما له. فإنجلترا أكثر ارتباطاً بالولايات المتحدة من فرنسا داخل هذا التحالف، بينما تحاول فرنسا أن تحافظ على مساحة من الاستقلال الأوربي لا تهتم بها إنجلترا بالدرجة نفسها، ولعل هذا هو مصدر اختلاف سياسة البلدين تجاه قضية الشرق الأوسط. 5 ـ وإذا نظرنا إلى دول مثل هولندا وبلجيكا فلا يمكن تفسير تأييدها لإسرائيل استناداً إلى مقولة اللوبي اليهودي الصهيوني، فالوجود اليهودي في كثير من هذه البلدان يكاد يكون منعدماً. اللوبي اليهودي والصهيوني: الاتحاد السوفيتي Jewish and Zionist Lobby: The Soviet Union تُثار قضية اللوبي اليهودي والصهيوني (بالمعنى العام) في الاتحاد السوفيتي إذ يذهب البعض أن "اليهود" سيطروا على الاتحاد السوفيتي، فالثورة البلشفية حسب تصوُّرهم هي "الثورة اليهودية" والشيوعية العالمية والصهيونية العالمية حليفان. وكما هو الحال دائماً مع النماذج الاختزالية ثمة عناصر في الواقع يمكنها تأييد مثل هذا المفهوم. فمن المعروف أن أعضاء الجماعة اليهودية في الاتحاد السوفيتي كانوا من أكثر الجماعات وجوداً في مؤسسات الحزب الشيوعي بالقياس إلى نسبتهم القومية ومهندس الجيش الأحمر هو تروتسكي "اليهودي". كما يمكن أن نشير إلى وجود أعداد كثيرة من اليهود في الإعلام السوفيتي وفي بعض المؤسسات المهمة مثل اتحاد الكتاب وفي الجامعات والمؤسسات البحثية. ولكن هذا الوضع يعادله عدة عناصر من أهمها: 1 ـ أن النسبة العددية لأعضاء الجماعة اليهودية في الاتحاد السوفيتي كانت صغيرة جداً وآخذة في التناقص. 2 ـ لم يشكل أعضاء الجماعة كتلة متماسكة لها مصالح واحدة. فيهود جورجيا لا تربطهم رابطة كبيرة بيهود أوكرانيا، بل إن ثمة نقاط اختلاف دينية وحضارية عميقة بينهم. 3 ـ كان يهود الاتحاد السوفيتي يتمتعون بدرجة عالية من الاندماج يجد تَجلِّىه في الزواج المُختلَط وفي اختفاء اللغة والثقافة اليديشية. 4 ـ اتجه اليهود السوفييت (من خلال عناصر داخلية سوفيتية مثل تركُّزهم في قطاعات اقتصادية مشبوهة، وخارجية مثل تدخل الحركة الصهيونية) إلى الخروج من الاتحاد السوفيتي وليس البقاء داخله. وقد أدَّى هذا إلى ضعف نفوذهم كجماعة ضغط داخل النظام السوفيتي. 5 ـ من الأمور التي كانت تعوق اليهود السوفييت عن التأثير في القرار السياسي السوفيتي، من داخل النظام أو من خارجه، أن ثمة رفضاً عميقاً لليهودي داخل التشكيل الحضاري الروسي باعتبار أن اليهودي هو الغريب، وهو رفض يدعمه تركُّز نسبة كبيرة من أعضاء الجماعة في وظائف هامشية وفي السوق السوداء. 6 ـ من العناصر بالغة الأهمية أنه ليس كل اليهود السوفييت مؤيدين لإسرائيل، فهناك اليهود المتدينون الذين لا ينظرون إلى الدولة الصهيونية بعين الرضا. كما أن هناك إحساساً، بين يهود شرق أوربا، بأنهم يُشكِّلون أقلية قومية شرق أوربية يديشية، وهي التقاليد التي صاغها دبنوف وحزب البوند. 7 ـ وفي نهاية الأمر كانت هناك السياسات السوفيتية الرامية إلى تفكيك اليهود (وكل الجماعات الدينية والإثنية) كجزء من النزوع الأممي وتركيز السلطة في يد السوفييت وحكومتهم المركزية وطليعتهم الحزبية! ودراسة موقف الاتحاد السوفيتي من الجماعات اليهودية والدولة الصهيونية تبين أن المصالح الإستراتيجية للدولة السوفيتية كانت دائماً العنصر الأساسي في تحديد موقفها (انظر: «البلاشفة والجماعات اليهودية» ـ «البلاشفة والصهيونية» ) ويمكن دراسة قضية حيوية مثل الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفيتي (سابقاً) في السبعينيات باعتبارها مثلاً مصغراً لتوجهات السياسة السوفيتية، وهل تتحدد هذه السياسة نتيجة ضغط يهودي صهيوني أم نابعة من المصالح السوفيتية؟ ومن المعروف أن قضية اليهود السوفييت "وحقهم" في الهجرة لم تُثر في بداية السبعينيات بضغط من الإعلام أو اللوبي الصهيوني وإنما تم بضغط من الولايات المتحدة (بمساعدة أعضاء الجماعة اليهودية فيها) . وقد سمح السوفييت في نهاية الأمر بهجرة أعداد كبيرة من اليهود بسبب ضغوط بنيوية داخلية: التخلص من عناصر متمردة ساخطة وعناصر تجارية إن لجأ للعنف في ضربها أثار الرأي العام الغربي عليه. كما أن الضغوط الغربية لعبت دوراً حاسماً إذ ربط الغرب بين التسهيلات التجارية والائتمانية الممنوحة للاتحاد السوفيتي من جهة والموقف السوفيتي من الهجرة اليهودية من جهة أخرى. ولكن مع تراجع هذه السياسات توقفت الهجرة لتفتح أبوابها مرة أخرى في أواخر الثمانينيات مع الانفتاح السوفيتي على الغرب ومع رغبته العارمة في الحصول على مساعدات مالية وتكنولوجيا متقدمة، فالقرار قرار سوفيتي اتُخذ استجابة لحاجات سوفيتية داخلية ومطالب غربية، ولا يشكل اليهود في هذه الصفقة سوى المادة التي سيتم نقلها. ومما لا شك فيه أن الإعلام الذي تنشط فيه العناصر اليهودية أو الصهيونية سواء في الاتحاد السوفيتي أو الولايات المتحدة لعب دوراً ملحوظاً، ولكن لا يمكن تفسير سلوك الاتحاد السوفيتي وسماحه بهجرة اليهود السوفييت في السبعينيات ثم وقفه الهجرة في منتصف الثمانينيات ثم فتحه باب الهجرة مرة أخرى في أواخر الثمانينيات إلا في إطار مصالح الاتحاد السوفيتي المتشابكة والضغوط الأمريكية عليه. ومع هذا، يُلاحَظ أن أعضاء الجماعة بدأوا يتمتعون بحرية أكبر في الحركة والتعبير عن آرائهم. ولكن هذا لا يعود إلى قوتهم الذاتية وإنما إلى تغيُّر مبدئي وبنيوي في سياسة الدولة السوفيتية جعلها تجد أن من صالحها السماح لليهود بالهجرة والسماح للحركة الصهيونية بالتحرك. وبطبيعة الحال، فإنه مع تزايد هجرة اليهود من روسيا وأوكرانيا، ومع انحلال الاتحاد السوفيتي وانقسامه إلى عدة دول ذات سياسات مختلفة، فمن المتوقع أن تزداد قدرة الجماعات اليهودية على الضغط. اللوبي اليهودي والصهيوني: الولايات المتحدة الأمريكية Jewish and Zionist Lobby: The United States of America يمكن القول بأن كل الأمثلة التي وردت في المدخل السابق مستمدة من تاريخ إنجلترا أو فرنسا أو الاتحاد السوفيتي وأن الولايات المتحدة حالة مختلفة تماماً وأن النفوذ الصهيوني مُسيطر عليها بشكل لم يحدث من قبل أو بعد. ولذا فلنحاول اختبار نموذجنا التفسيري الأساسي: إن المصالح الإستراتيجية/الغربية (الأمريكية في هذه الحالة) هي التي تحدد القرار الأمريكي، وأن الضغوط الصهيونية ـ من خلال اللوبي أو الإعلام ـ ذات أهمية ثانوية، فهي قد تُؤخر القرار قليلاً، وقد تُعدل شكله ولكنها لا تُحدِّده أو تُعدِّل اتجاهه الأساسي. ويمكننا أن نذكر الأحداث المهمة التالية للبرهنة على مقولتنا: 1 ـ هناك عدد كبير من رؤساء الجمهورية في الولايات المتحدة ممن دعوا لإنشاء دولة يهودية في فلسطين، حتى قبل أن توجد جماعة يهودية ذات وزن من الناحية العددية والنوعية في أمريكا الشمالية. ويمكن أن نذكر ـ في هذا المضمار ـ الرئيس جاكسون (الذي كان قد لعب دوراً أساسياً في عملية الإجهاز على البقية الباقية من السكان الأصليين في الولايات المتحدة الأمريكية) 2 ـ المؤسِّس الحقيقي للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة (بالمعنى العام غير الشائع الذي نطرحه) هو وليام بلاكستون (1841 ـ 1935) الصهيوني غير اليهودي، الذي أرسل عام 1891 التماساً إلى الرئيس الأمريكي هاريسون يحثه فيه على "إعادة" فلسطين لليهود. وقد وقَّع على هذا الالتماس عدد من الشخصيات المسيحية واليهودية. ولكن كان هناك معارضة يهودية قوية لمثل هذه الاتجاهات الصهيونية، إما من منظور ديني أو منظور اندماجي. وقد تصاعدت هذه الاتجاهات بين أعضاء النخبة الحاكمة الأمريكية (البروتستانتية) مع تزايُد اهتمام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط. فأيَّدت الولايات المتحدة وعد بلفور، وحنث الرئيس ولسون بوعوده الخاصة بحق تقرير المصير، لا خضوعاً لأي ضغط صهيوني أو يهودي وإنما لأنه رأى أن مصير الشرق الأوسط لا يمكن أن يُصاغ دون أن يكون للولايات المتحدة دخل فيه، ووجد أن تأييده لوعد بلفور هو وسيلته لذلك. (وقد فعل ذلك رغم احتجاج عدد كبير من أعضاء الجماعة اليهودية) 3 ـ كانت الأقلية اليهودية في الولايات المتحدة في منتصف القرن التاسع عشر أقلية تؤمن باليهودية الإصلاحية التي تشجع الاندماج. وهذه الأقلية كانت تشكل نخبة ثرية مندمجة من أصل ألماني ولذا لم تكن متحمسة لهجرة يهود شرق أوربا الأرثوذكس السلاف «المتخلفين» المتحدثين باليديشية. ومع هذا اتُخذ القرار الأمريكي بفتح أبواب الولايات المتحدة لجميع المهاجرين لأن هذا ما كانت تتطلبه المصالح الأمريكية، وبالفعل هاجر الملايين من يهود شرق أوربا حتى أصبحوا يُشكِّلون غالبية يهود أمريكا. 4 ـ في عام 1924 قررت الولايات المتحدة أن تحد من عدد المهاجرين بسبب الأزمة الاقتصادية فأصدرت قانون النصاب عام 1923، ثم قانون جونسون عام 1924، فانخفض عدد المهاجرين اليهود انخفاضاً ملحوظاً (من 119 ألفاً عام 1921، و49 ألفاً عام 1924 إلى 10 آلاف عام 1925، و2.755عام 1932) . وبعد أن كانت الولايات المتحدة تستوعب 85% من المهاجرين اليهود أصبحت تستوعب ما يقل عن 25% وأحياناً عن 10%. ويجب أن نُذكِّر أنفسنا بأن القرارات الخاصة بالهجرة في الولايات المتحدة هي قرارات ذات طابع إستراتيجي، فالولايات المتحدة دولة استيطانية، وكانت حينذاك لا تزال في طور التشكيل، وتشكل المادة الاستيطانية الإنتاجية القتالية بالنسبة لها عنصراً إستراتيجياً، وبالتالي فالقرارات كانت تُتخذ في ضوء المصالح الأمريكية وحدها، وسواء سعد اليهود بهذا القرار أم ابتأسوا له فهذه مسألة ثانوية تماماً. 5 ـ أثناء ما يمكن تسميته بالمرحلة النازية (1933 ـ 1948) رفضت الولايات المتحدة ومعظم بلاد أوربا فتح أبوابها للمهاجرين اليهود (رغم كل التباكي في الوقت الحالي على ضحايا الإبادة) . ويُفسَّر هذا الوضع على أساس حالة الاقتصاد الأمريكي المتردية والخوف من تَسلُّل الجواسيس الألمان، بل إن القوات الأمريكية بقيادة إيزنهاور رفضت ضرب قضبان السكك الحديدية المؤدية لمعسكرات الإبادة لوقف عملية نقل اليهود إليها. ويُقال في تفسير هذا إن أيزنهاور قائد القوات الأمريكية كان لا يريد تبديد طاقته العسكرية في هذا العمل الجانبي. ومهما كانت التفسيرات التي تُساق فإن القرار كان أمريكياً والمصالح كانت أمريكية. 6 ـ حينما أُعلنت دولة إسرائيل عام 1948 اعترفت الولايات المتحدة بها فوراً، ولم يكن اللوبي الصهيوني قوياً أخطبوطياً بعد، حتى باعتراف أولئك الذين يروجون لأسطورة قوته وأخطبوطيته. كما أن اللوبي اليهودي المعادي للصهيونية كان لا يزال قوياً إذ كان يضم عدداً كبيراً من أثرياء اليهود المندمجين، وهو ما يعني أن مسارعة الولايات المتحدة بالاعتراف لا يمكن تفسيرها إلا على أساس المصالح الأمريكية وليس لها علاقة بالضغوط اليهودية أو الحملات الإعلامية. 7 ـ حينما تحالفت إسرائيل مع إنجلترا وفرنسا عام 1956 وشنت العدوان الثلاثي على مصر، دون موافقة الولايات المتحدة، عوقبت أشد العقاب، إذ أن الإستراتيجية الأمريكية حينذاك كانت أنْ تلعب الإمبريالية الأمريكية دوراً نشيطاً في الشرق الأوسط وتحل محل الاستعمار التقليدي (الإنجليزي والفرنسي) وتملأ هي "الفراغ" الناجم عن انسحابهما منه. والدولة الصهيونية باشتراكها في هذه المغامرة وقفت ضد المخطط الأمريكي ولذا كان من الضروري تأديبها، ومن هنا موقف أيزنهاور "النزيه" و"العادل" و"المحايد". 8 ـ لم تشن إسرائيل حرب عام 1967 إلا بموافقة صريحة من الولايات المتحدة التي وجدت أن من صالحها تصفية حكم عبد الناصر آنذاك، وعلى كلٍّ ليس بإمكان إسرائيل أن تشن أي حرب أو تدخل أية مغامرة عسكرية إلا بموافقة الولايات المتحدة التي تمدها بالسلاح والدعم والمظلة الأمنية. 9 ـ شاهدت الفترة من 1967 ـ 1974 تنامي العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة وذلك قبل أن يُعاد تنظيم إيباك، وفي فترة حكم نيكسون الذي كان لا يكن حباً خاصاً لليهود. 10 ـ حينما حاولت إسرائيل أن تؤكد استقلالها النسبي في الآونة الأخيرة جاءتها الرسالة واضحة من واشنطن ألا تتجاوز حدودها. أ) وأولى المحاولات الإسرائيلية لتأكيد شيء من الاستقلال كان في حادثة جوناثان بولارد وهو موظف أمريكي يهودي تجسَّس على الولايات المتحدة لحساب إسرائيل، وكان رد المؤسسة الأمريكية الحاكمة حاسماً، إذ قُبض على بولارد وأُدخل السجن لمدة عشرين عاماً وأُجري تحقيق في إسرائيل لتحديد المسئولية، كما أن الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة ثارت ثائرتها ضد الدولة الصهيونية. وصرح جيكوب نيوزنر، أهم عالم تلمودي في العالم ومن زعماء يهود الولايات المتحدة، أن يهود أمريكا يؤمنون بأرض ميعاد واحدة هي الولايات المتحدة وأن عاصمتهم هي واشنطن وحسب. بل إن موظفاً مدنياً يهودياً يعمل في وزارة الخارجية الأمريكية منذ 25 عاماً سُحب منه تصريحه الأمني (الذي يمكن بمقتضاه أن يطَّلع على وثائق سرية) لأن ثلاثة من أولاده يعيشون في إسرائيل بعد حادثة بولارد وزيادة الاحتياطات الأمنية (جيرو ساليم بوست 11 فبراير 1989) ، ولو حدث شيء مماثل في أي بلد آخر لاتُهم هذا البلد على الفور بأنه معاد لليهود. ولكن الإعلام الصهيوني لزم الصمت لأن الجميع يعرف أن هذا هو الخط الذي لا يستطيع أحد عبوره، فهو خط إستراتيجي أحمر راسخ واضح. وقد حاول اللوبي الصهيوني أن يستفيد من قرار بوش بالعفو عن المتهمين في قضية إيران ـ كونترا عند انتهاء مدة رئاسته وحاولوا استصدار عفو عن بولارد ولكن الطلب رُفض. وقد رفض كلينتون أيضاً العفو عن بولارد. ب) أما الواقعة الثانية فهي إلغاء مشروع طائرة اللافي. فالمؤسسة الحاكمة الصهيونية كانت حريصة كل الحرص على إنتاج هذه الطائرة محلياً في إسرائيل (بعون أمريكي) لأسباب عديدة من بينها تحقيق شيء من الاستقلال الإسرائيلي وتحسين صورة إسرائيل القومية أمام المستوطنين الصهاينة الذين يشعرون باعتماد دولتهم المذل على الولايات المتحدة. كما أن الطائرة لافي كانت تعني أيضاً إنشاء صناعة طائرات محلية تخلق عشرات الوظائف للمهندسين والفنيين الإسرائيليين بأمل أن يحد ذلك بعض الشيء من ظاهرة هجرة العقول من إسرائيل ونزوح عناصر النخبة الفنية منها. ولكن المؤسسة الصناعية العسكرية في الولايات المتحدة وجدت أنه ليس من صالحها السماح لإسرائيل بإنتاج اللافي فأُلغي المشروع رغم المحاولات اليائسة والمريرة لمدة عامين، ولم ينجح اللوبي الصهيوني أو غيره في أن يؤثر على القرار الأمريكي. وقد تزايد عدد النازحين بالفعل عن الدولة الصهيونية، كما أنه قلل مقدرة إسرائيل الاستيعابية للمهاجرين الجدد، وبخاصة من ذوي المؤهلات العالية، وهو الأمر الذي شكَّل مشكلة خطيرة مع هجرة اليهود السوفييت. 11 ـ لوحظ أن بعض الإسرائيليين واليهود السوفييت المقيمين في الولايات المتحدة قد أسسوا عصابات تمارس الجريمة المنظمة (المافيا) ولها نشاط في عالم المخدرات والجنس وتزييف النقود. ولم يتردد الكونجرس الأمريكي في إجراء تحقيق في الموضوع ونشر نتائج التحقيق، وهو ما أساء لصورة اليهود الإعلامية (جيروساليم بوست 19 أبريل 1988) ولكنه فعل ذلك دون تردُّد لأن الجريمة تهدد أمن الولايات المتحدة القومي، ولم يخش أحد من سطوة الإعلام الصهيوني. 12 ـ ثم جاءت حرب الخليج فأثبتت بما لا يقبل أي شك أن الدولة الصهيونية تتحرك داخل إطار المصالح الإستراتيجية الغربية وليس داخل إطار المصالح اليهودية أو الصهيونية الوهمية، فالدولة الصهيونية قد أُعدت عبر تاريخها للاضطلاع بدور الأداة العسكرية الكفء، وقد موَّلها الغرب لهذا السبب، وهذا السبب وحده. ولكن تبيَّن للغرب أن اشتراكها في القتال سيُسبِّب خسارة للمصالح الغربية، فاسم إسرائيل لا يزال كريهاً لدى الجماهير العربية التي تدرك بفطرتها السليمة طبيعة هذه الدولة الاستعمارية، ووقوف أي دولة عربية في القتال جنباً إلى جنب مع إسرائيل (حتى ولو كان ضد العراق) كان سيؤدي إلى غضب هذه الجماهير وثورتها، ولذا طلبت الولايات المتحدة من الدولة الصهيونية أن تتنحى عن دورها التقليدي وأن تلزم القوات الإسرائيلية ثكناتها وأن تتلقى الصواريخ العراقية دون أن تحرك ساكناً. وقد امتثلت الدولة الصهيونية لهذه الأوامر، وسُمِّي هذا «ضبط النفس» . وسلوك الدولة الصهيونية ـ مرة أخرى ـ يبيِّن مدى ذكاء أهل الحكم فيها ومعرفتهم تماماً بقوانين اللعبة. ولعل التنازل الوحيد الذي قدمه الأمريكيون للإسرائيليين في هذه الحالة هو اختيار كولونيل يهودي ليترأس طاقم صواريخ باتريوت الذي أُرسل لحماية الدولة الصعهيونية من الصواريخ العراقية، وكان ضمن الطاقم عشرون يهودياً! وهو تنازل له طابع رمزي وحسب ولا يمتد بأية حال للأهداف النهائية. 13 ـ أثناء المعركة الانتخابية الأخيرة للرئاسة الأمريكية ادعى مدير إيباك في مكالمة تليفونية مع أحد المليونيرات اليهود أن كلينتون يقوم باستشارته بشأن المرشحين لمنصب وزير الخارجية (وذلك بهدف تضخيم دور اللوبي) . ولكن المليونير كان قد قام بتسجيل المكالمة وسربها للصحف التي قامت بنشرها، ويُعدُّ مثل هذا التصريح خرقاً للعقد الاجتماعي الأمريكي الذي يسمح لأعضاء الأقليات بالتعبير عن هويتهم الإثنية بشرط ألا يتناقض هذا مع الصالح الأمريكي العام وأن يأتي الولاء للولايات المتحدة في المقام الأول. وقد اعتذر مدير إيباك عما بدر منه وأكد أن ما قاله في المكالمة التليفونية بشأن تعيين وزير الخارجية لم يكن إلا من قبيل الدعاية للإيباك لحث المليونير اليهودي على أن يجزل العطاء للإيباك، وقدَّم المدير استقالته بعد ذلك. إلى جانب هذه الوقائع التاريخية التي تثبت أن المرجعية النهائية هي المصلحة الإستراتيجية الغربية، يمكننا أن نكتشف بعض جوانب آليات الضغط اليهودي الصهيوني لنرى مدى علاقتها بالمصالح اليهودية والصهيونية المستقلة: 1 ـ يمكن أن نطرح سؤلاً بشأن مدى تأثير الصوت اليهودي في سياسات الولايات المتحدة وانحيازها لإسرائيل. وتبعاً للأطروحة الشائعة، لابد أن يزيد الانحياز مع تزايُد قوة هذا الصوت، والعكس صحيح. ولنا أن نلاحظ أن العلاقة بين الدولة الصهيونية والولايات المتحدة أثناء حكم الرؤساء الجمهوريين (نيكسون ـ ريجان ـ بوش) قد توثقت عراها بشكل مذهل، رغم أن ما بين 70 ـ 80 %من مجمل الأصوات اليهودية ذهبت للديموقراطيين. وقد لوحظ في انتخابات الكونجرس لعام 1994 تقلُّص في عدد الممثلين اليهود إذ انخفض عدد الشيوخ من 10 إلى 9 وعدد النواب من 41 إلى 33، وهو ما يعني تراجع المقدرة الصهيونية المزعومة على الضغط. ومع هذا لم يتوقع أحد أن تتغيَّر سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، بل زادت درجة الانحياز كما زاد عدد أعضاء الجماعة اليهودية في مؤسسات صنع القرار. (انظر: «الصوت اليهودي» ) . 2 ـ ويمكن أن نثير قضية سيطرة رأس المال اليهودي وهيمنته. ولنا أن نشير هنا إلى أن حجم رأس المال الذي يتحكم فيه بعض أعضاء الجماعات اليهودية يشكل نسبة ضئيلة للغاية بالنسبة لرأس المال الكلي للولايات المتحدة. والمنظومة الرأسمالية ـ كما هو معروف ـ منظومة متكاملة متداخلة، لها قوانينها وآلياتها التي تتجاوز إلى حدٍّ كبير إرادة الأفراد وأهواءهم. ويمكن أن نضيف هنا أنه على الرغم من ثراء يهود الولايات المتحدة (يوجد 140 يهودي بين أكثر من 400 شخص يُعَدون الأكثر ثراء) فإنه لا يوجد رأس مال يهودي في الصناعات الأساسية (الحديد ـ الصلب ـ السيارات) ، كما أن المصارف الأساسية لا تزال في أيدي الواسب (البروتستانت) . وعلى المنادين بأطروحة السيطرة اليهودية أن يبينوا أن ثمة علاقة طردية بين تزايد رأس المال المتوافر في أيدي اليهود والانحياز الأمريكي لإسرائيل. 3 ـ وقل الشيء نفسه عن الإعلام وسيطرة اليهود عليه. فثمة وجود يهودي ملحوظ في قطاع الإعلام. ولكن هل تزايد هذا النفوذ أو تراجع في الأعوام العشرين الماضية؟ وهل زادت نسبة ملكية اليهود لوسائل الإعلام أو قلت؟ وهل هناك علاقة واضحة بين تزايد الهيمنة اليهودية على الإعلام ومنحنى الانحياز؟ كل المؤشرات تدل على أن العناصر غير اليهودية التي دخلت مجال الإعلام الأمريكي أعلى بكثير من العناصر اليهودية، ومع هذا لم يتغيَّر منحنى الانحياز المتزايد. 4 ـ ويمكن أن نثير قضية أن أعضاء الجماعة اليهودية يلعبون دوراً متميِّزاً داخل المؤسسات الأمريكية لصنع القرار. وفي تقرير كُتب في السبعينيات، أُشير إلى أن 20.9% من كل أعضاء هيئات التدريس في الجامعات و25.8% من مجموع العاملين في الإعلام من اليهود، وأن هناك بين 545 شخصية قيادية حوالي 11.4% من اليهود. وقد تزايد عدد اليهود في إدارة كلينتون الأخيرة (1996) وبخاصة في المراكز الحساسة مثل وزير الخارجية ووزير الدفاع وعضوية مجلس الأمن القومي. ويشار إلى كل هذا باعتباره دليلاً على مدى سيطرة اليهود. ولكن عملية صنع القرار في الولايات المتحدة ـ كما أسلفنا ـ عملية مؤسسية في غاية التركيب، ولا تستطيع أية أقلية واحدة التحكم فيها. كما أن اليهود لا يشكلون الأقلية الوحيدة داخل مؤسسات صنع القرار، إذ توجد أقليات وجماعات ضغط أخرى كبيرة ومهمة مثل جماعة الضغط الكاثوليكية. ويمكن تشبيه اليهودي داخل مؤسسات صنع القرار الأمريكية بالموظف الحركي النشيط في إحدى الشركات الكبرى الأمريكية. فهذا الموظف إن أبدى ذكاءً غير عادي في فهم أهداف المؤسسة التي يعمل فيها وأخذ بزمام المبادرة وتحرك نحو تنفيذها، فلابد أنه سيترقى ويتحرك نحو القمة، ولكن حركته الصاعدة تظل في نهاية الأمر محكومة بالهدف المؤسسي الذي يتم تحديده بشكل مؤسسي، كما أن من الصعب على فرد أو مجموعة أفراد تغييره. ويمكننا أيضاً أن نستخدم تشبيهاً مستمداً من تجربة أهم الجماعات اليهودية في التاريخ (من منظور تاريخ الصهيونية) ، أي يهود الأرندا، وهم كبار المموِّلين من أعضاء الجماعة اليهودية الذين لعبوا دور الوكلاء الماليين (أرنداتور) للنبلاء الإقطاعيين البولنديين (شلاختا) في أوكرانيا، فكانوا أداتهم في استغلال الفلاحين الأوكرانيين. وقد كان للأرندانور سلطة مطلقة داخل المزرعة التي يقوم بإدارتها. وكان النبيل الإقطاعي الغائب في بولندا يستمع لمشورته ويأخذ بنصيحته. ولكن القرار النهائي كان في يد النبيل الإقطاعي، كما أن الأرنداتور كان يستمد قوته وسطوته لا من ذاته وإنما من النبيل الإقطاعي، ولذا رغم هذه القوة والسطوة، كان استمراره، بل وجوده، يستند إلى رضا النبيل الإقطاعي. 5 ـ ونحب أن نثير قضية مبدئية وهي قضية مصطلح «يهودي» نفسه، ومدى "صهيونية" هؤلاء اليهود؟ وهل يَصدُر يهود الولايات المتحدة عن رؤية يهودية وصهيونية لأنفسهم، أم يَصدُرون عن رؤية أمريكية؟. تدل كل المؤشرات على أن يهود الولايات المتحدة قد اندمجوا إلى حدٍّ كبير في المجتمع الأمريكي (رغم كل الثرثرة عن الشخصية اليهودية والجيتو اليهودي) . وحسب دراسات علم الاجتماع الأمريكي تُعَد الأقلية اليهودية من أكثر الأقليات اندماجاً وقبولاً للعقد الاجتماعي الأمريكي وقيم هذا المجتمع البرجماتية. ومنذ أمد طويل عرَّف أحد الزعماء الصهاينة في الولايات المتحدة البرنامج الصهيوني بأنه تداخل صهيونية اليهودي مع أمريكيته، حتى لا ينفصل الواحد عن الآخر. ومن المعروف أن عدد اليهود في كليات إدارة الأعمال في الجامعات الأساسية في أمريكا (هارفارد ـ برنستون) حتى منتصف الستينيات كان صغيراً للغاية، إذ أنه لم يكن بإمكان اليهودي أن يصبح مديراً في الشركات الكبرى (التي تحكم أمريكا) ، كما أن المناصب الوزارية المهمة التي كانوا يتقلدونها كانت دائماً هامشية. ولكن في عام 1974 حدث تغيُّر جوهري إذ شهد هذا العام تعيين كيسنجر وزيراً للخارجية الأمريكية، وعُيِّن شابيرو مديراً لشركة دي بونت للكيماويات. ويبدو أن النخبة الحاكمة في أمريكا قد وجدت أن يهود أمريكا أصبحوا أمريكيين لهم مصالح أمريكية، أي ليسوا مجرد يهود لهم مصالح يهودية، وأنه تم دمجهم وأمركتهم تماماً، بحيث أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الأمريكي خاضعين لحركيات المجتمع الأمريكي (الذي لا يمانع في الحفاظ على بعض معالم الهوية الإثنية، طالما أنها لا تؤثر في ولاء الشخص وفي سلوكه في رقعة الحياة العامة) . وقد أثبت يهود أمريكا صدق حدس النخبة الحاكمة. فرغم الهستريا الواضحة في تأييد الدولة الصهيونية (الذي لا يختلف في واقع الأمر عن تأييد المواطن الأمريكي العادي لها إلا في النبرة) فثمة انصراف واضح عن المنظمة الصهيونية وعن التبرع لها وعن حضور مؤتمراتها وانتخاباتها. وقد ظهر ولاء يهود الولايات المتحدة بشكل واضح لا مراء فيه ـ كما أسلفنا ـ في حادثة جوناثان بولارد (حيث جنَّدت المخابرات الإسرائيلية مواطناً أمريكياً يهودياً للتجسس على الولايات المتحدة) إذ ثارت ثائرة المتحدثين باسم يهود أمريكا ضد إسرائيل لأنها تُعرِّض وضعهم داخل مجتمعهم للخطر. 6 ـ بل يمكن القول بأن هناك عناصر تسبب بعض التوتر بين يهود الولايات المتحدة والدولة الصهيونية، فالصورة الإعلامية للدولة الصهيونية ليست صورة رائعة طيلة الوقت (حرب لبنان ـ الانتفاضة ـ التشدد الصهيوني ـ بناء المستوطنات) . وكثيراً ما يجد يهود أمريكا، الذين يعيشون في مجتمع ليبرالي يدَّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، أنه ليس من صالحهم أن يُوحَّد فيما بينهم وبين الكيان الصهيوني، ولذا تتخذ قيادات الأمريكيين اليهود أحياناً موقفاً مستقلاًّ عن الدولة الصهيونية وناقداً له. ويُلاحَظ كذلك أن سقوط الإجماع القومي في إسرائيل حول المستوطنات انعكس على الأمريكيين اليهود، إذ أن ذلك أعطاهم حرية حركة لم تكن متاحة لهم من قبل. فنجد أن حركة السلام الآن لها فروع في الولايات المتحدة بل لها صندوق جباية مستقل عن الصندوق القومي اليهودي. كما أن الصراع بين الدينيين الأرثوذكس واللادينيين يجد صداه بين الأمريكيين اليهود ويقلل التفافهم حول الدولة الصهيونية التي تتحكم فيها المؤسسة الأرثوذكسية التي لا تعترف بهم كيهود. إذن ثمة عناصر، داخل المجتمع الأمريكي، بعضها يزيد من اقتراب الأمريكيين اليهود من الفكرة الصهيونية، والبعض الآخر يبعدهم عنها. ولكن، مهما كانت الصورة مركبة، فإن العنصر الأساسي في تحديد سلوك اليهود السياسي، سلباً أو إيجاباً، اقتراباً أو ابتعاداً من الصهيونية، هو كونهم مواطنين أمريكيين لهم مصالحهم الخاصة والمباشرة التي تفوق ولاءهم العقائدي للصهيونية. بل إن تأييد الأمريكيين اليهود لسياسة بلادهم في الشرق الأوسط لا تختلف كثيراً عن تأييد الأمريكيين البروتستانت لها لا في النسبة ولا في الحدة. ولعل يهودية الأمريكي اليهودي تفسر علو النبرة فقط. ومما يجدر ذكره أن بعض المحللين السياسيين يرون أن التظاهر السياسي لصالح إسرائيل، وارتفاع النبرة، هو شكل من أشكال التملُّص اليهودي من الصهيونية. فالأمريكي اليهودي يدفع الأموال للدولة الصهيونية ويمارس الضغط السياسي من أجلها خوفاً منها وليس حباً فيها (حتى يرضي ضميره) فهو يرفض الهجرة الاستيطانية تماماً. كما أن هناك من المحللين من يذهب إلى أن نفوذ الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة يستند إلى قوة إسرائيل وليس العكس. فاعتماد الولايات المتحدة على إسرائيل في كثير من الأمور الأمنية وحاجتها إليها كقاعدة عسكرية وحاملة طائرات، يجعلها توسِّع رقعة حركة المنظمات الصهيونية حتى تقوم بعملية تعبئة الرأي العام الأمريكي (بما في ذلك الرأي العام الأمريكي اليهودي) ليساند الولايات المتحدة في دعمها الدائم والمستمر للكيان الصهيوني بما يتضمنه ذلك من دعم مالي قد يبدو باهظاً من منظور الإنسان العادي ولكنه استثمار إستراتيجي جيد من منظور المؤسسة الحاكمة، الأمر الذي يتطلب عملية قومية سياسية تقوم بها المنظمات الصهيونية على أكمل وجه. كما أن المنظمات الصهيونية تساهم، عن طريق عمليات جمع التبرعات، في دفع الفاتورة. والنفوذ الصهيوني، من هذا المنظور، ليس سبباً لسياسات الولايات المتحدة وإنما هو نتيجة لهما. ولاستيعاب هذه النقطة، يمكن مقارنة النفوذ الصهيوني ومدى نجاحه بفشل الجماعات الأيرلندية في جمع الدعم والأسلحة لجيش التحرير الأيرلندي رغم قوة الجماعة الأيرلندية، النوعية والعددية، ورغم أن أحد رؤساء الولايات المتحدة (كنيدي) كان من أصل أيرلندي! اللوبي اليهودي والصهيوني: لم ازدهرت الأسطورة؟ Jewish and Zionist Lobby: Why has the Myth Prospered? يمكننا القول بأن تضخيم قوة اللوبي والإعلام الصهيوني وجعلهما مسئولين عن كل ما يحدث في الغرب هي أسطورة قد يكون لها علاقة ما بالواقع، ولكنها ذات مقدرة تفسيرية ضعيفة لعدم إحاطتها بهذا الواقع ولعجزها عن التمييز بين ما هو جوهري وما هو فرعي فيه. بل يمكن القول بأن هذه الأطروحة الشائعة في أشكالها المتطرفة، هي امتداد للرؤية التآمرية الاختزالية البروتوكولية (نسبة إلى بروتوكولات حكماء صهيون) ، التي تجعل اليهود مسئولين عن كل شيء وتجعل الغرب ضحية للتلاعب اليهودي الصهيوني. وهذا تبسيط للأمور يعمي الأبصار، فهل يمكن أن يتصور أحد أن التشكيل الاستعماري الغربي الذي حوَّل العالم بأسره إلى ساحة لنشاطه من خلال جيوشه ومخابراته (والآن من خلال عملائه ومخابراته) والذي أسس تشكيلاً حضارياً وبنية اجتماعية ونظاماً سياسياً يهدف إلى استغلال المصادر البشرية والطبيعية للكون بأسره وتوظيفها لصالحه، نقول هل يمكن أن تُحدَّد سياسات هذا الكيان نتيجة تدخُّل قوة سياسية مثل اللوبي اليهودي الصهيوني، هل لو أن اليهود اختفوا تماماً ولم يَعُد لهم من أثر، ولو أن إسرائيل اختفت من على خريطة العالم، هل ستتغير سياسة الولايات المتحدة وتصبح قوة مسالمة تتصالح مع القوى القومية والداعية للسلام والبناء، أو أنها كانت ستبحث عن عملاء آخرين وعن أشكال أخرى من التدخل؟ هذا هو السؤال الذي وجهته مرة للسناتور الأمريكي السابق جيمس أبو رزق (من أصل عربي) وكان رده أنه لا يمكن تخيُّل العالم بدون يهود أو الشرق الأوسط بدون إسرائيل! والإجابة لا تدل على عجز السناتور أبو رزق عن التخيل بقدر ما تدل على كفاءته النادرة في المراوغة. ورغم ضعف المقدرة التفسيرية لأسطورة نفوذ اللوبي الصهيوني إلا أنها تزدهر وتترعرع لعدة أسباب نورد بعضها فيما يلي: 1 ـ يروِّج الصهاينة أنفسهم لأسطورة اللوبي ويرسخونها في الأذهان. فكان وايزمان يتصور أن وعد بلفور قد مُنح لليهود بسبب اكتشاف الأسيتون، وكان اليهود يتصورن أن أول مندوب سامي بريطاني في فلسطين بعد فرض الانتداب، سير هربرت صمويل، هو أول ملك يهودي لفلسطين بعد هدم الهيكل! وقد ألقى أحد الحاخامات في معبد يهودي في واشنطن مؤخراً موعظة بدأها بالعبارة التالية: "الولايات المتحدة لم تَعُد حكومة للأغيار (أي غير اليهود) بل هي إدارة يشارك فيها اليهود بشكل كامل على كل المستويات". ولا شك في أن الصهاينة يستفيدون من مثل هذه الشائعات والأساطير، فهي تضفي عليهم أهمية لا يستحقونها، وتنسب لهم قوة تزيد وزنهم وهو ما يُحسِّن وضعهم التفاوضي. وقد عششت أسطورة اللوبي اليهودي والصهيوني في رؤوس بعض أعضاء النخب الحاكمة العربية، حتى أنهم يُحدِّدون سياساتهم انطلاقاً منها وتأسيساً عليها. 2 ـ نجحت الدولة الصهيونية الوظيفية في إنجاز مهمتها باعتبارها قاعدة عسكرية رخيصة وحارساً للمنطقة العربية، وقد دعَّم هذا من رواج أسطورة اللوبي. ويمكن القول بأن ثمة علاقة طردية بين قوة اللوبي الصهيوني وضعف العرب، فكلما ازداد العرب ضعفاً وغياباً ازداد اللوبي الصهيوني قوة وحضوراً وزاد تلاحم المصالح الغربية والمصالح الصهيونية. ولكن لو زادت تكلفة إسرائيل (من خلال المقاومة والمقاطعة والجهاد) لأعادت الولايات المتحدة حساباتها، ولأصبحت هذه الحسابات أكثر رشداً (من وجهة نظرنا) ولما استمرت الولايات المتحدة في انحيازها، ولما ازداد منحنى التحيز انحناءً لصالح إسرائيل. 3 ـ تروِّج الحكومة الأمريكية ذاتها لمثل هذه المزاعم البروتوكولية عن اللوبي الصهيوني للإيحاء بأنها ترغب في اتخاذ مواقف أكثر اعتدالاً تجاه القضايا العربية ولكنها لا تستطيع ذلك بسبب اللوبي الصهيوني، وبذا يصبح الدعم الأمريكي السخي والمستمر لإسرائيل أمراً يتم رغم إرادة الولايات المتحدة وضد رغبتها، وتصبح هذه القوة العظمى الباطشة مجرد ضحية للنفوذ اليهودي وألعوبة في يد القوة الصهيونية التي لا تُقهَر. وهو يُحسِّن صورتها أمام زبائنها من العرب. 4 ـ تستفيد النظم العربية من أسطورة اللوبي اليهودي والصهيوني. فهي تبرر الهزيمة العربية إذ تجعلها شيئاً متوقَّعاً ومفهوماً، كما أن ساحة القتال تنتقل من فلسطين إلى غرف الكونجرس وشوارع واشنطن وباريس حتى يتسنى لهذه الأنظمة العربية ممارسة ضغط يشبه الضغط اليهودي! إن توافق المصالح، وتوافق الإدراك الغربي والصهيوني، هو سر نجاح إسرائيل الإعلامي ومصدر قوة اللوبي الصهيوني وليس العكس، وهي العوامل التي تحدد في نهاية الأمر السلوك الغربي. فالإعلام واللوبي الصهيوني لا يستمدان قوتهما من كفاءة الصهاينة وإنما من أن إسرائيل وجدت لنفسها مكاناً داخل الإستراتيجية الغربية، ولأنها جعلت نفسها أداة طيعة رخيصة كفئاً لتحقيق هذه الإستراتيجية. وتحديد القضية على هذا النحو يعني أننا لا نقلِّل من أهمية اللوبي الصهيوني أو من مقدرته على تعبئة الرأي العام الأمريكي لصالح إسرائيل أو من فعاليته في التأثير على صانع القرار الأمريكي (وبخاصة في أمور الشرق الأوسط والصراع العربي ـ الإسرائيلي) . ولكننا مع هذا لا نفسر كل سلوك الغرب على أساسه، إذ تظل الأولويات الإستراتيجية التي حددها صانع القرار الغربي هي التي تفسر سلوكه. وإدراكنا لهذه الحقيقة سيُعمِّق إدراكنا للواقع وحركياته ويزيد مقدرتنا على التنبؤ والتصدي. إن النموذج التفسيري الذي نطرحه ليس مجرد تمرين أكاديمي، وإنما هو أمر أساسي في تحديد إستراتيجية التصدي لإسرائيل، وفي تحديد الأولويات. وقد ركز الإعلام العربي أثناء إحدى انتخابات الرئاسة الأمريكية على مسألة أن كيتي دوكاكيس زوجة المرشح الديموقراطي آنذاك يهودية، وأن هذا سيؤدي إلى تزايد نفوذ اللوبي الصهيوني. ولابد أن هذا الموقف شارك فيه بعض صانعي القرار العربي. ويقف هذا على الطرف النقيض من الموقف التركي، فحين سُئل المتحدث الرسمي التركي عن رأيه في مسألة ترشيح دوكاكيس للرئاسة، وهو من أصل يوناني، ومدى تأثير ذلك في الموقف الأمريكي من تركيا إن تم انتخابه، قال ببساطة إن الولايات المتحدة لها مصالح إستراتيجية ثابتة سيتمسك بها الرئيس المنتخب أياً كان أصله. فهذه المصالح الثابتة هي السبب الحقيقي الكامن وراء دعم الولايات المتحدة لتركيا وهي أيضاً وراء تأييد الولايات المتحدة للدولة الصهيونية، ولا يمكن تصوُّر أن كيتي دوكاكيس ستؤثر في ذلك الموقف بشكل جوهري! وهذه مقولة غير مريحة بالنسبة لمن استناموا لمقولة أخطبوطية اللوبي الصهيوني، إذ أنها تعني أن عدونا ليس الأفعى اليهودية الخيالية الميتافيزيقية التي لا يمكن الإمساك بها لأنها خفية رغم أنها في كل مكان (وهذه دعوة مقنعة للاستسلام) وإنما هو العالم الغربي الذي يدافع عن مصالحه الإستراتيجية التي يمكن تعريفها والتصدي لها ومحاربتها في كل مكان. الصوت اليهودي في الولايات المتحدة The Jewish Vote in the U. S. A «الصوت اليهودي» مصطلح يفترض أن هناك عدداً من الأصوات يدلي بها أصحابها من اليهود في الانتخابات الأمريكية (أو غيرها من البلاد الغربية) سواء القومية لانتخاب رئيس الجمهورية، أو على مستوى الولاية لانتخاب حاكمها، أو على مستوى المدينة لانتخاب العمدة أو غيره من القادة. كما يفترض المصطلح أن الناخبين اليهود يتبعون نمطاً واحداً تقريباً في التصويت، وأنهم دائماً يقفون إلى جانب إسرائيل ويؤيدون الموقف الصهيوني، وهم بذلك يشكلون أداة ضغط في يد اللوبي الصهيوني. كما يفترض المصطلح أنه كلما ازداد عدد الناخبين اليهود ازداد «الصوت اليهودي» قوة. ومما زاد هذا المفهوم شيوعاً أن بعض الساسة الغربيين أنفسهم يستخدمونه لتفسير سلوكهم الممالئ لإسرائيل وللسياسات الصهيونية إذ يدَّعون أن سلوكهم إنما هو استجابة عملية لضغوط الصوت اليهودي والمصالح الصهيونية ولا يعبِّر عن موقف إستراتيجي مبدئي تمليه عليهم مصالحهم الأمريكية أو الغربية أو على الأقل رؤيتهم لها. وقد دأبت الدعاية الصهيونية على ترويج هذه المقولة وكأنها حقيقة مسلم بها، وتلوح بها ضد معارضي الصهيونية. و «الصوت اليهودي» أسطورة لها أساس في الواقع. ومما لا شك فيه أن أعضاء الجماعات اليهودية (أينما وُجدوا) سيكون لهم أثر ما على صنع القرار السياسي، وخصوصاً في الدول الديموقراطية الغربية. ولكن، بعد تقرير هذه الحقيقة، يظل هناك كثير من القضايا الأساسية مثل: ما حجم هذا الأثر؟ هل هو من القوة بحيث يجب أخذه في الاعتبار، أو هو من التفاهة بحيث يمكن تجاهله تماماً؟ وإذا كان التأثير قوياً فما مصادر أو أسباب قوته؟ هل «الصوت اليهودي» قوي بسبب اتفاق مصالح الدولة الغربية مع الدولة الصهيونية؟ وهل قوة هذا الصوت اليهودي تعود إلى القوة الاقتصادية للجماعة اليهودية أو تعود إلى أسباب أخرى؟ ونظراً لاختلاف وضع الجماعات اليهودية من بلد إلى آخر، فسنتناول في هذا المدخل أهم الجماعات اليهودية وهي الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة (ونتناول أوربا الغربية وجنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية في مدخل مستقل) . يُشار إلى الديموقراطية الأمريكية باعتبارها ديموقراطية جماعات الضغط، أي أنها ليست مجرد ديموقراطية حزبية على النمط الأوربي حيث يطرح كل حزب برنامجه السياسي وينضم إليه الناخبون ويعبِّرون عن إرادتهم من خلال هذا الإطار الحزبي، وإنما هي ديموقراطية يعبِّر فيها الناخبون عن آرائهم من خلال كل من الأحزاب وجماعات الضغط التي ينتمون إليها، وهي قد تكون جماعات ذات طابع إثني تضم المواطنين الذين ينتمون إثنياً إلى أصل واحد، مثل الأمريكيين من أصل إسباني والأمريكيين من أصل إيطالي ... إلخ. وقد تكون جماعات مصالح مثل المعوَّقين والمتقدمين في السن والمحاربين القدامى والعاملين في صناعة السلاح. وتحاول هذه الجماعات حماية مصالح أعضائها وتحسين صورتهم في المجتمع عن طريق الضغط على السلطة إما عن طريق التظاهر أو عن طريق غيره من الوسائل، وإن كانت أهم أشكال الضغط هي الانتخابات ورشوة أعضاء الكونجرس (ولكن استكشاف هذا الجانب الأخير يقع خارج نطاق هذا المدخل) ورغم أن اليهود لا يشكلون سوى 2.4% من مجموع الناخبين الأمريكيين، وهو ما يجعلهم كتلة انتخابية صغيرة نسبياً قياساً بالكتل الأخرى مثل الناخبين من أصل إسباني أو أيرلندي أو الناخبين السود، فإن ثمة عوامل تجعل قوتهم الانتخابية وتأثيراتهم تفوق بكثير عددهم الفعلي: 1 ـ فاليهود من أكثر الأقليات تركيزاً في المدن، فهم يوجدون بأعداد كبيرة في بعض المدن، مثل نيويورك وشيكاغو وميامي (فلوريدا) ، وهو ما يجعل لهم ثقلاً غير عادي. وعلى سبيل المثال، يشكل اليهود 19% من كل سكان مانهاتن وبروكلين (وهما أهم قسمين إداريين في مدينة نيويورك) . وهم يشكلون 16% من كل سكان نيويورك و3% من كل سكانها البيض. وبالتالي، فإن أي مرشح يتوجه للصوت الأبيض (مقابل الصوت الأسود والإسباني) عليه أن يضع الصوت اليهودي في الاعتبار. 2 ـ يتركز اليهود في بعض الولايات التي تلعب دوراً حاسماً في انتخابات الرئاسة، وهذا ما يجعل أهميتهم كجماعة ضغط تتزايد فهم يشكلون 10.6% من جملة الناخبين في ولاية نيويورك و5.9% في نيوجيرسي و4.8% في واشنطن (العاصمة) و4.7% في ولاية فلوريدا ونسبة كبيرة في ولاية كاليفورنيا. كما يوجدون بأعداد كبيرة في ولاية بنسلفانيا وإلينوي. 3 ـ يُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية يتمتعون بأعلى مستوى تعليمي في الولايات المتحدة، وهو ما يؤثر على سلوكهم الانتخابي إذ أنهم يدلون بأصواتهم بنسبة تفوق بمراحل النسبة القومية. وتبلغ هذه النسبة بين اليهود 92% (وهي أعلى نسبة على الإطلاق بين أي أقلية في المجتمع الأمريكي) مقابل 54% وهي النسبة بين الأمريكيين على وجه العموم، وهذا يعني تزايد قوتهم الانتخابية. وعلى سبيل المثال، ذكرنا أن 10.6% من جملة الناخبين البيض الذين لهم حق الانتخاب في ولاية نيويورك من اليهود. ولكن، نظراً لحرص الناخبين اليهود على الإدلاء بأصواتهم، نجد أن نسبتهم الفعلية، وهي النسبة التي يضعها المرشحون في اعتبارهم، تصل إلى ما بين 16% و20%. 4 ـ وتضاعف هذه النسبة فيما يتعلق بانتخابات مؤتمرات الولايات التي يتم عن طريقها اختيار المرشحين لرئاسة الجمهورية. ففي انتخابات مؤتمر الحزب الديموقراطي في نيويورك (انتخابات عام 1984) ، بلغت نسبة عدد اليهود نحو 30%. وكان 41% من الأصوات التي أعطيت لمونديل من أصوات اليهود. أما في انتخابات عمدة نيويورك، فإن أصوات اليهود كانت تشكل 50% من الأصوات التي حصل عليها. (ومع هذا لوحظ مؤخراً انصراف الشباب اليهودي في الولايات المتحدة عن الإدلاء بأصواتهم. وقد بينت إحدى الإحصائيات أن عدد الممتنعين عن الاشتراك في الانتخابات قد وصل إلى ما يزيد على مليون عام 1991 وهو ما يضعف قوة الصوت اليهودي، وخصوصاً مع زيادة عدد أعضاء الأقليات الأخرى وتزايد إقبالهم على الانتخابات) . 5 ـ وإلى جانب كل هذا، يُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية نشطاء سياسياً ويشتركون في معظم الحركات السياسية، وخصوصاً الليبرالية واليسارية، ويؤثِّرون فيها بشكل يفوق عددهم. 6 ـ تضم الجماعة اليهودية عدداً كبيراً من كبار المثقفين والفنانين ورجال السياسة، الأمر الذي يزيد من ثقل وأهمية الصوت اليهودي. 7 ـ تُعدُّ الجماعة اليهودية من أكثر الأقليات ثراء في العالم إن لم تكن أكثرها ثراء بالفعل. ونظراَ لنشاطهم السياسي، فهم يتبرعون للحملات الانتخابية بمبالغ كبيرة يحسب المرشحون حسابها. وربما كانت الجماعة اليهودية، كجماعة ضغط، تنفرد بهذه الخاصية إذ أن أعضاء جماعات الضغط الأخرى قد يفوقون اليهود عدداً ولكنهم لا يقتربون بأية حال من إمكاناتهم المالية. إذن، لا شك في أن الجماعات اليهودية تمثل قوة ضغط مهمة داخل النظام السياسي الأمريكي. وثمة صوت يهودي تماماً كما أن هناك صوتاً أسود أو صوتاً إسبانياً (وبدايات صوت عربي) . وهذا الصوت اليهودي متعاطف مع إسرائيل والصهيونية. ولكن هذا الصوت اليهودي يظل خاضعاً لحركيات النظام السياسي الأمريكي وللتناقضات التي تتفاعل داخل المجتمع. وما يحدد اتجاهه، ليس الولاء العقائدي المجرد للصهيونية وإنما استجابة اليهود، كأمريكيين أو كأمريكيين يهود، لما يواجههم في مجتمعهم الأمريكي. فأعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة هم أمريكيون يهود أو أمريكيون يؤمنون بالعقيدة اليهودية أو بالهوية اليهودية، وليسوا يهوداً أمريكيين. وهم، في هذا، لا يختلفون عن كل المواطنين في الولايات المتحدة، فلا يوجد أمريكي خالص سوى فئة الواسب WASP وهي اختصار لعبارة وايت أنجلو ساكسون بروتستانت White Anglo-Saxon Protestant، أي البروتستانت من أصل أنجلو ساكسوني (وحتى هؤلاء يحمل اسمهم أصلهم العرْقي) . أما بقية الأمريكيين، فهم أمريكيون إيطاليون أو أمريكيون أيرلنديون أو أمريكيون عرب، ويشار إليهم بالإنجليزية بتعبير «هايفنيتيد أميريكانز hyphenated Americans» أي «أمريكيون بشرطة» (إذ يشار إليهم باعتبارهم «أمريكيين/ يهود ـ أمريكيين/عرب» وهكذا) وهذا يعود إلى طبيعة تكوين المجتمع الأمريكي، فهو مجتمع استيطاني مُكوَّن أساساً من مهاجرين ولا توجد فيه تقاليد حضارية ثابتة أو عقائد دينية مستقرة. وكان على المهاجر أن يسقط معظم ثقافته القديمة ويندمج في المجتمع ليصبح أمريكياً، وإن ظل به ولع لثقافته القديمة فإنه يستطيع أن يعبِّر عن هذا الجانب من شخصيته من خلال بعض جوانب حياته غير المهمة مثل الطعام والاحتفال ببعض الأعياد. لكن هويته الأوربية (القديمة) ، أو ما تبقَّى منها، يجب أن تظل خاضغة لانتمائه الأمريكي. ومن المعروف أن أعضاء الجماعة اليهودية من المهاجرين كانوا من أكثر المهاجرين تقبلاً للمُثل الأمريكية، وأكثر تخلياً عن ثقافتهم القديمة الأوربية، بمعدلات تفوق المهاجرين الآخرين. وهذا يعود إلى عدم تجذُّر اليهود في الثقافة الأوربية في شرق أوربا، ولذا فهم (على عكس كثير من المهاجرين) لم يأتوا إلى الولايات المتحدة ليجربوا حظهم وإنما ليستقروا ويقيموا. ومن ثم، فقد كانت نسبة العائدين إلى أوربا من بين المهاجرين اليهود هي أقل نسبة بين مختلف جماعات المهاجرين (ربما باستثناء الأيرلنديين) . وبعد أن استقر يهود شرق أوربا، وضعوا أنفسهم داخل الإطار الأمريكي وأصبحوا أمريكيين بشرطة (أمريكيين/يهوداً) بحيث أصبحت إسرائيل بالنسبة إليهم مثل أيرلندا بالنسبة للأمريكيين من أصل أيرلندي. ويجب ملاحظة أن إسرائيل، بذلك، أصبحت البلد الأصلي، أي البلد الذي يهاجر منه الإنسان لا إليه، لكن فكرة أن إسرائيل هي البلد الأصلي هي فكرة مناقضة للفكرة الصهيونية. وفي الوقت الحاضر، يُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، على عكس ما هو شائع، من أكثر الأقليات اندماجاً وتأمركاً حيث يتبدَّى هذا في تزايد معدلات العلمنة. فقد لوحظ أن عدد اليهود الذين يمارسون شعائر عقيدتهم لا يزيد عن 50%، ووصلت معدلات الزواج المُختلَط في بعض الولايات إلى ما يزيد على 50%. ولذا، فنحن نسميهم «اليهود الجدد» ، فهم مختلفون بشكل جوهري عن يهود أوربا ويهود عصر ما قبل الاستنارة في أواخر القرن الثامن عشر. ولفهم سلوكهم الانتخابي والسياسي الحقيقي، لابد أن نضعهم داخل سياقهم الأمريكي خارج الأساطير الصهيونية التي يرددها بعض العرب. على سبيل المثال، يُلاحَظ أن العلاقة بين الدولة الصهيونية والولايات المتحدة ازدادات عمقاً أثناء حكم الرئيسين الجمهوريين نيكسون وريجان، وخصوصاً الأخير. ويُلاحَظ كذلك أن سياسات الحزب الجمهوري، التي تتبنى سياسة المواجهة مع الاتحاد السوفيتي وتصعيد الحرب الباردة، تلقى صدى في صفوف الصهاينة والدولة الصهيونية المستفيدة من حالة التوتر الدولي والاستقطاب. ويُلاحَظ كذلك أن برنامج الحزب الجمهوري عام 1988 يتسم بالتحيز الشديد لإسرائيل من مطالبة بتقوية الأواصر الإستراتيجية معها وتعميق العلاقة الخاصة بها والوقوف ضد إنشاء دولة فلسطين وتأييد إلغاء قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية. كما أن الحزب الجمهوري لا يضم في صفوفه شخصية مثل جيسي جاكسون الذي نجح هو وأتباعه، ولأول مرة في تاريخ مؤتمرات الأحزاب الأمريكية، في وضع فكرة الدولة الفلسطينية موضع المناقشة. فإن صدقت مقولة «الصوت اليهودي» كأداة ضغط في يد الصهاينة، فإن من المتوقع أن يصوِّت اليهود لصالح الجمهوريين بأعداد متزايدة. ومع هذا، فقد أدلى معظم اليهود بأصواتهم لصالح الحزب الديموقراطي، بنسبة 70% ـ 80% من مجمل الأصوات كما حدد بعض المحللين. وفي محاولة تفسير هذا الوضع نجد أن المحللين يسقطون «الولاء الصهيوني» كعنصر محرك ويتوجهون لعلاقة هؤلاء الأمريكيين اليهود بمجتمعهم الأمريكي. فيُلاحَظ أن الحزب الديموقراطي كان دائماً حزب المهاجرين والأقليات وسكان المدن وهو أيضاً الحزب الذي يمثل مصالحهم ويحاول التعبير عن هذه المصالح. ومنذ عام 1932، حصل مختلف الرؤساء الأمريكيين من الحزب الديموقراطي على ما يزيد على 70% من الأصوات اليهودية. وبحسب كثير من المحللين، لا تزال هذه النسبة هي النسبة القائمة، ففي انتخابات عام 1984 لم يحصل ريجان إلا على 30% ـ 40% من الصوت اليهودي، وقد حصل بوش على نسبة أقل. ويُقال إن كلينتون قد حصل على حوالي 85% من الصوت اليهودي. فالحزب الجمهوري هو حزب البيض (الواسب) بالدرجة الأولى (من بين المندوبين لمؤتمر الحزب الجمهوري لاختيار مرشح الرئاسة عام 1988، كان هناك 2% من اليهود مقابل 6% في مؤتمر الحزب الديموقراطي، وكان هناك 3% من السود مقابل 20% في مؤتمر الحزب الديموقراطي) . ورغم أن برنامج الحزب الجمهوري مؤيد للصهيونية وإسرائيل، فإن البرنامج نفسه يقف ضد إباحة الإجهاض ويطالب بإدخال الصلوات في المدارس ويؤكد ضرورة ترديد يمين الولاء في المدارس. كما أن البرنامج يطالب بإعطاء خصم ضريبي لأولياء الأمور الذي يلحقون أولادهم بمدارس خاصة حتى لو كانت دينية. وهي سياسات محافظة لا تروق للناخبين اليهود واستجابتهم لها هي التي تحدد سلوكهم الانتخابي. وقد تبدو كل هذه الأمور بالنسبة إلى المراقب الخارجي وكأنها أمور تافهة، وهي حقاً كذلك من منظور السياسة الخارجية، ولكنها ليست كذلك من منظور الحركيات الداخلية للمجتمع الأمريكي ونمط التصويت الذي يتبعه أعضاء الجماعة. فمنذ بداية الستينيات والمعركة مستمرة بين دعاة العلمانية وفصل الدين عن الدولة بشكل كامل ومطلق، بقيادة الجماعة اليهودية من جهة، وبعض الجماعات الأخرى ذات التوجه الديني من جهة أخرى. ويرى معظم أعضاء الجماعة اليهودية أن مصلحتهم تكمن في تزايد معدلات العلمنة، وأن هذا هو الضمان الوحيد لحريتهم بل وجودهم. وقد اكتسح هذا التيار المجتمع الأمريكي في الستينيات، ووصلت عملية الفصل بين الدين والدولة مراحل هستيرية حتى أن ذكر كلمة «الإله» في الكتب المدرسية مُنع، ومُنعت الصلوات كما مُنعت نشاطات الجمعيات الدينية في المدارس حتى لو أرادت تسجيل نفسها على أنها من جماعات الهوايات أو كرة القدم! ولكن، مع بداية السبعينيات، بدأ رد فعل ضد هذا الاتجاه وبدأت حركة بعث ديني ذات طابع أصولي. والطريف أن هذه الحركة ذات توجه صهيوني بمعنى أن أتباع هذا الاتجاه يرون عدم إمكان أن يتم الخلاص المسيحي إلا بعد عودة اليهود إلى صهيون (فلسطين) وقد استفادت الدولة الصهيونية من هذا الوضع، وهي تعتبر هذه الجماعات جماعات ضغط لصالحها، بل إن بعض المعلقين السياسيين الإسرائيليين يرون أنها أكثر أهمية من جماعة اليهود كجماعة ضغط باعتبار أن اليهود أقلية توجد خارج المجتمع الأمريكي (المسيحي) حتى ولو كانت مندمجة فيه. أما الجماعات المسيحية الأصولية، فهي ليست مندمجة فيه وإنما هي جزء عضوي منه تعمل من داخله. ولكن رؤية الأمريكيين اليهود لهذا الموضوع مختلفة عن رؤية الدولة الصهيونية له. فهذه الجماعات الأصولية، برغم صهيونيتها، تهدد حرية أعضاء الجماعة وكل ما حققته من مكانة اجتماعية وحراك اجتماعي. ويُقال إن كثيراً من اليهود صوتوا لصالح مونديل عام 1984 بسبب اجتماع الإفطار الذي أقيمت أثناءه الصلاة المسيحية وحضره ريجان وذلك إبان انعقاد مؤتمر الحزب الجمهوري في دالاس. وقد حاول الجمهوريون تصحيح خطئهم هذه المرة (عام 1988) ، فعقدوا اجتماع إفطار صلاة تعددياً حضره بروتستانت وكاثوليك ويهود. ولكن دونالد هودل وزير الداخلية (وهو مسيحي أصولي) ألقى موعظة في هذا الاجتماع طلب فيها من مستمعيه، بما في ذلك اليهود، أن يدخلوا المسيح في حياتهم الشخصية، فزاد الطين بلة! ويحاول بوش أن يخفف حدة برنامج الحزب الجمهوري الخاص بإدخال الصلوات ويدعو إلى أن تأخذ الصلاة شكل «لحظة صمت» يستطيع الطلبة فيها أن يصلوا أو أن يجلسوا أثناءها في صمت دون صلاة إن شاءوا. ولكن، مهما حاول الحزب الجمهوري، فسوف يظل موقفه باهتاً بالقياس إلى موقف الحزب الديموقراطي حيث طالب دوكاكيس بكل حدة بفصل الدين عن الدولة. وربما كان أكبر دليل على ليبراليته وعلمانيته أن زوجته يهودية. ثم يأتي كلنتون ليعبِّر عن تزايد معدلات العلمنة ويبدأ فترة رئاسته بإباحة الإجهاض ومحاولة إدخال الشواذ جنسياً القوات المسلحة الأمريكية. ونضيف إلى هذا أن سياسات الحزب الجمهوري الداخلية بشأن الإنفاق على مشاريع الرخاء الاجتماعي والتعليم هي سياسات محافظة في حين أن سياسة الحزب الديموقراطي في هذا المضمار ليبرالية. وكما أسلفنا، يتبنى معظم اليهود مواقف الحزب الديموقراطي الليبرالية. لكل هذا، يصوِّت معظم يهود أمريكا للحزب الديموقراطي وليس للحزب الجمهوري، تعبيراً عن وضعهم كمواطنين أمريكيين لهم حركياتهم الأمريكية الخاصة وليس بوصفهم أعضاء في الحركة الصهيونية أو متعاطفين معها. ومع هذا، يجب الإشارة إلى بعض العناصر المهمة التي قد تغيِّر سلوك الناخبين اليهود في المستقبل: 1 ـ يُلاحَظ، في الآونة الأخيرة، تزايد تحوُّل اليهود عن الليبرالية واليسار وتبنيهم مواقف محافظة. وربما يعود هذا إلى تزايد اندماجهم وحراكهم الاجتماعي حتى أصبحوا من أعضاء الطبقات الثرية الأمريكية بعد أن فَقَدوا ميراثهم الاقتصادي والحضاري المتميِّز. ويُلاحَظ هذا في مجلة مثل كومنتاري التابعة للجنة اليهودية الأمريكية، فقد كانت من أكثر المجلات ليبرالية، ولكنها أصبحت مجلة محافظة تدافع عن التسلح والحرب الباردة. وهناك بالفعل جماعة تُسمَّى «المحافظون الجدد» من بينهم إرفنج كريستول، ونورمان بودورتز (رئيس تحرير كومنتاري) ينادون بتحالف سياسي جديد. وربما يعبِّر هذا التغيير في الوضع الطبقي، والتحول في التوجه السياسي العام، عن مزيد من تعاطف اليهود مع فلسفة الحزب الجمهوري الاجتماعية واستعدادهم للتصويت لصالحه. 2 ـ يُلاحَظ أن الحزب الديموقراطي هو حزب السود، فظهور شخصية مثل جيسي جاكسون هو تعبير عن تزايد نفوذهم. والعلاقات بين اليهود والسود تتسم بالتوتر ابتداءً من منتصف الستينيات. ومع تزايد نفوذ السود داخل الحزب الديموقراطي، يمكن أن نتوقع تزايداً في انكماش عدد اليهود وفي انصرافهم عن الحزب ليبحثوا عن بدائل أخرى، أي الحزب الجمهوري. 3 ـ يُلاحَظ أن البعث الديني في الولايات المتحدة يجد صداه أيضاً في صفوف اليهود الأرثوذكس والمحافظين. ولذا، لا يساير هؤلاء المحاولات التي يقوم بها اليهود الليبراليون لزيادة معدلات العلمنة داخل المجتمع الأمريكي، بل يطالبون بأن تقوم الدولة بتمويل التعليم الديني. وربما يكون لهذا أثره أيضاً في السلوك السياسي والانتخابي لهذه القطاعات من الصوت اليهودي. وهذا الفريق يرى أن زوجة دوكاكيس اليهودية نقطة سلبية محسوبة عليه لا له، وذلك باعتبار أنها تعبير عن تزايد العلمنة بزواجها المختلط من مسيحي، وباعتبار أنها ستكون قدوة ومثلاً أعلى للمرأة اليهودية. كل هذه الاتجاهات داخل الجماعة اليهودية قد تجعل الناخبين اليهود يصوتون للحزب الجمهوري بأعداد متزايدة. ويُلاحَظ مثل هذا الاتجاه بالفعل، ففي انتخابات 1968 صوَّت نحو 38% لصالح الديموقراطي هيوبرت همفري، أي أن 17% وحسب صوَّتوا لنيكسون، في حين صوَّت 35% لصالحه في انتخابات 1972. وفي انتخابات 1976، صوت لكارتر 54% من اليهود وحسب، وصوت 45% لصالح فورد، لكن هناك إحصاءً آخر يرى أن العدد كان 33% لفورد والباقي لكارتر، وهو ما يبيِّن أن الإحصاءات غير دقيقة بسبب طبيعة الموضوع. ومع هذا تشير كل الدلائل إلى أن النمط القديم (المتمثل في أن اليهود أقلية ليبرالية تقطن المدن وتصوت للحزب الديموقراطي) قد يطرأ عليه بعض التغيُّر الطفيف ولكنه سيظل النمط السائد. إن كل العناصر السابقة تجعل من المستحيل الحديث عن «صوت يهودي» توظفه الحركة الصهيونية ببساطة لصالحها، فالمسألة أكثر تركيباً، فالصوت اليهودي قادر على التأثير دون شك، ولكنه لا يتصرف في إطار صهيوني وإنما في إطار أمريكي. الصوت اليهودي في أوربا الغربية وأمريكا اللاتينية The Jewish Vote in Western Europe, and Latin America لا يشذ الصوت اليهودي في دول أوربا الغربية عن هذه القاعدة العامة فهي دول تؤيد إسرائيل من الناحية الإستراتيجية، وتضم جماعات يهودية تدين بالولاء لأوطانها، ومن ثم فهي قد تؤيد الدولة الصهيونية وتضغط لصالحها ولكن داخل إطار انتماء أعضائها لأوطانهم وقبولهم للعقد الاجتماعي السائد فيها. ولا يمكن تفسير سياسات الحكومة من منظور مدى تزايد أو تناقص النفوذ الصهيوني أو الصوت اليهودي. ففرنسا، على سبيل المثال، حين اتخذت موقفاً معادياً نوعاً ما تجاه إسرائيل أيام الجنرال ديجول وفرضت حظراً على تصدير السلاح لها، لم يكن هذا بسبب ضعف نفوذ اليهود فيها وإنما بسبب سياسة ديجول التي كانت ترمي إلى إيجاد شخصية مستقلة لأوربا بين الدولتين العظميين. وحينما رفعت فرنسا هذا الحظر، فلا يمكن تفسير ذلك بتعاظم الصوت أو النفوذ اليهودي. وعلى كلٍّ، يُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية في فرنسا يُشكِّلون أقل من 1% من مجموع السكان (700 ألفاً من نحو 54 مليوناً) . كما أن الجماعة اليهودية لا تتسم بالتماسك الشديد إذ أنها مُقسَّمة إلى يهود سفارد شرقيين من جهة ويهود غرييين من جهة أخرى. كما أن يهود فرنسا مركزون أساساً في باريس وبضع مدن أخرى، وهو ما يجعلهم قريبين من مؤسسات صنع القرار، ولكنهم غائبون في الوقت نفسه عن معظم فرنسا. وهذا لا يعني أن الفرنسيين اليهود غير مؤثرين على الإطلاق، فهم ولا شك ذوو أثر عميق، وخصوصاً في الإعلام، ولكن أثرهم ينبع من كونهم فرنسيين. ويمكن أن نضرب مثلاً آخر بسياسة إنجلترا التي تلتزم بتأييد إسرائيل، وتؤيد المواقف الأمريكية بشكل شبه كامل. ولو نظرنا إلى الصوت اليهودي لوجدنا أن اليهود لا يشكلون كتلة بشرية كبيرة، فعددهم لا يتجاوز 0.6% من مجموع السكان، وهم ليسوا أقوياء من ناحية النفوذ الاقتصادي، كما أن أصواتهم موزعة بين عدة دوائر (ولذا لا يمكن الحديث عن دوائر يهودية) . ومع هذا، بلغ عدد الأعضاء اليهود في البرلمان الإنجليزي عام 1983 ثمانية وعشرين عضواً من أصل ستمائة وخمسين، وهي نسبة تفوق نسبة اليهود إلى عدد السكان. ولكن هؤلاء النواب كانوا يمثلون دوائر لا يُلاحَظ فيها وجود يهودي غير عادي، أي أنهم انتخبوا باعتبارهم بريطانيين وأعضاء في أحزاب بريطانية. وكان عدد النواب اليهود ستة وأربعين عضواً عام 1974، أي أنه حدث انخفاض كبيرفي عددهم. ولكن لا يمكن تفسير هذا الانخفاض في إطار حركيات يهودية، وإنما لابد من العودة إلى حركيات المجتمع البريطاني والجماعة اليهودية فيه. ولذا، فإن هذا الانخفاض لا يصلح مؤشراً على تراجع النفوذ الصهيوني، تماماً كما لا يصلح الحكم على وجود خمسة وزراء يهود في إحدى وزارات تاتشر في عام 1986 (وهو أكبر عدد شهدته أية حكومة بريطانية) على أساس تزايد هذا النفوذ. فالموقف البريطاني من إسرائيل موقف إستراتيجي مبدئي لن يتغيَّر بتراجع النفوذ اليهودي، بل لن يتغيَّر باختفائهم الكامل (وهو الأمر الذي يتوقعه بعض المراقبين) يبقى بعد ذلك الصوت اليهودي في أمريكا اللاتينية. ويجب أن نشير ابتداءً إلى أن عدد أعضاء الجماعة اليهودية ضئيل للغاية في كل دول أمريكا اللاتينية. وربما يكون الاستثناء الوحيد هي الأرجنتين حيث يوجد معظم يهود أمريكا اللاتينية فيها، وهم مركزون أساساً في بوينس أيرس. ومن الملاحَظ عدم وجود دور فعال لهم في تحديد سياسية الأرجنتين الخارجية. فالحكومة العسكرية كانت تؤيد إسرائيل وتشتري منها السلاح وتضطهد أعضاء الجماعة. كما تم انتخاب رئيس جمهورية من أصل عربي (!) . هذا إلى جانب أن الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية تتسم بعدم التجانس، ومن ثم بعدم التماسك وتوزُّع الصوت اليهودي. كما يُلاحَظ أن النظام السياسي في أمريكا اللاتينية تسوده الرموز الكاثوليكية واللاتينية وهو ما يضعف فعالية النفوذ اليهودي. ولكن ضعف العملية الديموقراطية نفسها في أمريكا اللاتينية قد يجعل الانتخابات السياسية أمراً لا يتمتع بالأهمية نفسها التي يتمتع بها في الولايات المتحدة، وعلى كلٍّ تتكفل الانقلابات المتكررة بجعل الانتخابات مسألة محدودة الأهمية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
جمع التبرعات (أو الجباية) الصهيونية
Zionist Fund-Raising «جمع التبرعات» هو الترجمة العربية الحرفية والمباشرة لعبارة «فند ريزنج fund raising» الإنجليزية. ولأن هذه العملية ليست عملية محايدة أو بسيطة وإنما تتسم بالقسر والإكراه في بعض الأحيان، وبالغش والخداع (فيما يتعلق بالأهداف) في معظم الأحيان، فإننا نجد أن لفظ «جباية» قد يكون أقرب للدقة وأكثر تفسيرية. ومن هنا، فنحن في هذه الموسوعة نستخدم الاصطلاح الأول تارة والثاني تارة أخرى حسب ما يمليه السياق. وقد اعتمدت الحركة الصهيونية منذ نشأتها على التبرعات التي تجمعها من أعضاء الجماعات اليهودية للعالم. وترى الأدبيات الصهيونية أن عمليات الجباية تقوِّي الروابط العاطفية بين إسرائيل واليهود الأمريكيين، ومن هنا فإن شعار النداء اليهودي الموحد الأكثر شهرة (نحن واحد) يحث اليهود على تأكيد تضامنهم بواسطة العطاء. فالتبرعات لا يُنظَر لها باعتبارها مجرد إحسان بل بوصفها "نوعاً من المشاركة في دولة إسرائيل، وخصوصاً من قبَل اليهود العلمانيين والمندمجين التي تمثل حملة النداء اليهودي الصلة الوحيدة بينهم وبين روحانية إسرائيل ومركزيتها" على حد تعبير إيرفينج بيرنشتاين نائب الرئيس التنفيذي للنداء اليهودي الموحَّد. وهذا الخطاب الصهيوني المراوغ يخبىء داخله الكثير، ولذا فلنحاول فك شفرته. إن اليهودي العلماني المندمج هو اليهودي الذي يعيش في العالم الغربي، وخصوصاً في الولايات المتحدة، وهو يعيش سعيداً في وطنه لا يود الهجرة منه. ولكنه يتمتع بدخل مرتفع، ولابد من الاستفادة من هذا الوضع. ولذا، يَطرح الصهاينة شعار "نحن واحد"، ولكنه يُطرَح بحذر شديد وبكثير من التحفظات التي تجعله شعاراً رناناً دون محتوى. فالمطلوب من عضو الشعب اليهودي الواحد أن يُبقي الصلة «الروحانية» مع إسرائيل دون الهجرة إليها. وبهذه الطريقة، يستطيع اليهودي المندمج في الغرب أن يظل في وطنه الحقيقي ويشعر بالانتماء إليه وفي الوقت نفسه يُسمِّي نفسه صهيونياً، وبهذه الطريقة يمكن جَمْع التبرعات منه. ولكن الكثير ممن يدفعون هذه التبرعات لا يفهمون المضمون السياسي لتبرعاتهم وإنما يدفعون الأموال باعتبار أنها إحسان (صدقة) ، أي عمل خيري، أو مساهمة في مشروع ثقافي وليس مساهمة في عملية استيطانية إحلالية. ويلعب الخطاب الصهيوني المراوغ دوراً أساسياً في ذلك، فما يهم الصهاينة هو تبرعات يهود العالم لا انتماؤهم أو إدراكهم السياسي. وقد ذكر ريتشارد كروسمان (الزعيم العمالي البريطاني) أن وايزمان لم يكن لليهود المندمجين سوى الاحتقار، ولكن كان لديه استعداد دائم لجَمْع أموالهم من أجل مشروعه الصهيوني. ويدفع الكثيرون التبرعات خشية التشهير بهم من قبَل الحركة الصهيونية، وبسبب الإحساس بالذنب لأنهم لا يهاجرون إلى الوطن القومي (وهؤلاء هم الذين يُطلَق عليهم اصطلاح «يهود النفقة» ) . ومهما كان الأمر، فإن التبرعات أصبحت القناة الوحيدة التي يعبِّر معظم اليهود عن علاقتهم بإسرائيل من خلالها. ولذلك، اقترح أحدهم تسمية صهاينة الخارج (التوطينيين) «متبرعو صهيون» . ومع هذا، لوحظ مؤخراً أن عمليات الجباية تواجه مشكلة نضوب المصادر المالية فعلى سبيل المثال لوحظ أن حصيلة ما جمعه الصهاينة من تبرعات في الثلاثة شهور الأولى من عام 1995 لم يزد عن 143 ألف دولار (بالقياس إلى 2.5 مليون في الفترة نفسها عام 1994 و6.5 مليون عام 1993) . وقد انخفضت التبرعات في الولايات المتحدة بحوالي 40%. ولا يختلف الموقف كثيراً في بريطانيا وفرنسا وأمريكا اللاتينية للأسباب التالية: 1 ـ لعل من أهم الأسباب ما يُسمَّى «ظاهرة موت الشعب اليهودي» ، أي تناقص أعداد أعضاء الجماعات اليهودية نتيجة انخفاض التكاثر الطبيعي بينهم وتَزايُد معدلات الاندماج، وهو ما يعني تناقص عدد المتبرعين. 2 ـ يساهم تزايُد الاندماج في انصراف أعضاء الجماعات اليهودية عن دفع التبرعات أو دفعها لمنظمات غير يهودية لأن المشروع الصهيوني يصبح شأناً لا علاقة له بهم. 3 ـ تركت مشاكل التضخم والكساد الاقتصادي أثراً سلبياً في المتبرعين اليهود. 4 ـ أدَّى التضخم إلى تزايد الاحتياجات الداخلية للجماعة اليهودية وخصوصاً في مجال الرعاية الصحية والتعليم وبيوت العجزة. 5 ـ مما زاد الوضع تفاقماً، سياسات حكومة ريجان التي قطعت العون عن البرامج الصحية والتعليمية للفقراء والأقليات. وقد ترك هذا أثراً سلبياً جداً في عمليات تمويل برامج الرفاه اليهودية في الولايات المتحدة إذ أصبحت في حاجة إلى اعتمادات أكبر تحتَّم استقطاعها من التبرعات التي تُجمَع (وتبلغ نسبة ما تنفقه الجماعات اليهودية على نفسها في الوقت الحاضر ثُلثي التبرعات التي تقوم بجَمْعها) 6 ـ لوحظ أن 1% من كبارالمتبرعين يدفعون 25% من كل التبرعات. وأن 10% من كبار المتبرعين يدفعون 80% منها، أي أن صغار المساهمين من الجماهير اليهودية لم يعودوا يتبرعون للدولة الصهيونية تقريباً. وقد لوحظ أن كبار المتبرعين هم عدة أفراد تم استئناسهم واستيعابهم، ولكن هذا يعني أيضاً أن المنظمات الصهيونية واليهودية أصبحت معتمدة عليهم تماماً لاستمرار بقائها، ومن ثم فإنها تواجه أزمات مالية حادة حينما يمتنعون لسبب أو آخر عن دَفْع تبرعاتهم. ومن الملاحَظ أن هؤلاء المتبرعين من كبار السن ومن الأجيال القديمة، أي أنهم في الغالب ذوو خلفية أوربية، أو من أبناء المهاجرين، الأمر الذي يعني وجود رابطة عاطفية «بالوطن القديم» وبالهوية القديمة. ويترجم هذا نفسه إلى ارتباط بالمنظمات اليهودية والصهيونية باعتبارها منظمات تعبِّر عن هذه الهوية، وإلى تبرعات لها. هذا على عكس أبنائهم المتأمركين المندمجين الذين لا تربطهم رابطة قوية بالمؤسسات اليهودية، ومن ثم فإنهم لن يستمروا في التبرع للمنظمات اليهودية والصهيونية. وحيث إن كبار المتبرعين مسنون، فإن رحيلهم سيؤدي إلى تسارع نضوب المصادر المالية الحالية. ويُلاحَظ أن من أهم مصادر التمويل، في الوقت الحالي، التركات التي يوصي بها كبار المتبرعين للمنظمة الصهيونية. ومع أن مثل هذه التركات تحل كثيراً من المشكلات، إلا أنها في نهاية الأمر «تبرُّع أخير» لن تليه تبرعات أخرى. 7 ـ يُلاحَظ عدم ظهور متبرعين شباب إما لتباعدهم عن حياة الجماعة ومؤسساتها أو نتيجة تحوُّل نسبة متزايدة من الشباب اليهودي من الأعمال التجارية المربحة إلى المهن ذات الدخل المحدود. 8 ـ تواجه صناديق الجباية الآن صعوبات في تجنيد متطوعين للقيام بحملات التبرعات. 9 ـ أدَّت السياسات الإسرائيلية (وخصوصاً في عهد الليكود) إلى نفور كثير من المتبرعين: فهناك حرب لبنان وتورُّط إسرائيل في فضيحة إيران ـ كونترا وفضيحة بولارد، وأسلوب إسرائيل في معالجة الانتفاضة، وقد أدَّى كل هذا إلى إحراج أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة، ومن ثَمَّ إحجامهم عن التبرع. وقد خلق ذلك مأزقاً حاداً حول كيفية تقسيم الموارد المتوافرة بين احتياجات الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة التي تشهد تزايداً مطرداً وبين احتياجات إسرائيل. والآن، تتجه النية إلى تقليص المبالغ المخصصة لإسرائيل وخصوصاً أن هناك شعوراً متزايداً بأن أمن إسرائيل أصبح مضموناً بعد معاهدة السلام مع مصر، كما أن هناك تزايداً في الخلافات حول السياسات الإسرائيلية، وخصوصاً خلال حكم الليكود، وقد ظلت الجماعة تحرص على التبرع بسخاء في فترات الأزمات. ومما يجدر ذكره أن تبرعات يهود العالم في الماضي كانت تغطي نسبة مئوية لا بأس بها من نفقات الدولة الصهيونية، ولكن هذه التبرعات لا تزيد في الوقت الحالي عن 1.5% من ناتج إسرائيل القومي، كما لا يتجاوز العائد من بيع سندات إسرائيل النسبة نفسها، وهو ما يعني تزايد اعتماد المستوطن الصهيوني على الولايات المتحدة. ومن التطورات الجديدة في عالم التبرعات الصهيونية ظهور صناديق لجمع التبرعات لصالح الحركات الإسرائيلية التي ترفض سياسة الضم والتوسع والقمع (الصهيونية) بدرجات متفاوتة، ومن أهم هذه الصناديق الصندوق الإسرائيلي الجديد. الصندوق القومي اليهودي (كيرين كايميت ( Jewish National Fund (Keren Kayemet) بالعبرية «كيرين كايميت» وهو إحدى أقدم مؤسسات المنظمة الصهيونية العالمية وذراعها المالي لشراء الأراضي في فلسطين. ترجع فكرة إنشائه إلى المؤتمر الصهيوني الأول (1897) حين اقترح عالم الرياضيات اليهودي الحاخام الليتواني هيرمان شابيرا إنشاء صندوق قومي يهودي قائم على التبرع الطوعي بهدف شراء الأراضي في فلسطين. ولكن هذا الاقتراح لم يحظ بأيِّ دعم حتى المؤتمر الصهيوني الخامس (1901) حينما تقرَّر (وبتأييد من هرتزل) إنشاء الصندوق القومي اليهودي ليكون "وديعة للشعب اليهودي" لا يُستعمَل إلا لشراء أو تخليص الأراضي في فلسطين لتظل "ملكاً للشعب اليهودي إلى الأبد" لا يجوز بيعها أو رهنها. ويقوم الصندوق باستصلاح الأراضي وتأجيرها لمدة 49 عاماً قابلة للتجديد ولا يجوز تأجيرها لغير اليهود أو استخدام عمالة غير يهودية لزراعة هذه الأراضي وصيانتها. وقد تحدَّد مقر الصندوق في فيينا. قام الصندوق بشراء أول مساحة من الأراضي له في فلسطين عام 1905، وبدأ أولى تجاربه في التشجير عام 1908 بزراعة ما سُمِّي «غابة هرتزل» . ثم أقام الصندوق أول كيبوتس على أراضيه في داجانيا جنوبي طبرية. وقد استدعى هذا النشاط وضع الإطار القانوني المناسب للصندوق. ولذلك تم تسجيله عام 1907 كشركة بريطانية باسم «الصندوق القومي اليهودي المحدود» ، وسرعان ما تحوَّل الصندوق إلى الذراع الوحيدة لجباية الأموال من أجل شراء الأراضي في فلسطين. ومع صدور وعد بلفور ووقوع فلسطين تحت سلطة الانتداب البريطاني، اتسع نشاط الصندوق. وفي عام 1920، وضع المؤتمر الصهيوني الذي انعقد في لندن خطة شاملة لتنظيم وتمويل الهجرة والاستيطان اليهوديين في فلسطين، حيث تقرَّر إنشاء الصندوق التأسيسي اليهودي كأداة لتمويل عمليات الاستيطان في فلسطين على أن يتفرغ الصندوق القومي اليهودي لشراء الأراضي وأن تُخصَّص له نسبة 20% من حصيلة الصندوق التأسيسي لهذا الغرض. وفي ذلك العام أيضاً، أصدرت إدارة الانتداب البريطانية تنظيماً جديداً سهَّل عملية تحويل ونَقْل ملكية الأراضي وإزالة العقبات التي كانت تعترضها. وإزاء هذه التطورات، ومع انتقال مقر الصندوق إلى القدس عام 1922، زادت ملكية الصندوق من الأراضي بشكل كبير حيث قفزت من 16.366 دونماً عام 1920 (أي بعد 19 سنة من تأسيسه) إلى 278.627دونماً عام 1930، ووصلت إلى 93.6000دونم في مايو 1948 أو نحو 3.55% من إجمالي مساحة فلسطين و54% من إجمالي الأراضي المملوكة للتجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين والتي كانت تضم 85% من مستعمراته ومؤسساته الاستيطانية. وقد أدَّى ذلك إلى تحويل كثير من الملاك العرب إلى معدمين وأجراء، كما أدَّى إلى ازدياد سوء الأحوال الاقتصادية للعرب الفلسطينيين، وخصوصاً أن قانون الصندوق كان يشترط عدم استخدام عمالة غير يهودية على أراضيه، وهذا الشرط العنصري كان ضرورياً لتفريغ فلسطين من سكانها الأصليين وتحقيق أهداف الاستعمار الاستيطاني الإحلالي بها. كما كان تطبيقاً لما دعا إليه هرتزل عام 1895 حينما قال: "إننا سنحاول دَفْع السكان إلى الخروج عن طريق إيجاد فرص عمل لهم في الدول المجاورة، وفي الوقت نفسه إغلاق أبواب العمل أمامهم في بلدنا". وقد اهتم الصندوق القومي اليهودي في بداية الأمر بشراء الأراضي لأغراض الاستيطان الزراعي، ثم أصبحت الاعتبارات الأمنية والسياسية أكثر أهمية مع تزايد الرفض العربي للاستيطان اليهودي ثم صدور تقرير لجنة بيل عام 1937 التي أوصت بتقسيم فلسطين وما أعقب ذلك من إصدار الكتاب الأبيض لعام 1939 والذي فَرَض قيوداً على شراء اليهود للأراضي. ومع ذلك، نجح الصندوق في زيادة ملكيته من الأراضي بمقدار الضعف تقريباً خلال الفترة بين عامي 1939 و1946 حيث زادت من 473 ألف دونم إلى 835 ألف دونم، أي أن نصف مساحة الأراضي التي كان يمتلكها عند إعلان الدولة حصل عليها خلال هذه الفترة وحدها. وقد تركَّزت أغلب هذه الأراضي في المناطق الحدودية وكذلك داخل المناطق المخصصة للعرب والتي كان محظوراً على اليهود شراء الأراضي بها. وقد ساهم ذلك في تحديد حدود الدولة اليهودية التي نص عليها قرار التقسيم عام 1947. وإذا كان الصندوق القومي اليهودي قد نجح في خَلْق حقائق جديدة على أرض فلسطين تدعم المشروع الصهيوني إلا أنه لم ينجح في نهاية الأمر في سوى امتلاك 3.55% من أراضيها. ولم يتم "تخليص" ما تبقَّى من الأراضي إلا عن طريق القوة الجبرية والاحتلال العسكري المدعوم من قبل القوى الاستعمارية والإمبريالية. وبعد إقامة الدولة الصهيونية، انتقلت ملكية أغلب الأراضي التي تم إفراغها من سكانها ومالكيها العرب إلى الصندوق القومي اليهودي بحيث أصبح يمتلك عام 1950 نحو 2.373.676دونماً وصلت إلى 3.5 مليون دونم عام 1960، أي 17% من إجمالي مساحة الدولة. وفي عام 1953، وافق الكنيست الإسرائيلي على قانون الصندوق القومي في إسرائيل الذي أجاز تسجيل الصندوق في إسرائيل كشركة مساهمة. وفي عام 1954، حصلت الشركة الإسرائيلية المساهمة الجديدة على جميع الموجودات والديون الخاصة بالصندوق القومي اليهودي الذي كان قد سُجِّل في إنجلترا عام 1907. ومع ذلك، لم تتم تصفية الشركة البريطانية حيث كانت هذه الشركة تمتلك أراضي خارج حدود الدولة أي في الضفة الغربية وغزة. وقد كانت تصفيتها تعني ضياع هذه الأراضي. ولذلك، فإن هناك منذ عام 1954 شركتين تحملان الاسم نفسه تقريباً، والفارق الوحيد هو أن كلمة «محدودة» ملحقة باسم الشركة البريطانية. وقد حدَّد القانون الأساسي للشركة الإسرائيلية أهدافها بأنه شراء أو استئجار أو مبادلة أو تأجير الأراضي والغابات وحقوق الملكية والحقوق في أراضي الآخرين وأية حقوق مشابهة، فضلاً عن الممتلكات غير المنقولة من أيِّ نوع في المنطقة المحددة (وهذه إشارة إلى دولة إسرائيل وأية مناطق تقع تحت سلطة حكومة إسرائيل) أو في أي جزء منها بهدف توطين اليهود في تلك الأراضي والممتلكات. ومن الملاحَظ أن وصف المنطقة المحدَّدة كما جاء في هذه الفقرة يضع في الاعتبار احتمالات التوسع الإسرائيلي في المستقبل ضم أراض عربية جديدة إلى الدولة، وهو ما حدث بالفعل بعد حرب 1967 حيث امتد نشاط الصندوق إلى الأراضي الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي. ونظراً لتبعية الصندوق للمنظمة الصهيونية العالمية، فقد كان من الضروري تنظيم علاقته مع الحكومة الإسرائيلية. وقد تم هذا باتفاقية وُقِّعت عام 1961 نصت على أن "الصندوق سوف يواصل أعماله بين اليهود في كلٍّ من إسرائيل وبلاد الشتات كوكالة مستقلة تابعة للمنظمة الصهيونية العالمية وذلك بهدف جباية الأموال وتخليص الأرض والقيام بنشاطات إعلامية وتربوية صهيونية وإسرائيلية". وقد احتفظ الصندوق بشروطه العنصرية الخاصة بتأجير الأراضي لليهود فقط وحَظْر استخدام عمالة غير يهودية (أي عربية) وإن كان هذا الشرط الأخير يُنتهَك بشكل مستمر حيث تُستخدَم العمالة العربية في كثير من المستوطنات والأراضي المملوكة للصندوق. وقد وصف وزير الزراعة الإسرائيلي عام 1974 هذه الانتهاكات بأنها "سرطان" وحذر من استمرارها. وقد انتقل نشاط الصندوق بالتدريج من مجال شراء الأراضي إلى استصلاحها وبناء الطرقات ومساعدة المستوطنات الجديدة وضمن ذلك حفر الآبار وبناء السدود وشبكات الري والتشجير، كما يتعاون مع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في بناء قرى الناحال الحدودية وتطوير المناطق ذات الأهمية الأمنية والإستراتيجية. وقد تركَّز نشاط الصندوق بشكل خاص في منطقة الجليل حيث الكثافة السكانية الفلسطينية القصوى بغرض تنفيذ الإستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى تهويد الجليل. وقد ساهم الصندوق في إقامة 100 مستوطنة في الجليل في الفترة بين عامي 1977 و1981. وبعد حرب 1967، قام الصندوق بشراء مساحات كبيرة من الأراضي في الضفة الغربية، وذلك من خلال شركة هيمنوتاه التابعة له والتي تأسَّست عام 1938 في لندن وسُجِّلت في رام الله عام 1971. ويشارك الصندوق في المخطط الصهيوني لتهويد القدس والضفة الغربية. وقد اعتمد الصندوق تاريخياً على أساليب شتى لجباية الأموال مثل بيع الأشجار في فلسطين، والطوابع البريدية، وتسجيل أسماء كبار المتبرعين فيما كان يُعرَف باسم «الكتاب الذهبي» وكذلك من خلال «الصندوق الأزرق» الذي كان يوضع في بيوت أعضاء الجماعات اليهودية ويستعمل لجمع التبرعات. أما الآن، فإن المصادر الرئيسية لدخله هي "مقابل إيجار عقارات يملكها وأشغال تعهدتها الوكالة اليهودية والحكومة الإسرائيلية". ومن بين هذه المصادر، التبرعات والهبات العامة أو المعطاة لأغراض محددة من قبَل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. ويُعَد الصندوق مؤسسة مالية ضخمة حيث قُدِّر مجموع موجوداته عام 1980 بأكثر من 148 مليون دولار. وللصندوق شركات تابعة عديدة وله كذلك أسهم في شركات مختلفة، وقد بلغت ميزانيته عام 1980 ـ 1981 مبلغ 474 مليون دولار. وللصندوق فرع في الولايات المتحدة مسجل كشركة مساهمة معفاة من الضرائب وهو يعمل كذراع للصندوق في جباية الأموال الإقليمية. صندوق تأسيس فلسطين (كيرين هايسود ( Palestine Foundation Fund (Keren Hayesod) اسمه بالعبرية «كيرين هايسود» وهو الإدارة المالية الرئيسية للمنظمة الصهيونية العالمية. أنشيء عام 1920 عندما واجهت الحركة الصهيونية مشكلة تمويل مشروعها الاستيطاني في فلسطين بعد صدور وعد بلفور. وقد تضمَّن قرار إنشائه التزام كل يهودي أياً كان موقفه من الصهيونية بدفع ضريبة سنوية بحد أدنى معين للمساهمة في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين على أن يقوم الصندوق بتوظيف التبرعات والمساهمات المالية المختلفة في استثمارها في مشروعات إنتاجية لا تستهدف الربح في المقام الأول. ومن بين أهم مؤسسيه حاييم وايزمان وفلاديمير جابوتنسكي وإسرائيل سيف. وقد سُجِّل الصندوق عام 1921 كشركة بريطانية، وظل مقره في لندن حتى عام 1926 حين انتقل إلى القدس. وفي عام 1925، انضم الصندوق التأسيسي إلى الصندوق القومي، ومع تأسيس الوكالة اليهودية الموسعة عام 1929 أصبح الكيرين هايسود ذراعها المالية الأساسية. وقد ظل الصندوق المموِّل الأساسي لنشاطات الوكالة اليهودية في فلسطين في ميادين الاستيطان والتعليم والخدمات الصحية والأمن وشراء الأسلحة، كما مارس دوراً واضحاً في تمويل الهجرة غير الشرعية بعد القيود التي فرضتها بريطانيا عام 1940 على حجم الهجرة اليهودية إلى فلسطين. كذلك شارك في تمويل عدد من المشاريع الاقتصادية مثل شركات المياه والكهرباء والملاحة والطيران والبناء والبنوك الإسرائيلية قبل عام 1948. وبعد قيام إسرائيل، سخَّر الصندوق موارده لتمويل استيعاب المهاجرين الجدد، وساهم في الفترة بين عامي 1948 و1970 في استيعاب 1.4 مليون مهاجر وكذلك تأسيس 525 مستوطنة زراعية و27 مدينة تطوير. وقد ساهم الصندوق أيضاً، أثناء حرب عام 1967 وبعدها، في جمع التبرعات اليهودية التي انهمرت على إسرائيل حيث اسفرت الحملة الواسعة عن جمع 150 مليون دولار. كما قام بحملة مماثلة خلال حرب 1973 أسفرت عن جَمْع 273 مليون دولار. وقد تراوح إيراده السنوي منذ ذلك الحين بين 100 و150 مليون دولار. ووصل حجم ما جَمَعه منذ عام 1920 وحتى 1978 نحو 199.3 مليار دولار. وقد استجاب الصندوق لنداء الحكومة الإسرائيلية عام 1977 للمشاركة في مشروع إعادة تأهيل واسعة النطاق لإحياء المهاجرين الفقراء في إسرائيل والتزم بتخصيص مبلغ 200 مليون دولار لهذا المشروع تم جَمْعه خلال خمس سنوات. وتواجه جبايات الصندوق التأسيسي مشاكل داخلية عديدة تؤثر في أنشطتها وأعمالها ونتائجها مثل الانخفاض الكبير في عدد المتطوعين للقيام بحملات الجباية نتيجة تزايد معدلات الاندماج بين الجماعات اليهودية، وتآكل الفكر الصهيوني، وانخفاض التعاطف مع إسرائيل نتيجة سياستها تجاه النزاع العربي الإسرائيلي، وخصوصاً بعد حرب لبنان ومذابح صبرا وشتيلا ثم معالجتها للانتفاضة الفلسطينية، كما أن توقيع معاهدة السلام مع مصر قد خلق إحساساً بأن أمن إسرائيل مضمون وأن إسرائيل لم تَعُد تحارب من أجل مشاكل أساسية بل من أجل التوسع. وبالإضافة إلى ذلك، هناك إحساس متزايد لدى الجماعات اليهودية بأن مشاكل إسرائيل الاقتصادية غير قابلة للحل وأن أموال الجبايات لن تفيد. كذلك تواجه الجماعات اليهودية في الدول الأوربية (مثل الولايات المتحدة) تغيرات ديموجرافية مهمة وتزايداً في مشاكلها واحتياجاتها الداخلية، الأمر الذي يستدعي تكريس جهود أكبر لمواجهتها. ويضاف إلى كل هذا ظهور مصاعب اقتصادية في الدول المختلفة، الأمر الذي يقلل استعداد الأفراد لتقديم التبرعات، ذلك إلى جانب التنافس الشديد بين المنظمات المختلفة التي تجمع أموالاً لأغراض مختلفة. والصندوق التأسيسي اليهودي يُعرَف منذ عام 1948 باسم «كيرين هايسود (النداء الإسرائيلي الموحَّد) » . ويعمل الصندوق التأسيسي في أكثر من 69 دولة فيما عدا الولايات المتحدة التي تُعَدُّ مجالاً للنداء اليهودي الموحَّد. وقد اكتسب الصندوق صفة الشركة الإسرائيلية بموجب القانون التأسيسي للصندوق الصادر عن الكنيست عام 1956. ويعمل رئيس الصندوق التأسيسي كعضو في اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية، في حين يترأس رئيس النداء الإسرائيلي الموحَّد اللجان التابعة لمجلس حكام (أمناء) الوكالة اليهودية. النداء الإسرائيلي الموحد United Israel Appeal (Keren Hayesod) منظمة صهيونية لجمع التبرعات، أسسها عام 1925 باسم «النداء الفلسطيني الموحَّد» جماعة من الصهاينة الذين انسحبوا من لجنة التوزيع المشتركة التي لم تكن تُرسل أية تبرعات إلى المستوطنين الصهاينة في فلسطين. وظلت المنظمة تقوم بجَمْع التبرعات حتى أواخر عام 1929 حينما قرَّرت الوكالة اليهودية أن يقوم الصندوق التأسيسي اليهودي بحملته الخاصة لجباية الأموال تحت اسم الحملة الفلسطينية الأمريكية. وفي عام 1930، انضم الصندوق التأسيسي إلى لجنة التوزيع المشتركة للقيام بحملة مشتركة باسم النداء اليهودي الموحَّد استمرت لمدة عام. ثم تكررت الحملة مرة أخرى عامي 1934 و1935، وبذلك تحوَّل النداء الفلسطيني (منذ عام 1935) إلى مجرد شبح ليس له وجود حقيقي. وفي عام 1935، تقرَّر بعث النداء الفلسطيني الموحَّد إلى الحياة مرة أخرى بعد أن توقَّف نشاط النداء اليهودي الموحَّد نتيجة قلة التبرعات التي كان يجمعها. وقد تكوَّن النداء الفلسطيني الموحَّد هذه المرة من الصندوق القومي اليهودي والصندوق التأسيسي اليهودي (وحدهما) على أن يقتسم الصندوقان حصيلة التبرعات. وبسبب الحاجة إلى مبالغ أكبر، انضم النداء الفلسطيني الموحَّد (عام 1939) ولجنة التوزيع المشتركة لتأسيس النداء اليهودي الموحَّد ليكون المنظمة الرئيسية لجباية الأموال لكل منهما. وعندئذ توقَّف النداء الفلسطيني تماماً عن جباية الأموال وأصبح المستفيد الأكبر من أموال النداء اليهودي الموحَّد. وفي عام 1950، غيَّر النداء الفلسطيني اسمه إلى النداء الإسرائيلي الموحَّد. أما في عام 1953، فقد استقل الصندوق القومي اليهودي عن النداء الإسرائيلي الموحَّد، وأصبح النداء الإسرائيلي الموحَّد هو الصندوق التأسيسي اليهودي. ويشكل النداء/ الصندوق، مع لجنة التوزيع المشتركة، منظمة النداء اليهودي الموحَّد حيث يحصل على 80% من الأموال التي يجمعها النداء اليهودي الموحَّد سنوياً. وبينما أصبح الصندوق التأسيسي اليهودي المنظمة الرئيسية لجباية الأموال بين الجماعات اليهودية في العالم، أصبح النداء اليهودي الموحَّد يتولى ذلك الدور في الولايات المتحدة. ويقوم النداء الإسرائيلي الموحَّد بتقديم مخصصاته من التبرعات (التي يتلقاها من النداء اليهودي الموحَّد) إلى الوكالة اليهودية التي تحوِّلها بدورها إلى إسرائيل بعد أن يحتفظ بنحو 4% للنفقات الإدارية. وقد تلقَّى النداء الإسرائيلي عام 1985 من النداء اليهودي الموحَّد 324 مليون دولار. وبالإضافة إلى ما يتلقاه النداء الإسرائيلي الموحَّد سنوياً من النداء اليهودي الموحَّد، يتلقَّى أيضاً دعماً من الحكومة الأمريكية منذ عام 1971 حيث تلقَّى منها في الفترة بين عامي 1972 و1976 ما يقرب من 121 مليون دولار من أجل إعادة استيطان اليهود السوفييت في إسرائيل. وقد بلغ إجمالي ما وصله من الحكومة الأمريكية حتى عام 1985 نحو 308 ملايين دولار. والنداء الإسرائيلي الموحَّد مُسجَّل في الولايات المتحدة كمنظمة معفاة من الضرائب. ومنذ إعادة تنظيم الوكالة اليهودية عام 1971، أصبح النداء الإسرائيلي ممثَّلاً في أجهزتها القيادية بنسبة 30% ويقوم بالمشاركة في وضع وتحليل ميزانية وبرامج الوكالة ومراقبة عملية إنفاق وتخصيص الموارد المالية. وحتى عام 1986، كانت البنية الأساسية للنداء الإسرائيلي الموحَّد تضع المنظمة تحت سيطرة المؤسسة الصهيونية الأمريكية. ولكن، مع تزايد الانتقادات الموجهة للوكالة اليهودية بشأن أدائها وكفاءتها، وكذلك الصعوبات المتزايدة في جباية الأموال نتيجة التحولات الديموجرافية في الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة وتزايد احتياجاتها المحلية، أصبحت هناك ضغوط لكي يكون لأعضاء الجماعة والاتحادات اليهودية (وهي أكبر مصدر للأموال للنداء اليهودي الموحَّد ومن ثم النداء الإسرائيلي) دور أكبر في الرقابة على الوكالة اليهودية. ومن ثم، تقرَّر عام 1986 توسيع مجلس مديري النداء الإسرائيلي الموحَّد وتخصيص المقاعد الإضافية لممثلي الاتحادات اليهودية ولقيادات الجماعة اليهودية غير الصهاينة بحيث أصبح لهم الأغلبية داخل المجلس. وسيزيد هذا بلا شك قبضة رقابة النداء الإسرائيلي على الوكالة اليهودية. ويجب التمييز بين النداء الإسرائيلي/كيرين هايسود (الصندوق التأسيسي) والنداء الإسرائيلي الموحَّد ش. م. وهو الاسم الجديد للوكالة اليهودية في إسرائيل. النداء اليهودي الموحد United Jewish Appeal (Keren Hayesod) ويُطلَق على هذه المنظمة أيضاً اسم «الجباية اليهودية الموحَّدة» . والنداء اليهودي الموحَّد منظمة يهودية أمريكية تأسست عام 1939 لتكون الأداة الرئيسية لجباية الأموال لكل من النداء الفلسطيني الموحَّد (الذي أصبح عام 1948 النداء الإسرائيلي الموحَّد) واللجنة اليهودية الأمريكية المشتركة للتوزيع، وذلك لصالح الكيان الصهيوني والنشاط الاستيطاني اليهودي، ولمساعدة الجماعات اليهودية في العالم ـ لكن جُل نشاطها ينصب على القسم الأول فحسب. وتعود بدايات هذه المنظمة إلى عام 1930، عندما قام كلٌّ من لجنة التوزيع المشتركة والصندوق التأسيسي اليهودي بتوحيد جهودهما لجباية الأموال والقيام بحملة موحَّدة تحت اسم النداء اليهودي المتحالف، ولم يستمر هذا الجهد المشترك سوى عام واحد بسبب قلة ما تم جمعه. وتكررت المحاولة عامي 1934 و1935 تحت اسم النداء اليهودي الموحَّد ولكنها توقفت أيضاً بسبب قلة التبرعات وفشل محاولة تجميع كل التنظيمات اليهودية في تنظيم واحد. وفي عام 1938، وصل عدد الهيئات اليهودية التي تجمع التبرعات في الولايات المتحدة 992 هيئة تعمل لحساب النداء الفلسطيني الموحَّد ولجنة التوزيع المشتركة إلى جانب 156 صندوق إنعاش يهودي تخصَّص مواردها لتنظيمات أخرى. وبحلول عام 1939، واستجابة لتصاعد الأزمة في أوربا، انضمت لجنة التوزيع المشتركة والنداء الفلسطيني الموحد وهيئة خدمة اللاجئين القوميين (التي كانت تُسمَّى آنذاك صندوق لجنة التنسيق القومية) لتأسيس النداء اليهودي الموحَّد. وهكذا تشكلت أكبر هيئة لجباية التبرعات في الولايات المتحدة. وفي عام 1948، جمع النداء اليهودي الموحَّد ما يقرب من 200 مليون دولار. وبعد تأسيس إسرائيل، أصبح النداء اليهودي الموحَّد يضم كلاًّ من النداء الإسرائيلي الموحَّد/الصندوق التأسيسي (الكيرين هايسود) ولجنة التوزيع المشتركة. ويتلقى النداء اليهودي الموحد ما بين 50% و60% من مجموع التبرعات المحصلة عبر الحملة المركزية الموحدة مع الاتحادات اليهودية وصناديق الإنعاش التي تُخصِّص النسبة المتبقية للاحتياجات والخدمات المحلية للجماعة اليهودية. وتُقسَّم حصيلة التبرعات على النحو التالي: يخصِّص النداء اليهودي 80% من حصيلة التبرعات للنداء الإسرائيلي الموحَّد/الصندوق التأسيسي، ويخصص من المبلغ المتبقي 10% أو 12% للجنة التوزيع المشتركة و3% لرابطة نيويورك للأمريكيين الجدد وخدمة هياس المتحدة. ويقوم النداء الإسرائيلي الموحَّد بتسليم حصته للوكالة اليهودية التي تخصِّصه لإسرائيل كما تنفق لجنة التوزيع المشتركة 32% من حصتها في إسرائيل والجزء الآخر يخصص للجماعات اليهودية في العالم. وقد تأسَّست عام 1967 جمعية تابعة باسم صندوق الطوارئ الإسرائيلي تذهب كل حصيلته إلى إسرائيل. وقد بلغ مجموع التبرعات التي جمعها النداء اليهودي الموحَّد حتى عام 1980 نحو 5.1 مليار دولار أرسل معظمها إلى إسرائيل إما مباشرة أو عن طريق غير مباشر. وتحصل الأحزاب على حصص بشرط ألا يكون لها جبايتها الخاصة. وقد بلغ نشاط النداء اليهودي ذروته في جباية المال في أعقاب حرب 1973 حيث تم جَمْع 660 مليون دولار. وبحلول عام 1979، انخفضت جبايات الحملة المركزية بمقدار 27%، وهي تبلغ الآن حوالي نصف مليار دولار سنوياً. فصغار المساهمين من الجماهير اليهودية لا يتبرعون للدولة الصهيونية تقريباً. وقد لوحظ أن كبار المتبرعين هم عدة أفراد تم استئناسهم واستيعابهم في المنظومة الصهيونية لأسباب غير عقائدية، فمعظم كبار المتبرعين من كبار السن أي أن خلفيتهم أوربية وعندهم حينئذ "البلد القديم" والهوية القديمة. كما أن كثيراً منهم يظن أن تبرعاته من قبيل الإحسان (الصدقة) . ولكن ما يهمنا هنا أن كون المتبرعين مسنين يعني أن رحيلهم سيؤدي إلى تسارع نضوب المصادر المالية الحالية. ويُلاحَظ أن من أهم مصادر التمويل في الوقت الحالي التركات التي يوصي بها كبار المتبرعين للمنظمة الصهيونية. ورغم أن هذه التركات تحل كثيراً من المشاكل إلا أنها في نهاية الأمر "تبرع أخير" لن تليه تبرعات أخرى. والنداء اليهودي الموحَّد هيئة خيرية معفاة من الضرائب وفقاً للقانون الأمريكي، وذلك رغم أنها تُعتبَر بالفعل ذراع الحكومة الإسرائيلية لجباية الأموال. وهذا دليل على العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، قاعدتها في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن أموال النداء تستخدم كأداة للضغط على إسرائيل إن أرادت أن تتخذ موقفاً مستقلاًّ عن الخط الإمبريالي. ويدير النداء اليهودي الموحَّد مجلس أمناء من 43 عضواً يختار أغلَبهم لجنةُ التوزيع المشتركة والنداء الإسرئيلي الموحَّد ومجلس الاتحادات اليهودية. ولتعزيز قدرته على جباية الأموال من قطاعات متخصِّصة من أعضاء الجماعة، أنشأ النداء اليهودي الموحَّد عدة عناصر تنظيمية أساسية هي قسم النساء الذي أُسِّس سنة 1946 (ويُقال إن 200 ألف امرأة تشارك في نشاطه لجباية التبرعات) ، ومجلس قيادة الشباب الذي أُسِّس عام 1977 ويعمل على تنمية الانتماء الديني الثقافي اليهودي لدى الشباب من خلال المؤتمرات والحوارات والبعثات إلى إسرائيل، ومجلس الحاخاميين الذي تأسس عام 1972 لتعزيز دعم القيادة الحاخامية لحملات النداء اليهودي (المحلية والقومية) الحاخامية من خلال التربية والالتزام الشخصي ولاستغلال الموارد الحاخامية لمصلحة النداء اليهودي وإسرائيل، ثم مجلس الهيئة التعليمية الذي أُسِّس عام 1975 ودائرة البرامج الجامعية التي أُسِّست سنة 1970 وكلاهما يهدف إلى بلورة التزام يهودي داخل الجامعة الأمريكية. الشركة الاقتصادية الإسرائيلية Israel Economic Corporation شركة أمريكية تأسَّست عام 1926 باسم الشركة الاقتصادية الفلسطينية على يد مجموعة من أثرياء اليهود الأمريكيين، على رأسهم لويس برانديز وهربرت ليمان ولويس مارشال وفليكس واربورج، بغرض تنمية البنية الاقتصادية للتجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين وتشجيع أثرياء اليهود الأمريكيين وغيرهم على استثمار أموالهم في مشاريع تجارية وصناعية وزراعية في فلسطين. وكان لويس برانديز قد انسحب من المنظمة الصهيونية الأمريكية عام 1921 احتجاجاً على فكرة تكوين الصندوق التأسيسي اليهودي لتمويل المشاريع الاقتصادية في فلسطين بدلاً من تشجيع الاستثمار الخاص بها (ولهذا، فقد كان برانديز من أوائل المؤيدين لتأسيس هذه الشركة التي تهدف إلى جني الأرباح) . وقد ضمت الشركة الأصول التي كانت مملوكة للشركة التعاونية الفلسطينية واللجنة اليهودية الأمريكية للتوزيع المشترك في فلسطين. وقد ساهمت الشركة في تأسيس أكثر من 90 مشروعاً في فلسطين، ثم في إسرائيل فيما بعد، من بينها صناعات الكيماويات والورق والبلاستيك ومنتجات الموالح. كذلك ساهمت الشركة في تمويل خط أنابيب إيلات ـ حيفا وتمويل عمليات التصدير والاستيراد. وقد وصل دَخْل هذه الشركة عام 1982 إلى 14.4 مليون دولار، وتشمل موجوداتها مشاريع مالية ومصرفية وصناعية وسياحية وتكنولوجية متقدمة، بالإضافة إلى مشاريع هندسية وإنمائية ومشاريع شحن وتسويق. منظمة سندات دولة إسرائيل State of Israel Bonds Organization منظمة يهودية تهدف إلى "توفير الأموال على نطاق واسع من أجل تنمية دولة إسرائيل اقتصادياً ببيع سندات دولة إسرائيل في الولايات المتحدة وكندا وأوربا الغربية وغيرها من دول العالم". وقد كان الغرض المباشر من تأسيسها عام 1951 تدبير الموارد المالية للحكومة الإسرائيلية لمواجهة تدفُّق مئات الآلاف من المهاجرين الجدد على الكيان الصهيوني. وقد عقد بن جوريون اجتماعاً عام 1950 مع تسعة وخمسين زعيماً يهودياً أمريكياً لبحث وضع إسرائيل الاقتصادي وضرورة إيجاد قناة أخرى للتمويل غير التبرعات "التي لم تَعُد كافية لمواجهة حاجات إسرائيل الاقتصادية بعيدة المدى". وقد تقرَّر أن تقوم إسرائيل بإطلاق حملة لقرض شعبي في الولايات المتحدة كوسيلة للحصول على المبالغ اللازمة. ولإنجاز ذلك، تم تأسيس الشركة المساهمة الأمريكية المالية والإنمائية لإسرائيل التي أصبحت تُعرَف باسم «منظمة سندات دولة إسرائيل» . ومن بين الشخصيات اليهودية الأمريكية التي كانت بمنزلة القوة المحركة وراء تأسيس هذه المنظمة، هنري مورجنتاو (الابن) وزير الخزانة الأمريكية الأسبق ورئيس النداء اليهودي الموحَّد آنذاك والذي نجح في الحصول على موافقة الحكومة الأمريكية على فكرة إنشاء المنظمة. ومنظمة سندات إسرائيل هي شركة استثمار تدار كمصلحة تجارية، ولذلك فهي غير معفاة من الضرائب. وهي تبيع سندات إسرائيل بفائدة تتراوح بين 4% و7% ويُستحق تسديدها خلال خمسة عشر عاماً. ويتم تحويل حصيلة بيع هذه السندات إلى وزارة المالية الإسرائيلية حيث تصبح جزءاً من ميزانية إسرائيل للتنمية. وتعمل المنظمة عن كثب مع الحكومة الإسرائيلية التي تقوم بإبلاغ المنظمة بحجم احتياجاتها، وخصوصاً في حالات الطوارئ، كما تتعهد المنظمة بجباية المبلغ. وقد تم حتى الآن بيع سندات بما قيمته ستة بلايين دولار وتسديد ما قيمته ثلاثة بلايين دولار. وقد ذهبت هذه المبالغ نحو تنمية القطاعين الزراعي والصناعي في إسرائيل واستغلال الموارد الطبيعية وتطوير ميناءي إيلات وحيفا وبناء ميناء أشدود وخط أنابيب البترول وإقامة محطات الكهرباء والمرافق السياحية ومجمع للبترو كيماويات وغير ذلك من المشاريع الإنمائية. وقد بيعت سندات إسرائيل في أكثر من 35 دولة، ولكن 85% منها (منذ تأسيس المنظمة) بيعت في الولايات المتحدة وحدها. والمنظمة تستهدف السوق الأمريكية كلها ولا تقتصر فقط على أعضاء الجماعة اليهودية، وهي تعرض السندات على المستثمرين اليهود بوصفها أقوى وأقصر وسيلة للارتباط بإسرائيل وسكانها ومستقبلها. أما لغير اليهود، فهي تؤكد أنها "توسِّع مشتريات إسرائيل من المنتجات الأمريكية"، وبالتالي فإنها تؤمِّن الأعمال وفرص المبادلة التجارية للأمريكيين، وذلك بالإضافة إلى أنها تدعم اقتصاد إسرائيل. وتعتمد المنظمة في بيع سنداتها على نفس أساليب منظمات جباية الأموال، أي الحفلات الاجتماعية والبعثات إلى إسرائيل والاجتماعات والندوات. كما أنشأت المنظمة نادي رئيس الوزراء الذي يضم كبار مشتري السندات حيث يتم تكريمهم بتقليدهم الأوسمة. كذلك حرصت المنظمة على التوجه إلى عالم الشركات، فأنشأت في أوائل السبعينيات برنامج سندات إسرائيل للشركات واشترت عدة شركات أمريكية عام 1982 بما قيمته 160 مليون دولار من سندات المنظمة. والمقر الرئيسي للمنظمة في مدينة نيويورك، ولها مكاتب في مدن أخرى. الصندوق الإسرائيلي الجديد New Israel Fund تم تأسيس هذا الصندوق عام 1979. وهو معفي من الضرائب. ويُشكِّل هذا الصندوق محاولة من جانب العناصر الساخطة والمعتدلة داخل الحركة الصهيونية لإنشاء شبكة تبرعات خاصة بها تقوم بتمويل الجماعات ذات الاتجاهات السياسية المماثلة داخل إسرائيل، ولا يموِّل الصندوق أية نشاطات صهيونية خارج الخط الأخضر، ويرسل اعتمادات إلى منظمات مثل هيئة الحقوق المدنية في إسرائيل. ويؤيد الصندوق جماعة السلام الآن. ويمكن النظر إليه على أنه الجباية اليهودية الموحَّدة الخاصة بالجمعيات التي تحاول التملص من الصهيونية مثل الأجندة اليهودية الجديدة. يهودية دفتر الشيكات Checkbook Judaism «يهودية دفتر الشيكات» مصطلح شائع في الأوساط اليهودية الدينية وغير الدينية في الولايات المتحدة، وهو يشير إلى أن كثيراً من يهود الولايات المتحدة قد فَقَدوا انتماءهم الديني الحق، ولم يعودوا يؤمنون بالعقيدة الدينية وإنما يتمسكون ببعض الرموز الإثنية تعبيراً عن هويتهم الدينية، ويتصورون أن إسرائيل هي كنيسهم وأن رئيس وزرائها هو حاخامهم الأكبر. وبالتالي، يأخذ الإيمان بالنسبة لهم شكل الانتماء إلى المنظمات الصهيونية، ويصبح الطقس الأكبر في هذه العبادة هو دفع المعونات والتبرعات للدولة الصهيونية، أي أن هذا النوع من الانتماء اليهودي يعبِّر عن نفسه من خلال دفتر الشيكات، وهو أمر لا يختلف كثيراً عن التحول عن عبادة الإله الواحد إلى عبادة العجل الذهبي (وهذا هو رأي كثير من الحاخامات الذين يرفضون هذا الاتجاه) . يهود النفقة Alimony Jews «يهود النفقة» مصطلح وضعه أحد الحاخامات ليصف به يهود الولايات المتحدة الذين ابتعدوا عن يهوديتهم تماماً واندمجوا في مجتمعهم، ولكنهم مع هذا يحاولون الإصرار على هويتهم اليهودية، أو على بقايا منها، ويخافون أن يُشهَّر بهم أو أن يُشار إليهم على أنهم مندمجون منعدمو الهوية، كما يرون أن الطريقة المُثلى العملية لتحقيق هذه الأهداف هي دَفْع تبرعات للدولة الصهيونية التي تطاردهم للحصول على أموالهم. ولكنهم، في واقع الأمر، مضطرون إلى دفع التبرعات حتى لا يُشهَّر بهم، فالدافع إلى الدفع ليس الحب وإنما خشية الفضيحة. وبالتالي، فإن يهود الولايات المتحدة مثلهم مثل من طلَّق زوجته (أي يهوديته) ويود أن يكسب سكوتها بدفع النفقة المفروضة عليه حتى يمكنه أن يستمر في حياته الجديدة. وقد استخدم آرثر هرتزبرج صورة عكسية تماماً، إذ قارن علاقة يهود الولايات المتحدة بإسرائيل بعلاقة الرجل بعشيقته، يغدق عليها الأموال ويشتري لها أحلى الثياب ويضاجعها، ولكنه لا يسكن معها ويعود إلى زوجته أم أولاده، أي الولايات المتحدة. وسواء أكان ما يدفعه اليهودي هو النفقة للزوجة المطلقة أو النقود للعشيقة، فإن العلاقة ليست كاملة بأية حال ويدخل فيها عنصر نفعي، الأمر الذي يستبعد الولاء الكلي. وقد لاحَظ بن جوريون نفسه أن صهيونية يهود الولايات المتحدة ليست إلا غطاء لمعدلات الاندماج المرتفعة بينهم. |
|
في الفرنسية/ Mouvement
في الانكليزية/ movement, motion, Move في اللاتينية/ Motio, Motus آ- الحركة ضد السكون ولها عند القدماء عدة تعريفات، وهي: 1 - الحركة هي الخروج من القوة إلى الفعل على سبيل التدريج، ومعنى التدريج هو وقوع الشيء في زمان بعد زمان. 2 - الحركة هي شغل الشيء حيّزا بعد أن كان في حيز آخر، أو هي كونان في آنين ومكانين، بخلاف السكون الذي هو كونان في آنين ومكان واحد. 3 - الحركة كمال أول لما بالقوة من جهة ما هو بالقوة (ابن سينا، رسالة الحدود). 4 - وتقال الحركة على تبدل حالة قارة في الجسم يسيرا يسيرا على سبيل اتجاه نحو شيء، والوصول بها اليه هو بالقوة، لا بالفعل (ابن سينا، النجاة، ص: 169). وللحركة عند القدماء ايضا أقسام مختلفة، وهي: 1 - الحركة في الكم، وهي انتقال الجسم من كمية إلى أخرى، كالنمو، والذبول. 2 - الحركة في الكيف، وهي انتقال الجسم من كيفية إلى أخرى كتسخن الماء، وتبرده، وتسمّى استحالة. والحركة الكيفية النفسانية هي حركة النفس في المعقولات، وتسمّى فكرا، أو حركتها في المحسوسات، وتسمّى تخيلا. 3 - الحركة في الاين، وهي حركة الجسم من مكان إلى آخر، وتسمّى نقلة، والمتكلمون، إذا أطلقوا الحركة، أرادوا بها الحركة الأينية فقط. 4 - الحركة في الوضع، وهي الحركة المستديرة التي ينتقل بها الجسم من وضع إلى آخر، كما في حركة حجر الرحا، أو حركة الكرة في مكانها. 5 - الحركة العرضية، وهي التي يكون عروضها للجسم بواسطة عروضها لشيء آخر بالحقيقة، كالجالس في السفينة، فإنه لا يوصف بالحركة إلا تبعا لحركة شيء آخر. 6 - الحركة الذاتية، وهي التي يكون عروضها لذات الجسم نفسه، ولها ثلاثة أنواع: (الأول) هو الحركة القسرية، وهي التي يكون مبدؤها مستفادا من غيرها، كالحجر المرمي إلى فوق. (و الثاني) هو الحركة الارادية، وهي التي يكون مبدؤها في الشيء المتحرك نفسه، مع شعوره بأنه مبدأ تلك الحركة، كحركة الحي بارادته. قال ابن سينا: أما الحركة الارادية فان عللها أمور ارادية، وارادة ثابتة واحدة (النجاة، ص: 393). (و الثالث) هو الحركة الطبيعية، وهي التي لا تكون بسبب أمر خارج، ولا تكون مع شعور وارادة، كحركة الحجر إلى أسفل. قال ابن سينا: الحركة الطبيعية، هي إلى حالة ملائمة عن حالة غير ملائمة (النجاة، ص: 293). والحركة في اصطلاح الصوفية هي السلوك في سبيل اللّه تعالى. (تنبيه) الحركة عند القدماء أعم من النقلة، لوجود الحركة دون النقلة فيمن يدور في مكانه، والنقلة أعم من المشي، لتحققها دونه فيمن يزحف، ويدبّ، وإذا سمي الزحف مشيا كما في قوله تعالى: فمنهم من يمشي على بطنه، فمرد ذلك إلى الاستعارة والمشاكلة. ب- وتطلق الحركة في الفلسفة الحديثة على المعاني الآتية: 1 - الحركة هي التغير المتصل الذي يطرأ على وضع الجسم في المكان من جهة ما هو تابع للزمان، فلكل حركة اذن زمان، لأنّ الجسم المتحرك لا يشغل مكانين في زمان واحد. ولها سرعة، لأن السرعة هي النسبة بين المسافة التي يقطعها المتحرك والزمان اللازم لقطعها، ومبدأ كمية الحركة هو جداء الكتلة (ك) في السرعة (س). وقد زعم (ديكارت) ان هذه الكمية ثابتة لا تزيد ولا تنقص، إلا ان (ليبنيز) صحح ذلك، فقال: الثابت الذي لا يزيد ولا ينقص في الكون هو كمية الطاقة (ك س 2) لا كمية الحركة (ك س 1، والأفضل أن يرمز في الحساب إلى مبدأ كمية الطاقة بالتعبير الجبري (2/ 1 ك س 2)، ويسمى ذلك بالقوة الحية أو الطاقة الحركية ( Energie cinetique). 2 - والفلاسفة المحدثون يفرقون بين الحركة الاضافية أو النسبية والحركة المطلقة. فالحركة الاضافية هي التي يتغير معها بعد المتحرك عن جملة قد تكون هي نفسها متحركة أيضا كحركة الماشي على ظهر السفينة. والحركة المطلقة، هي تغير بعد المتحرك عن نقطة أو عن عدة نقاط ثابتة، كحركة الجسم في الأثير. 3 - وتطلق الحركة مجازا على حركة النفس فى الانفعالات والميول. قال (بوسويه): تسمّى هذه الشهوات، أو هذا الكره والنفور، حركة للنفس، لا من جهة تأثيرها في انتقال النفس من مكان إلى آخر كما ينتقل الجسم، بل من جهة تأثيرها في اتحاد النفس بالأشياء، أو انفصالها عنها. 4 - وقد أطلق (اوغوست كونت) لفظ الحركة على التغير الجمعي في الأفكار، والآراء، والنزعات، وعلى تغير التنظيم الاجتماعي. مثال ذلك بحثه في قوانين الحراك أو التحريك الاجتماعي ( sociale Dynamique). 5 - ويطلق لفظ الحركة أيضا على حركة النفس في التصورات. من قبيل ذلك الحركة الجدلية ( dialectique Mouvement)، وهي انتقال الذهن من تصور إلى آخر بحسب المشاركة، أو التضمن، أو التقابل. ج- والحركي (أو الحراكي) ( Dynamique) هو المنسوب إلى الحركة، وهو ضد السكوني ( Statique)، وضد الميكانيكي أو الآلي ( Mecanique). د- والحراكي ايضا ( La dynamique) باب من علم الميكانيكا يبحث في الحركات المادية وخصائصها (و لا سيما في القوة الحيّة vive Force)، وفي علاقة القوى المحركة بالأجسام المتحركة. ويقسم علم الميكانيكا أو علم الحيل ثلاثة أقسام: السكوني ( statique La)، وهو علم توازن الأجسام الساكنة. والحركي ( Cinematique) وهو علم الحركات المجردة عن أسباب حدوثها. والحراكي أو التحريكي (الديناميكا) وقد أطلق (هربارت) لفظ السكوني على علاقة الحالات الشعورية بعضها ببعض في حال سكونها، والتحريكي على علاقتها بعضها ببعض في حال تبدلها وتغيرها .. وعلم الاجتماع السكوني عند (اوغوست كونت) و (سبنسر) يبحث في توازن الجماعات. أما علم الاجتماع الحركي فيبحث في تطور الجماعات وتقدمها. ه- الحركية ( Dynamisme) ضدّ الآليّة، وهي مذهب من يرى أن مبادئ الأشياء قوى لا تنحل إلى كتلها، من هذا القبيل حركية (ليبنيز) المقابلة لآلية (ديكارت). والحركية ايضا مذهب من يرى ان الحركة أولية، كمذهب اللورد كلفن ( Kelvin) الذي يعرف المادة ببعض خصائصها الحركية. والحركية ( Mobilisme) مذهب من يقول ان اساس الأشياء هو الحركة والتغير، لا السكون والثبوت. وإذا كان كل شيء يتغير باستمرار دون أساس ثابت، لم يكن هنالك حاجة لمعنى القانون ولا لمعنى الجوهر. و- الاحساس الحركي ( Kinesthesique). الاحساس الحركي هو الاحساس بحركات الاعضاء وتغيراتها الداخلية. (راجع: الاحساس). ز- مولد الحركة ( Dynamogene) يطلق اصطلاح مولد الحركة على الاحساسات، أو العواطف، أو الأفكار، التي تزيد في القوة الحية، أو في قوة التحريك. ح- الحركة المادية السابقة ( physiquc Premothion). القول بسبق الحركات المادية نظرية فلسفية ولاهوتية متوسطة بين القول بالجبر، والقول بحرية الاختيار (ابن رشد، القديس توما الاكويني، بوسويه) وهي تقرر ان اللّه الذي خلق الاسباب والحركات المادية منذ القدم، خلق في نفوسنا قوى نقدر بها على تحديد أفعالنا بحسب هذه الاسباب والحركات، ومعنى ذلك ان الافعال المنسوبة الينا لا تتم الا بمواتاة الاسباب والحركات القديمة التي من خرج، وهي المعبر عنها بقدر اللّه. ط- والمحرك ( Motcur) ما يسبب الحركة، والمحرك الأول ( moteur premier Le) عند أرسطو هو اللّه، وهو فعل محض يحرك العالم، ولا يتحرك معه. |
|
في الفرنسية/ Automate
في الانكليزية/ Automaton في اليونانية/ Automatos الذاتي الحركة هو الذي يتحرك من تلقاء نفسه، ويطلق على كل جهاز يحاكي بحركة آلية داخلية حركات الكائن الحي، أو على الكائن الحي نفسه من جهة ما هو مشتمل في ذاته على جميع الأسباب التي تحركه. وفي كلام (ديكارت) على حركات الأعضاء التي لا تقودها الارادة إشارة إلىهذا المعنى. قال: ان صناعة الإنسان استطاعت ان تنشىء كثيرا من الآلات الذاتية الحركة (مقالة الطريقة ص 182 من طبعتنا)، وقال ايضا: إذا كان هناك آلات ميكانيكية لها أعضاء القرد وصورته، أو صورة أي حيوان آخر غير ناطق، فانه لن يكون لدينا أي وسيلة للتمييز بينها وبين طبيعة هذه الحيوانات (م. ن). ولذلك قال (ليبنيز): ان جسم الكائن الحي آلة إلهية، أو آلة ذاتية الحركة، تفوق إلىحد لا نهاية له جميع الآلات الاصطناعية (المونادولوجيا فقرة 64). (راجع: الآلية). |
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
|
22 - الحركة
اصطلاحا: عرّفها أرسطو بأنها فعل ما هو بالقوة بما هو بالقوة على سبيل التدريج. وقيل: هى كمال بالفعل لما هو بالقوة من جهة ما هو بالقوة، لا من كل وجه. كالانتقال من مكان إلى مكان، فيشغل حيزا بعد أن كان فى حيز آخر، فهى تغير متصل للوضع فى المكان، وقد يكون التغير بالحركة عن طريق الاستحالة من كيفية إلى كيفية كحركة الماء من الكثافة إلى اللطافة بالحرارة. وأنواع الحركة ستة: التكون، والفساد، والنمو، والنقصان، والاستحالة، والتغير بالوضع. والحركة يقتضيها السكون ولا يقال ضدها. وعرّفها آخرون بأنها تبدل حالة الذات، إما فى الوضع وإما فى الكيف، وقيل: هى كونان فى آنين فى مكانين ونقيضها السكون، وهو كونان فى آنين فى مكان واحد. والحركة يصدق عليها من المقولات العشر: مقولات الكم، والكيف، والوضع. فالحركة الكمية: انتقال الجسم من كمية إلى كمية بالزيادة والنقصان، كالأجسام التى يطرأ عليها تغير كمى بالزيادة بالنمو أو النقصان بالذبول والنحافة. والحركة الكيفية: تغير يطرأ على الجسم فينقله من حال إلى حال، أو من كيفية إلى كيفية، كتغير حال الجسم من الحرارة إلى البرودة. والحركة فى الأين وهى النقلة بمعنى انتقال الجسم من مكان إلى مكان أو من أين إلى أين. والحركة فى الوضع: هى الكيفية التى يتم بها انتقال الجسم من وضع إلى وضع آخر مخالف للوضع الأول، كحركة الجسم حركة مستديرة، فإن الحركة المستديرة للجسم تتبدل فيها نسبة أجزاء الجسم إلى المكان الملازم له، كما فى حركة الرحى حول قطبها، وحركة الفرجار حول مركز الدائرة. وقيل: الحركة فى الوضع هى التى لها هوية اتصالية على الزمان، ولا يتصور حصولها إلا فى الزمان. والحركة، إما ذاتية، وإما عرضية. فالحركة الذاتية: ما يكون حدوثها للجسم من ذات الجسم المتحرك، لا من خارجه، كحركة النفس، فإنها ذاتية فيها ولها. أما الحركة العرضية: هى ما كان حدوثها للجسم المتحرك من خارجه لا من ذاته، كحركة الجسم تبعا لحركة السيارة، وحركة راكب السفينة تبعا لحركة السفينة. وقد تكون الحركة إرادية اختيارية، وهى ما كان مبدؤها من ذات الجسم المتحرك لا من خارجه، كحركة الحيوان بإرادته. أما الحركة القسرية: ما كان مبدؤها بسبب من خارج ذات المتحرك، كحركة الحجر إلى أعلا، فإن ذلك خارج عن طبيعة الحجر فى السقوط إلى جهة أسفل. والحركة قد تكون طبيعية وهى ما تحدث لا بسبب خارج عن الجسم المتحرك، لكنها تقع بلا شعور، ولا إرادة منه، كسقوط الحجر إلى جهة أسفل. وقد تكون الحركة بمعنى التوسط؛ بأن يكون الجسم. واصلا إلى حد من حدود المسافة فى كل آن لا يكون الجسم واصلا إلى ذلك الحد قبل ذلك الآن وبعده. وقد تكون الحركة بمعنى القطع، وهى تحصل عند وجود الجسم المتحرك إلى المنتهى. ويكون معناها: الأمر الممتد من أول المسافة إلى آخرها. وتطلق الحركة على العملية الذهنية التى ينتقل فيها الذهن من حال إلى حال ومن فكرة إلى فكرة، إما عن طريق التشكيك، أو التعارض، أو التداخل، ومنه جاء قولهم " الحراك " بمعنى قابلية المجتمع للحركة والتغير والتطور، والحركية" بمعنى عدم الثبات واستمرارية التغير والتطور. أ. د/ محمد السيد الجليند __________ المراجع 1 - لسان العرب لابن منظور. ط بيروت، دار صادر 2 - الكشاف للزمخشرى. دار الريان للتراث القاهرة / دار الكتاب العربى بيروت ط3 1987 م 3 - التعريفات للجرجانى. تحقيق د. عبد المنعم الحفنى، دار الرشاد، القاهرة 1991 م 4 - رسالة الحدود لابن سينا. 5 - رسالة الحدود للكندى. 6 - المعجم الفلسفى- مجمع اللغة العربية 7 - المعجم الفلسفى- مراد وهبة وآخرون- ط دار الثقافة |