سير أعلام النبلاء
|
1610- المعتصم 1:
الخليفة أبو إسحاق محمد بن الرَّشِيْدِ هَارُوْنَ بنِ مُحَمَّدٍ المَهْدِيِّ بنِ المَنْصُوْرِ العَبَّاسِيُّ. وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِيْنَ وَمائَةٍ وَأُمُّهُ: مَارِدَةُ أُمُّ وَلَدٍ. رَوَى عَنْ: أَبِيْهِ وَأَخِيْهِ المَأْمُوْنِ يَسِيْراً. رَوَى عَنْهُ: إِسْحَاقُ المَوْصِلِيُّ وَحَمْدُوْنُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ. بُوْيِعَ بِعَهدٍ مِنَ المَأْمُوْنِ فِي رَابِعَ عشر رجب سنة ثمان عشرة. وكان أبيص أَصهَبَ اللِّحْيَةِ طَوِيْلَهَا رَبْعَ القَامَةِ مُشْرَبَ اللَّوْنِ ذَا قُوَّةٍ وَبَطْشٍ، وَشَجَاعَةٍ وَهَيْبَةٍ لَكِنَّهُ نَزْرُ العِلْمِ. قِيْلَ: كَانَ مَعَهُ غُلاَمٌ فِي المَكْتَبِ فَمَاتَ الغُلاَمُ فَقَالَ لَهُ أَبُوْهُ: يَا مُحَمَّدُ! مَاتَ غُلاَمُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا سَيِّدِي وَاسْتَرَاحَ مِنَ الكُتَّابِ. فَقَالَ: أَوَ إِنَّ الكُتَّابَ لَيَبْلُغُ منك هذا؟ دعوه. فكانت قراءته صعيفة. قَالَ خَلِيْفَةُ: حَجَّ بِالنَّاسِ سَنَةَ مائَتَيْنِ. قَالَ الرِّيَاشِيُّ: كَتَبَ طَاغِيَةُ الرُّوْمِ إِلَى المُعْتَصِمِ يَتَهَدَّدُهُ، فَأَمَرَ بِجَوَابِهِ فَلَمَّا عُرِضَ عَلَيْهِ رَمَاهُ، وَقَالَ لِلْكَاتِبِ: اكْتُبْ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، وَسَمِعْتُ خِطَابَكَ وَالجَوَابُ مَا تَرَى لاَ مَا تسمع: {{وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ}} [الرعد: 42] . قُلْتُ: وَامْتَحَنَ النَّاسَ بِخَلْقِ القُرْآنِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الأَمْصَارِ، وَأَخَذَ بِذَلِكَ المُؤَذِّنِيْنَ، وَفُقَهَاءَ المَكَاتِبِ وَدَامَ ذَلِكَ حَتَّى أَزَالَهُ المُتَوَكِّلُ بَعْدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ عَاماً. وَكَانَ فِي سَنَةِ 218: الوَبَاءُ المُفْرِطُ وَالقَحْطُ بِمِصْرَ، وَمَاتَ أَكْثَرُهُم وَأَمَرَ المُعْتَصِمُ بِهَدِّ طُوَانَةَ الَّتِي بَذَّرَ المَأْمُوْنُ فِي بِنَائِهَا مِنْ عامين بيوت الأَمْوَالِ، وَاشتَدَّ البَلاَءُ بِبَابَكَ وَهَزَمَ الجُيُوشَ، وَدَخَلَ فِي دِيْنِهِ خَلاَئِقُ مِنَ العَجَمِ، وَعَسْكَرَ بِهَمَذَانَ فَبَرَزَ لِقِتَالِهِ إِسْحَاقُ المُصْعَبِيُّ، فَكَانَتْ مَلْحَمَةً عُظْمَى فَيُقَالُ: قُتِلَ مِنْهُم سِتُّوْنَ أَلْفاً وَهَرَبَ بَاقِيْهِم إِلَى الرُّوْمِ. وَظَهَرَ سَنَةَ 219: مُحَمَّدُ بنُ القَاسِمِ العلوي يدعو إلى الرضا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ وَتَمَّتْ لَهُ حُرُوبٌ إِلَى أَنْ قَيَّدَهُ ابْنُ طَاهِرٍ ثُمَّ هَرَبَ مِنَ السِّجْنِ وَأَضمَرَتْهُ البِلاَدُ. وَفِي سَنَةِ عِشْرِيْنَ: عَقَدَ المُعْتَصِمُ لِلأَفْشِيْنِ فِي جَيْشٍ لَجِبٍ لِقِتَالِ بَابَكَ فَتَمَّتْ مَلْحَمَةٌ انْهَزَمَ فِيْهَا بَابَكُ إِلَى مُوَغَانَ، وَمِنْهَا إِلَى مَدِيْنَةٍ تُسَمَّى البَذُّ. وَفِي رَمَضَانَ: كَانَتْ مِحْنَةُ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي القُرْآنِ وضُرِبَ بِالسِّيَاطِ حَتَّى زَالَ عَقْلُهُ، وَلَمْ يُجِبْ فَأَطْلَقُوهُ، وأمر المعتصم بإنشاء مدينة سَامَرَّا اشتَرَى أَرْضَهَا مِنْ رُهبَانَ بِالقَاطُوْلِ، وَغَضِبَ عَلَى وَزِيرِهِ الفَضْلِ بنِ مَرْوَانَ، وَأَخَذَ مِنْهُ نَحْواً مِنْ عَشْرَةِ آلاَفِ أَلفِ دِيْنَارٍ، وَنَفَاهُ، __________ 1 ترجمته في مروج الذهب للمسعودي "7/ 102". وتاريخ بغداد "3/ 342"، والعبر "1/ 400" وفوات الوفيات لمحمد بن شاكر الكتبي، والوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "2/ 250"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "2/ 63". |
سير أعلام النبلاء
|
4409- المعتصم ابن صُمَادِح 1:
السُّلْطَان، أَبُو يَحْيَى التُّجيبي الأَنْدَلُسِيُّ، مُحَمَّدُ بنُ معن، وقيل: مَعْنُ بنُ مُحَمَّدِ- بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ صُمَادِح2. كَانَ جَدُّهُ مُحَمَّد صَاحِبَ مدينَة وَشْقَة، فَحَارَبَهُ ابْنُ عَمِّهِ الأَمِيْرُ منذرُ بنُ يَحْيَى التُّجِيْبِيّ، فَعَجِزَ عَنْهُ، وَترك لَهُ وَشْقَة، وَهَرَبَ، وَكَانَ مِنْ دُهَاة الرِّجَال، وَكَانَ ابْنُهُ مَعْنٌ مُصَاهراً لصَاحِب بَلَنْسِيَة عَبْدِ العَزِيْزِ بن عَامِرٍ، وَكَانَتِ المَرِيَّةُ قَدْ صَارَت لَهُ، فَاسْتنَاب عَلَيْهَا مَعْناً هَذَا، فَخَافه وَتَملَّكهَا، وَتَمَّ لَهُ ذَلِكَ، وتَمَلَّكها مِنْ بَعْدَهُ وَلدُهُ المُعْتَصِم مُحَمَّدٌ، فَكَانَ حَلِيماً، جَوَاداً، مُمَدَّحاً، وَقَدْ دَاخِلَ ابْنَ تَاشفِيْن، وَنصره، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ تَاشفِيْن عزم عَلَى أَخَذَ البِلاَدِ مِنِ ابْنِ صُمَادِح وَكَانَ يَملك المَرِيَّة وَبَجَّانَة وَالصُّمَادِحِيَّة فَأَظهر العصيَانَ لابْنِ تَاشفِيْن، وَكَانَ فِيْهِ خَيْرٌ وَدينٌ وَعَدْل وَتوَاضعٌ وَعَقل تَامّ. رَوَى عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ جدّه كِتَابهُ "المُخْتَصَر فِي غَرِيْب القُرْآن". رَوَى عَنْهُ: إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَسْوَد الغَسَّانِيّ. نَازلته عَسَاكِرُ ابْن تَاشفِيْن مُدَّة، فَتمرَّض، فَسَمِعَ مرَّةً هيعَةً، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إلَّا الله، نُغِّص عَلَيْنَا كُلُّ شيء حتى الموت. قالت جاريته: فَدمعت عينَاي، فَقَالَ بِصَوْت ضَعِيْف: تَرَفَّقْ بِدَمْعِكَ لاَ تُفْنِهِ ... فَبَيْنَ يَدَيْكَ بكاءٌ طَوِيْلُ فَمَاتَ فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. وَمِنْ وُزرَائِهِ أَبُو بَكْرٍ بنُ الحَدَّاد الأَدِيْب. وَقَدِ امْتَدَحه جَمَاعَةٌ مِنْ فحُوْل الشُّعَرَاء. __________ 1 ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان "5/ ترجمة 687"، والوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي "5/ 45"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "3/ 372". 2 الصُمَادِح: هو الصلب الشديد. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*المعتصم بالله هو «محمد بن هارون الرشيد»، وُلد فى (شعبان سنة 180هـ= أكتوبر سنة 796م)، وأمه جارية تركية اسمها «مارده»، وقد تولى الخلافة عقب وفاة أخيه «المأمون».
اختلفت الأوضاع السياسية فى عهد «المعتصم» عنها فى عهد من سبقه، بسبب ظهور عوامل جديدة على مسرح الأحداث، كان فى مقدمتها ظهور العنصر التركى قوة مؤثرة فى حركة الأحداث؛ فتمتع الأتراك بصفات عسكرية كالشدة والقوة والتحمل جعل «المعتصم» يستكثر منهم، يضاف إلى ذلك أن أمه تركية. إلا أن كثرة الأتراك سببت أضرارًا كبيرة لسكان «بغداد»، مما دفع «المعتصم» إلى البحث عن مكان جديد يكون عاصمة له فوقع الاختيار على المكان الذى بنيت عليه مدينة «سُرّ من رأى» (سامراء حاليا) التى بُدء البناء فيها سنة (221هـ= 836م)، ويتميز موقعها بميزات سياسية واقتصادية وعسكرية، فمن الناحية السياسية فإنها فى موقع متوسط يسهل الاتصال بأنحاء الدولة، ومن الناحية الاقتصادية فإن موقعها يسهل عمليات التبادل التجارى بين النواحى الشمالية والجنوبية، وعسكريا فإن إحاطة المياه بها يجعلها فى مأمن من أى عدوان خارجى. ومن الأعمال العظيمة التى تنسب إلى «المعتصم بالله» نجاحه فى القضاء على ثورة «بابك الخرمى»، فحينما تولى أمر البلاد جهز جيشًا بقيادة «الأفشين» وزوَّده بكل أدوات القتال وبالمال اللازم؛ حيث دارت عدة معارك، انتهت بالقبض على «بابك الخرمى» وإعدامه. تُوفى «المعتصم بالله» فى شهر (ربيع الأول سنة 227هـ= ديسمبر سنة 841م)، وقد أطلق عليه بعض المؤرخين «المُثَمن»، لأن خلافته دامت ثمانى سنين وثمانية أشهر ويومين، ومولده فى الشهر الثامن من العام الهجرى، ومات عن ثمانية بنين وثمانى بنات. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*جعفر بن المعتصم بالله هو جعفر بن المعتصم بالله، تولى الخلافة فى ذى الحجة سنة (232هـ= 847م)، وكان عهده بداية حقبة الضعف والتدهور، وتفكك بنيان الخلافة العباسية.
ورغم أن «المتوكل»: كان قوى الشخصية، وافر الهيبة فإنه لم يستطع أن يضع حدا لاستفحال النفوذ التركى فى عهده، الذى كان له دور فى توليته الخلافة بعد أن كادت البيعة تتم لمحمد بن الواثق، وكان غلامًا. وقد نجح «المتوكل» فى البداية فى التخلص من أخطر العناصر التركية فى عهده، وهو «إيتاخ» الذى استفحل خطره حتى إنه همَّ يومًا بقتل الخليفة «المتوكل» حين تبسَّط معه فى المزاح، لكن الخليفة نجح فى التخلص منه سنة (235هـ= 849م)، كما عزم على التخلص من قادة الأتراك ووجوههم، مثل «وصيف» و «بُغا»، إلا أنهم استغلوا ما بينه وبين ابنه وولى عهده «محمد المنتصر» من خلاف وجفوة ودبروا مؤامرة انتهت بقتل «المتوكل» ووزيره «الفتح بن خاقان» فى الخامس من شوال سنة (247هـ= 861م)، وبايعوا ابنه «المنتصر» خليفة. وقد استطاع «المتوكل» فى عهده أن يظفر بمكانة عظيمة فى قلوب جماهير المسلمين، حين منع النقاش فى القضايا الجدلية التى آثارها المعتزلة، مثل قضية خلق القرآن، كما رد للإمام «أحمد بن حنبل» اعتباره وجعله من المقربين إليه، بعد أن اضطُهد فى عهد «المأمون» و «المعتصم» و «الواثق»؛ لعدم إقراره القول بخلق القرآن، كما أمر «المتوكل» الفقهاء والمحدِّثين أن يجلسوا للناس ويحدثوهم بالأحاديث التى فيها رد على المعتزلة فأثنى الناس عليه، حتى قالوا: الخلفاء ثلاثة: «أبو بكر الصديق» قاتل أهل الردة حتى استجابوا له، و «عمر بن عبدالعزيز» رد مظالم «بنى أمية»، و «المتوكل» محا البدع وأظهر السنة. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*أحمد بن المتوكل بن المعتصم هو «المعتمد على الله» أحمد بن المتوكل، تولى الخلافة بعد خلع «المهتدى» سنة (256هـ= 870م)، وقد أتاحت الظروف التى تولى فيها «المعتمد» مقاليد الحكم ظهور ما عُرف باسم «صحوة الخلافة» فى «العصر العباسى الثانى».
فقد تصاعد النزاع الداخلى بين القادة الأتراك، وساءت معاملتهم لجنودهم، كما ازدادت شكوى الجمهور من مضايقاتهم، مما أدى إلى ظهور اتجاه قوى داخل الجيش بحتمية جعل القيادة العسكرية العليا فى يد أحد أمراء البيت العباسى؛ يقوم الخليفة باختياره، ويدين له الجميع بالطاعة، وقد اختار «المعتمد» أخاه «الموفق» قائدًا للجيش، فكانت «صحوة الخلافة»؛ حيث استردت قوتها وهيبتها واستطاع «الموفق» بحكمته وحزمه وصلابة إرادته أن يكبح جماح الأتراك، وأن يعيد تنظيم الجيش، ويقر الأمن والنظام. ورغم أن «المعتمد بالله» كان الخليفة الرسمى فإن أخاه «الموفق» كان صاحب السلطة الفعلية، فكان له الأمر والنهى، وقيادة الجيش ومحاربة الأعداء، ومرابطة الثغور، وتعيين الوزراء والأمراء، وكان قضاء «الموفق» على «ثورة الزنج» سنة (270هـ= 883م) أعظم إنجاز له. وقد تُوفِّى «الموفق» فى (صفر سنة 278هـ= مايوسنة 891م)، وفى العام التالى تُوفِّى الخليفة «المعتمد» فى (رجب سنة 279هـ= سبتمبرسنة 892م)، بعد أن حكم البلاد ثلاثة وعشرين عامًا. وقد حفل عهده بالعلماء الأعلام فى مجالات المعرفة المختلفة. |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
المعتصم محمد بن هارون الرشيد 218هـ ـ 227ه
المعتصم بالله : أبو إسحاق محمد بن الرشيد ولد سنة ثمانين و مائة كذا قال الذهبي و قال الصولي : في شعبان سنة ثمان و سبعين و أمة أم ولد من مولدات الكوفة اسمها ماردة و كانت أحظى الناس عند الرشيد روى عن أبيه و أخيه المأمون و روى عنه : إسحاق الموصلي و حمدون بن إسماعيل و آخرون و كان ذا شجاعة وقوة وهمة و كان عريا من العلم فروى الصولي عن محمد بن سعيد عن إبراهيم بن محمد الهاشمي قال : كان مع المعتصم غلام في الكتاب يتعلم معه فمات الغلام فقال له الرشيد أبوه : يا محمد مات غلامك قال : نعم يا سيدي و استرح من الكتاب فقال : و إن الكتاب ليبلغ منك هذا دعوه لا تعلموه قال : فكان يكتب و يقرأ قراءة ضعيفة و قال الذهبي : كان المعتصم من أعظم الخلفاء و أهيبهم لولا ما شان سؤدده بامتحان العلماء بخلق القرآن و قال نفطوية و الصولي : للمعتصم مناقب و كان يقال له : المثمن لأنه ثامن الخلفاء من بني العباس و الثامن من ولد العباس و ثامن أولاد الرشيد و ملك سنة ثمان عشرة و ملك ثمان سنين و ثمانية أشهر و ثمانية أيام و مولده سنة ثمان و سبعين و عاش ثمانيا و أربعين سنة و طالعه العقرب و هو ثامن برج و فتح ثمانية فتوح و قتل ثمانية أعداء و خلف ثمانية أولاد و من الإناث كذلك و مات لثمان بقين من ربيع الأول و له محاسن و كلمات فصيحة و شعر لا بأس به غير أنه إذا غضب لا يبالي من قتل و قال ابن أبي دؤاد : كان المعتصم يخرج ساعده إلي و يقول : يا أبا عبد الله عض ساعدي بأكثر قوتك فأمتنع فيقول : إنه لا يضرني فأروم ذلك فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلا عن الأسنان و قال نفطويه : و كان من أشد الناس بطشا كان يجعل زند الرجل بين أصبعيه فيكسره و قال غيره : هو أول خليفة أدخل الأتراك الديوان و كان يتشبه بملوك الأعاجم و يمشي مشيهم و بلغت غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفا و قال ابن يونس هجا دعبل المعتصم ثم نذر به فخاف و هرب حتى قدم مصر ثم خرج إلى المغرب و الأبيات التي هجاه بها هذه : ( ملوك بني العباس في الكتب سبعة ... و لم يأتينا في ثامن منهم الكتب ) ( كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة ... غداة ثووا فيها و ثامنهم كلب ) ( و إني لأزهى كلبهم عنك رغبة ... لأنك ذو ذنب وليس له ذنب ) ( لقد ضاع أمر الناس حيث يسوسهم ... و صيف و أشناس و قد عظم الخطب ) ( و إني لأرجو أن ترى من مغيبها ... مطالع شمس قد يغص الشرب ) ( و همك تركي عليه مهانة ... فأنت له أم و أنت له أب ) بويع له بالخلافة بعد المأمون وفي شهر رجب سنة ثمان عشرة و مائتين فسلك ما كان المأمون عليه و ختم به عمره من امتحان الناس بخلق القرآن فكتب إلى البلاد بذلك و أمر المعلمين أن يعلموا الصبيان ذلك و قاسى الناس منه مشقة في ذلك و قتل عليه خلقا من العلماء و ضرب الإمام أحمد بن حنبل و كان ضربه في سنة عشرين و فيها تحول المعتصم من بغداد و بنى [ سر من رأى ] و ذلك أنه اعتنى باقتناء الترك فبعث إلى سمرقند و فرغانة و النواحي في شرائهم و بذل فيهم الأموال و ألبسهم أنواع الديباج و مناطق الذهب فكانوا يطردون خيلهم في بغداد و يؤذون الناس و ضاقت بهم البلد فاجتمع إليه أهل بغداد و قالوا : إن لم تخرج عنا بجندك حاربناك قال : و كيف تحاربونني ؟ قالوا : بسهام الأسهار قال : لا طاقة لي بذلك فكان ذلك سبب بنائه [ سر من رأى ] و تحوله إليها و في سنة ثلاث و عشرين غزا المعتصم الروم فكأنهم نكاية عظيمة لم يسمع بمثلها لخليفة و شتت جموعهم و خرب ديارهم و فتح عمورية بالسيف و قتل منها ثلاثين ألفا و سبى مثلهم و كان لما تجهز لغزوها حكم المنجون أن ذلك طالع نحس و أنه يكسر فكان من نصره و ظفره ما لم يخف فقال في ذلك أبو تمام قصيدته المشهورة و هي هذه : ( السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد و اللعب ) ( و العلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب ) ( أين الرواية ؟ أم أين النحوم ؟ و ما ... صاغوه من زخرف فيها و من كذب ) ( تخرصا و أحاديثا ملفقة ... ليست بعجم إذا عدت و لا عرب ) مات المعتصم يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبع و عشرين و كان قد ذلل العدو بالنواحي و يقال : إنه قال في مرض موته : [ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ] و لما احتضر جعل يقول : ذهبت الحيلة فليس حيلة و قيل : جعل يقول : أوخذ من بين هذا الخلق و قيل : إنه قال : اللهم إنك تعلم أني أخافك من قبلي و لا أخافك من قبلك و أرجوك من قبلك و لا أرجوك من قبلي و من شعره : ( قرب النحام و اعجل يا غلام ... و اطرح السرج عليه و اللجام ) ( أعلم الأتراك أني خائض ... لجة الموت فمن شاء أقام ) و كان قد عزم على المسير إلى أقصى الغرب ليملك البلاد التي لم تدخل في ملك بني العباس لاستيلاء الأموي عليها فروى الصولي عن أحمد بن الخصيب قال : قال لي المعتصم : إن بني أمية ملكوا و ما لأحد منا ملك و ملكنا نحن و لهم بالأندلس هذا الأموي فقدر ما يحتاج إليه لمحاربته و شرع في ذلك فاشتدت علته و مات و قال الصولي : سمعت المغيرة بن محمد يقول : يقال : إنه لم يجتمع الملوك بباب أحد قط اجتماعها بباب المعتصم و لا ظفر ملك قط كظفره أسر ملك أذربيجان و ملك طبرستان وملك استيسان و ملك الشياصح و ملك فرغانة و ملك طخارستان و ملك الصفة و ملك كابل و قال الصولي : و كان نقش خاتمه [ الحمد لله الذي ليس كمثله شيء ] و من أخبار المعتصم : أخرج الصولي عن أحمد اليزيدي قال : لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان و جلس فيه دخل عليه الناس فعمل إسحاق الموصلي قصيدة فيه ما سمع أحد بمثلها في حسنها إلا أنه افتتحها بقوله : ( يا دار غيرك البلى و محاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك ؟ ) فتطير المعتصم و تطير الناس و تغامزوا و يعجبوا كيف ذهب هذا على إسحاق مع فهمه و علمه و طول خدمته للملوك ؟ و خرب المعتصم القصر بعد ذلك و أخرج عن إبراهيم بن العباس قال : كان المعتصم إذا تكلم بلغ ما أراد و زاد عليه و كان أول من ثرد الطعام و كثره حتى بلغ ألف دينار إلى اليوم و أخرج عن أبي العيناء قال : سمعت المعتصم يقول : إذا نصر الهوى بطل الرأي و أخرج عن إسحاق قال : كان المعتصم يقول : من طلب الحق بما له و عليه أدركه و أخرج عن محمد بن عمر الرومي قال : كان المعتصم غلام يقال له عجيب لم يرى الناس مثله قط و كان مشغوفا به فعمل فيه أبيات ثم دعاني و قال : قد علمت أني دون أخوتي في الأدب لحب أمير المؤمنين لي و ميلي إلى اللعب و أنا حدث فلم أنل ما نالوا و قد عملت في عجيب أبياتا فإن كانت حسنة و إلا فاصدقني حتى أكتمها ثم أنشد شعرا : ( لقد رأيت عجيبا ... يحكي الغزال الربيبا ) ( الوجه منه كبدر ... و القد يحكي القضيبا ) ( و إن تناول سيفا ... رأيت ليثا حريبا ) ( و إن رمى بسهام ... كان المجيد المصيبا ) ( طبيب ما بي من الحب ... فلا عدمت الطبيبا ) ( إني هويت عجيبا ... هوى أراه عجيبا ) فحلفت له بأيمان البيعة أنه شعر مليح من أشعار الخلفاء الذين ليسوا بشعراء فطابت نفسه و أمر لي بخمسين ألف درهم و قال الصولي : حدثنا عبد الواحد بن العباس الرياشي قال : كتب ملك الروم إلى المعتصم كتابا يهدده فيه فلما قرئ عليه قال للكاتب : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد قرأت كتابك و سمعت خطابك و الجواب ما ترى لا ما تسمع و سيعلم الكفار لمن عقبى الدار و أخرج الصولي عن الفضل اليزيدي قال : وجه المعتصم إلى الشعراء ببابه : من منكم يحسن أن يقول فينا كما قال منصور النمري في الرشيد ؟ : ( إن المكارم و المعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع ) ( من لم يكن بأمين الله معتصما ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع ) ( إن أخلف القطر لم تخلف فواضله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع ) فقال أبو وهيب : فينا من يقول خيرا منه فيك و قال : ( ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها : ... شمس الضحى و أبو إسحاق و القمر ) ( تحكي أفاعيله في كل نائبة ... الليث و الغيث و الصمصامة الذكر ) و لما مات رثاه وزيره محمد بن عبد الملك جامعا بين العزاء و الهناء فقال : ( قد قلت إذ غيبوك و اصطفت ... عليك أيد بالترب و الطين ) ( اذهب فنعم الحفيظ كنت على ال ... دنيا و نعم الظهير للدين ) ( ما يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون ) حديث رواه المعتصم قال الصولي : [ حدثنا العلائي حدثنا عبد الملك بن الضحاك حدثني هشام بن محمد حدثني المعتصم قال : حدثني أبي الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي الله عنهما [ عن أبيه ] : [ أن النبي صلى الله عليه و سلم نظر إلى القوم من بني فلان يتبخترون في مشيهم فعرف الغضب في وجهه ثم قرأ : {{ والشجرة الملعونة في القرآن }} فقيل له : أي شجرة هي يا رسول الله حتى نجتثها ؟ فقال : ليست بشجرة نبات إنما هم بنو أمية إذا ملكوا جاروا وإذا اؤتمنوا خانوا و ضرب بيده على ظهر عمه العباس فقال : يخرج الله من ظهرك يا عم رجلا يكون هلاكهم على يده ] قلت : الحديث موضوع و آفته العلائي و قال ابن عساكر : أنبأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم حدثنا عبد العزيز بن أحمد حدثني علي بن الحسين الحافظ حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن طالب البغدادي حدثنا ابن خلاد حدثنا أحمد بن محمد بن نصر الضبيعي حدثنا إسحاق بن يحيى بن معاذ قال : كنت عند المعتصم أعوده فقلت : أنت في عافية فقال : كيف و قد سمعت الرشيد يحدث عن أبيه المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس مرفوعا : [ من احتجم في يوم الخميس فمرض فيه مات فيه ] قال ابن عساكر : سقط منه رجلان بين ابن الضبيعي و إسحاق ثم أخرجه من طريق أخرى عن الضبيعي عن أحمد بن محمد بن الليث عن منصور بن النضر عن إسحاق و ممن مات في أيام المعتصم من الأعلام : الحميدي شيخ البخاري و أبو نعيم الفضل بن دكين و أبو غسان المهدي و قالون المقرئ و خلاد المقرئ و آدم بن أبي إياس و عفان و القعنبي و عبدان المروزي و عبد الله بن صالح كاتب الليث و إبراهيم بن المهدي و سليمان بن حرب و علي بن محمد المدائني و أبو عبيد القاسم بن سلام و قرة بن حبيب و عارم و محمد بن عيسى الطباع الحافظ و أصبغ بن الفرج الفقيه المالكي و سعدويه الواسطي و أبو عمر الجرمي النحوي و محمد بن سلام البيكندي و سنيد و سعيد بن كثير بن عفير و يحيى بن يحيى التميمي و آخرون |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
الواثق بالله هارون بن المعتصم بن الرشيد 227 هـ ـ 232 ه
الواثق بالله : هارون أبو جعفر و قيل : أبو القاسم بن المعتصم بن الرشيد أمه أم ولد رومية اسمها قراطيس ولد لعشر بقين من شعبان سنة ست و تسعين و مائة و ولي الخلافة بعهد من أبيه بويع له في تاسع عشر ربيع الأول سنة سبع و عشرين و في سنة ثمان و عشرين استخلف على السلطنة أشناس التركي و ألبسه وشاحين مجوهرين و تاجا مجوهرا و أظن أنه أول خليفة استخلف سلطانا فإن الترك إنما كثروا في أيام أبيه و في سنة إحدى و ثلاثين ورد كتابه إلى أمير البصرة يأمره أن يمتحن الأئمة و المؤذنين بخلق القرآن و كان قد تبع أباه في ذلك ثم رجع في آخره أمره و في هذه السنة قتل أحمد بن نصر الخزاعي و كان من أهل الحديث قائما بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أحضره من بغداد إلى سامرا مقيدا و سأله عن القرآن فقال : ليس بمخلوق و عن الرؤية في القيامة فقال : كذا جاءت الرواية و روى له الحديث فقال الواثق له : تكذب فقال للواثق : بل تكذب أنت فقال : ويحك ! يرى كما يرى المحدود المتجسم و يحويه مكان و يحصره الناظر ؟ إنما كفرت برب صفته ما تقولون فيه ؟ فقال جماعة من فقهاء المعتزلة الذين حوله : هو حلال الضرب فدعا بالسيف و قال : إذا قمت إليه فلا يقومن أحد معي فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد ربا لا نعبده و لا نعرفه بالصفة التي وصفه بها ثم أمر بالنطع فأجلس عليه و هو مقيد فمشى إليه فضرب عنقه و أمر بحمل رأسه إلى بغداد فصلب بها و صلبت جثته في سر من رأى و استمر ذلك ست سنين إلى أن ولي المتوكل فأنزله و دفنه و لما صلب كتب ورقة و علقت في أذنه فيها : هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك دعاه عبد الله الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن و نفي التشبيه فأبى إلا المعاندة فعجله الله إلى ناره و وكل بالرأس من يحفظه و يصرفه عن القبلة برمح فذكر الموكل به أنه رآه بالليل يستدبر إلى القبلة بوجهه فيقرأ سورة يس بلسان طلق رويت هذه الحكاية من غير وجه و في هذه السنة استفك من الروم ألفا و ستمائة أسير مسلم فقال ابن أبي دؤاد قبحه الله : من قال من الأسارى : [ القرآن مخلوق ] خلصوه و أعطوه دينارين و من امتنع دعوه في الأسر قال الخطيب : كان أحمد بن أبي دؤاد قد استولى على الواثق و حمله على التشدد في المنحة و دعا الناس إلى القول بخلق القرآن و يقال : إنه رجع عنه قبل موته و قال غيره : حمل إليه رجل فيمن حمل مكبل بالحديد من بلاده فلما دخل ـ و ابن أبي دؤاد حاضر ـ قال المقيد : أخبرني عن هذا الرأي الذي دعوتم الناس إليه أعلمه رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يدع الناس إليه أم شيء لم يعلمه ؟ قال ابن أبي دؤاد : بل علمه قال : فكان يسعه أن لا يدعو الناس إليه و أنتم لا يسعكم ؟ قال : فبهتوا و ضحك الواثق و قام قابضا على فمه و دخل بيتا و مد رجليه و هو يقول : وسع النبي صلى الله عليه و سلم أن يسكت عنه و لا يسعنا فأمر له أن يعطى ثلاثمائة دينار و أن يرد إلى بلده و لم يمتحن أحدا بعدها و مقت ابن أبي دؤاد من يومئذ و الرجل المذكور هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأذرمي شيخ أبي داود و النسائي قال ابن أبي الدنيا : كان الواثق أبيض تعلوه صفرة حسن اللحية في عينه نكتة قال يحيى بن أكثم : ما أحسن أحد إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق ما مات و فيهم فقير و قال غيره : كان الواثق وافر الأدب مليح الشعر و كان يحب خادما أهدي له من مصر فأغضبه الواثق يوما ثم إنه سمعه يقول لبعض الخدم و الله إنه ليروم أن أكلمه من أمس فما أفعل فقال الواثق : ( يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخرا ... ما أنت إلا مليك جار إذ قدرا ) ( لولا الهوى لتجارينا على قدر ... و إن أفق منه يوما ما فسوف ترى ) و من شعر الواثق في خادمه : ( مهج يملك المهج ... بسجي اللحظ و الدعج ) ( حسن القد مخطف ... ذو دلال و ذو غنج ) ( ليس للعين إن بدا ... عنه باللحظ منعرج ) و قال الصولي : كان الواثق يسمى المأمون الأصغر لأدبه و فضله و كان المأمون يعظمه و يقدمه على ولده و كان الواثق أعلم الناس بكل شيء و كان شاعرا و كان أعلم الخلفاء بالغناء و له أصوات و ألحان عملها نحو مائة صوت و كان حاذقا بضرب العود راوية للأشعار و الأخبار و قال الفضل اليزيدي : لم يكن في خلفاء بني العباس أكثر رواية للشعر من الواثق فقيل له : كان أروى من المأمون ؟ فقال : نعم كان المأمون قد مزج بعلم العرب علم الأوائل من النجوم و الطب و المنطق و كان الواثق لا يخلط بعلم العرب شيئا و قال يزيد المهلبي : كان الواثق كثير الأكل جدا و قال ابن فهم : كان للواثق خوان من ذهب مؤلف من أربع قطع يحمل كل قطعة عشرون رجلا و كل ما على الخوان من غضارة و صفحة و سكرجة من ذهب فسأله ابن أبي دؤاد أن لا يأكل عليه للنهي عنه فأمر أن يكسر ذلك و يضرب و يحمل إلى بيت المال و قال الحسين بن يحيى : رأى الواثق في النوم كأنه يسأل الله الجنة و أن قائلا يقول له : لا يهلك على الله إلا من قبله مرت فأصبح فسأل الجلساء عن ذلك فلم عرفوا معناه فوجه إلى أبي محلم و أحضره فسأله عن الرؤيا و المرت فقال أبو المحلم : المرت القفر الذي لا ينبت شيئا فالمعنى على هذا لا يهلك على الله إلا من قبله خال من الإيمان خلو المرت من النبات فقال له الواثق : أريد شاهدا من الشعر في المرت فبادر بعض من حضر فأنشد بيتا لبني أسد : ( و مرت مروتاة يحار بها القطا ... و يصبح ذو علم بها و هو جاهل ) فضحك أبو محمل و قال : و الله لا أبرح حتى أنشدك فأنشده للعرب مائة قافية معروفة لمائة شاعر معروف في كل بيت ذكر المرت فأمر له الواثق بمائة ألف دينار و قال حمدون بن إسماعيل : ما كان في الخلفاء أحد أحلم من الواثق و لا أصبر على أذى و لا خلاف منه و قال أحمد بن حمدون : دخل هارون بن زياد مؤدب الواثق إليه فأكرمه إلى الغاية فقيل له : من هذا يا أمير المؤمنين الذي فعلت به هذا الفعل ؟ فقال : هذا أول من فتق لساني بذكر الله و أدناني من رحمة الله و من مديح علي بن الجهم فيه : ( و ثقت بالملك ال ... واثق بالله النفوس ) ( و ملك يشقى به الما ... ل و لا يشقى الجليس ) ( أسد يضحك عن شد ... اته الحرب العبوس ) ( أنس السيف به واس ... توحش الطلق النفيس ) ( يا بني العباس يأبى الل ... ه إلا أن تروسوا ) مات الواثق بسر من رأى يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة مائتين و اثنتين و ثلاثين و لما احتضر جعل يردد هذين البيتين : ( الموت فيه جميع الخلق مشترك ... لا سوقة منهم يبقى و لا ملك ) ( ما ضر أهل قليل في تفارقهم ... و ليس يغني عن الأملاك ما ملكوا ) و حكي أنه لما مات ترك وحده و اشتغل الناس بالبيعة للمتوكل فجاء جرذون فاستل عينه فأكلها مات في أيامه من الأعلام : مسدد و خلف بن هشام البزار المقرئ و إسماعيل بن سعيد الشالخي شيخ أهل طبرستان و محمد بن سعد كاتب الواقدي و أبو تمام الطائي الشاعر و محمد بن زياد ابن الأعرابي اللغوي و البوطي صاحب الشافغي مسجونا مقيدا في المحنة و علي بن المغيرة الأثرم اللغوي و آخرون و من أخبار الواثق : أسند الصولي عن جعفر بن الرشيد قال : كنا بين يدي الواثق و قد اصطبح فناوله خادمه مهج وردا و نرجسا فأنشد ذلك بعد يوم لنفسه : ( حياك بالنرجس و الورد ... معتدل القامة و القد ) ( فألهبت عيناه نار الهوى ... و زاد في اللوعة و الوجد ) ( أملت بالملك له قربه ... فصال ملكي سبب البعد ) ( و رئحته سكرات الهوى ... فمال بالوصل إلى الصد ) ( إن سئل البذل ثنى عطفه ... و أسبل الدمع على الخد ) ( غر بما تجنيه ألحاظه ... لا يعرف الإنجاز للوعد ) ( مولى تشكى الظلم من عبده ... فأنصفوا المولى من العبد ) قال : فأجمعوا أنه ليس لأحد من الخلفاء مثل هذه الأبيات و قال الصولي : حدثني عبد الله بن العتز قال : أنشدني بعض أهلنا للواثق و كان يهوى خادمين لهذا يوم يخدمه فيه و لهذا يوم يخدمه فيه : ( قلبي قسيم بين نفسين ... فمن رأى روحا بجسمين ) ( يغضب ذا غن جاد ذا بالرضا ... فالقلب مشغول بشجوين ) و أخرج عن الحزنبل قال : غني في مجلس الواثق بشعر الأخطل : ( و شادن مربح بالكاس نادمني ... لا بالحصور و لا فيها بسوار ) فقال : أسوار أو سار ؟ فوجه إلى ابن الأعرابي يسأل عن ذلك ؟ فقال : سوار وثاب يقول : لا يثب على ندمائه و سآر مفصل في اكأس سؤرا و قد رويا جميعا فأمر الواثق لابن الأعرابي بعشرين ألف درهم و قال : حدثني ميمون بن إبراهيم حدثني أحمد بن الحسين بن هشام قال : تلاحى الحسين بن الضحاك و مخارق يوما في مجلس الواثق في أبي نواس و أبي العتاهية أيهما أشعر ؟ فقال الواثق : اجعلا بينكما خطرا فجعلا بينهما مائتي دينار فقال الواثق : من ههنا من العلماء ؟ فقيل : أبو محلم فأحضره فسئل عن ذلك ؟ فقال : أبو النواس أشعر و أذهب في فنون العرب و أكثر افتنانا من أفانين الشعر فأمر الواثق بدفع الخطر إلى الحسين |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بن الرشيد 232 هـ ـ 247 ه
المتوكل على الله : جعفر أبو الفضل بن المعتصم بن الرشيد أمه أم ولد اسمها شجاع ولد سنة خمس ـ و قيل : سبع ـ و مائتين و بويع له في ذي الحجة سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين بعد الواثق فأظهر الميل إلى السنة و نصر أهلها و رفع المحنة و كتب بذلك إلى الآفاق و ذلك في سنة أربع و ثلاثين و استقدم المحدثين إلى سامرا و أجزل عطاياهم و أكرمهم و أمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات و الرؤية و جلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس و جلس أخوه عثمان في جامع المنصور فاجتمع إليه أيضا نحو من ثلاثين ألف نفس و توفر دعاء الخلق للمتوكل و بالغوا في الثناء عليه و التعظيم له حتى قال قائلهم : الخلفاء ثلاثة : أبو بكر الصديق رضي الله عنه في قتل أهل الردة و عمر بن عبد العزيز في رد المظالم و المتوكل في إحياء السنة و إماتة التجهم و قال أبو بكر بن الخبازة في ذلك : ( و بعد فإن السنة اليوم أصبحت ... معززة حتى كأن لم تذلل ) ( تصول و تسطو إذ أقيم منارها ... وحط منار الإفك و الزور من عل ) ( و ولى أخو الإبداع في الدين هاربا ... إلى النار يهوي مدبرا غير مقبل ) ( شفى الله منهم بالخليفة جعفر ... خليفته ذي السنة المتوكل ) ( خليفة ربي و ابن عم نبيه ... و خير بني العباس من منهم ولي ) ( و جامع شمل الدين بعد تشتت ... و فاري رؤوس المارقين بمنصل ) ( أطال لنا رب العباد بقاءه ... سليما من الأهوال غير مبدل ) ( و بوأه بالنصر للدين جنة ... يجاور في روضاتها خير مرسل ) و في هذه السنة أصاب ابن أبي دؤاد فالج صيره حجرا ملقى فلا آجره الله و من عجائب هذه السنة أنه هبت ريح بالعراق شديدة السموم و لم يعهد مثلها أحرقت زرع الكوفة و البصرة و بغداد و قتلت المسافرين و دامت خمسين يوما و اتصلت بهمذان و أحرقت الزرع و المواشي و اتصلت بالموصل و سنجار و منعت الناس من المعاش في الأسواق و من المشي في الطرقات و أهلكت خلقا عظيما و في السنة التي قبلها جاءت زلزلة مهولة بدمشق سقطت منها دور و هلك تحتها خلق وامتدت إلى أنطاكية فهدمتها و إلى الجزيرة فأحرقتها و إلى الموصل فيقال : هلك من أهلها خمسون ألفا و في سنة خمس و ثلاثين ألزم المتوكل كل النصارى بلبس الغل و في سنة ست و ثلاثين أمرهم بهدم قبر الحسين و هدم ما حوله من الدور و أن يعمل مزارع و منع الناس من زيارته و خرب و بقي صحراء و كان المتوكل معروفا بالتعصب فتألم المسلمون من ذلك و كتب أهل بغداد شتمه على الحيطان و المساجد و هجاه الشعراء فمما قيل في ذلك : ( بالله إن كانت أمية قد أتت ... قتل ابن بنت نبيها مظلوما ) ( فلقد أتاه بنو أبيه بمثله ... هذا لعمري قبره مهدوما ) ( أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا ... في قتله فتتبعوه رميما ) و في سنة سبع و ثلاثين بعث إلى نائب مصر أن يحلق لحية قاضي القضاة بمصر : أبي بكر محمد بن أبي الليث و أن يضربه و يطوف به على حمار ففعل ـ و نعم ما فعل ـ فإنه كان ظالما من رؤوس الجهمية و ولي القضاء بدله الحارث بن سكين من أصحاب مالك بعد تمنع و أهان القاضي المعزول بضربه كل يوم عشرين سوطا ليرد الظلمات إلى أهلها و في هذه السنة ظهرت نار بعسقلان أحرقت البيوت و البيادر و لم تزل تحرق إلى ثلث الليل ثم كفت و في سنة ثمان و ثلاثين كبست الروم دمياط و نهبوا و أحرقوا و سبوا منها ستمائة امرأة و ولوا مسرعين في البحر و في سنة أربعين سمع أهل خلاط صيحة عظيمة من جو السماء فمات منها خلق كثير و وقع برد بالعراق كبيض الدجاج و خسف بثلاث عشر قرية بالمغرب و في سنة إحدى و أربعين ماجت النجوم في السماء و تناثرت الكواكب كالجراد أكثر الليل و كان أمرا مزعجا لم يعهد و في سنة اثنتين و أربعين زلزلت الأرض زلزلة عظيمة بتونس و أعمالها و الري و خراسان و نيسابور و طبرستان و أصبهان و تقطعت الجبال و تشققت الأرض بقدر ما يدخل الرجل في الشق و رجمت قرية السويداء بناحية مصر من السماء و وزن حجر من الحجارة فكان عشرة أرطال و سار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتى أتى مزارع آخرين و وقع بحلب طائر أبيض دون الرخمة في رمضان فصاح : يا معشر الناس اتقوا الله الله الله و صاح أربعين صوتا ثم طار و جاء من الغد ففعل كذلك و كتب البريد بذلك و أشهد عليه خمسمائة إنسان سمعوه و فيها حج من البصرة إبراهيم بن مطهر الكاتب على عجلة تجرها الإبل و تعجب الناس من ذلك و في سنة ثلاث و أربعين قدم المتوكل دمشق فأعجبته و بنى له القصر بداريا و عزم على سكناها فقال يزيد بن محمد المهلبي : ( أظن الشام تشمت بالعراق ... إذا عزم الإمام على انطلاق ) ( فإن تدع العراق و ساكنيه ... فقد تبلى المليحة بالطلاق ) فبدا له و رجع بعد شهرين أو ثلاثة و في سنة أربع و أربعين قتل المتوكل يعقوب بن السكيت الإمام في العربية فإنه ندبه إلى تعليم أولاده فنظر المتوكل يوما إلى ولديه المعتز و المؤيد فقال لابن السكيت : من أحب إليك هما أو الحسن و الحسين ؟ فقال : قنبر ـ يعني مولى علي ـ خير منهما فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتى مات و قيل : أمر بسل لسانه و أرسل إلى ابنه بديته و كان المتوكل رافضيا و في سنة خمس و أربعين عمت الزلازل الدنيا فأخربت المدن و القلاع و القناطر و سقط من أنطاكية جبل في البحر و سمع من السماء أصواتا هائلة و زلزلت مصر و سمع أهل بلبيس من ناحية مصر صيحة هائلة فمات خلق من أهل بلبيس و غارت عيون مكة فأرسل المتوكل مائة ألف دينار لإجراء الماء من عرفات إليها و كان المتوكل جوادا ممدحا يقال : ما أعطى خليفة شاعرا ما أعطى المتوكل و فيه يقول مروان بن أبي الجنوب : ( فأمسك ندى كفيك عني و لا تزد ... فقد خفت أن أطغى و أن أتجبرا ) فقال : لا أمسك حتى يغرقك جودي و كان أجازه على قصيدة بمائة ألف و عشرين ألفا و دخل عليه علي بن الجهم يوما و بيديه درتان يقلبهما فأنشده قصيدة له فرمى إليه بدرة فقلبها فقال : تستنقص بها و هي و الله خير من مائة ألف و لكني فكرت في أبيات أعملها آخذ بها الأخرى فقال : قل فقال : ( بسر من را إمام عدل ... تغرف من بحره البحار ) ( الملك فيه و في بنيه ... ما اختلف الليل و النهار ) ( يرجى و يخشى لكل خطب ... كأنه جنة و نار ) ( يداه في الجود ضرتان ... عليه كلتاهما تغار ) ( لم تأت منه اليمين شيئا ... إلا أتت مثلها اليسار ) فرمى إليه بالدرة الأخرى قال بعضهم : سلم على المتوكل بالخلافة ثمانية كل واحد منهم أبوه خليفة : منصور بن المهدي و العباس بن الهادي و أبو أحمد بن الرشيد و عبد الله بن الأمين و موسى بن المأمون و أحمد بن المعتصم و محمد بن الواثق و ابنه المنتصر و قال المسعودي : لا يعلم أحد متقدم في جد و لا هزل إلا و قد حظي في دولته و وصل إليه نصيب وافر من المال و كان منهمكا في اللذات و الشراب و كان له أربعة آلاف سرية و وطئ الجميع وقال علي بن الجهم : كان المتوكل مشغوفا بقبيحة أم ولده المعتز لا يصبر عنها فوقفت له يوما ـ و قد كتبت على خديها بالغالية جعفرا ـ فتأملها و أنشأ يقول : ( و كاتبه بالمسك في الخد جعفرا ... بنفسي محط المسك من حيث أثرا ) ( لئن أودعت سطرا من المسك خدها ... لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا ) و في كتاب المحن للسلمي أن ذا النون أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال و مقامات أهل الولاية فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم ـ و كان رئيس مصر و من جلة أصحاب مالك ـ و أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف و رماه بالزندقة فدعاه أمير مصر و سأله عن اعتقاده فتكلم فرضي أمره و كتب به إلى المتوكل فأمر بإحضاره فحمل على البريد فلما سمع كلامه أولع به و أحبه و أكرمه حتى كان يقول : إذا ذكر الصالحون فحيهلا بذي النون كان المتوكل بايع بولاية العهد لابنه المنتصر ثم المعتز ثم المؤيد ثم إنه أراد تقديم المعتز لمحبته لأمه فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد فأبى فكان يحضره مجلس العامة و يحط منزلته و يتهدده و يشتمه و يتوعده و اتفق أن الترك انحرفوا عن المتوكل لأمور فاتفق الأتراك مع المنتصر على قتل أبيه فدخل عليه خمسة و هو في جوف الليل في مجلس لهوه فقتلوه هو و وزيره الفتح بن خاقان و ذلك في خامس شوال سنة سبع أربعين و مائتين و رئي في النوم فقيل له : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي بقليل من السنة أحييتها و لما قتل رئته الشعراء و من ذلك قول يزيد المهلبي : ( جاءت منيته و العين هاجعة ... هلا أتته المنايا و القنا قصد ) ( خليفة لم ينل ما ناله أحد ... و لم يضع مثله روح و لا جسد ) و كان من حظاياه وصيفة تسمى محبوبة شاعرة عالمة بصنوف العلم عوادة فلما قتل ضمت إلى بغا الكبير فأمر بها يوما للمنادمة فجلست منكسة فقال : غني فاعتلت فأقسم عليها و أمر بالعود فوضع في حجرها فغنت ارتجالا : ( أي عيش يلذ لي ... لا أرى فيه جعفرا ؟ ) ( ملك قد رأيته ... في نجيع معفرا ) ( كل من كان ذا هيا ... م و سقم فقد برا ) ( غير محبوبة التي ... لو ترى الموت يشترى ) ( لاشترته بماحـ ... وته يداها لتقبرا ) ( إن موت الحزين أط ... يب من أن يعمرا ) فغضب بغا و أمر بها فسجنت فكان آخر العهد بها و من الغرائب أن المتوكل قال للبحتري : قل شعرا و في الفتح بن خاقان فإني أحب أن يحيا معي و لا أفقده فيذهب عيشي و لا يفقدني فقل في هذا المعنى فقال : ( يا سيدي كيف أخلفت وعدي ... و تثاقلت عن وفاء بعهدي ؟ ) ( لا أرتني الأيام فقدك يا فت ... ح و لا عرفتك ما عشت فقدي ) ( أعظم الرزء أن تقدم قبلي ... و من الرزء أن تؤخر بعدي ) ( حذرا أن تكون إلفا لغيري ... إذ تفردت بالهوى فيك وحدي ) فقتلا معا كما تقدم و من أخبار المتوكل : أخرج ابن عساكر أن المتوكل رأى في النوم كأن سكرا سليما نيئا سقط عليه من السماء مكتوبا عليه جعفر المتوكل على الله فلما بويع خاض الناس في تسميته فقال بعضهم : نسميه المنتصر فحدث المتوكل أحمد بن أبي دؤاد بما رأى في منامه فوجده موافقا فأمضى و كتب به إلى الآفاق و أخرج عن هشام بن عمار قال : سمعت المتوكل يقول : واحسرتا على محمد بن إدريس الشافعي كنت أحب أن أكون في أيامه فأراه و أشاهده و أتعلم منه فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم في المنام و هو يقول : يا أيها الناس إن محمد بن إدريس المطلبي قد صار إلى رحمة الله و خلف فيكم علما حسنا فاتبعوه تهدوا ثم قال : اللهم ارحم محمد بن إدريس رحمه واسعة و سهل على حفظ مذهبه و انفعني بذلك قلت استفدنا من أن المتوكل كان متمذهبا بمذهب الشافعي و هو أول من تمذهب له من الخلفاء و أخرج عن أحمد بن علي البصري قال : وجه المتوكل إلى أحمد بن المعدل و غيره من العلماء فجمعهم في داره ثم خرج عليهم فقام الناس كلهم له غير أحمد بن المعدل فقال المتوكل لعبيد الله : إن هذا لا يرى بيعتنا فقال له : بلى يا أمير المؤمنين و لكن في بصره سوءا فقال أحمد بن المعدل : يا أمير المؤمنين ما في بصري سوء و لكن نزهتك من عذاب الله قال النبي صلى الله عليه و سلم [ من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار ] فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه و أخرج عن يزيد المهلبي قال : قال لي المتوكل : يا مهلبي إن الخلفاء كانت تتصعب على الرعية لتطيعها و أنا ألين لهم ليحبوني و يطيعوني و أخرج عن عبد الأعلى بن حماد النرسي قال : دخلت على المتوكل فقال : يا أبا يحيى ما أبطأك عنا ! منذ ثلاث لم نرك كنا هممنا لك بشيء فصرفناه إلى غيرك فقلت : يا أمير المؤمنين جزاك الله على هذا الهم خيرا ألا أنشدك بهذا المعنى بيتين ؟ قال : بلى فأنشدته : ( لأشكرنك معروفا هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف ) ( و لا ألومك إذا لم يمضه قدر ... فالرزق بالقدر المحتوم مصروف ) فأمر لي بألف دينار و أخرج عن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي قال : دخلت على المتوكل لما توفيت أمه فقال : يا جعفر ربما قلت البيت الواحد فإذا جاوزته خلطت و قد قلت : ( تذكرت لما فرق الدهر بيننا ... فندبت نفسي بالنبي محمد ) فأجازه بعض من حضر المجلس بقوله : ( و قلت لها : إن المنايا سبيلنا ... فمن لم تمت في يومه مات في غد ) و أخرج عن الفتح بن خاقان قال : دخلت يوما على المتوكل فرأيته مطرقا متفكرا فقلت : يا أمير المؤمنين ما هذا الفكر ؟ فو الله ما ظهر على الأرض أطيب منك عيشا و لا أنعم منك بالا فقال : يا فتح أطيب عيشا مني رجل له دار واسعة و زوجة صالحة و معيشة حاضرة لا يعرفنا فنؤذيه و لا يحتاج إلينا فنزدريه و أخرج عن أبي العيناء قال : أهديت إلى المتوكل جارية شاعرة اسمها فضل فقال لها : أشاعرة أنت ؟ قالت : هكذا زعم من باعني و اشتراني فقال : أنشدينا شيئا من شعرك فأنشدته : ( استقبل الملك إمام الهدى ... عام ثلاث و ثلاثينا ) ( خلافة أفضت إلى جعفر ... و هو ابن سبع بعد عشرينا ) ( إنا لنرجو يا إمام الهدى ... أن تملك الملك ثمانينا ) ( لا قدس الله أمرا لم يقل ... عند دعائي لك : آمينا ) و أخرج عن علي بن الجهم قال : أهدي إلى المتوكل جارية يقال لها محبوبة قد نشأت بالطائف و تعلمت الأدب و روت الأشعار فأغري المتوكل بها ثم إنه غضب عليها و منع جواري القصر من كلامها فدخلت عليه يوما فقال لي : قد رأيت محبوبة في منامي كأني قد صالحتها فقلت : خيرا يا أمير المؤمنين فقال : قم بنا للنظر ما هي عليه فقمنا حتى أتينا حجرتها فإذا هي تضرب على العود و تقول : ( أدور في القصر لا أرى أحدا ... أشكو إليه و لا يكلمني ) ( حتى كأني أتيت معصية ... ليست لها توبة تخلصني ) ( فهل شفيع لنا إلى ملك ... قد زارني في الكرى و صالحني ) ( حتى إذا ما الصباح لاح لنا ... عاد إلى هجرة فصارمني ) فصاح المتوكل فخرجت فأكبت على رجليه تقبلهما فقالت : يا سيدي رأيتك في ليلتي هذه كأنك قد صالحتني قال : و أنا و الله قد رأيتك فردها إلى مرتبتها فلما قتل المتوكل صارت إلى بغا و ذكر الأبيات السابقة و أخرج عن علي أن البحتري قال يمدح المتوكل فيما رفع من المحنة و يهجو ابن أبي دؤاد بقوله : ( أمير المؤمنين لقد شكرنا ... إلى آبائك الغر الحسان ) ( رددت الدين فذا بعد أن قد ... أراه فرقتين تخاصمان ) ( قصمت الظالمين بكل أرض ... فأضحى الظلم مجهول المكان ) ( و في سنة رمت متجبريهم ... على قدر بداهية عيان ) ( فما أبقت من ابن أبي دؤاد ... سوى حسد يخاطب بالمعاني ) ( تحير فيه سابور بن سهل ... فطاوله و مناه الأماني ) ( إذا أصحابه اصطحبوا بليل ... أطالوا الخوض في خلق القران ) و أخرج عن أحمد بن حنبل قال : سهرت ليلة ثم نمت فرأيت في نومي كأن رجلا يعرج بي إلى السماء و قائلا يقول : ( ملك يقاد إلى مليك عادل ... متفضل في العفو ليس بجائر ) ثم أصبحنا فجاء نعي المتوكل من [ سر من رأى ] إلى بغداد و أخرج عن عمرو بن شيبان الجهني قال : رأيت في الليلة التي قتل فيها المتوكل في المنام قائلا يقول : ( يا نائم العين في أوطار جسمان ... أفض دموعك يا عمرو بن شيبان ) ( أما ترى الفئة الأرجاس ما فعلوا ... بالهاشمي و بالفتح بن خاقان ؟ ) ( وافى إلى الله مظلوما تضج له ... أهل السموات من مثنى و وحدان ) ( و سوف يأتيكم أخرى مسومة ... توقعوا لها شأن من الشان ) ( فابكوا على جعفر و ارثوا خليفتكم ... فقد بكاه جميع الإنس و الجان ) ثم رأيت المتوكل في النوم بعد أشهر فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي بقليل من السنة أحييتها قلت : فما تصنع ههنا ؟ قال : أنتظر محمدا ابني أخاصمه إلى الله قال الخطيب : أخبرنا أبو الحسين الأهوازي حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم القاضي حدثنا محمد بن هارون الهاشمي حدثنا محمد بن شجاع الأحمر قال : سمعت المتوكل يحدث [ عن يحيى بن أكثم عن محمد بن عبد المطلب عن سفيان عن الأعمش عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من حرم الرفق حرم الخير ] أخرجه الطبراني في معجمه الكبير من وجه آخر عن جرير و قال ابن عساكر : أخبرنا نصر بن أحمد بن مقاتل السوسي حدثنا جدي أبو محمد حدثنا أبو علي الحسين بن علي الأهوازي حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد الأزدي حدثنا أبو الطيب محمد بن جعفر بن داران غندر حدثنا هارون بن عبد العزيز بن أحمد العباسي حدثنا أحمد بن الحسن المقرىء البزار حدثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الكسائي و أحمد بن زهير و إسحاق بن إبراهيم بن إسحاق فقالوا : حدثنا علي بن الجهم قال : كنت عند المتوكل فتذاكروا عنده الجمال فقال : إن حسن الشعر لمن الجمال ثم قال : حدثني المعتصم حدثني المأمون حدثنا الرشيد حدثنا المهدي حدثنا المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال : كانت لرسول الله صلى الله عليه و سلم جمة إلى شحمة أذنيه كأنها نظام اللؤلؤ و كان من أجمل الناس و كان أسمر رقيق اللون لا بالطويل و لا بالقصير و كان لعبد المطلب جمة إلى شحمة أذنيه و كان لهاشم جمة إلى شحمة أذنيه قال علي بن الجهم : و كان للمتوكل جمة إلى شحمة أذنيه و قال لنا المتوكل : كان للمعتصم جمة و كذلك للمأمون و الرشيد و المهدي و المنصور ولأبيه محمد و لجده علي و لأبيه عبد الله بن عباس قلت : هذا الحديث مسلسل من ثلاثة أوجه بذكر الجمة و الآباء و بالخلفاء ففي إسناده ست خلفاء مات في أيام خلافة المتوكل من الأعلام : أبو ثور و الإمام أحمد بن حنبل و إبراهيم بن المنذر الخزامي و إسحاق بن راهوية النديم و روح المقرىء و زهير بن حرب و سحنون و سليمان الشاذكوني و أبو مسعود العسكري و أبو جعفر النفيلي و أبو بكر بن أبي شيبة و أخوه وديك الجن الشاعر و عبد الملك بن حبيب إمام المالكية و عبد العزيز بن يحيى الغول أحد أصحاب الشافعي و عبيد الله بن عمر القواريري و علي بن المديني و محمد بن عبد الله بن نمير و يحيى بن معين و يحيى بن بكير و يحيى بن يحيى و يوسف الأزرق المقرىء و بشر بن الوليد الكندي المالكي و ابن أبي دؤاد ذاك الكلب لا رحمه الله و أبو بكر الهذلي العلاف شيخ الاعتزال و رأس أهل الضلال و جعفر بن حرب من كبار المعتزلة و ابن كلاب المتكلم و القاضي يحيى بن أكثم و الحارث المحاسبي و حرملة صاحب الشافعي و ابن السكيت و أحمد بن منيع و ذم النون المصري الزاهد و أبو تراب النخشبي و أبو عمر الدوري المقرىء و دعبل الشاعر و أبو عثمان المازني النحوي و خلائق آخرون |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
المنتصر بالله محمد بن المتوكل بن المعتصم 247هـ ـ 248ه
المنتصر بالله : محمد أبو جعفر و قيل : أبو عبد الله بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد أمه أم ولد رومية اسمها حبشية و كان مليح الوجه أسمر أعين أقنى ربعة جسيما بطينا مليحا مهيبا وافر العقل راغبا في الخير قليل الظلم محسنا إلى العلويين و صولا لهم أزال عن آل أبي طالب ما كانوا فيه من الخوف و المحنة بمنعهم من زيارة قبر الحسين ورد على آل الحسين فدك فقال يزيد المهلبي في ذلك : ( و لقد بررت الطالبية بعد ما ... ذموا زمانا بعدها و زمانا ) ( و رددت ألفة هاشم فرأيتهم ... بعد العداوة بينهم إخوانا ) بويع له بعد قتل أبيه في شوال سنة سبع و أربعين و مائتين فخلع أخويه المعتز و المؤيد من ولاية العهد الذي عقده لهما المتوكل بعده و أظهر العدل و الإنصاف في الرعية فمالت إليه القلوب مع شدة هيبتهم له و كان كريما حليما و من كلامه : لذة العفو أعذب من لذة التشفي و أقبح أفعال المقتدر الانتقام و لما ولي صار يسب الأتراك و يقول : هؤلاء قتلة الخلفاء فعملوا عليه و هموا به فعجزوا عنه لأنه كان مهيبا شجاعا فطنا متحرزا فتحيلوا إلى أن دسوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار في مرضه فأشار بفصده ثم فصده بريشة مسمومة فمات و يقال : إن ابن طيفور نسي ذلك و مرض فأمر غلامه ففصده بتلك الريشة فمات أيضا و قيل : بل سم في كمثراة و قيل : مات بالخوانيق و لما احتضر قال : يا أماه ذهبت مني الدنيا و الآخرة عاجلت أبي فعوجلت مات في خامس ربيع الآخر سنة ثمان و أربعين عن ست و عشرين سنة أو دونها فلم يمتع بالخلافة إلا أشهرا معدودة دون ستة أشهر و قيل : إنه جلس في بعض الأيام للهو و قد استخرج من خزائن أبيه فرشا فأمر بفرشها في المجلس فرأى في بعض البسط دائرة فيها فارس و عليه تاج و حوله كتابة فاريسية فطلب من يقرأ ذلك فأحضر رجل فنظره فقطب فقال : ما هذه ؟ قال : لا معنى لها فألح عليه فقال : أنا شيرويه ابن كسرى بن هرمز قتلت أبي فلم أتمتع بالملك إلا ستة أشهر فتغير وجه المنتصر و أمر بإحراق البساط و كان منسوجا بالذهب و في لطائف المعارف للثعالبي : أعرق الخلفاء في الخلافة المنتصر فإنه هو و آباؤه الخمسة خلفاء و كذلك أخواه المعتز و المعتمد قلت : أعرق منه المستعصم الذي قتله التتار فإن آباءه الثمانية خلفاء قال الثعالبي : و من العجائب أن أعرق الأكاسرة في الملك ـ و هو شيرويه ـ قتل أباه فلم يعش بعده إلا ستة أشهر و أعرق الخلفاء في الخلافة ـ و هو المنتصر ـ قتل أباه فلم يمتع بعده سوى ستة أشهر |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
المستعين بالله أحمد بن المعتصم 248هـ ـ 252ه
المستعين بالله : أبو العباس أحمد بن المعتصم بن الرشيد و هو أخو المتوكل ولد سنة إحدى و عشرين و مائتين و أمه أم ولد اسمها مخارق و كان مليحا أبيض بوجهه أثر جدري ألثغ و لما مات المنتصر اجتمع القواد و تشاوروا و قالوا : متى وليتم أحدا من أولاد المتوكل لا يبقى منا باقية فقالوا : مالها إلا أحمد بن المعتصم ولد أستاذنا فبايعوه و له ثمان و عشرون سنة و استمر إلى أول سنة إحدى و خمسين فتنكر له الأتراك لما قتل وصيفا و بغا و نفى باغر التركي الذي فتك بالمتوكل و لم يكن للمستعين مع وصيف و بغا أمر حتى قيل في ذلك : ( خليفة في قفص ... بين وصيف و بغا ) ( يقول ما قالا له ... كما تقول الببغا ) و لما تنكر له الأتراك خاف و انحدر من سامرا إلى بغداد فأرسلوا إليه يعتذرون و يخضعون له و يسألونه الرجوع فامتنع فقصدوا الحبس و أخرجوا المعتز بالله و بايعوه و خلعوا المستعين ثم جهز المعتز جيشا كثيفا لمحاربة المستعين و استعد أهل بغداد للقتال مع المستعين فوقعت بينهما وقعات و دام القتال أشهرا و كثر القتل و غلت الأسعار و عظم البلاء و انحل أمر المستعين فسعوا في الصلح على خلع المستعين و قام في ذلك إسماعيل القاضي و غيره بشروط مؤكدة فخلع المستعين نفسه في أول سنة اثنتين و خمسين و أشهد عليه القضاة و غيرهم فأحدر إلى واسط فأقام بها تسعة أشهر محبوسا موكلا به أمين ثم رد إلى سامراء و أرسل المعتز إلى أحمد بن طولون أن يذهب إلى المستعين فيقتله فقال : و الله لا أقتل أولاد الخلفاء فندب له سعيد الحاجب فذبحه في ثالث شوال من السنة و له إحدى و ثلاثون سنة و كان خيرا فاضلا بليغا أديبا و هو أول من أحدث لبس الأكمام الواسعة فجعل عرضها نحو ثلاثة أشبار و صغر القلانس و كانت قبله طوالا مات في أيامه من الأعلام : عبد بن حميد و أبو الطاهر بن السرح و الحارث بن مسكين و البزي المقرئ و أبو حاتم السجستاني و الجاحظ و آخرون |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
المعتز بالله محمد بن المتوكل بن المعتصم 252 هـ ـ 255 ه
المعتز بالله : محمد ـ و قيل الزبير ـ أبو عبد الله بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد ولد سنة اثنتين و ثلاثين ومائتين و أمه أم ولد رومية تسمى قبيحة و بويع له عند خلع المستعين في سنة اثنتين و خمسين و له تسع عشرة سنة و لم يل الخلافة قبله أحد أصغر منه و كان بديع الحسن قال علي بن حرب ـ أحد شيوخ ابن المعتز في الحديث : ما رأيت خليفة أحسن منه و هو أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب و كان الخلفاء قبل يركبون بالحلية الخفيفة من الفضة و أول سنة تولى مات أشناس الذي كان الواثق استخلفه على السلطنة و خلف خمسمائة ألف دينار فأخزها المعتز و خلع خلعة الملك على محمد بن عبد الله بن طاهر و قلده سيفين ثم عزله و خلع خلعة الملك على أخيه ـ أعني أخ المعتز أبا أحمد ـ و توجه بتاج من ذهب و قلنسوة مجوهرة و وشاحين مجوهرين و قلده سيفين ثم عزله من عامه و نفاه إلى واسط و خلع على بغا الشرابي و ألبسه تاج الملك فخرج على المعتز بعد سنة فقتل وجيء إليه برأسه و في رجب من هذه السنة خلع المعتز أخاه المؤيد من العهد و ضربه وقيده فمات بعد أيام فخشي المعتز أن يتحدث عنه أنه قتله أو احتال عليه فأحضر القضاة حتى شاهدوه و ليس به أثر و كان المعتز مستضعفا مع الأتراك فاتفق أن جماعة من كبارهم أتوه و قالوا : يا أمير المؤمنين أعطينا أرزاقنا لنقتل صالح بن وصيف و كان المعتز يخاف منه فطلب من أمه مالا لينفقه فيهم فأبت عليه و شحت نفسها و لم يكن بقي في بيوت المال شيء فاجتمع الأتراك على خلعه و وافقهم صالح بن وصيف و محمد بن بغا فلبسوا السلاح و جاؤوا إلى دار الخلافة فبعثوا إلى المعتز أن أخرج إلينا فبعث يقول : قد شربت دواء و أنا ضعيف فهجم عليه جماعة و جروا برجله و ضربوه بالدبابيس و أقاموه في الشمس في يوم صائف و هم يلطمون وجهه و يقولون : اخلع نفسك ثم أحضروا القاضي ابن أبي الشوارب و الشهود و خلعوه ثم أحضروا من بغداد إلى دار الخلافة ـ و هو يومئذ سامرا ـ محمد بن الواثق و كان المعتز قد أبعده إلى بغداد فسلم المعتز إليه الخلافة و بايعه ثم إن الملأ أخذوا المعتز بعد خمس ليال من خلعه فأدخلوه الحمام فلم اغتسل عطش فمنعوه الماء ثم أخرج ـ و هو أول ميت مات عطشا ـ فسقوه ماء بثلج فشربه و سقط ميتا و ذلك في شهر شعبان المعظم سنة خمس وخمسين و مائتين و اختفت أمه قبيحة ثم ظهرت في رمضان و أعطت صالح بن وصيف مالا عظيما من ذلك ألف ألف دينار و ثلاثمائة ألف دينار و سفط فيه مكوك زمرد و سفط فيه لؤلؤ حب كبار و كيلجة ياقوت أحمر و غير ذلك فقومت السفاط بألفي ألف دينار فلما رأى ابن وصيف ذلك قال : قبحها الله ! عرضت ابنها للقتل لأجل خمسين ألف دينار و عندها هذا فأخذ الجميع و نفاها إلى مكة فبقيت بها إلى أن تولى المعتمد فردها إلى سامراء و ماتت سنة أربع و ستين مات في أيام المعتز من الأعلام : سري السقطي الزاهد و هارون بن سعيد الأيلي و الدارمي صاحب [ المسند ] و العتبي صاحب [ المسائل العتبية في مذهب مالك ] و آخرون رحمهم الله تعالى |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
المهتدي بالله محمد بن الواثق بن المعتصم 255 هـ ـ 256 ه
المهتدي باله الخليفة الصالح : محمد أبو إسحاق ـ و قيل : أبو عبد الله ـ بن الواثق بن المعتصم بن الرشيد أمه أم ولد تسمى وردة ولد في خلافة جده سنة بضع عشرة و مائتين و بويع بالخلافة لليلة بقيت من رجب سنة خمس و خمسين و مائتين و ما قبل بيعته أحد حتى أتي بالمعتز فقام المهتدي له و سلم عليه بالخلافة و جلس بين يديه فجيء بالشهود فشهدوا على المعتز أنه عاجز عن الخلافة فاعترف بذلك و مد يده فبايع المهتدي فارتفع حينئذ المهتدي الى صدر المجلس و كان المهتدي أسمر رقيقا مليح الوجه ورعا متعبدا عادلا قويا في أمر الله بطلا شجاعا لكنه لم يجد ناصرا و لا معينا قال الخطيب : لم يزل صائما منذ ولي إلى أن قتل و قال هاشم بن القاسم : كنت بحضرة المهتدي عشية في رمضان فوثبت لأنصرف فقال لي : اجلس فجلست و تقدم فصلى بنا ثم دعا بالطعام فأحضر طبق خلاف و عليه رغيف من الخبز النقي و فيه آنية فيها ملح و خل و زيت دعاني إلى الأكل فابتدأت آكل ظانا أنه سيؤتى بطعام فنظر إلي و قال : ألم تك صائما ؟ قلت : بلى قال : أفلست عازما على الصوم ؟ فقلت : كيف لا و هو رمضان ؟ فقال : كل و استوف فليس ههنا من الطعام غير ما ترى فعجبت ثم قلت : و لم يا أمير المؤمنين و قد أسبغ الله نعمته عليك ؟ فقال : إن الأمر ما وصفت و لكني فكرت في أنه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز ـ و كان من التقلل و التقشف على ما بلغك ـ فغرت على بني هاشم فأخذت نفسي بما رأيت و قال جعفر بن عبد الواحد : ذاكرت المهتدي بشيء فقلت له : كان أحمد بن حنبل يقول به و لكنه كان يخالف ـ أشير إلى من مضى من آبائه ـ فقال : رحم الله أحمد ابن حنبل ! و الله لو جاز لي أن أتبرأ من أبي لتبرأت منه ثم قال لي : تكلم بالحق و قل به فإن وقال نفطويه : حدثني بعض الهاشميين أنه وجد للمهتدي سفط فيه جبة صوف و كساء كان يلبسه بالليل و يصلي فيه و كان قد اطرح الملاهي و حرم الغناء و حسم أصحاب السلطان عن الظلم و كان شديد الإشراف على أمر الدواوين يجلس بنفسه و يجلس الكتاب بين يديه فيعملون الحساب و كان لا يخل بالجلوس الاثنين و الخميس و ضرب جماعة من الرؤساء و نفي جعفر بن محمود إلى بغداد و كره مكانه لأنه نسب عنده إلى الرفض و قدم موسى بن بغا من الري يريد سامرا لقتل صالح بن وصيف بدم المعتز و أخذ أموال أمه و معه جيشه فصاحت العامة على ابن وصيف : يا فرعون قد جاءك موسى فطلب موسى بن بغا الإذن على المهتدي فلم يأذن له فهجم بمن معه عليه ـ و هو جالس في دار العدل ـ فأقاموه و حملوه على فرس ضعيفة و انتهبوا القصر و أدخلوا المهتدي إلى دار ناجود و هو يقول : يا موسى اتق الله ويحك ! ما تريد ؟ قال : و الله ما نريد إلا خيرا فاحلف لنا أن لا تمالىء صالح بن وصيف فحلف لهم فبايعوه حينئذ ثم طلبوا صالحا ليناظروه على أفعاله فاختفى و ندبهم المهتدي إلى الصلح فاتهموه أنه يدري مكانه فجري في ذلك كلام ثم تكلموا في خلعه فخرج إليهم المهتدي من الغد متقلدا بسيفه فقال : قد بلغني شأنكم و لست كمن تقدمني مثل المستعين و المعتز و الله ما خرجت إليكم إلا و أنا متحنط و قد أوصيت و هذا سيفي و الله لأضربن به ما استمسكت قائمته بيدي أما دين أما حياء أما دعة ؟ لم يكن الخلاف على الخلفاء و الجرأة على الله ؟ ثم قال : ما أعلم علم صالح فرضوا و انفضوا و نادى موسى بن بغا : من جاء بصالح فله عشرة ألاف دينار فلم يظفر به أحد و اتفق أن بعض الغلمان دخل زقاقا وقت الحر فرأى بابا مفتوحا فدخل فمشي في دهليز مظلم فرأى صالحا نائما فعرفه ـ و ليس عنده أحد ـ فجاء إلى موسى فأخبره فبعث جماعة فأخذوه و قطعت رأسه و طيف به و تألم المهتدي لذلك في الباطن ثم رحل موسى و معه بكيال الى السن في طلب مساور فكتب المهتدي الى بكيال أن يقتل موسى و مفلحا أحد أمراء الأتراك أيضا أو يمسكهما و يكون هو الأمير على الأتراك كلهم فأوقف بكيال موسى على كتابه و قال : إني لست أفرح بهذا و إنما هذا يعمل علينا كلنا فاجمعوا على قتل المهتدي و ساروا إليه فقاتل عن المهتدي المغاربة و الفراغنة و الأشروسنية و قتل من الأتراك في يوم أربة آلاف و دام القتال الى أن هزم جيش الخليفة و أمسك هو فعصر على خصيتيه فمات و ذلك في رجب سنة ست و خمسين فكانت خلافته سنة إلا خمسة عشر يوما و كان لما قامت الأتراك عليه ثار العوام و كتبوا رقاعا و ألقوها في المساجد : يا معشر المسلمين ادعوا الله لخليفتكم العدل الرضا المضاهي لعمر بن عبد العزيز أن ينصره الله على عدوه |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
المعتمد على الله أحمد بن المتوكل بن المعتصم أبو العباس 256 هـ ـ 279 ه
المعتمد على الله أبو العباس ـ و قيل : أبو جعفر ـ أحمد بن المتوكل بن المعتصم ابن الرشيد ولد سنة تسع و عشرين و مائتين أمه رومية اسمها فتيان و لما قتل المهتدي و كان المعتمد محبوسا بالجوسق فأخرجوه و بايعوه ثم إنه استعمل أخاه الموفق طلحة على المشرق و صير ابنه جعفرا ولي عهده و ولاه مصر و المغرب و لقبه المفوض إلى الله و انهمك المعتمد في اللهو و اللذات واشتغل عن الرعية فكرهه الناس و أحبوا أخاه طلحة و في أيامه دخلت الزنج البصرة و أعمالها و أخربوها و بذلوا السيف و أحرقوا و خربوا و سبوا و جرى بينهم و بين عسكره عدة وقعات و أمير عسكره في أكثرها الموفق أخوه و أعقب ذلك الوباء الذي لا يكاد يتخلف عن الملاحم بالعراق فمات خلق لا يحصون ثم أعقبه هدات و زلازل فمات تحت الردم ألوف من الناس و استمر القتال مع الزنج من حين تولى المعتمد سنة ست و خمسين إلى سنة سبعين فقتل فيه رأس الزنج لعنه الله و اسمه بهبوذ و كان ادعى أنه أرسل إلى الخلق فرد الرسالة و أنه مطلع على المغيبات و ذكر الصولي أنه قتل من المسلمين ألف ألف و خمسمائة ألف آدمي و قتل في يوم واحد بالبصرة ثلاثمائة ألف و كان له منبر في مدينته يصعد عليه و يسب عثمان و عليا و معاوية و طلحة و الزبير و عائشة رضي الله عنهم و كان ينادي على المرأة العلوية في عسكره بدرهمين و ثلاثة و كان عند الواحد من الزنج العشر من العلويات يطؤهن و يستخدمهن و لما قتل هذا الخبيث دخل برأسه بغداد على رمح و عملت قباب الزينة و ضج الناس بالدعاء للموفق و مدحه الشعراء و كان يوما مشهودا و أمن الناس و تراجعوا الى المدن التي أخذها و هي كثيرة كواسط و رامهرمز و في سنة ستين من أيامه وقع غلاء مفرط بالحجاز و العراق و بلغ كر الحنطة في بغداد مائة و خمسين دينارا و فيها أخذت الروم بلد لؤلؤة و في سنة إحدى و ستين بايع المعتمد بولاية العهد بعده لابنه المفوض إلى الله جعفر ثم من بعده لأخيه الموفق طلحة و ولى ولده المغرب و الشام و الجزيرة و أرمنية و ولى أخاه المشرق و العراق و بغداد و الحجاز و اليمن و فارس و أصبهان و الري و خراسان و طبرستان و سجستان و السند و عقد لكل منها لواءين : أبيض و أسود و شرط إن حدث به حدث أن الأمر لأخيه إن لم يكن ابنه جعفر قد بلغ و كتب العهد و أنفذه مع قاضي القضاء ابن أبي الشوارب ليعلقه في الكعبة و في سن ست و ستين وصلت عساكر الروم إلى ديار بكر ففتكوا و هرب أهل الجزيرة و الموصل و فيها وثبت الأعراب على كسوة الكعبة فانتهبوها و في سنة سبع و ستين استولى أحمد بن عبد الله الحجابي على خرسان و كرمان و سجستان و عزم على قصد العراق و ضرب السكة باسمه و على الوجه الآخر اسم المعتمد و هذا محل الغرابة ثم إنه آخر السنة قتله غلمانه فكفى الله شره و في سنة تسع و ستين اشتد تخيل المعتمد من أخيه الموفق فإنه كان خرج عليه في سنة أربع و ستين ثم اصطلحا فلما استد تخيله منه هذا العام كاتب المعتمد ابن طولون نائبه بمصر و اتفقا على أمر فخرج ابن طولون حتى قدم دمشق و خرج المعتمد من سامرا على وجه التنزه و قصده دمشق فلما بلغ ذلك الموفق كتب إلى إسحاق بن كنداج ليرده فركب ابن كنداج من نصيبين إلى المعتمد فلقيه بين الموصل و الحديثة فقال : يا أمير المؤمنين أخوك في وجه العدو و أنت تخرج عن مستقرك و دار ملكك و متى صح هذا عنده رجع عن مقاومة الخارجي فيغلب عدوك على ديار آباك في كلمات أخر ثم وكل بالمعتمد جماعة و رسم على طائفة من خواصه ثم بعث إلى المعتمد يقول : ما هذا بمقام فارجع فقال المعتمد : فاحلف لي أنك تنحدر معي و لا تسلمني فحلف له و انحدر إلى سامرا فتلقاه صاعد بن مخلد كاتب الموفق فسلمه إسحاق إليه فأنزل في دار أحمد بن الخصيب و منعه من نزول دار الخلافة و وكل به خمسمائة رجل يمنعون من الدخول إليه و لما بلغ الموفق ذلك بعث إلى إسحاق بخلع و أموال و أقطعه ضياع القواد الذين كانوا مع المعتمد و لقبه ذا السندين و لقب صاعدا ذا الوزارتين و أقام صاعد في خدمة المعتمد و لكن ليس للمعتمد حل و لا ربط و قال المعتمد في ذلك ( أليس من العجائب أن مثلي ... يرى ما قل ممتنعا عليه ؟ ) ( و تؤخذ باسمه الدنيا جميعا ... و ما من ذاك شيء في يديه ) ( إليه تحمل الأموال طرا ... و يمنع بعض ما يجبى إليه ) و هو أول خليفة قهر و حجر عليه و وكل به ثم أدخل المعتمد واسط و لما بلغ ابن طولون ذلك جمع الفقهاء و القضاة و الأعيان و قال : قد نكث الموفق بأمير المؤمنين فاخلعوه من العهد فخلعوه إلا القاضي بكار بن قتيبة فإنه قال : أنت أوردت علي من المعتمد كتابا بولايته العهد فأورد علي كتابا آخر منه بخلعه فقال إنه محجور عليه و مقهور فقال : لا أدري فقال ابن طولون : غرك الناس بقولهم في الدنيا مثل بكار أنت شيخ قد خرقت و حبسه و قيده و أخذ منه جميع عطاياه من سنين فكانت عشرة آلاف دينار فقيل : إنها وجدت في بيت بكار بختمها و بلغ الموفق ذلك فأمر بلعن ابن طولون على المنابر ثم في شعبان من سنة سبعين أعيد المعتمد إلى سامرا و دخل بغداد و محمد بن طاهر بين يديه بالحرية و الجيش في خدمته كأنه لم يحجر عليه و مات بن طولون في هذه السنة فولى الموفق ابنه أبا العباس أعماله و جهزه إلى مصر في جنود العراق و كان خمارويه ابن أحمد بن طولون أقام على ولايات أبيه بعده فوقع بينه و بين أبي العباس بن الموفق وقعة عظيمة بحيث جرت الأرض من الدماء و كان النصر للمصريين و في السنة انبثق ببغداد في نهر عيسى بثق فجاء الماء إلى الكرخ فهدم سبعة آلاف دار و فيها نازلت الروم طرسوس في مائة ألف فكانت النصرة للمسلمين و غنموا مالا يحصى و كان فتحا عظيما عديم المثل و فيها ظهرت دعوة المهدي عبيد الله بن عبيد جد بني عبيد خلفاء المصريين الروافض في اليمن و أقام على ذلك إلى سنة ثمان و سبعين فحج تلك السنة و اجتمع بقبيلة من كتامة فأعجبهم حاله فصحبهم إلى مصر و رأى منهم طاعة و قوة فصحبهم إلى المغرب فكان ذلك أول شأن المهدي و في سنة سنة إحدى و سبعين قال الصولي : و لي هارون بن إبراهيم الهاشمي الحسبة فأمر أهل بغداد أن يتعاملوا بالفلوس فتعاملوا بها على كره ثم تركوها و في سنة ثمان و سبعين غار نيل مصر فلم يبق منه شيء و غلت الأسعار و فيها مات الموفق و استراح منه المعتمد و فيها ظهرت القرامطة بالكوفة و هم نوع من الملاحدة يدعون أنه لا غسل من الجنابة و أن الخمر حلال و يزيدون في أذانهم [ و أن محمد ابن الحنيفة رسول الله ] و أن الصوم في السنة يومان : يوم النيروز و يوم المهرجان و أن الحج و القبلة إلى بيت المقدس و أشياء أخرى و نفق قولهم على الجهال و أهل البر و تعب الناس بهم و في سنة تسع و سبعين ضعف أمر المعتمد جدا لتمكن أبي العباس بن الموفق من الأمور و طاعة الجيش له فجلس المعتمد مجلسا عاما و أشهد فيه على نفسه أنه خلع ولده المفوض من ولاية العهد و بايع لأبي العباس و لقبه المعتضد و أمر المعتضد في هذه السنة أن لا يقعد في الطريق منجم و لا قصاص و استحلف الوارقين أن لا يبيعوا كتب الفلاسفة و الجدل و مات المعتمد بعد أشهر من هذه السنة فجأه فقيل : إنه سم و قيل : بل نام فغم في بساط و ذلك ليلة الاثنين لإحدى عشرة بقيت من رجب و كانت خلافته ثلاثا و عشرين سنة إلا أنه كان مقهورا مع أخيه الموفق لاستلائه على الأمور و مات و هو كالمحجور عليه من بعض الوجوه من جهة المعتضد أيضا و ممن مات في أيامه من الأعلام : البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي و ابن ماجة و الربيع الجيزي و الربيع المرادي و المزني و يونس بن عبد الأعلى و الزبير بن بكار و أبو الفضل الرياشي و محمد بن يحيى الذهلي و حجاج بن يوسف الشاعر و العجلي الحافظ و قاضي القضاة ابن أبي الشوارب و السوسي المقرئ و عمر بن شبة و أبو زرعة الرازي و محمد بن عبد الله بن عبد الحكم و القاضي بكار و داود الظاهري و ابن دارة و بقي بن مخلد و ابن قتيبة و أبو الحاتم الرازي و آخرون و من قول عبد الله بن المعتز في المعتمد يمدحه : ( يا خير من تزجى المطي له ... و يمر حبل العهد موثقه ) ( أضحى عنان الملك مقتسرا ... بيديك تحسبه و تطلقه ) ( فاحكم لك الدنيا و ساكنها ... ما طاش سهم أنت موفقه ) و من شعر المعتمد لما حجر عليه : ( أصبحت لا أملك دفعا لما ... أسام من خسف و من ذلة ) ( تمضي أمور الناس دوني و لا ... يشعرني في ذكرها قلتي ) ( إذا اشتهيت الشيء و لوا به ... عني و قالوا : ههنا علتي ) قال الصولي : كان له وراق يكتب شعره بماء الذهب و رثاه أبو سعيد الحسن بن سعيد النيسابوري بقوله : ( لقد قر طرف الزمان النكد ... و كان سخيا كليلا رمد ) ( و بلغت الحادثات المنى ... بموت إمام الهدى المعتمد ) ( و لم يبق لي حذر بعده ... فدون المصائب فلتجهد ) |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
المعتضد بالله بن الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم 279 هـ ـ 289 ه
المعتضد بالله : أحمد أبو العباس ابن ولي العهد الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد ولد في ذي القعدة سنة اثنتين و أربعين و مائتين و قال الصولي : في ربيع الأول سنة ثلاث و أربعين و مائتين و أمه أم ولد اسمها صواب و قيل : حرز و قيل ضرار و بويع له رجب سنة تسع و سبعين و مائتين بعد عمه المعتمد و كان ملكا شجاعا مهيبا ظاهر الجبروت وافر العقل شديد الوطأة من أفراد خلفاء بني العباس و كان يقدم على الأسد وحده لشجاعته و كان قليل الرحمة : إذا غضب على قائد أمر بأن يلقى في حفيره و يطم عليه و كان ذا سياسة عظيمة قال عبد الله بي حمدون : خرج المعتضد يتصيد فنزل إلى جانب مقثأة ـ و أنا معه ـ فصاح الناطور فقال : علي به فأحضر فسأله فقال : ثلاثة غلمان نزلوا المقثأة فأخربوها فجيء بهم فضربت أعناقهم من الغد المقثأة ثم كلمني بعد مدة فقال : أصدقني فيما ينكر علي الناس قلت : الدماء قال : و الله ما سفكت دما حراما منذ وليت قلت أحمد بن الطيب ؟ قال : دعاني إلى الإلحاد قلت : فالثلاثة الذين نزلوا المقثأة ؟ قال : و الله ما قتلتهم و إنما قتلت لصوصا قد قتلوا و أوهمت أنهم هم و قال إسماعيل القاضي : دخلت على المعتضد و على رأسه أحداث صباح الوجوه روم فنظرت إليهم فلما أردت القيام قال لي : أيها القاضي و الله ما حللت سراويلي على حرام قط و دخلت مرة فدفع إلي كتابا فنظرت فيه فإذا هو قد جمع له فيه الرخص من زلل العلماء فقلت : مصنف هذا زنديق فقال : أمختلق ؟ قلت : لا و لكن من أباح المسكر لم يبح المتعة و من أباح المتعة لم يبح الغناء و ما من عالم إلا و له زله و من أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه فأمر بالكتاب فأحرق و كان المعتضد شهما جلدا موصوفا بالرجلة قد لقي الحروب و عرف فضله فقام بالأمر أحسن قيام و هابه الناس و رهبوه أحسن رهبة و سكنت الفتن في أيامه لفرط هيبته و كانت أيامه طيبة كثيرة الأمن و الرخاء و كان قد أسقط المكوس و نشر العدل و رفع الظلم عن الرعية و كان يسمى [ السفاح الثاني ] لأنه جدد ملك بني العباس و كان قد خلق و ضعف و كاد يزول و كان في اضطرب من وقت قتل المتوكل و في ذلك يقول ابن الرومي يمدحه : ( هنيئا بني العباس إن إمامكم ... إمام الهدى و البأس و الجود أحمد ) ( كما بأبي العباس أنشئ ملككم ... كذا بأبي العباس أيضا يجدد ) ( إمام يظل الأمس يعمل نحوه ... تلهف ملهوف و يشتاقه الغد ) و قال في ذلك ابن المعتز أيضا : ( أما ترى ملك بني هاشم ... عاد عزيزا بعدما ذللا ) ( يا طالبا للملك كن مثله ... تستوجب الملك و إلا فلا ) و في أول سنة استخلف فيه منع الوارقين من بيع كتب الفلاسفة و ما شاكلها و منع القصاص و المنجمين من القعود في الطريق و صلى بالناس صلاة الأضحى فكبر في الأولى ستا و في الثانية واحدة و لم تسمع منه الخطبة و في سنة ثمانين دخل داعي المهدي إلى القيروان و فشا أمره و وقع القتال بينه و بين صاحب إفريقية و صار أمره في زيادة و فيها ورد كتاب من الدبيل أن القمر كسف في شوال و أن الدنيا أصبحت مظلمة إلى العصر فبهت ريح سوداء فدامت إلى ثلث الليل و أعقبها زلزلة عظيمة أذهبت عامة المدينة فكان عدة من أخرج من تحت الردم مائة ألف و خمسين ألفا و في سنة إحدى و ثمانين فتحت مكورية في بلاد الروم و فيها غارت مياه الري و طبرستان حتى بيع الماء ثلاثة أرطال بدرهم و قحط الناس و أكلوا الجيف و فيها هدم المعتضد دار الندوة بمكة وصيرها مسجدا إلى جانب المسجد الحرام و في سنة اثنتين و ثمانين أبطل ما يفعل في النيروز : من وقيد النيران و صب الماء على الناس و أزال سنة المجوس و فيها زفت إليه قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون فدخل عليها في ربيع الأول و كان في جهازها أربعة آلاف تكة مجوهرة و عشر صناديق جوهر و في سنة ثلاث و ثمانين كتب إلى الآفاق بأن يورث ذوو الأرحام و أن يبطل ديوان المواريث و كثر الدعاء للمعتضد و في سنة أربع و ثمانين ظهرت بمصر حمرة عظيمة حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الرجل فيراه أحمر و كذا الحيطان فتضرع الناس بالدعاء إلى الله تعالى و كانت من العصر إلى الليل قال ابن جرير : و فيها عزم المعتضد على لعن معاوية على المنابر فخوفه عبيد الله الوزير اضطراب العامة فلم يلتفت و كتب كتابا في ذلك ذكر فيه كثيرا من مناقب علي و مثالب معاوية فقال له القاضي يوسف : يا أمير المؤمنين أخاف الفتنة عند سماعه فقال : إن تحركت العامة وضعت السيف فيها قال : فما تصنع بالعلويين الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك ؟ و إذا سمع الناس هذا من فضائل أهل البيت كانوا إليهم أميل فأمسك المعتضد عن ذلك و في سنة خمس و ثمانين هبت ريح صفراء بالبصرة ثم صارت خضراء ثم صارت سوداء و امتدت في الأمصار و وقع عقبها برد زنة البردة مائة و خمسون درهما و قلعت الريح نحو خمسمائة نخلة و مطرت قرية حجارة سودا و بيضا و في سنة ست و ثمانين ظهر بالبحرين أبو سعيد القرمطي و قويت شوكته ـ و هو أبو أبي طاهر سليمان الذي يأتي أنه قلع الحجر الأسود ـ و وقع القتال بينه و بين عسكر الخليفة و أغار على البصرة و نواحيها و هزم جيش الخليفة مرات و من أخبار المعتضد ما أخرجه الخطيب و ابن عساكر عن أبي الحسين الخصيبي قال : وجه المعتضد إلى القاضي أبي حازم يقول : إن لي على فلان مالا و قد بلغني أن غرماءه أثبتوا عندك و قد قسطت لهم من ماله فاجعلنا كأحدهم فقال أبو حازم : قل له : أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ذاكر لما قال لي وقت قلدني إنه قد أخرج الأمر من عنقه و جعله في عنقي و لا يجوز لي أن أحكم في مال رجل لمدع إلا ببينة فرجع إليه فأخبره فقال : قل له : فلان و فلان يشهدان ـ يعني رجلين جليلين ـ فقال : يشهدان عندي و أسأل عنهما ؟ فإن زكيا قبلت شهادتهما و إلا أمضيت ما قد ثبت عندي فامتنع أولئك من الشهادة فزعا و لم يدفع إلى المعتضد شيئا و قال ابن حمدون النديم : غرم المعتضد على عمارة البحيرة ستين ألف دينار و كان يخلوا فيها مع جواريه و فيهن محبوبته دريرة فقال ابن بسام : ( ترك الناس بحيره ... و تخلى في البحيره ) ( قاعدا يضرب بالطبـ ... ل على حر دريره ) فبلغ ذلك المعتضد فلم يظهر أنه بلغه ثم أمر بتخريب تلك العمارات ثم ماتت دريرة في أيام المعتضد فجزع عليها شديدا و قال يرثيها : ( يا حبيبا لم يكن يعـ ... دله عندي حبيب ) ( أنت عن عيني بعيد ... و من القلب قريب ) ( ليس لي بعدك في شـ ... يء من اللهو نصيب ) ( لك من قلبي على قلـ ... بي و إن بنت رقيب ) ( و خيال منك مذ عبـ ... ت خيال لا يغيب ) ( لو تراني كيف لي بعـ ... دك عول و نحيب ؟ ) ( و فؤادي حشوه من ... حرق الحزن لهيب ) ( لتيقنت بأني ... فيك محزون كئيب ) ( ما أرى نفسي و إن سلـ ... يتها عنك تطيب ) ( لي دمع ليس يعصيـ ... ني و صبر ما يجيب ) و قال بعضهم يمدح المعتضد و هي على جزء جزء : ( طيف ألم ... بذي سلم ) ( بين الخيم ... يطوي الأكم ) ( جاد نعم ... يشفي السقم ) ( ممن لئم ... و ملتزم ) ( فيه هضم ... إذا يضم ) ( داوى الألم ... ثم انصرم ) ( فلم أنم ... شوقا و هم ) ( اللوم ذم ... كم ثم كم ) ( لوم الأصم ؟ ... أحمد لم ) ( كل الثلم ... مما انهدم ) ( هو العلم ... و المعتصم ) ( خير النسم ... خالا و عم ) ( حوى الهمم ... و ما احتلم ) ( طود أشم ... شمح الشيم ) ( جلا الظلم ... كالبدر تم ) ( رعى الذمم ... حمى الحرم ) ( فلم يؤم ... خص و عم ) ( بما قسم ... له النعم ) ( مع النقم ... و الخير جم ) ( إذا ابتسم ... و الماء دم ) ( إذا انتقم ) اعتل المعتضد في ربيع الآخر سنة تسع و ثمانين علة صعبة و كان مزاجه تغير من كثرة إفراطه في الجماع ثم تماسك فقال ابن المعتز : ( طار قلبي بجناح الوجيب ... جزعا من حادثات الخطوب ) ( و حذارا أن يشاك بسوء ... أسد الملك و سيف الحروب ) ثم انتكس و مات يوم الاثنين لثمان بقين منه و حكى المسعودي قال : شكوا في موت المعتضد فتقدم إليه الطبيب و جس نبضه ففتح عينيه و رفس الطبيب برجله فتدحاه أذرعا فمات الطبيب ثم مات المعتضد من ساعته و لما احتضر أنشد : ( تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى ... و خذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا ) ( و لا تأمنن الدهر إني أمنته ... فلم يبق لي حالا و لم يرع لي حقا ) ( قتلت صناديد الرجال فلم أدع ... عدوا و لم أمهل على ظنة خلقا ) ( و أخيلت دور الملك من كل بازل ... و شتتهم غربا و مزقتهم شرقا ) ( فلما بلغت النجم عزا و رفعة ... و دانت رقاب الخلق أجمع لي رقا ) ( رماني الردى سهما فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى ) ( فأفسدت دنياي و ديني سفاهة ... فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى ؟ ) ( فيا ليت شعري بعد موتي ما أرى ... إلى نعمة الله أم نارة ألقى ؟ ) و من شعر المعتضد : ( يا لا حظي بالفتور و الدعج ... و قاتلي بالدلال و الغنج ) ( أشكو إليك الذي لقيت من ال ... وجد فهل لي إليك من فرج ) ( حللت بالطرف و الجمال من الن ... اس محل العيون و المهج ) و له أنشده الصولي ( لم يلق من حر الفراق ... أحد كما أنا منه لاق ) ( يا سائلي عن طعمه ... ألفيته مر المذاق ) ( جسمي يذوب و مقلتي ... عبرى و قلبي ذو احتراق ) ( ما لي أليف بعدكم ... إلا اكتئابي و اشتياقي ) ( فالله يحفظكم جميعـ ... ا في مقام و انطلاق ) و لابن المعتز يرثيه : ( يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا ... و أنت والد سوء تأكل الولدا ) ( أستغفر الله بل ذا كله قدر ... رضيت بالله ربا واحدا صمدا ) ( يا ساكن القبر في غبراء مظلمة ... بالظاهرية مفصى الدار منفردا ) ( أين الجيوش التي قد كنت تنجبها ؟ ... أين الكنوز التي أحصيتها عددا ) ( أين السرير الذي قد كنت تملؤه ؟ ... مهابة من رأته عينه ارتعدا ) ( أين الأعادي الأولى ذللت مصعبهم ؟ ... أين الليوث التي صيرتها بددا ) ( أين الجياد التي حجلتها بدم ؟ ... و كن يحملن منك الضيغم الأسدا ) ( أين الرماح التي غديتها مهجا ؟ ... مذ مت ما وردت قلبا و لا كبدا ) ( أين الجنان التي تجري جداولها ؟ ... و تستجيب إليها الطائر الغردا ) ( أين الوصائف كالغزلان راتعة ؟ ... يسحبن من حلل موشية جددا ) ( أين الملاهي ؟ و أين الراح تحسبها ؟ ... يا قوتة كسيت من فضة زردا ) ( أين الوثوب إلى الأعداء مبتغيا ؟ ... صلاح ملك بني العباس إذ فسدا ) ( ما زلت تقسر منهم كل قسورة ... و تحطم العالي الجبار معتمدا ) ( ثم انقضيت فلا عين و لا أثر ... حتى كأنك يوما لم تكن أحدا ) مات في أيام المعتضد من الأعلام : ابن المواز المالكي و ابن أبي الدنيا و إسماعيل القاضي و الحارث بن أبي أسامة و أبو العيناء و المبرد و أبو سعيد الخراز شيخ الصوفية و البحتري الشاعر و خلائق آخرون و خلف المعتضد من الأولاد أربعة ذكور و من الإناث إحدى عشرة |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
المعتصم بالله يتولى الخلافة العباسية.
218 رجب - 833 م هو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد، بويع له بالخلافة بعد موت المأمون، ولما بويع له شغب الجند، ونادوا باسم العباس بن المأمون، فأرسل إليه المعتصم، فأحضره، فبايعه، ثم خرج إلى الجند، فقال ما هذا الحب البارد؟ قد بايعت عمي، فسكتوا وأمر المعتصم بخراب ما كان المأمون أمر ببنائه من طوانة وحمل ما أطاق من السلاح والآلة التي بها وأحرق الباقي، وأعاد الناس الذين بها إلى البلاد التي لهم، وانصرف إلى بغداد، ومعه العباس بن المأمون، فقدمها مستهل شهر رمضان. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
دخول المعتصم بغداد بعد توليه الخلافة.
218 رمضان - 833 م ركب المعتصم بالجنود قاصدا بغداد، وفي صحبته العباس بن المأمون فدخلها يوم السبت مستهل رمضان في أبهة عظيمة وتجمل تام. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
استمرار محنة الإمام أحمد بن حنبل على يد المعتصم.
219 - 834 م بعد أن كان الإمام أحمد قد قيد وسير به إلى المأمون ثم عاد لبغداد لما وصلهم نبأ وفاة المأمون، وتولى بعده المعتصم استمر على نفس الامتحان فأحضره المعتصم وامتحنه بالقول بخلق القرآن فلم يجبه الإمام أحمد وكل ذلك وهو ثابت على قوله القرآن كلام الله غير مخلوق فجلد جلداً عظيماً حتى غاب عقله، وتقطع جلده، وحبس مقيداً رضي الله عنه. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
عقد المعتصم للأفشين لقتال بابك الخُرَّمي.
220 - 835 م عقد المعتصم للأفشين حيدر بن كاوس على الجبال، ووجهه لحرب بابك الخرمي فسار إليه، وكان ابتداء خروج بابك سنة إحدى ومائتين، ثم إن الأفشين سار إلى بلاد بابك، فنزل برزند، وعسكر بها وضبط الطرق والحصون فيما بينه وبين أردبيل، وأنزل محمد بن يوسف بموضع يقال له خش، فحفر خندقاً وأنزل الهيثم الغنوي برستاق أرشق، فأصلح حصنه، وحفر خندقه؛ وأنزل علويه الأعور، من قواد الأبناء، في حصن النهر مما يلي أردبيل، فكانت والقوافل تخرج من أردبيل ومعها من يحيمها، حتى تنزل بحصن النهر، ثم يسيرها صاحب حصن النهر إلى الهيثم الغنوي، فيلقاه الهيثم بمن جاء إليه من ناحية في موضع معروف لا يتعداه أحدهم إذا وصل إليه، فإذا لقيه أخذ ما معه، وسلم إليه ما معه، ثم يسير الهيثم بمن معه إلى أصحاب أبي سعيد، فيلقونه بمنتصف الطريق، ومعهم من خرج من العسكر، فيتسلمون ما مع الهيثم ويسلمون إليه ما معهم، وإذا سبق أحدهم إلى المنتصف لا يتعداه، ويسير أبو سعيد بمن معه إلى عسكر الأفشين فيلقاه صاحب سيارة الأفشين، فيتسلمهم منه، ويسلم إليه من صحبه من العسكر، فلم يزل الأمر على هذا. وكانوا إذا ظفروا بأحد من الجواسيس حملوه إلى الأفشين، فكان يحسن إليهم، ويهب لهم، ويسألهم عن الذي يعطيهم بابك، فيضعفه لهم، ويقول لهم: كونوا جواسيس لنا فكان ينتفع بهم. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
غضب المعتصم على الفضل بن مروان وعزله عن الوزراة.
220 رجب - 835 م غضب المعتصم على الفضل بن مروان بعد المكانة العظيمة التي كانت له، وعزله عن الوزراة وحبسه وأخذ أمواله وجعل مكانه محمد بن عبدالملك بن الزيات فكان المعتصم يقول: عصى الله، وأطاعني، فسلطني الله عليه. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
فتح عمورية على يد المعتصم وقائده الأفشين.
223 شوال - 838 م لما فعل الروم ما فعلوا بأهل زبطرة وغيرها، وكانت فتنة بابك قد انتهت سار المعتصم بجيشه قاصدا فتح عمورية إذ كانت تعد من أقوى مدن الروم بل ربما كانت بمكانة القسطنطينية، فكان أول الأمر أن التقى الأفشين مع الروم وهزمهم شر هزيمة ثم سار المعتصم والأفشين وأشنان كل على رأس جيش متوجهين إلى عمورية وكانت حصينة ذات سور منيع وأبراج تحصن أهلها فيها، فصبت المنجنيقات وهدم السور من جهة كانت ضعيفة دلهم عليها أحد الأسرى، فبعث نائب البلد لملك الروم كتابا يعلمه بالأمر ولكن الكتاب لم يصل حيث قبض على الغلامين الذين كان معهما الكتاب، ثم زاد الضرب بالمنجنيق حتى انهدم ذلك الجزء لكنه لا يزال صغيرا على دخول الجيش ثم إن الموكل بحفظ ذلك البرج من الروم لم يستطع الصمود فنزل للقتال ولم يعاونه أحد من الروم فلما وصل إليه أمر المعتصم المسلمين أن يدخلوا البلد من تلك الثغرة التي قد خلت من المقاتلة، فركب المسلمون نحوها فجعلت الروم يشيرون إليهم ولا يقدرون على دفاعهم، فلم يلتفت إليهم المسلمون، ثم تكاثروا عليهم ودخلوا البلد قهرا وتتابع المسلمون إليها يكبرون، وتفرقت الروم عن أماكنها فجعل المسلمون يقتلونهم في كل مكان حيث وجدوهم، وقد حشروهم في كنيسة لهم هائلة ففتحوها قسرا وقتلوا من فيها وأحرقوا عليهم باب الكنيسة فاحترقت فأحرقوا عن آخرهم، ولم يبق فيها موضع محصن سوى المكان الذي فيه النائب، وهو مناطس في حصن منيع، ثم أنزل مهانا وأخذ المسلمون من عمورية أموالا لا تحد ولا توصف فحملوا منها ما أمكن حمله، وأمر المعتصم بإحراق ما بقي من ذلك، وبإحراق ما هنالك من المجانيق والدبابات وآلات الحرب لئلا يتقوى بها الروم على شيء من حرب المسلمين، ثم انصرف المعتصم راجعا إلى ناحية طرسوس في آخر شوال من هذه السنة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة الخليفة العباسي المعتصم وتولي الواثق بالله الخلافة.
227 ربيع الأول - 842 م توفي المعتصم أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، يوم الخميس لثماني عشرة مضت من ربيع الأول، وكان بدء علته أنه احتجم أول يوم في المحرم، واعتل عندها، وكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر ويومين، بويع الواثق بالله هارون بن المعتصم في اليوم الذي توفي فيه أبوه، وكان يكنى أبا جعفر، وأمه أم ولد رومية، تسمى قراطيس. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
تولي المستعين أحمد بن المعتصم الخلافة بعد المنتصر.
248 ربيع الثاني - 862 م بويع أحمد بن محمد بن المعتصم بالخلافة؛ وكان سبب ذلك أن المنتصر لما توفي اجتمع الموالي على الهارونية من الغد، وفيها بغا الكبير، وبغا الصغير، وأتامش، وغيرهم، فاستخلفوا قواد الأتراك، والمغاربة، والشروسنية على أن يرضوا بمن رضي به بغا الكبير، وبغا الصغير، وأتامش، وذلك بتدبير أحمد بن الخصيب، فحلفوا وتشاوروا وكرهوا أن يتولى الخلافة أحد من ولد المتوكل لئلا يغتالهم، واجتمعوا على أحمد بن محمد بن المعتصم، وقالوا: لا تخرج الخلافة من ولد مولانا المعتصم، فبايعوه ليلة الاثنين لست خلون من ربيع الآخر وهو ابن ثمان وعشرين سنة، ويكنى أبا العباس، فاستكتب أحمد بن الخصيب، واستوزر أتامش. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
411 - محمد المعتصم بالله، أمير المؤمنين، أبو إسحاق بن هارون الرشيد ابن المهديّ، الهاشميّ العبّاسيّ. [الوفاة: 221 - 230 ه]
وُلِدَ سنة ثمانين ومائة، وأُمَّه أمُّ ولد اسمُها ماردة. رَوَى عَنْ: أبيه، وَعَنْ: أخيه المأمون. رَوَى عَنْهُ: إسحاق الموصلي، وحمدون بن إسماعيل، وآخرون. وبويع بعد المأمون بعَهْدٍ منه إليه في رابع عشر رجب سنة ثماني عشرة ومائتين. وكان أبيض، أصْهب اللحية طويلها، رَبْع القامة، مُشْرب الَّلون، ذا شجاعة وقوّة وهمّة عالية. وكانت خلافته ثمانية أعوام وثمانية أشهر، وكان عُرْيًا من العِلْم؛ فروى الصُّوليّ عن محمد بن سعيد، عن إبراهيم بن محمد الهاشميّ قال: كان مع المعتصم غلام في الكُتّاب يتعلّم معه، فمات الغلام، فقال له الرشيد أبوه: يا محمد، مات غلامك. قال: نعم يا سيّدي، واستراح من -[693]- الكُتّاب. فقال: وإن الكتّاب لَيَبْلغ منك هذا؟! دعوه؛ لا تعلّموه. قال: فكان يكتب ويقرأ قراءةً ضعيفة. قال خليفة: حجّ بالنّاس أبو إسحاق ابن الرشيد سنة مائتين. وقال الصولي: حدثنا عون بن محمد قال: رأيت المعتصم أوّل رَكْبةٍ رَكِبها ببغداد وهو خليفة حين قدِم من الشّام، وذلك أوّل يومٍ من رمضان سنة ثمان عشرة، وأحمد بن أبي دُؤَاد يُسايره، وهو مُقْبل عليه. وقال أبو الفضل الرِّياشيّ: كتب ملك الروم - لعنه الله - إلى المعتصم يتهدّده، فأمرَ بجوابه، فلمّا قُرئ عليه الجواب لم يرضه، وقال للكاتب: اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أمّا بعد، فقد قرأت كتابك وسمعت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لمن عُقْبَى الدار. وقال أبو بكر الخطيب وغيره: غزا المعتصم بلاد الروم سنة ثلاثٍ وعشرين، فأنكى في العدّو نكايةً عظيمة، ونصَب على عَمّورِية المجانيق، وفتحها، وقتل ثلاثين ألفًا، وسبى مثلهم، وكان في سَبْيه ستّون بِطْريقًا، ثمّ أحرق عَمُّورِية. قال خليفة: وفي هذه السنة أُتِيَ ببابَك الخُّرْميّ أسيرًا، فأمر بقطع أربعته وصلبه. قلت: كان من أَهْيب الخلفاء وأعظمهم، لولا ما شان سُؤْددَه بامتحان العلماء بخلْق القرآن، نسأل الله السّلامة. قال نفطويه: للمعتصم مناقب، وكان يقال له: المثمّن، فإنه كان ثامن الخلفاء من بني العبّاس، ومَلَك ثمان سنين وثمانية أشهر، وفتح ثمانية فتوح؛ بلاد بابَك على يد الأفشين، وفتح عَمُّورِية بنفسه، والزُّطّ بعجيف، وبحر البصرة، وقلعة الأجراف، وأعراب ديار ربيعة، والشّاري، وفتح مصر. وقتل ثمانية أعداء؛ بابَك، وباطيش، ومازَيار، ورئيس الزّنادقة، والأفشين، -[694]- وعُجَيْفًا، وقارون، وقائد الرافضة. وإنّما فتح مصر قبل خلافته. وزاد غير نَفْطَوَيْه إنّه خَلّف من الذَّهب ثمانية آلاف ألف دينار، ومن الدّراهم مثلها. وقيل: ثمانية عشر ألف ألف، ومن الخيل ثمانين ألف فَرَس، وثمانية آلاف مملوك، وثمانية آلاف جارية، وبنى ثمانية قصور، وقيل: بل بلغ عدد غلمانه التُّرْك ثمانية عشر ألفًا. وعن أحمد بن أبي دُؤاد قال: استخرجت من المعتصم في حَفر نهر الشّاش ألفي ألف، غير أنّه كان إذا غضب لا يُبالي من قتلَ. وقال إسحاق المَوْصِليّ: دخلت عليه وعنده قَيْنَةٌ تغني، فقال: كيف تراها؟ قلت: تقهر الغناء برفق، وتجليه برِفْق، وتخرج من الشيء إلى أحسن منه، وفي صوتها شجى وشذور أحسن من در على النحور. فقال: صفتك لها أحسن منها ومن غنائها، خذها لك. فامتنعت لعلمي محبته لها، فوصلني بمقدار قيمتها. وبَلَغَنا أنّ المعتصم لمّا تجهّز لغزو عَمُّورِيَة حكم المنّجمون أنّ ذلك طالَع نَحْس، وأنّه يُكْسَر، فكان من ظَفْرِه ونَصْرِه ما لم يَخْفَ، وفي ذلك يقول أبو تمام الطائي قصيدته البديعة: السَّيفُ أصدق إنباءً من الكُتُبِ ... في حَدّهِ الحَدُّ بين الْجِدّ والَّلعبِ منها: والعلم في شهب الأرماح لامعةً ... بين الخَمِيسَيْن لا في السَّبْعةِ الشُّهُبِ أين الرواية أمّ أين النّجومُ وما ... صاغوه من زُخْرُفٍ فيها ومن كذِبِ تخرُّصًا وأحاديثًا مُلَفْقَةً ... ليست بنَبْع إذا عُدَّت ولا غَرَبِ وعن أحمد بن أبي دُؤَاد قال: كان المعتصم يُخرج ساعده إليّ ويقول: يا أبا عبد الله، عُضّ ساعدي بأكثر قوّتك. فأقول: ما تَطِيب نفسي. فيقول: إنه لا يضرني. فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسِنّة، فضلًا عن الأسنان. وانصرف يومًا من دار المأمون إلى داره، وكان شارع الميدان منتظما -[695]- بالخِيَم، فيها الْجُنْد، فإذا امرأة تبكي وتقول: ابني ابني. وإذا بعض الْجُنْد قد أخذ ولدها، فدعاه المعتصم، وأمره بردّ ابنها عليها، فأبى، فاستدناه، فدنا منه، فقبض عليه بيده، فسمعتُ صوت عظامه، ثمّ أطلقه فسقط، وأمر بإخراج الصّبيّ إلى أمّه. وقال أحمد بن أبي طاهر: ذكر أحمد بن أبي دُؤَاد المعتصم يومًا، فأسهب في ذِكْرِه، وأطنب في وصْفه، وذكر من سعة أخلاقه ورضيّ أفعاله، وقال: كثيرًا ما كنتُ أُزامله في سفره. قال أبو بكر الخطيب: ولكَثْرة عسكر المعتصم وضِيق بغداد عنه بنى سُرّ من رأى، وانتقل إليها فسكنها بعسكره، وسُمّيت العسكر، وذلك في سنة إحدى وعشرين ومائتين. وعن عليّ بن يحيى المنجّم قال: استتمّ عِدّة غلمان المعتصم الأتراك بضعة عشر ألفًا، وعُلِّق له خمسون ألف مِخْلاة، وذَلَّل العدَوّ بالنّواحي. فيقال: إنه قال في مرض موته: {{حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً}}. وقال المسعودي: وَزَرَ له ابن الزّيّات إلى آخر أيّامه، وغلب عليه أحمد بن أبي دؤاد. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عليّ بن الْجَعْد قال: لمّا احتضر المعتصم جعل يقول: ذهبت الحيلة فليس حيلة، حَتّى صمت. قال: وحدَّثني شيخ من قُريش أنّه جعل يقول: أؤخذ من بين هذا الخلّق. قال: وكان أصهب اللحية جدا، طويلها. قلت: وللمعتصم شعرٌ لا بأس به، وكلمات فصيحة. قال نَفْطَوَيْه: فممّا يُرْوَى من كلامه: إذا شُغلت الألباب بالأداب، والعقول بالتعليم، تنبّهَت النفوس على محمود أمرها، وأبرز التّحريك حقائقها. -[696]- قال نَفْطَوَيْه: وحُدِّثت أنّه كان من أشدّ النّاس بطْشًا، وأنّه جعل زَنْد رجلٍ بين إصبعيه فكسره. وقال عبد الله بن حمدون النّديم، عن أبيه، سمع المعتصم يقول: عاقل عاقل مرّتين أحمق. وقال إسحاق بن إبراهيم الأمير: واللهِ ما رأيت كالمعتصم رجلًا؛ لقد رأيته يملي كتابا، ويقرأ كتابا، ويعقد بيده، وإنّه لَيُنْشِدُ شعر أبي خِراش الهُذَليّ: حَمِدتُ إلهِي بعد عُرْوَة إذ نجا ... خِراشٌ وبعضُ الشَّرِّ أهْوَنُ من بعضِ بلى إنّها تَعْفُو الكلوم، وإنما ... نوكل بالأدنى، وإنْ جلّ ما يمضي ولم أدرِ من ألقى عليه رداءه ... ولكنه قد سل عن ماجد محض مات المعتصم يوم الخميس لإحدى عشرة ليلةً بقِيَت من ربيع الأوّل سنة سبْعٍ وعشرين، وله سبْعٍ وأربعون سنة وسبعة أشهر. قلت: فهذا يدلُ على أنّ مولده قبل سنة ثمانين بأشهُر، ودُفِنَ بسُرّ مَنْ رأي، وصلّى ابنه الواثق عليه. ومِن أحسن ما سُمِع مِن المعتصم قوله إنْ صحّ عنه: اللهمّ إنّك تعلم أنّي أخافك من قِبَلي ولا أخافك من قِبَلك، وأرجوك من قِبَلك ولا أرجوك من قِبَلي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
466 - هارون الواثق بالله أَبُو جَعْفَر، وقيل: أَبُو القاسم. أمير المؤمنين، ولد المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بْن الرشيد هارون بْن المهديّ محمد بْن المنصور الهاشمي العباسيّ. [الوفاة: 231 - 240 ه]
وأُمُّه روميّة اسمها قراطيس، أدركت دولته. ولي الأمر بعهدٍ من أَبِيهِ. ونقل إِسْمَاعِيل الخطبيّ أنّه وُلِدَ لَعشْرٍ بقين من شَعْبَان سنة ست وتسعين ومائة. وقال يَحْيَى بْن أكثم: ما أحسَنَ أحدٌ إلى آل أَبِي طالب ما أحسن إليهم الواثق؛ ما مات وفيهم فقير. وقال حمدون بْن إِسْمَاعِيل: كَانَ الواثق مليح الشِّعْر، وكان يُحبُّ خادمًا أُهْدِيّ لَهُ من مصر، فأغضبه الواثق يومًا، ثُمَّ إنه سمعه يَقُولُ لبعض الخَدَم: واللهِ إنّه لَيَرُوم أن أكلّمه من أمس فما أفعل، فقال الواثق: يا ذا الَّذِي بعذابي ظلّ مفتخرًا ... ما أنت إلّا مليكٌ جار إذ قدرا لولا الهوى لتجازينا عَلَى قَدَرٍ ... وإنْ أُفِقْ منه يومًا ما فسوف ترى قَالَ الخطيب: كَانَ أَحْمَد بْن أَبِي دُؤاد قد استولى عَلَى الواثق وحمله -[951]- عَلَى التشدُّد فِي المحنة. ودعا النّاس إلى القول بِخلْق القرآن. ويُقال: إنّ الواثق رجع عن ذلك القول قبل موته. وقال عبيد الله بن يحيى: حدثنا إِبْرَاهِيم بْن أسباط بْن السَّكَن قَالَ: حُمِلَ رجلٌ فيمَن حُمِلَ، مُكَبَّلٌ بالحديد من بلاده، فأُدْخِلَ. فقال ابن أَبِي دُؤاد: تقولُ أَوْ أقول؟ قَالَ: هذا أوّل جوركم. أخرجتم النّاس من بلادهم، ودعوتموهم إلى شيء. لا، بل أقول. قَالَ: قُلْ. والواثق جالس. فقال: أخبرني عَنْ هذا الرأي الَّذِي دَعْوتُم النّاس إِلَيْهِ، أَعَلِمَهُ رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فلم يدعُ النَّاس إِلَيْهِ، أم شيء لم يَعْلَمْه؟ قَالَ: عَلِمَه. قَالَ: فكانَ يسعه أن لا يدعو النّاس إِلَيْهِ، وأنتم لا يسعكم. قَالَ: فبُهِتُوا. قَالَ: فاستضحك الواثق، وقام قابضًا عَلَى فمه، ودخل بيتًا ومدَّ رِجْليه وهو يَقُولُ: وَسِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أن يسكت عنه ولا يسعنا. فأمر أن يُعْطَى ثلاث مائة دينار، وأن يُردّ إلى بلده. وعن طاهر بْن خَلَف: سمعتُ المهتدي بالله ابن الواثق يَقُولُ: كَانَ أَبِي إذا أراد أن يقتل رجلًا أَحْضَرَنا. فأُتِيَ بشيخ مخضوب مقيَّد، وقال أَبِي: ائذنوا لابن أَبِي دُؤاد وأصحابه. وأُدْخِلَ الشيخ فقال: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: لا سلَم اللَّه عليك. قَالَ: بئس ما أدَّبك مؤدِّبُك. قَالَ اللَّه تعالى: " {{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ ردوها}} ". قلت: هذه حكاية مُنْكرَة، ورُواتُها مَجاهيل، لكن نسوقها. قَالَ: فقال ابن أَبِي دُؤاد: يا أمير المؤمنين الرجل متكلِّم. فقال لَهُ: كلِّمْهُ. فقال: يا شيخ ما تقولُ فِي القرآن؟ قَالَ: لِمَ تنصفني، ولي السؤال. قَالَ: سَلْ يا شيخ قَالَ: ما تقولُ فِي القرآن؟ قَالَ: مخلوق. قَالَ: هذا شيء عَلِمَهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بَكْر وعمر والخلفاء، أم شيء لَم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه. فقال: سبحان الله، شيء لَم يعلموهُ أَعَلِمْتَه أنت؟ قَالَ: فَخَجِل وقال: أقِلْنِي. قَالَ: والمسألةُ بِحالِها؟ قَالَ: نعم. قَالَ: ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق، قال: شيء علمه رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: علمه. قال: علمه ولم يدع إليه الناس؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أفلا وسِعَك ما وسِعَه ووسع الخلفاء بعده. فقام أبي فدخل الخلْوة، واستلقى وهو يَقُولُ: شيء لَم يعلمه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلا أَبُو بَكْرٍ، ولا عمر، ولا عثمان، ولا عليّ، عَلِمْته أنت؟ سبحان اللَّه؛ عَلِمُوه ولَم يدْعوا النّاس إِلَيْهِ، أفلا وسِعَك ما وسِعَهم؟ ثُمَّ أمر برفع قيود الشيخ، وأمر -[952]- له بأربع مائة دينار، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد، ولَم يمتحن بعدها أحدًا. وروى نحوًا من هذه الواقعة أَحْمَد بْن السِّنْديّ الحداد، عَنْ أَحْمَد بْن الممتنع، عَنْ صالِح بْن عليّ الهاشمي المنصوري، عن المهتدي بالله، قَالَ صالِح: حضرته وقد جلسَ للمتظلّمين، فنظرتُ إلى القَصَص تُقرأ عَلَيْهِ من أولّها إلى آخرها، فيأمر بالتوقيع عليها، ويختمها، فيسُرّني ذَلِكَ. وجعلت أنظر إِلَيْهِ، ففطِنَ، ونظر إليّ، فغضضت عَنْهُ، حتى كَانَ ذَلِكَ منه ومنّي مرارًا. فقال لي: يا صَالِح فِي نفسك شيء تحب أن تقوله؟ قلت: نعم. فلما انقضى المجلسُ أُدْخِلْتُ مجلسه فقالَ: تَقُولُ ما دار في نفسك أو أقوله؟ فقلتُ: يا أمير المؤمنين ما ترى. قَالَ: أقولُ: إنَّه قد استحسنتَ ما رأيتَ منّا فقلت: أيَّ خليفة خليفتنا، إن لَم يكن يَقُولُ القرآن مخلوق. فوردَ عَلَى قلبي أمرٌ عظيم، ثُمَّ قلت: يا نفس هَلْ تموتين قبل أجَلِك؟ فقلتُ: نعم. فأطرق ثُمَّ قَالَ: اسمع منّي، فَوَاللَّهِ لتسمعنّ الحقّ. فسُرّي عنّي وقلت: ومَن أولى بالحقّ منك وأنت خليفة ربّ العالمين، وابن عمّ سيد المرسلين؟ قَالَ: ما زلت أقول القرآن مخلوق صَدْرًا من خلافة الواثق، حتى أقدم شيخا من أذنة مقيدًا، وهو جميل حسَن الشَّيْبَة. فرأيتُ الواثق قد استحيا منه ورَقّ لَهُ. فما زال يُدْنيه حتَّى قرُبَ منه وجلسَ، فقال: ناظِر ابنَ أَبِي دُؤاد. فقال: يا أمير المؤمنين إنّه يَضْعُف عَنِ المناظرة. فغضبَ وقال: أبو عبد الله يضعف عَنْ مناظرتِكَ أنتَ؟ قَالَ: هَوِّن عليك، وائذن لي فِي مناظرته. فقال: ما دعوناك إلا لِهذا. فقال: احفظ عليّ وعليه، ثُمَّ قَالَ: يا أَحْمَد أخبرني عَنْ مقالتك هذه، هي مقالة واجبة فِي عقد الدّين، فلا يكون الدِّين كاملًا حتى يُقال فِيهِ بِما قلت؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فأخبرني عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين بعثه اللَّه، هَلْ سَتَر شيئًا مِمّا أُمِرَ بِهِ؟ قَالَ: لا. قَالَ: فدَعا إلى مقالتِك هذه؟ فسكت. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين واحدة. فقال: أخبرني عَنِ اللَّه تعالى حين قَالَ: {{الْيَوْمَ أكملت لكم دينكم}}. أكان الله هو الصادق في إكمال الدين، أو أنتَ الصّادق فِي نُقْصَانه، حتّى يُقال بِمقالتِكَ هذه؟ فسكت. فقال الشيخ: اثنتان. قَالَ الواثق: نعم. فقال: أخبرني عَنْ مقالتك هذه، أعَلِمَها رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أم جَهِلَها؟ قَالَ: عَلِمَها. قَالَ: فدعا النّاسَ إليْهَا؟ فسكت. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ثلاثة. قَالَ: نعم. قال: فاتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ عَلِمها أن يُمسك عنها، ولَم يُطالب بها -[953]- أمته؟ قَالَ: نعم. قَالَ: واتسع لأبي بَكْر، وعمر، وعثمان، وعليّ ذَلِكَ؟ قَالَ: نعم. فأعرض الشيخ عنه، وأقبل على الواثق، وقال: يا أمير المؤمنين قد قدَّمْتُ القول أنّ أَحْمَد يصبو ويضعُف عَنِ المناظرة. يا أمير المؤمنين إنْ لَمْ يتَّسع لك من الإمساك عَنْ هذه المقالة ما زعم هذا أَنَّهُ اتسع للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ولأبي بَكْر، وعمر، وعثمان، وعليّ، فلا وسَّع اللَّه عليك. قَالَ الواثق: نعم كذا هُوَ. اقطعوا قيد الشيخ. فلمّا قطعوهُ ضرب الشيخ بيده في القيد فأخذه، فقال الواثق: لم أخذته؟ قال: لأنِّي نويتُ أن أتقدَّم إلى مَن أوصي له، إذا أنا مت أن يجعله بيني وبين كَفَني، حتى أخاصم بِهِ هذا الظّالِم عِنْدَ اللَّه يوم القيامة وأقول: يا رب لِمَ قيدني وروَّع أهلي؟ ثُمَّ بكى فبكى الواثق وبكينا. ثُمَّ سأله الواثق أن يجعله فِي حِلّ، وأمر لَهُ بصلة فقال: لا حاجة لي بِها. قَالَ المهتدي بالله: فرجعت عَنْ هذه المقالة، وأظنّ أنّ الواثق رجعَ عنها من يومئذ. وقال إِبْرَاهِيم نِفْطَوَيْه: حدَّثَنِي حامد بْن العبّاس، عَنْ رَجُل عَنِ المهتدي بالله، أنّ الواثق مات وقد تاب عَنِ القول بِخلْق القرآن. وكان الواثق وافر الأدب. بَلَغَنَا أنّ جارية غنته بشعر العَرْجيّ: أَظَلُومُ إنّ مُصَابَكُم رجُلًا ... ردَّ السّلامَ تَحيَّةً ظُلْمُ فَمِن الحاضرين من صَوَّب نصْبَ رجُلًا، ومنهم من قَالَ: صوابها: رجل. فقالت: هكذا لقنني المازني. فطلب المازنيّ، فلمّا مثُل بين يدي الواثق، قَالَ: مِمّن الرجل؟ قَالَ: من بني مازن. قَالَ: أي الموازن، أمازن تميم، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة؟ قلتُ: مازن ربيعة. فكلّمني حينئذ بلغة قومي، فقال: با اسمك. لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميما فكرهتُ أن أواجهه بِمَكرٍ، فقلتُ: بَكْر يا أمير المؤمنين. ففطِنَ لَها وأعجبته. فقال: ما تقول في هذا البيت. قلت: الوجه النصب. لأن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم. فأخذ اليزيدي يعارضني، قلت: هو بمنزلة إن ضربكم رجلا ظُلْمٌ. فالرجل مفعول مُصَابكم، والدليل عَلَيْهِ أن الكلام مُعلق، إلى أن تَقُولُ ظُلْمٌ فيتمّ. فأعجب الواثق، وأمر لي بألف دينار. قَالَ ابن أَبِي الدُّنْيَا: كَانَ الواثق أبيض، تعلوهُ صُفْرة، حسنَ اللحية، فِي عينيه نكتة. -[954]- وقال زُرقان بْن أَبِي دُؤاد: لَمَّا احتضر الواثق جعل يردِّد هذين البيتين: الموتُ فِيهِ جميعُ الخلْقِ مُشْتَركٌ ... لا سُوقَةٌ منهم يبقى ولا ملك ما ضر أهل قليل في تفاقرهم ... وليس يُغْنِي عَنِ الأملاك ما مَلَكوا ثُمَّ أمر بالبُسُط فطُويت، وألصق خدّه بالأرض، وجعل يَقُولُ: يا من لا يزول ملكه، ارْحَم من قد زَال مُلْكُه. روى أَحْمَد بْن محمد الواثقي أمير البصرة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كنتُ أحد من مرّض الواثق فِي عِلته، إذ لحقته غشيةٌ، فما شككنا أَنَّهُ مات. فقال بعضنا لبعض: تقدموا. فما جَسَر أحدٌ، فتقدَّمت أَنَا، فلمّا صرتُ عِنْدَ رأسه، وأردتُ أن أضعَ يدي عَلَى أنفه، لِحقَتْه إفَاقَةٌ، ففتح عينيه، فكدتُ أموتُ فزِعًا، من أن يراني قد مشيت إلى غير رُتْبتي، فرجعتُ إلى خَلْف، فتعلقت قبيعة سيفي بالعَتَبة، فعثرت عَلَى سيفي فاندقّ، وكاد أن يدخل فِي لحمي. فسلمتُ وخرجتُ، فاستدعيت سيفًا، وجئتُ فوقفتُ ساعة، فتلف الواثق تَلَفًا لم يُشك فِيهِ. فشددت لحيته وغمَّضْتُه وسجَّيْتُه، وجاء الفراشون، فأخذوا ما تحته يردوه إلى الخزائن؛ لأنه مثبت عليهم، وتُرِكَ وحده فِي البيت. فقال لي أَحْمَد بْن أَبِي دُؤاد القاضي: إنّا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة، وأحب أن تحفظه حتى أن يُدْفن، فأنتَ من أخصّهم بِهِ فِي حياتي. فرددت باب المجلس، وجلستُ عِنْدَ الباب، فحَسَسْتُ بعد ساعة بحركة فِي البيت أفزعتني، فدخلت، فإذا بِجرذون قد جاء فاستل عينه فأكلها، فقلت: لا إله إلا اللَّه، هذه العين التي فتحها من ساعة، فاندقّ سيفي هيبة لَهَا. قَالَ: وجاءوا فغسلوه، وأخبرت ابن أَبِي دُؤاد الخبر. قَالَ: والجرذون دابَة أكبر من اليربوع. كانت خلافة الواثق خمس سنين، وثلاثة أشهر ونصف. ومات بسُرَّ منْ رَأَى، يوم الأربعاء، لست بقين من ذي الحجة، من سنة اثنتين وثلاثين، وبويع بعده المتوكل. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
119 - جعفر المتوكّل على الله. أمير المؤمنين أبو الفضل ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد القرشي العبّاسيّ البَغْداديُّ. [الوفاة: 241 - 250 ه]
وُلِدَ سنة خمسٍ ومائتين، وبُويع فِي ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين بعد الواثق. وقيل: بل وُلِدَ سنة سبْعٍ ومائتين. حكي عن أبيه، ويحيى بْن أكثم. وَعَنْهُ: علي بن الجهم الشاعر، وغيره. وكان أسمر، مليح العينين، نحيف الجسم، خفيف العارضين، إلى القصر أقرب. وأمه أمّ ولد اسمها: شُجاع. قال خليفة: استخلف المتوكّل، فأظهر السنة، وتكلم بها فِي مجلسه، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة وإظهار السنة، وَبَسَطَها ونصر أهلها، يعني محنة خلْق القرآن. وقد قدِم دمشق فِي صفر سنة أربعٍ وأربعين وعزم على المُقام بها وأعجبته، ونقل دواوين المُلْك إليها. وأمر بالبناء بها. وأمر للأتراك بما أرضاهم من الأموال، وبنى قصرا كبيرًا بدَارَيّا من جهة المِزَّة. قال عليّ بْن الْجَهْم: كانت للمتوكّل جُمّة إلى شحمة أُذُنَيه كأبيه وعمّه. وقال ابن أبي الدّنيا: أمّ المتوكّل أم ولد اسمُها شجاع. وقال الفَسَويّ: بُويع له لستٍّ بقين من ذي الحجة، وخرج من دمشق المتوكّل بعد إقامة شهرين وأيّام، ورجع إلى سامرّاء دار ملكه على طريق الفُرات، وعرّج من الأنبار. وقيل: إنّ إسرائيل بْن زكريّا الطبيب نعتَ له دمشق، وأنها توافق مزاجَه وتُذْهِبُ عَنْهُ العِلَل التي تَعْرِض له فِي الصَّيْف بالعراق. وقال خليفة: حجّ المتوكّل بالنّاس قبل الخلافة -[1098]- فِي سنة سبْعٍ وعشرين. وكان إبراهيم بْن محمد التيَّمِيُّ قاضي البصرة يقول: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق يوم الردة، وعمر بن عبد العزيز فِي ردّ مظالم بني أُميّة، والمتوكّل فِي مَحْو البِدَع وإظهار السنة. وقال يزيد بْن محمد المهلَّبيّ: قال لي المتوكّل: يا مُهَلَّبيّ، إنّ الخلفاء كانت تتصعَّب على النّاس ليطيعوهم، وأنا ألين لهم ليحبّوني ويُطيعوني. وحكى الأعسم أنّ عليّ بْن الْجَهْم دخل على المتوكّل وبيده دِرَّتان يقلِّبهما، فأنشده قصيدةً له يقول فيها: وإذا مررت ببئر عر ... وة فاسْقني من مائها قال: فَدَحَا إليَّ بالدرّة، فقلَّبتها، فقال: تستنقص بها! وهي والله خيرٌ من مائة ألف. قلت: لا والله، ولكنّي فكّرت فِي أبياتٍ أعملها آخذ بها الأخرى. فقال: قل. فأنشأت أقول: بِسُرّ مَن رَأَى إمامٌ عدْلٌ ... تغرف من بحره البحارُ يُرْجَى ويُخْشَى لكلّ خَطْب ... كأنّه جنّةٌ ونارُ المُلْكُ فِيهِ وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار يداه في الجود ضرتان ... عليه كِلتاهما تغارُ لم تأتِ منه اليمينُ شيئا ... إلا أتت مثلها اليسار قال: فدحاها إلي وقال: خُذْها، لَا بارَكَ اللَّه لك فِيها. قَالَ الخطيب أبو بَكْر: ورُويت هذه الأبيات للبُحْتَريّ فِي المتوكّل. وعن مروان بْن أبي الْجَنُوب أنّه مدح المتوكّل، فأمر له بمائة ألفٍ وعشرين ألفًا، وبخمسين ثوبًا. وقال علي بْن الْجَهْم: كان المتوكّل مشغوفًا بقبيحةٍ لا يصبر عَنْها، فوقفت له يومًا، وقد كَتَبَتْ على خدّها بالغالية جَعْفَر. فتأمّلها ثُمَّ أنشأ يقول: وكاتبةٍ فِي الخد بالمِسْك جعفرًا ... بنفسي مَحَطُّ المِسْكِ من حيثُ أثَّرا -[1099]- لَئِنْ أَوْدَعَتْ سطرًا من المِسْك خدَّها ... لقد أَوْدَعَتْ قلبي من الحبّ أَسْطُرا قد ورد عن المتوكل شيء من النصب. ويقال: إنّه سلَّم عليه بالخلافة ثمانيةٌ كلّ واحد منهم أبوه خليفة: منصور ابن المهدي، والعباس ابن الهادي، وأبو أحمد ابن الرشيد، وعبد الله ابن الأمين، وموسى ابن المأمون، وأحمد ابن المعتصم، ومحمد ابن الواثق، وابنه المنتصر ابن المتوكّل، وكان جوادًا ممدحًا؛ ويقال: ما أعطى خليفةٌ شاعرًا ما أعطى المتوكل. وفيه يقول مروان بن أبي الجنوب: فأمْسِك نَدَى كفّيك عنّي ولا تزِد ... فقد خِفْت أن أطغى وأن أتجبّرا فقال: لا أُمْسِك حَتَّى يُغرقك جُودي. وقد بايع بولاية العهد ولَده المنتصر، ثُمَّ إنّه أراد أن يعزله ويولّي المعتزّ أخاه لمحبّته لأمّه قبيحة، فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد، فأبى. وكان يُحضِره مجالس العامّة، ويحطّ منزلته ويتهدّده، ويشتمه ويتوعَّده. واتّفق أن التُّرْك انحرفوا عن المتوكّل لكونه صادَر وصِيفًا وبُغا، وجرت أمور، فاتّفق الأتراك مع المنتصر على قتل أَبِيهِ. فدخل عليه خمسةٌ فِي جوف اللّيل وهو فِي مجلس لَهْوه فِي خامس شوّال، فقتلوه سنة سبَعٍ وأربعين. وورد أنّ بعضهم رآه فِي النّومِ، فقال له: ما فعل اللَّه بك؟ قَالَ: غفر لي بقليل من السنة أَحْيَيَتُها. وقد كان المتوكّل منهمكًا فِي اللَّذّات والشُّرْب، فلعلّه رُحِمَ بالسنة، ولم يصح عنه النصب. قال المسعودي: حدثنا ابن عرفة النحوي، قال: حدثنا المبرّد قال: قال المتوكّل لأبي الْحَسَن علي بْن محمد بْن علي بْن مُوسَى بْن جَعْفَر الصّادق: ما يقول ولدُ أبيك فِي الْعَبَّاس؟ قال: ما تقولُ يا أمير المؤمنين في رجل فرض الله طاعة نبيه على خلُقه، وافترض طاعته على نبيّه. وكان قد سُعي بأبي الْحَسَن إلى المتوكًل، وإنّ فِي منزله سلاحًا وكتبًا من أهل قُمّ، ومِن نيّته التَّوَثُّب. فكبس بيته ليلا، فوُجِد فِي بيتٍ عليه مدرّعة صوف، متوجّه إلى ربّه يقوم بآيات، فَأُخِذ كهيئته إلى المتوكل وهو يشرب، فأعظمه وأجلسه إلى جانبه -[1100]- وناوله الكأس فقال: ما خامر لحمي ودمي قطّ، فاعفِني منه، فأعفاه وقال: أنشِدْني شِعْرًا. فأنشده: باتوا على قُلَل الأجبالَ تحرسهم ... غُلْبُ الرجال ولم تنفعهم القلل الأبيات، فبكى والله المتوكّل طويلا، وأمَر برفع الشّراب، وقال: يا أبا الحسن لقد لينت منا قلوبًا قاسية. أعليك دَيْنٌ؟ قال: نعم، أربعة آلاف دينار. فأمَر له بها وردّه مكرَّمًا. قتلة المتوكل. حكى المسعوديّ أنّ بُغا الصّغير دعا بباغِر التُّركيّ، وكان باغر أهوج مِقْدامًا، فكلَّمه واختبره فِي أشياء، فوجده مُسارِعًا إليها، فقال: يا باغر هذا المنتصر قد صحّ عندي أنّه عامِلٌ على قتْلي، وأريد أن تقتله، فكيف قلبك؟ ففكّر طويلا ثُمَّ قال: هذا لا شيء، كيف نقتله وأبوه، يعني المتوكّل باقٍ، إذا يقتلكم أَبُوهُ. قال: فما الرأي عندك؟ قال: نبدأ بالأب. قال: ويْحك، وتفعل؟ قال: نعم، وهو الصّواب. قال: انظر ما تقول. وردّد عليه، فوجده ثابتًا، ثُمَّ قال له: فادخل أنت على أثري فإن قتلتُه وإلا فاقتُلْني وضَعْ سيفَك عليَّ وقُلْ: أراد أن يقتل مولاه. فتمّ التّدبير لبُغا فِي قتل المتوكّل. حدَّث البُحْتُريّ قال: اجتمعنا فِي مجلس المتوكّل، فَذُكِر له سيف هِنْديّ، فبعث إلى اليمن فاشْتُرَى له بعشرة آلاف وأُتي به فأعجبه، ثُمَّ قال للفتح: ابغِني غلامًا أدفع إليه هذا السّيف لا يفارقْني به. فأقبل باغر التُّرْكيّ، فقال الفتح بْن خاقان: هذا موصوف بالشّجاعة والبسالة فدفع المتوكّل إليه السِّيف وزاد فِي أرزاقه، فوالله ما انتضى ذلك السّيف إلى ليلة ضربه به باغر. فلقد رَأَيْت من المتوكّل فِي اللّيلة التي قُتِل فيها عَجَبًا. تذاكَرْنا الكِبْر، فأخذ يذمُّه ويتبرّأ منه. ثُمَّ سجد وعفَّر وجهه بالتّراب، ونثر من التّراب على رأسه ولِحْيَته وقال: إنّما أَنَا عَبْدٌ. فتطيّرت له من التّراب. ثُمَّ جلس للشُّرْب، وعمل فِيهِ النّبيذ، وَغَنَّى صوتًا أعجبّه فبكى، فتطيّرت من بكائه. فإنّا فِي ذلك إذ بَعَثَتْ إليه قبيحة بخلُعة استَعْمَلَتْها له دُرَاعة حمراء خَزّ، ومُطْرَف خز، فلبسها، ثم تحرك فيه، فانشق فلفه، وقال: اذهبوا به ليكون كَفَني. فقلت: إنّا لله، انقضت والله المدّة، وسكر المتوكّل سكرًا شديدًا، ومضى من اللّيل ثلاثُ -[1101]- ساعات، إذ أقبل باغر ومعه عشرة متلثمين تبرق أسيافهم فهجموا علينا، وقصدوا المتوكّل. وصعِد باغر وآخر إلى السّرير، فصاح الفتح: ويلكم مولاكم. وتهارب الغلْمان والْجُلَساء والنُّدَماء على وجوههم، وبقي الفتح وحده، فما رَأَيْت أقوى نَفْسًا منه بقي يمانعهم، فسمعتُ صيحة المتوكّل وقد ضربه باغَر بالسّيف المذكور على عاتقه، فَقَدَّه إلى خاصِرته، وبعج الفتح آخرٌ بالسّيف، فأخرجه من ظهره، وهو صابر لا يزول، ثُمَّ طرح نفسه على المتوكّل، فماتا فلفا في بساط، وبقيا في تلك الليلة وعامّة النهار، ثُمَّ دُفِنا معًا. وكان بُغا الصغير قد استوحش من المتوكّل لكلامٍ لَحِقَه منه. وكان المنتصر يتألف الأتراك لا سيّما مَن يبعده أَبُوهُ. قال المسعوديّ: ونُقِل فِي قِتْلته غير ما ذكرنا. قال: وأنفق المتوكّل - فيما قيل - على الهارونيّ والْجَوْسَق والْجَعْفَريّ أكثر من مائتي ألف ألف دِرهم. ويقال: إنه كان له أربعة آلاف سرية وطئ الجميع؛ ومات وفي بيت المال أربعة آلاف ألف دينار، وسبعة آلاف دِرهم. ولا يُعلمُ أحدٌ متقدّم فِي جِدٍّ أو هَزْل إلا وقد حظي بدولته، ووصل إليه نصيب وافرٌ مِن المال. ذكر محمد بْن أبي عَوْن قال: حضرت مجلس المتوكّل وعنده محمد بْن عبد الله بْن طاهر، فغمز المتوكّل مملوكًا مليحًا أن يسقى الْحُسَيْن بْن الضّحّاك الخليع كأسًا ويحييه بتُفّاحة عنبر. ففعل، فأنشأ الخليع يقول: وكالدرة البيضاء حيا بعنبر ... من الورد يسعى في قراطق كالوردِ له عَبَثاتٌ عند كلّ تحيّة ... بعينيه تستدعي الخَليَّ إلى الوجْدِ تمّنيتُ أن أُسْقَى بكفّيه شُرْبةً ... تُذَكّرُني ما قد نسِيتُ من العهد سقى اللَّه دَهْرًا لم أبِتْ فِيهِ ساعةً ... من الدَّهْرِ إلا من حبيبٍ على وعدِ فقال المتوكل: أحسنت والله؛ يعطى لكل بيت ألف دينار. ولما قتل رثته الشعراء، فمن ذلك قول يزيد المهلبي: جاءت مَنيته والعينُ هاجعة ... هلا أَتَتْهُ المَنَايا والقنا قِصَدُ خليفة لم يَنَلْ ما ناله أحدٌ ... ولم يُصَغْ مثله روحٌ ولا جَسَدٌ -[1102]- قال علي بْن الجهم: أهدى ابن طاهر إلى المتوكل وصائف عدة فيها محبوبة، وكانت شاعرة عالمة بصنوف من العلم عوادة، فحلت من المتوكل محلا يفوق الوصف. فلما قتل ضمت إلى بغا الكبير، فدخلت عليه يوما للمنادمة، فأمر بهتك الستر، وأمر القيان، فأقبلن يرفلن فِي الحلى والحلل. وأقبلت محبوبة فِي ثياب بيض، فجلست منكسرة، فقال: غن، فاعتلت. فأقسم عليها. وأمر بالعود فوضع فِي حجرها، فغنت ارتجالا على العود: أيّ عَيْشٍ يلذّ لي ... لا أرى فِيهِ جعفرا ملِك قد رَأَيُتُه ... فِي نجيعٍ معُفرا كل مَن كان ذا خَبَا ... لٍ وسُقْمٍ فقد بَرَا غير محبوبة التي ... لو ترى الموت يشترا لاشترته بما حوت ... ـه يداها لتُقْبرا فغضب وأمر بها فسحبت، فكان آخر العهد بها. وبويع المنتصر بالله ابن المتوكل صبيحتئذ بالقصر الجعفري، وسنه ثلاث وعشرون سنة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
218 - شُجاع، فتاةُ المعتصم وأمّ المتوكّل. [الوفاة: 241 - 250 ه]
كانت لها الحُرْمة الوافرة في دولة ابنها. وكانت دَيِّنة كثيرة الصّدقات والمعروف إلى الغاية. وبلغنا أنها خلفت من الذهب المصري خمسة آلاف ألف دينار، هذا سوى الأثاث والجواري والعقار. تُوُفّيت سنة ستٍّ وأربعين، وقيل: سنة سبْعٍ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
403 - محمد المنتصر بالله، أمير المؤمنين أبو جعفر، وقيل: أبو عبد الله ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد بن هارون الهاشميّ العبّاسيّ. [الوفاة: 241 - 250 ه]-[1217]-
وأمه أم ولد روميّة اسمها حَبَشِيّة، وكان أَعْيَن، أقنى، أسمر، مليح الوجه، مَضَبَّرا، رَبْعَةً، جسيما، كبير البْطن، مليحا، مَهِيبا. ولمّا قُتل أَبُوهُ دخل عليه قاضي القُضاة جَعْفَر بْن سُلَيْمَان الهاشميّ، فقيل له: بايع. فقال: وأين أمير المؤمنين المتوكًل على اللَّه؟ فقال: قتله الفتح بْن خاقان. قال: وما فُعِل بالفتح؟ قال: قتله بُغا. قال: فأنت وليّ الدّم وصاحب الثّأر. فبايعه، وبايعه الوزير والكبار. ثُمَّ صالح المنتصر بالله إخوته من ميراثهم على أربعة عشر ألف ألف درهم. ثُمَّ نفى عمّه عليّا من سامّراء إلى بغداد، ووكّل به. وكان المنتصر وافر العقل، راغبا فِي الخير، قليل الظُّلْم، محسنا إلى العلويّين، وَصُولا لهم. وقيل: إنّه كان يقول: يا بُغا أَيْنَ أَبِي؟ مَن قَتَلَ أبي؟ ويسبّ الأتراك ويقول: هؤلاء قَتَلَة الخلفاء. فقال بُغا الصغير للذين قتلوا المتوكًل: ما لكم عند هذا رزق. فعملوا عليه وهمّوا به، فعجزوا عَنْهُ لأنّه كان مَهِيبًا شجاعا فطنا محترزا، فتحيلوا إلى أن دسوا إلى طبيبه ابن طَيْفور ثلاثين ألف دينار عند مرضه. فأشار بفَصْده، ثُمَّ فَصَده بريشةٍ مسمومة فمات. فيقال: إنّ ابن طَيْفُور نسي ومرض، فأمر غلامه يفصده بتلك الرّيشة، فمات أيضًا. وقال بعض النّاس: بل حصل للمنتصر مرض فِي أُنْثَيَيْه، فمات فِي ثلاث ليالٍ، وقيل: مات بالخوانيق. وقيل: بل سُمّ فِي كُمِّثْراة بإبرة. وجاء عَنْهُ أنّه قال في مرضه: ذهبت يا أماه مني الدّنيا والآخرة، عاجلتُ أَبِي فعُوجلت. وكان يُتَّهم بقتل أَبِيهِ. وزر له أحمد بْن الخصيب أحد الظِّلَمَة. وقال المسعوديّ: أزال المنتصر عن آل أبي طَالِب ما كانوا فِيه من الخوف والمحنة بمنْعهم من زيارة قبر الْحَسَين. كان أبوه المتوكًل قد أمر بهدْم القبر، وأن يعاقب مَن وُجد هناك. فلمّا ولي المنتصر أمر بالكفّ عن آل أبي طَالِب وردّ فَدَك على آل الْحُسَيْن، فقال البُحْتُريّ: وإنّ عليّا لأَوْلَى بكم ... وأزْكى يدًا عندكم من عمر -[1218]- وكل له فضله والحجو ... ل يوم التّراهن دُون الغُرَرْ وقال يزيد المهلَّبيّ: ولقد بَرَرْتَ الطّالبيّةَ بعدما ... ذُمّوا زمانًا بعدها وزمانًا ورَدَدْتَ أُلْفَة هاشم فرأيتهم ... بعد العداوة بينهم إخوانا ثم إن المنتصر خلع أخويه: المعتزّ، وإبراهيم من ولاية العهد الَّذِي عقد لهم المتوكًل بعده. ومن كلام المنتصر لما عفا عن الشّاري الخارجيّ المُكَنَّى بأبي العَمَرَّد: لَذَّة العفْو أعذب من لَذّة التَشفّي، وأقبح فعالِ المقتدر الانتقام. قال المسعوديّ: وقد كان المنتصر أظهر الإنصاف فِي الرّعيّة، فمالت إليه القلوب مع شدة هيبته. وقال عليّ بْن يحيى المنجّم: ما رَأَيْت مثل المنتصر ولا أكرم أفعالا بغير تبجُّح منه. لقد رآني مغمومًا فسألني فَوَرَّيْت، فاستحلفني، فذكرت إضاقة لحِقتني فِي شراء ضيعة، فوصلني بعشرين ألفًا. قلت: وحاصل الأمر أنّه لم يُمَتَّع بالخلافة، وهلك بعد أشهر معدودة. فإنّه ولي بعد عيد الفِطْر، ومات في خامس ربيع الآخر، وعاش ستّا وعشرين سنة، سامحه الله تعالى. ذكر عليّ بْن يحيى المنجّم أنّ المنتصر جلس مجلسًا للهو، فرأى فِي بعض البُسُط دائرةً فيها فارس، عليه تاج، وحوله كتابة فارسيّة، فطلب من يقرأ ذلك، فأحضر رجل، فنظر فيها فقطب، فقال: ما هذه؟ قال: لا معنى لها. فألح عليه، فقال: مكتوب: أنا شيروية بْن كسرى بْن هرمز، قتلت أَبِي، فلم أمتع بالملك إلا ستة أشهر. فتغير وجه المنتصر وقام. وقال جَعْفَر بْن عبد الواحد: قال لي المنتصر: يا جَعْفَر، لقد عوجلت، فما أسمع بأذني ولا أبصر بعيني. قاله في مرضه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
41 - أحمد المستعين بالله، أبو العباس ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد ابن الرشيد هارون ابن المهديّ، [الوفاة: 251 - 260 ه]
أخو المتوكلّ عَلَى اللَّه. وُلِد سنة إحدى وعشرين ومائتين، وبُويع فِي ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين عند موت المنتصر ابن المتوكل، واستقام الأمر إلى أول سنة إحدى وخمسين، فتنكّر لَهُ الأتراك، فخاف وانحدر من سامرّاء إلى بغداد، فنزل عَلَى الأمير محمد بْن عَبْد اللَّه بْن طاهر بالجانب الغربيّ، فاجتمع الأتراك بسامرّاء، ثمّ وجّهوا يعتذرون ويخضعون لَهُ ويسألونه الرجوع، فامتنع، فقصدوا الحبْس، وأخرجوا المعتزّ بالله، فبايعوه وخلعوا المستعين، وبنوا أمرهم على شبهة، وهي أن المتوكل بايع لَابنه المعتزّ بعد المنتصر، وأخرجوا من الحبس المؤيد -[33]- بالله إبراهيم ابن المتوكّل وليّ العهد أيضًا بعد المعتزّ، ثمّ جهّز المعتزّ أخاه أَبَا أَحْمَد لمحاربة المستعين فِي جيشٍ كثيف، فاستعدّ المستعين وابن طاهر للحصار ولبناءِ سور بغداد وتحصينها، ونَازَلها أَبُو أَحْمَد، وتجرَّد أهل بغداد للقتال، ونُصِبَتِ المجانيق، ووقع الجدّ، واستفحل الشَّرّ، ودام القتال أشْهُرًا، وكثُر القتْل، وغَلَت الأسعار ببغداد، وعظُم البلَاء، وجَهِدَهُمُ الغلَاء، وصاحوا: الجوع، وجرت بين الطائفتين عدّة وقعات حتّى قُتِل فِي بعض الأيام من جند المعتز ألفان، وفي بعض الأيام ثلاث مائة وأكثر، إلى أنْ ضَعُف أهل بغداد، وذلُّوا مِنَ الجوع والْجَهْد، وقوي أمر أولئك، فكاتب ابن طاهر المعتزّ سرًّا، فانحلّ أمر المستعين، وإنّما كَانَ قوام أمْره بابن طاهر. وعلم أهل بغداد بالمكاتبة، فصاحوا بابن طاهر وكاشفوه، فانتقل المستعين من عنده إلى الرّصافة، ثمّ سَعَوْا فِي الصُّلْح عَلَى خلع المستعين، وقام فِي ذَلِكَ إِسْمَاعِيل القاضي وغيره بشروط مؤكّدة، فخلع المستعين نفسَه فِي أوّل سنة اثنتين وخمسين، وأشهدَ عَلَيْهِ القُضَاة وغيرهم، وأُحْدِر بعد خلْعه إلى واسط تحت الحَوْطة، فأقام بها تسعة أشهر محبوسًا، ثمّ رُدَّ إلى سامرّاء، فقُتِل - رحمه اللَّه - بقادسية سامرّاء فِي ثالث شوّال مِنَ السنة. وقيل: قُتِل ليومين بقيا من رمضان، وله إحدى وثلَاثون سنة وأيّام، بعث إِلَيْهِ المعتز سعيد بْن صالح الحاجب، فلمّا رآه المستعين تيقَّن التلف، وبكى، وقال: ذهَبَت والله نفسي، فلمّا قَرُب منه سعَيِد أخذ يقنعه بسَوْطه، ثمّ اتَّكأه فقعد عَلَى صدره وقطع رأسه. ومن حلْيته: كَانَ مربوع القامة، أحمر الوجه، خفيف العارضين، بمقدم رأسه طُول، وكان حَسَن الوجه والجسم، بوجهه أثر جُدَرِيّ، وكان يلْثَغ بالّسين نحو الثّاء، وأمّه أمّ وُلِد. وكان مسرفًا مبّذرًا للخزائن، يفرّق الجواهر والثّياب والنَّفائس. قَالَ الصُّوليّ: بعث المعتزّ بالله أَحْمَد بْن طولون إلى واسط وأمره أنْ يقتل المستعين، فقال: والله لَا أقتل أولَاد الخلفاء، فندبّ لَهُ سعَيِد الحاجب فقتله، كما ذكرنا، وما متع المعتز، بل خُلِعَ وقُتِلَ كما سيأتي. وكان المستعين استوزر أَبَا مُوسَى أوتامُش بإشارة شجاع بْن القاسم الكاتب، ثمّ قتلهما، واستوزر أَحْمَد بْن صالح بن شيرزاد، فلما قتل وصيف وبغا باغر التُّرْكيّ الَّذِي فتك بالمتوكّل تعصَّبت الموالي، ولا أمرَ كَانَ للمستعين مَعَ وصَيف وبُغَا. -[34]- وكان إخبارّيًا فاضلَا أديبًا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
68 - إبْرَاهِيم ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم، المؤيَّد بالله. [الوفاة: 251 - 260 ه]
عَقَدَ لَهُ أخوه المعتزّ بالله بالأمر مِن بعده، وجعله وليّ عهده، ودعوا لَهُ عَلَى المنابر، ثمّ بلغ المعتزّ عَنْهُ أمرٌ فضربَه وخلعه مِنَ العهد، وحبسه يومًا ثمّ أُخرْجِ ميتًا، وذلك فِي رجب سنة اثنتين وخمسين، وقيل: إنّه أُقْعِدَ فِي الثّلج حتى مات برْدًا، وقيل: لُفّ فِي لحاف وغُمَّ، ولمّا رأته أمّه بعثت إلى قبيحة أمّ المعتزّ: عَنْ قريب تَرَيْنَ أبنك هكذا. قلت: فلم يمهله الله. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
421 - محمد المعتزّ بالله، أمير المؤمنين أبو عبد الله. وقيل: اسمه الزبير ابن المتوكّلُ عَلَى الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد ابن الرّشيد بالله هارون الهاشميّ العباسيّ. [الوفاة: 251 - 260 ه]
وُلِد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، ولم يَلِ الخلَافة قبله أحد أصغر منه. وكان أبيض جميلَا مُشْربًا بالحُمْرة، حَسَن الجسم، بديع الحُسْن. قَالَ عَلِيّ بْن حَرْب الطّائيّ، وهو أحد شيوخ المعتزّ باللَّه فِي الحديث: دخلت على المعتز فما رأيت خليقة أحسن منه. وأُمُّه أم وُلِد رومية. بويع عند عزل المستعين سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وهو ابن تسع عشرة سنة، فِي أول السنة. فلمّا كَانَ فِي رجب خلع أخاه المؤيدّ بالله من ولَاية العهد، وكتب بذلك إلى الآفاق. فلم يلبث المؤيد إلَا أيّامًا حتى مات. وخشي المعتزّ باللَّه أنْ يتحدث عَنْهُ أنّه قتله أو احتال عَلَيْهِ، فأحضر القُضاة حتى شاهدوه وليس بِهِ أثر. فالله أعلم. وأمّا نفْطَوَيْه فقال: كَانَت خلَافته أربعٍ سنين وستة أشهر وأربعة عشر يومًا، منها بعد خلْع المستعين ثلَاث سنين وستة أشهر وثلَاثة وعشرين يومًا. ومات عَنْ أربعٍ وعشرين سنة. وقال غيره: مات عَنْ ثلَاثٍ وعشرين سنة. وكان المعتزّ باللَّه مستَضْعَفًا مَعَ الأتراك، فاتفق أنّ جماعة مِن كبارهم أتوْه وقالوا: يا أمير المؤمنين أَعْطِنا أرزاقنا لنقتل صالح بْن وصيف. وكان المعتزّ يخافه، فطلب من أمّه مالَا لينفقه فيهم، فأبتْ عَلَيْهِ وشحَّت نفسها، ولم يكن بقي فِي بيت الأموال شيء، فاجتمع الأتراك حينئذ واتفقوا عَلَى خلعه، -[170]- ووافقهم صالح بن وصيف وباكباك ومحمد بن بغا، فلبسوا السلاح وجاؤوا إلى دار الخلافة، فبعثوا إلى المعتز أنْ أخرج إلينا، فبعث يَقُولُ: قد شربت دواء وأنا ضعيف. فهجم عَلَيْهِ جماعة فجرّوا برِجْله وضربوه بالدبابيس، وأقاموه فِي الشمس فِي يوم صائف، فبقي المسكين يرفع قدمًا ويضع أخرى، وهم يلطمون وجهه ويقولون: اخلع نفسك. ثمّ أحضروا القاضي ابن أَبِي الشّوارب والشُّهود، وخلعوه. ثمّ أحضروا من بغداد إلى دار الخلَافة، وهي يومئذ سامراء، محمد ابن الواثق، وكان المعتزّ قد أبعده إلى بغداد. فسلم المعتز إليه الخلافة وبايعه، ولقبوه المهتدي باللَّه، رحمه اللَّه، فلقد كان من خيار الخلائف، ولكنّه لم يتمكّن أيضًا مِن الأمر. ثمّ إنّ الملأ أخذوا المعتزّ باللَّه بعد خمس ليالٍ من خلْعه، فأدخلوه الحمّام، فلمّا تغسل عطش وطلب الماء، فمنعوه حتى هلك وهو يطلب ماء. ثمّ أُخرج وهو ميت عطشًا، فسقوه ماءً بثلج، فشربه وسقط ميتًا. وذلك فِي شَعْبان سنة خمس وخمسين ومائتين |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
513 - محمد المهتدي بالله، الخليفة الصّالح أمير المؤمنين أَبُو إِسْحَاق، وقيل: أبو عبد الله ابن الواثق بالله هارون ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد ابن الرشيد الهاشميّ العبّاسيّ. [الوفاة: 251 - 260 ه]
وُلِد فِي خلَافة جدِّه سنة بضع عشرة ومائتين، وبُويع بالخلَافة لِلَيْلَةٍ بقيت مِن رجب سنة خمسٍ وخمسين، وله بضعٌ وثلَاثون سنة. وما قبِلَ بيعة أحدٍ حتّى أُتِيَ بالمعتز بالله، فلمّا رآه قام لَهُ وسلَّم عَلَى المعتزّ بالخلَافة، وجلس بين يديه. فجيء بالشُّهُود، فشهدوا عَلِيّ المعتزّ أنّه عاجز عَنِ الخلَافة، فاعترفَ بذلك ومدَّ يدَه فبايع المهتدي بالله، وهو ابن عمّه، فارتفع حينئذ المهتدي إلى صدر المجلس وقال: لَا يجتمع سيفان فِي غَمْد. وتمثَّل بقول أَبِي ذُؤيب: تريدين كَيْمَا تجمعيني وخالدا ... وهل يُجمع السَّيفان وَيْحكِ فِي غَمْد؟. وكان المهتدي بالله أسمر رقيقًا، مليح الوجْه، ورِعًا، متعبّدًا، عادلَا، قويًّا فِي أمر الله، بطلا شجاعًا، لكنّه لم يجد ناصرًا ولا مُعينًا عَلَى الخير. قَالَ أَبُو بَكْر الخطيب: قَالَ أَبُو مُوسَى العبّاسيّ: لم يزل صائمًا منذ ولي إلى إن قُتِل. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس هاشم بْن القاسم: كنتُ بحضرة المهتدي عشيّةً فِي رمضان، فوثبت لأنصرف، فقال لي: اجلس، فجلست. فتقدَّم فصلّى بنا، ودعا -[200]- بالطعام. فأحضر طبق خلاف وعليه رغف مِنَ الخُبْز النّقيّ، وفيه آنية فيها ملح وخل وزيت. فدعاني إلى الأكل، فابتدأت آكل ظانًا أنه سيؤتى بطعام. فنظر إلي وقال: ألم تك صائمًا؟ قلت: بلي. قَالَ: أَفَلَسْت عازمًا عَلَى الصَّوم؟ قلت: بلى، كيف لَا وهو رمضان. قَالَ: فكُلْ واستْوفِ، فليس هاهنا مِنَ الطعام غير ما ترى. فعجِبْتُ ثمّ قلت: ولِمَ يا أمير المؤمنين؟ قد أسبغ اللَّه نعمته عليك. فقال: إنّ الأمر لَعَلَى ما وصفت، ولكني فكّرتُ فِي أنّه كَانَ فِي بني أُمّية عُمَر بْن عَبْد العزيز، وكان مِنَ التَّقلُّل والتَّقَشُّف عَلَى ما بلغك، فغرتُ عَلَى بني هاشم، فأخذت نفسي بما رَأَيْت. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو النضر المروزي: قال: قَالَ لي جعْفَر بْن عَبْد الواحد: ذاكرتُ " المهتدي " بشيء، فقلت لَهُ: كَانَ أَحْمَد بْن حنبل يَقُولُ بِهِ، ولكنّه كَانَ يُخَالَف. كأني أشرتُ إلى من مضى من آبائه. فقال: رحم اللَّه أَحْمَد بْن حنبل، والله لو جازَ لي أن أتبرأ من أَبِي لتبرّأت منه. ثمّ قَالَ لي: تكلَّم بالحقّ وقُلْ بِهِ، فإنّ الرجل لَيَتَكلَّم بالحقّ فيَنْبل فِي عيني. وقال ابن عرفة النَّحْويّ: حدَّثني بعض الهاشميين أَنَّهُ وجد للمهتدي سفَطٌ فِيهِ جُبّة صُوف وكِساء كَانَ يلبسه باللّيل ويصلّي فِيهِ. وكان قد اطَّرَح الملَاهي، وحرَّم الغناء. وحَسَمَ أصحاب السُّلْطان عَنِ الظُّلْم. وكان شديد الإشراف عَلَى أمر الدّواوين يجلس بنفسه، ويجلس الكُتّاب بين يديه فيعملون الحساب. وكان لَا يخل بالجلوس الخميس والاثنين. وقد ضرب جماعة مِنَ الرؤساء. ونفى جعْفَر بْن محمود إلى بغداد، وكرِه مكانه لأنّه نُسِبَ عنده إلى الرّفْض. وأقبل مُوسَى بْن بُغَا مِنَ الرِّيّ يريد سامرّاء، فكرِه المهتدي مكانَه، وبعثَ إِلَيْهِ بعبد الصَّمد بْن مُوسَى الهاشميّ يأمره بالرجوع، فلم يفعل. وحبس المهتدي الْحَسَن بْن محمد بْن أَبِي الشوارب، وولّى عَبْد الرَّحْمَن بْن نائل البصْريّ قضاء القُضاة، وانتهب منزل الكَرْخيّ. وحجّ بالنّاس فِي خلَافته عَلَى بْن الْحَسَين بْن إِسْمَاعِيل الهاشميّ. قلت: ذكرنا فِي الحوادث خروج الأتراك عَلَى المهتدي بالله، وكيف حاربهم بنفسه وجُرح. ثمّ أسروه وخلعوه، ثمّ قتلوه إلى رحمة اللَّه فِي رجب -[201]- سنة ست وخمسين، وكانت خلَافته سنة إلَا خمسة عشر يومًا، وقام بعده المعتمد عَلَى اللَّه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
9 - أَحْمَد المعتمد على الله، أبو الْعَبَّاس أمير المؤمنين ابنُ المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد ابن الرشيد الهاشمي العباسي. [الوفاة: 271 - 280 ه]
وُلِدَ سنة تسع وعشرين ومائتين بسر من رأي، وأمه رومية اسمها فتيان. قال ابن أبي الدُّنيا: كان أسمر رقيق اللون، أعين، خفيفًا، لطيف اللحية، جميلًا. وُلِدَ فِي أول سنة تسعٍ، ومات ليلة الإثنين لإحدى عشرة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين فجاءة ببغداد. وحمل فدفن بسامراء. وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وستة أيام، والصواب: وثلاثة أيام. قلت: استخلف بعد المهتدي بالله، وقد سار بنفسه لحرب يعقوب بْن اللَّيْث الصّفّار. فالتقاه بقرب دير العاقول، فنصر عليه، وهزم جيش الصّفّار أقبح هزيمة سنة اثنتين وستين. -[479]- وقِيلَ: كان المعتمد مربوعًا نحيفًا. فَلَمَّا استخلف سمن وأسرع إليه الشيب. مات بالقصر الحسني مع الندماء والمطربين، أكل فِي ذلك اليوم رؤوس الجداء، ومات في اليوم الثاني فجاءة. فَقِيلَ: إنّه سم فِي الرؤوس. ومات معه من أكل منها. وقيل: بل نام فغُمّ فِي بساط. وقِيلَ: سموه فِي كأس. فدخل عليه إِسْمَاعِيل القاضي وجماعة شهود، فلم يروا به أثرًا. وكان منهمكا على اللذات. فاستولى أخوه الموفَّق على الأمور وقوي عليه، وانقهر معه المعتمد. ثُمَّ مات المعتمد وهو كالمحجور عليه من بعض الوجوه، من جهة المعتضد أيضًا ابنِ الموفَّق. وكانت عريب جارية المعتمد قد وصلها أموال جزيلة من المعتمد، ولها فِيهِ مدائح. وكان يتعانى المسكر ويعربد على الندماء. واستخلف بعده المعتضد ابن الموفَّق. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
123 - جَعْفَر بْن المعتمد أَحْمَد بْن المتوكل جَعْفَر بْن المعتصم العبّاسيّ، [الوفاة: 271 - 280 ه]
المفوضَّ إِلَى الله وليّ العهد. عقد له أَبُوهُ، وخطب له على المنابر زمانًا، ثُمَّ خلعه أَبُوهُ وولّى أخاه المعتضد العهد خوفا من المعتضد. يقال: إنّ المعتضد لمّا استُخِلف قَتَلَ المفوَّض هَذَا فِي سنة ثمانين، وقِيلَ: بل مات فيها موتا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
429 - مسرور، أبو هاشم مَوْلَى المعتصم. [الوفاة: 271 - 280 ه]
أمير جليل كبير. رَوَى عَنْ: نصر بْن مَنْصُور. روى عَنْهُ: عَبْد الصمد الطَّسْتيّ. وكان نظير مُوسَى بْن بُغَا فِي المرتبة والحال. بلغ ثمانين سنة. توفي في سنة تسع وسبعين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
447 - الموفق، أبو أحمد ابن المتوكل على الله ابن المعتصم. [الوفاة: 271 - 280 ه]
اسمه محمد، وقِيلَ: طَلْحَةُ، ولي عهد المؤمنين، والد المعتضد بالله. وأمّه أم ولد. مولده سنة تسعٍ وعشرين ومائتين، وعقد له أخوه المعتمد ولاية العهد بعد ابنه جَعْفَر، وذلك في سنة إحدى وستين ومائتين. وكان الموفَّق من أجَلّ الملوك رأيًا، وأشجعهم قلبًا، وأسمحهم نفْسًا، وأغزرهم عقلًا، وأجْوَدهم رأيًا. وكان محبَّبًا إِلَى النّاس، قد استولى -[634]- على الأمور وانقادت له الجيوش، وحارب صاحب الزَّنْج وظفر به وقتله. وكان النّاس يلقّبونه: النّاصر لدين الله. قَالَ الخُطَبيّ: لم يزل أمر أبي أحمد يقوى ويزيد حتى صار صاحب الجيش، وكلّه تحت يده. ولمّا غلب على الأمر حظر على المعتمد أَخِيهِ، واحتاط عليه وعلى ولده، وجمعهم فِي موضعٍ واحدٍ، ووكّل بهم. وأجرى الأمور مجاريها إِلَى أن تُوُفِّيَ لثمانٍ بقين من صفر سنة ثمانٍ وسبعين، وله تسعٌ وأربعون سنة. وكانوا ينظرونه بأبي جَعْفَر المنصور فِي حزْمه ودهائه ورأيه، وكان قد غضب على ولده أبي الْعَبَّاس المعتضد وحبسه، ووكّل به إِسْمَاعِيل بْن بُلْبُل، فضيَّق عليه، فَلَمَّا احتضر أبو أحمد رضي عن ولده، وكان ولده من أنموذجه، فألقى إليه مقاليد الأمور، فولّاه المعتمد ولاية العهد في الحال بعد ابنه المفوض ابن المعتمد، وخطب الخطباء له ثُمَّ لولده المفوّض، ثُمَّ لأبي الْعَبَّاس المعتضد. وانتقم أبو الْعَبَّاس من ابنِ بُلْبُل وعذّبه حَتَّى مات. ثُمَّ بعد أيام خلع المفوّض، وتفرَّد أبو العباس بالعهد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
46 - أَحْمَد المُعْتَضِد بالله أمير المؤمنين أبو العَبَّاس ابن ولي العهد أبي أَحْمَد طلحة الموفق بالله ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم ابن الرشيد الهاشمي العباسي. [الوفاة: 281 - 290 ه]
ولد في ذي القِعْدَة سنة اثنتين وأربعين ومائتين في دولة جده. وقدم دمشق سنة إحدى وسبعين لحرب خُمَارَوَيْه الطولوني؛ فالتقوا على حمص، فهزمهم أبو العَبَّاس. ثُمَّ دخل دمشق ومر بباب البريد، فالتفت فوقف ينظر إلى الجامع، فَقَالَ: أي شيء هَذَا؟ قَالُوا: الجامع. ثُمَّ نزل بظاهر دمشق بمحلة الراهب أيامًا، وسار فالتقى خُمَارَوَيْه عند الرملة. واستخلف بعد عمه المعتمد في رجب سنة تسعٍ وسبعين وكان ملكًا شجاعًا مهيبًا، أسمر نحيفًا، معتدل الخلق، ظاهر الجبروت، وافر العقل، شديد الوطأة، من أفراد خلفاء بني العباس. كان يقدم على الأسد وحده لشجاعته. قَالَ المسعودي: كان المُعْتَضِد قليل الرحمة؛ قِيلَ إِنَّهُ كان إِذَا غضب على قائد أمر بأن يحفر له حفيرة ويُلقى فيها، ويُطم عليه. قَالَ: وكان ذا سياسة عظيمة. وعن عبد الله بن حمدون أن المُعْتَضِد تصيد فنزل إلى جانب مقثأة وأنا معه. فصاح الناطور، فَقَالَ: عَليّ به. فأُحضر فسأله، فَقَالَ: ثلاثة غلمان نزلوا المقثأة فأخربوها. فجيء بهم فضربت أعناقهم في المقثأة من الغد. فكلمني بعد مدة، وَقَالَ: أصدقني فيما ينكر عَليّ النَّاس؟ قُلْتُ: الدماء. قَالَ: والله ما سفكت دمًا حرامًا منذ وليت. قُلْتُ: فلم قتلت أَحْمَد بن الطيب؟ قَالَ: دعاني إلى الإلحاد. قُلْتُ: فالثلاثة الذين نزلوا المقثأة؟ قَالَ: والله ما قتلتهم، وإنما -[677]- قتلت لصوصًا قد قتلوا، وأوهمت أَنَّهُم هم. وَقَالَ البَيْهَقِيّ، عن الحاكم، عن أبي الوليد حسان بن محمد الفقيه، عن ابن سريج، عن إسْمَاعِيل القاضي قَالَ: دخلت على المُعْتَضِد، وعلى رأسه أحداث صباح الوجوه روم، فنظرت إليهم، فرآني المُعْتَضِد أتأملهم، فَلَمَّا أردت القيام أشار إليَّ ثُمَّ قَالَ: أيها القاضي، والله ما حللت سراويلي على حرامٍ قط. ودخلتُ مرة، فدفع إليَّ كتابا، فنظرت فيه، فَإِذَا قد جمع له فيه الرخص من زلل العلماء، فقلت: مصنف هذا زنذيق. فَقَالَ: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قُلْتُ: بلى، ولكن من أباح المُسكر لم يبح المُتعة. ومن أباح المتعة لم يُبح الغناء. وما من عالم إِلا له زلة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه. فأمر بالكتاب فأُحرق. وَقَالَ أبو علي المحسن التنوخي عن أبيه: بلغني عن المُعْتَضِد أَنَّهُ كان جالسًا في بيتٍ يُبنى له، فرأى في جملتهم أسود منكر الخلقة يصعد على السلالم درجتين درجتين، ويحمل ضعف ما يحملونه، فأنكر أمره، فأحضره وسأله عن سبب ذَلِكَ، فتلجلج. وكلمه ابن حمدون فيه وقال: من هَذَا حَتَّى صرفت فكرك إليه؟ قَالَ: قد وقع في خلدي أمر ما أحسبه باطلًا. ثُمَّ أمر به فضرب مائة، وتهدده بالقتل ودعا بالنطع والسيف، فَقَالَ: لي الأمان؟ قَالَ: نعم. فَقَالَ: أنا أعمل في أتون الآجر، فأتى عَليّ منذ شهور رجل في وسطه هميان، فتبعته. فجلس بين الآجر ولا يعلم بي، فحل هميانه وأخرج دنانير، فوثبت عليه وسددت فاه، وكتفته وألقيته في الأتون، والدنانير معي يقوى بها قلبي، فاستحضرها فَإِذَا على الهميان اسم صاحبه، فأمر فنودي في البلد، فجاءت امرأة فَقَالَتْ: هُوَ زوجي، ولي منه طفل. فسلم الذهب إليها، وَهُوَ ألف دينار، وضرب عنق الأسود. قَالَ: وبلغني عن المُعْتَضِد أَنَّهُ قام في الليل فرأى بعض الغلمان المردان قد وثب على غلام أمرد، ثُمَّ دب على أربعة حَتَّى اندسّ بين الغلمان فجاء المعتضد فوضع يده على فؤاد واحد واحد حَتَّى وضع يده على ذَلِكَ الفاعل، فَإِذَا به يخفق، فوكزه برجله فجلس، فقتله. -[678]- قَالَ: وبلغنا عنه أَنَّ خادمًا له أتاه فأخبره أَنَّ صيادًا أخرج شبكته، وَهُوَ يراه، فثقلت، فجذبها، وَإِذَا فيها جراب، فظنه مالًا، ففتحه فإذا فيه آجر، وبين الآجر كف مخضوبة بحناء. فأحضر الْجُراب. فهال ذَلِكَ المُعْتَضِد، فأمر الصياد، فعاود طرح الشبكة، فخرج جرابٌ آخر فيه رجل. فَقَالَ: معي في بلدي من يقتل إنسانًا ويقطع أعضاءه ولا أعلم به؟ ما هَذَا مُلك. فلم يُفطر يومه، ثُمَّ أحضر ثقةً له وأعطاه الجراب وَقَالَ: طُف به على من يعمل الجرب ببغداد لمن باعه. فغاب الرجل وجاء، فذكر أَنَّهُ عرف بائعه بسوق يَحْيَى، وأنه اشترى منه عطار جرابًا. فذهب إليه فَقَالَ: نعم، اشترى مني فلان الهاشمي عشرة جرب، وَهُوَ ظالم من أولاد المهدي. وذكر طرفا من أخباره إلى أن قَالَ: يكفيك أَنَّهُ كان يعشق جارية مغنية لإنسان، فاكتراها منه، وادعى أنها هربت. فَلَمَّا سَمِعَ المُعْتَضِد سجد لله شكرًا، وأحضر الهاشمي، فأخرج إليه اليد والرجل، فامتقع لونه واعترف. فأمر المُعْتَضِد بدفع ثمن الجارية إلى صاحبها، ثُمَّ سجن الهاشمي. فيقال إنه قتله. قال التنوخي: وحدثنا أبو محمد بن سليمان قال: حدثني أبو جعفر بن حمدون؛ قال: حَدَّثَنِي عبد الله بن أَحْمَد بن حمدون قال: كنت قد حلفت لا أعقل مالًا من القمار، ومهما حصل صرفته في ثمن شمع أو نبيذ أَوْ خدر مغنية. فقمرت المُعْتَضِد يومًا سبعين ألفًا، فنهض يصلي سنة العصر، فجلست أفكر وأندم على اليمين، فَلَمَّا سلّم قَالَ: في أي شيء فكرت؟ فما زال بي حَتَّى أخبرته. فَقَالَ: وعندك أني أعطيك سبعين ألفًا في القمار؟ قلت له: فتضغوا؟ قَالَ: نعم، قم ولا تفكر في هَذَا. ثُمَّ قام يصلي، فندمت ولُمت نفسي لكوني أعلمته، فَلَمَّا فرغ من صلاته قَالَ: أصدقني عن الفكر الثاني؛ فصدقته. فَقَالَ: أما القمار فقد قُلْتُ إني ضغوت، ولكن أهب لك من مالي سبعين ألفًا. فقبلت يده وقبضت المال. وَقَالَ ابن المحسن التنوخي، عن أبيه: رأيت المُعْتَضِد وعليه قباء اصفر، وكنت صبيًا، وكان خرج إلى قتال وصيف بطرسوس. -[679]- وعن خفيف السَّمَرْقَنْدِيّ قَالَ: خرجت مع المُعْتَضِد للصيد، وقد انقطع عنا العسكر، فخرج علينا أسد فَقَالَ: يا خفيف أفيك خير؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: ولا تُمسك فرسي؟ قُلْتُ: بلى. فنزل وتحزم وسل سيفه وقصد الأسد، فقصده الأسد، فتلقاه المُعْتَضِد بسيفه قطع يده، فتشاغل الأسد بها، فضربه فلق هامته، ومسح بسيفه في صوفه وركب. قَالَ: وصحبته إلى أن مات، فما سمعته يذكر ذَلِكَ لقلة احتفاله بما صنع. قُلْتُ: وكان المُعْتَضِد يبخل ويجمع المال. وقد ولي حرب الزنج وظفر بهم. وفي أيامه سكنت الفتن لفرط هيبته. وكان غلامه بدر على شرطته، وعبيد الله بن سُلَيْمَان على وزارته، وَمحمد بن شاه على حرسه. وكانت أيامه أيامًا طيبة كثيرة الأمن والرخاء. وكان قد أسقط المكوس، ونشر العدل، ورفع الظلم عن الرعية. وكان يُسمى السفاح الثاني، لأنه جدد ملك بني العَبَّاس، وكان قد خلق وضعف وكاد يزول. وكان في اضطراب بين من وقت موت المتوكل. وبلغنا أَنَّهُ أنشأ قصرًا أنفق عليه أربع مائة ألف دينار. وكان مزاجه قد تغير من كثرة إفراطه في الجماع، وعدم الحمية بحيث أَنَّهُ أكل في علته زيتونًا وسمكًا. ومن عجيب ما ذكر المسعودي إن صح قَالَ: شكوا في موت المعتضد، فتقدم الطبيب فجس نبضه، ففتح عينه ورفس الطبيب برجله فدحاه أذرعًا، فمات الطبيب. ثُمَّ مات المُعْتَضِد من ساعته. وعن وصيف الخادم قَالَ: سَمِعْتُ المُعْتَضِد يَقُولُ عند موته: تَمَتَّع من الدُّنْيَا فَإِنَّك لا تبقى ... وَخُذْ صفوها ما إن صفت ودع الرَّنْقا ولا تأمننَّ الدَّهْر إني أمنتُهُ ... فلم يُبق لي حالًا ولم يَرْع لي حقّا قتلت صناديدَ الرِّجال فلم أدَعْ ... عدوًا، ولم أُمهل على ظِنة خلقا وأخليتُ دُور المُلك من كلِّ بازلٍ ... وشتَّتُّهم غربًا ومزَّقْتُهم شرقا فَلَمَّا بلغتُ النَّجم عِزًّا ورِفعةً ... ودانت رقابُ الخلقِ أجمعٍ لي رقّا رماني الرَّدَى سهمًا فأخمد جمرتي ... فها أنذا في حفرتي عاجلاً ملقى -[680]- فأفسدت دُنْياي وديني سفاهةً ... فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى فيا ليت شعري بعد موتي ما أرى ... إلى نعمة لله أم ناره ألقى؟ وَقَالَ الصُّولي: ومن شِعْر المُعْتَضِد: يا لاحظي بالفتور والدعج ... وقاتلي بالدلال والغنج أشكو إليك الذي لقيت من ال ... وجد، فهل لي إليك من فرج؟ حللت بالظُرْف والجمال من النَّا ... س محل العُيُونِ والمُهَج ذكر المُعْتَضِد من "تاريخ الخطبي": قَالَ: كان أبو العَبَّاس محبوسًا، فَلَمَّا اشتدت علة أبيه الموفق عمد غلمان أبي العباس فأخرجوه بلا إذن، وأدخلوه إليه، فَلَمَّا رآه أيقن بالموت. قَالَ: فبلغني أَنَّهُ قَالَ: لهذا اليوم خبأتك، وفوض الأمور إليه. وضم إليه الجيش، وخلع عليه قبل موته بثلاثة أيام. قَالَ: وكان أبو العَبَّاس شهما جلدًا رجلًا بازلًا، موصوفًا بالرُّجلة والجزالة، قد لقي الحروب وعُرف فضله، فقام بالأمر أحسن قيام، وهابه النَّاس ورهبوه أعظم رهبة. وعقد له المعتمد العقد أَنَّهُ مكان أبيه، وأجرى أمره عَلَى ما كَانَ أَبُوهُ الموفق بالله، رسمه في ذَلِكَ، ودعي له بولاية العهد على المنابر. وجعل المعتمد ولده جميعًا تحت يد أبي العَبَّاس. ثُمَّ جلس المعتمد مجلسًا عامًا، أشهد فيه على نفسه بخلع ولده المفوض إلى الله جعفر من ولاية العهد، وإفراد المُعْتَضِد أبي العَبَّاس بالعهد في المحرّم سنة تسعٍ وسبعين، وَتُوُفِّي في رجب من السنة يعني المعتمد فَقِيلَ: إِنَّهُ غُمّ في بساط حَتَّى مات. قَالَ: وكانت خلافة المعتضد تسع سنين وتسعة أشهر وأيامًا. وكان أسمر نحيفًا، معتدل الخلق، أقنى الأنف، إلى الطول ما هُوَ، في مقدم لحيته امتداد، وفي مقدم رأسه شامة بيضاء، تعلوه هيبة شديدة. رأيته في خلافته. وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن عرفة: تُوُفِّي المُعْتَضِد يوم الإثنين لثمانٍ بقين من ربيع الآخر سنة تسعٍ وثمانين، ودفن في حجرة الرُّخام. وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي. قلت: وبويع بعده ابنه المُكْتَفِي بالله عَليّ بن أَحْمَد، وأبطل كثيرًا من مظالم أبيه؛ ورثاه الأمير عبد الله بن المعتز الهاشمي بهذه الأبيات: -[681]- يا ساكن القبر في غبراء مظلمة ... بالطاهرية مقصى الدار منفردا أين الجيوش التي قد كنت تسحبُها؟ ... أين الكنوزُ التي أحصيتُها عددا أين السريرُ الذي قد كنت تملؤُه ... مَهَابةً، مَنْ رأتْهُ عينُهُ ارْتَعَدا؟ أين الأعادي الأُولي ذللت مصعبهم؟ ... أين الليوث التي صيرتها بعدا أين الجياد التي حجَّلتها بدمٍ ... وكنَّ يحملن منك الضَّيغم الأسدا أين الرِّماح التي غذَّيْتها مُهَجًا؟ ... مُذْ مِتَّ ما وردت قلبا ولا كبدا أين الجنان التي تجري جَدَاولُها ... ويستجيب إليها الطائر الغردا أين الوصائفُ كالغزلان رائحةً؟ ... يسحبن من حُلَلِ مَوْشِيّةٍ جُدُدا أين الملاهي؟ وأين الراح تحسبها ... ياقوتةً كُسيت من فِضَّةٍ زردا؟ أين الْوُثُوبُ إلى الأعداء مُبْتَغيًا ... صلاح مُلك بني العَبَّاس إِذْ فَسَدا؟ ما زِلْتَ تقسر منهم كل قَسْوَرَةٍ ... وتَخْبطُ العالي الجبار مُعْتَمِدا ثم انقضيت فلا عين ولا أثر ... حَتَّى كأنك يومًا لم تكن أحدا |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
268 - عبد الله ابن المعتز بالله محمد ابن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم ابن الرشيد، الأمير أبو العبّاس العبّاسيّ الأديب [الوفاة: 291 - 300 ه]
صاحب الشعر البديع والنثر الفائق. أخذ العربية والأدب عَنْ: المبرِّد، وثعلب. وعَنْ: مؤدِّبه أحمد بن سعيد الدّمشقيّ. وكان مولده في شَعْبان سنة تسعٍ وأربعين ومائتين. رَوَى عَنْهُ: مؤدِّبه أحمد، ومحمد بن يحيى الصُّوليّ، وغيرهما. وقد قامت الدّولة وتوثّبوا على المقتدر، وأقاموا ابن المعتزّ في الخلافة؛ فقال: بشرط أن لا يُقتل بسببي رجلٌ مسلم. وكاد أمره يتم، ثم تفرق عنه جمعه وقبض عليه، وقُتِلَ سِرًّا في ربيع الآخر سنة ستٍّ وتسعين كما ذكرناه في الحوادث. وقد رثاه عليّ بن محمد بن بسّام، فَقَالَ: لله دَرُّك مِن مَلْك بمضْيعة ... ناهيك في العقل والآداب والحَسَب ما فيه لولا ولا ليت فتنقصه ... وإنّما أدْرَكَتْه حِرْفَةُ الأدب ومن شِعره: مَنْ لي بقلبٍ صِيَغ من صخرةٍ ... في جسدٍ من لؤلؤٍ رطبِ جرحت خدِّيه بلَحْظي فما ... برحت حتى اقتص من قلبي وله: وإني لَمَعْذُورٌ عَلَى طولِ حُبّها ... لأنَّ لها وجهًا يَدُلّ عَلَى عُذْري إذا ما بَدَتْ والبدْرُ ليلةَ تَمِّهِ ... رأيتَ لها فَضْلا مُبينًا عَلَى البدرِ وتهتزُّ مِن تحت الثّيابِ كأنَّها ... قَضِيبٌ مِنَ الرَّيْحانِ في الورقِ الخضرِ أبى اللَّهُ إلَّا أَنْ أموتَ صَبَابَةً ... بِساحرةِ العينين طيِّبةِ النَّشْرِ وله أيضًا: أترى الجيرةَ الّذين تَدَاعَوْا ... عندَ سَيْرِ الحبيبِ قبل الزَّوَالِ علِموا أنني مقيم وقلبي ... راحل فيهم أمام الْجِمَالِ مثل صاعِ العَزِيز في أَرْحُلِ القو ... م، ولا يعلمون ما في الرحال -[971]- ما أعز المعشوق ما أهون العا ... شق، ما أقْتلَ الهوى للرّجالِ ومن نثره: من تجاوز الكَفَاف لم يُغْنِهِ الإكثار. وقال: كلّما عَظُمَ قدْر المنافَس، عظُمَت الفجيعةُ به. وقال: ربّما أوردَ الطَّمعُ ولم يصدر، ومن ارتحله الحرص، أنضاه الطَّلَب. وقال: الحظّ يأتي من لا يأتيه. وقال: أشقى النّاس أقربهم من الّسّلطان، كما أنّ أقرب الأشياء من النّار أسرعه إلى الاحتراق. وقال: من شارك السُّلطان في عِزِّ الدّنيا، شاركه في ذُلّ الآخرة. وقال: يكفيك للحاسد غَمُّهُ وقتَ سرورك. وقيل: أنّه قَالَ هذه الأبيات عندما سُلِّم لمؤنس ليهلكه: يا نفسُ صَبْرًا لعلّ الخير عُقْبَاكَ ... خانَتْك مِنْ بعد طول الأمن دُنياكِ مرَّت بنا سَحَرًا طيرٌ فقلت لها: ... طُوباك يا ليتني إيّاكِ طوباك إن كان قصدك شوقاً بالسلام على ... شاطىء الصراة أبلغي إن كان مثواك من موثقٍ بالمنايا لا فكاكَ له ... يبكي الدّماء على ألفٍ له باكي أظنّه آخرَ الأيام مِنْ عمري ... وأوشك اليوم أن يبكي لي الباكي |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
301 - عليّ المكتفي بالله. أمير المؤمنين أبو محمد ابن الخليفة المعتضد بالله أبي العباس أحمد ابن الموفق أبي أحمد طلحة ابن الخليفة المتوكّل على الله جعفر ابن المعتصم ابن الرشيد العبّاسيّ. [الوفاة: 291 - 300 ه]
وُلِد سنة أربعٍ وستّين ومائتين، وكان يُضْرَب المثل بحُسْنه في زمانه. كان معتدل القامة، دُرّيّ اللون، أسود الشَّعر، حَسَن اللّحْية، جميل الصُّورة. بُويع بالخلافة عند موت والده في جُمَادَى الأولى سنة تسعٍ وثمانين، فكانت أيّامة ستّة أعوام ونصفًا. أخذ له أبوه الْبَيْعَةَ في مرضه، ونهض بأعبائها الوزير أبو الحسين القاسم بن عُبَيْد الله. ومات شابًّا في ذي القعدة سنة خمس وتسعين بويع بعده أخوه جعفر المقتدر، وقد دخل في أربع عشرة سنة، بتفويض المكتفي إليه في مرضه، بعد أن سأل وصحّ عنده أنه قد احتلم. وذكر أبو منصور الثَّعالبي قَالَ: حكى إبراهيم بن نوح أنّ الّذي خلّفه المكتفي، مما جمعه هو وأبوه: مائة ألف ألف دينار عَيْن، وأمتعة وعقار وأواني، فكان من تلك الأمتعة، ثلاثٌ وستُّون ألف ثَوْب. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
378 - عَبْد الواحد بْن محمد المهتديّ باللَّه بْن هارون الواثق ابن المعتصم، أبو أحمد العباسيّ البغداديّ. [المتوفى: 318 هـ]
سَمِعَ: يحيى بْن أَبِي طَالِب، وجعفر بْن شاكر، والحسين بْن محمد بْن أَبِي مَعْشَر، وَعَنْهُ: الدَّارَقُطْنيّ، وأبو حفص بْن شاهين، وأبو طاهر المخلّص. قَالَ أبو بَكْر الورّاق: كَانَ راهب بُنيّ هاشم صلاحًا وورَعًا. قلتُ: وأبوه أفقهُ الخلفاء، حديثه في " جزء " بِيْبَي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
116 - أَحْمَد بْن المطلب بْن عَبْد اللَّه ابْن الواثق ابْن المعتصم ابْن الرشيد العّباسيُّ الهاشميُّ. [المتوفى: 344 هـ]-[798]-
سَمِعَ: أَبَا مُسلْمِ الكَجّيّ، والفِرْيابيّ. وَعَنْهُ: الدّارَقُطْنيّ، وإبراهيم بن مخلد الباقرحي. وكان ثقة، صالحًا، ورِعًا، بغداديًا، شريفًا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
98 - عَبْد العزيز بْن مُحَمَّد بْن إبراهيم ابن الواثق ابن المعتصم، أبو محمد العباسي الهاشمي البغدادي. [المتوفى: 353 هـ]
سَمِعَ: أبا مسلم الكّجي، وأبا شعيب الحّراني، وموسى بن هارون، ويوسف بن يعقوب القاضي، وخَلَف بن عَمرو العُكْبَرِي. وَعَنْهُ: الدارَقُطْنيّ، وأبو الحسن بن رزقويه، وابن ابنه أحمد بن عمر بن عبد العزيز، وغيرهم. وثّقه الخطيب. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
52 - أحمد بن إسحاق بن جعفر بن أحمد بن أبي أحمد طلحة ابن المتوكل على الله ابن المعتصم ابن الرشيد، أبو العبّاس، الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين ابن الأمير أبي أحمد ابن المقتدر بالله، الهاشميّ، العباسيّ، البغداديّ. [المتوفى: 422 هـ]
بويع بالخلافة عند القبض على الطّائع لله في حادي عشر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. ومولده في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وأمه تمني مولاة عبد الواحد ابن المقتدر، كانت ديّنة خيّرة معمّرة تُوُفِّيت سنة تسع وتسعين وثلاثمائة. وكان أبيض كثّ اللَّحية طويلها، يَخْضِبُ شَيْبَه، وكان من أهل السِّتر والصِّيانة، وإدامة التّهجُّد. تفقّه على العلّامة أبي بِشْر أحمد بن محمد الهَرَويّ الشّافعيّ، وعدَّه ابن الصّلاح في الفُقَهاء الشّافعيّة. قال الخطيب: كان من الدَّيانة وإدامة التهجُّد، وكثرة الصَّدقات على صفةٍ اشتهرت عنه، وصنَّف كتابًا في الأُصُول ذكر فيه فضل الصّحابة وإكفار المعتزلة والقائلين بخلْق القرآن. وكان ذلك الكتاب يُقرأ كلّ جُمُعةٍ في حلْقة أصحاب الحديث بجامع المهديّ، ويحضره النّاسُ مدّة خلافته، وهي إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر. تُوُفّي ليلة الاثنين الحادي عشر من ذي الحجّة، ودُفِن بدار الخلافة فصلّى عليه ولده الخليفة بعده القائم بأمر الله ظاهرًا، والخلْقُ وراءه، وكبَّر عليه أرْبَعًا، فلم يزل مدفونًا في الدّار حتّى نُقِل تابوته في المركب ليلا إلى الرصافة، فدفن بها بعد عشرة أشهر، وعاش سبْعًا وثمانين سنة إلّا شهرًا وثمانية أيّام، رحمه الله. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
231 - عبد الله بْن أحمد بْن عبد الله بن إبراهيم، أبو محمد الهاشميّ العبّاسيّ المعتصميّ. [المتوفى: 438 هـ]
سمع أبا بكر القطيعي، وابن ماسي. قال الخطيب: كتبنا عنه، وكان صدوقًا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
154 - مُحَمَّد بْن عليّ بْن مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الصمد ابن المهتدي بالله أبي إسحاق محمد ابن الواثق بالله هارون ابن المعتصم ابن الرشيد. الخطيب أبو الحُسَين العباسي الهاشمي الْبَغْدَادِي، المعروف بابن الغَرِيق. [المتوفى: 465 هـ]
سيّد بني العباس فِي زمانه وشيخهم. -[227]- سمع الدَّارَقُطْنِيّ، وابن شاهين وهو آخر من حدَّث عنهُما، وعليّ بْن عمُر الحربي، ومحمد بْن يوسف بْن دُوَسْت، وأبا القاسم بْن حبابة، وأبا الفتح القواس، وطائقة. وله "مشيخة" فِي جُزْءين. قال أبو بَكْر الخطيب: وُلِد فِي ذي القعدة سنة سبعين وثلاثمائة، فِي مستهلَّه. وكان ثقة نبيلًا. ولي القضاء بمدينة المنصور، وهو ممّن شاع أمرُه بالعبادة والصّلاح، حَتَّى كان يُقَالُ له: راهب بني هاشم. كتبتُ عَنْهُ. وقال ابن السمعاني: جازَ أبو الْحُسَين قَصَبَ السَّبْق فِي كلّ فضيلة عقلًا، وعِلمًا، ودينًا، وحزْمًا، ورأيا، وورعًا، ووقف عليه علو الإسناد. ورحل إليه الناس من البلاد. ثَقُل سمْعُه بأخرة، فكان يتولى القراءة بنفسه، مع عُلُوّ سِنّهِ، وكان ثقة حُجّة، نبيلًا مُكْثِرًا. وكان آخر من حدَّث عن الدَّارَقُطْنِيّ، وابن شاهين. وقال أبو بكر ابن الخاضبة: رَأَيْت كأنّ القيامة قد قامت، وكأنّ قائلاً يقول: أين ابن الخاضبة؟ قفيل لي: أُدْخِل الجنَّة. فَلَمَّا دخلتُ البابَ، وصرتُ مِن داخل، استلقيتُ على قَفَاي، ووضعتُ إحدى رِجْلَيَّ على الأخرى وقلت: آه، استرحتُ واللهِ من النَسْخ. فرفعت رأسي، وَإِذَا ببغلة مُسْرَجَةٍ مُلْجَمَةٍ فِي يد غلام، فقلتُ: لمن هَذِهِ؟ فقال: للشريف أبي الحسين ابن الغريق، فَلَمَّا كان صبيحة تلك الليلة نُعِيَ إلينا الشريف بأنه مات فِي تلك الليلة. وقال أبو يعقوب يوسف الهَمَذَانيّ: كان أبو الحسين به طرَش، فكان يقرأ علينا بنفسه. وكان دائم العبادة. قرأ علينا حديث المَلَكَيْن، فبكى بُكاءً عظيمًا وأبكى الحاضرين. وقال أُبَيُّ النَّرْسِيّ: كان ثقة يقرأ للناس، وكانت إحدى عينيه ذاهبة. وقال أبو الفضل بْن خَيْرُون: مات فِي أول ذي الحجّة. قال: وكان صَائِمَ الدّهر زَاهدًا، وهو آخر من حَدَّثَ عن الدارقطني، وابن دوست. ضابط متحر، أكثر سماعاته بخطّه. ما اجتمع فِي أَحدٍ ما اجتمع فِيهِ. -[228]- قَضى ستًا وخمسين سنة، وخطب ستًّا وسبعين سنة، لم تعرف له زَلّة، وكانت تلاوته للقرآن أحسن شيء. قلت: رَوَى عَنْهُ يوسف الهَمَذَاني، وأبو بَكْر الْأَنْصَارِي، وخلق كثير آخرهم أبو الفضل مُحَمَّد بْن عُمَر الأُرْمَويّ، وآخر من روى عَنْهُ فِي الأرض بالإجازة مَسْعُود الثّقفيّ، ثمّ ظهر بُطلان الإجازة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
289 - عبد الله بن أحمد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الصّمد ابن المهتدي بالله ابن الواثق ابن المعتصم ابن الرشيد، الخطيب أبو جعفر العبّاسيّ البغداديّ، [المتوفى: 479 هـ]
والد أبي الفضل محمد بن عبد الله. كان خطيبًا جليلًا رئيسًا صالحًا، يخطب بجامع الحربيّة. سمع أبا القاسم -[442]- ابن بِشْران، وغيره. وعنه ابن السَّمرقنديّ. ومات في شعبان. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
133 - محمد بن معْن بن محمد بن أحمد بن صُمادح، السّلطان أبو يحيى التُّجَيبيّ الأندلسيّ، الملَقَّب بالمعتصم. [المتوفى: 484 هـ]
كان جدّه محمد صاحب مدينة وَشْقة، فحاربه ابن عمه منذر بن يحيى، فعجز عنه، فترك له وشقة وهرب، وكان من الدهاة. وكان ابنه معن مصاهرا لعبد العزيز بن عامر صاحب بَلَنْسِية والمَرِيّة، فاستخلف معنا على المرية، فخانه وتملكها، وتم له الأمر. ثم انتقل ملكها إلى ولده المعتصم. وكان حليما جوادا، مدحه الشعراء، وهو أحد من داخل ابن تاشفين واختص به. ثم إن ابن تاشفين عزم على أخذ البلاد من المعتصم، وكان معه المرية وبجانة والصمادحية، فأظهر المعتصم العصيان، وكان له مع الله سريرة، فلم يكن بينه وبين حلول الفاقرة إلا أياما يسيرة، فمات واستراح وهو في عزه وبلده. وقد روى عن أبيه، عن جدّه مختصَره في " غريب القرآن ". روى عنه إبراهيم بن أسود الغسّانيّ. حكت جارية قالت: إنّني لَعِنْده وهو يُوصي، وقد غُلِب، وجيشُ ابن تاشفين بحيث تعد خيامهم، وتسمع أصواتهم إذ سَمَعَ وجَبَة من وجَبَاتهم، فقال: لا إله إلّا الله، نُغِّص علينا كلّ شيء حتى الموت. فدمعت عينيّ، فلا أنساه وهو يقول بصوتٍ ضعيف: -[539]- ترفَّقْ بدمْعِكَ لا تُفْنِهِ ... فبين يديك بكاءٌ طويل توفي في ربيع الآخر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
296 - يزيد، مولى المعتصم باللَّه مُحَمَّد بْن مَعْن بْن صُمَادح، أبو خَالِد، [المتوفى: 497 هـ]
من أهل المَرِية. روى الكثير عَنْ أَبِي العبّاس العُذْريّ. قَالَ ابن بَشْكُوَال: روى عَنْهُ غير واحدٍ من شيوخنا، وكان معتنيا بالأثر وسماعه، ثقة في روايته، وكان مقرئًا فاضلًا، تُوُفّي في المحرَّم. قلت: روى عنه أبو العباس ابن العريف الزّاهد، وأبو العبّاس أحمد بْن عَبْد الرَّحْمَن بن عاصم الثَّقْفيّ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
116 - المؤمَّل بْن محمد بْن الحُسَيْن بْن عليّ بن عبد الواحد بن إسحاق ابن المعتمد على الله ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد، أبو البقاء العباسي الواسطي الخطيب، ويعرف بابن المنبور. [المتوفى: 513 هـ]
سكن بغداد، وأمَّ بالنّظامية، وسمع: أبا الحسين ابن النقور. سمع منه: الصائن هبة الله ابن عساكر، وغيره. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
687 - مُحَمَّد بْن عَبْد الواحد بْن أَحْمَد بْن أَحْمَد بْن عَبْد الواحد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَبِي عيسى ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم ابن الرشيد، الشريفُ، المُسْنِدُ، أَبُو الكرمِ، المُتَوَكِّلي، البغداديّ، المعروفُ بابنِ شُفْنين. [المتوفى: 640 هـ]
وُلِد سنة تسعٍ وأربعين وخمسمائة. وسَمِعَ من عمه أَبِي تمَّام عبدِ الكريم بن أَحْمَد الهاشمي، وأَبِي نصر يحيى بن السدنك. وأجاز له أبو بكر ابن الزاغوني، وأَبُو القاسم نصرُ بن نصر العُكْبَريّ، وأَبُو الوقت، وأبو المظفر محمد بن أحمد ابن التريكي، ومُحَمَّد بن عُبَيْد اللَّه الرُّطَبِيّ، وأَحْمَد بن مُحَمَّد بن عَبْد العزيز الْعَبَّاسيُّ، وجماعةٌ. وكان شيخًا جَليلًا، سَريًا. حَسَنَ الطريقة، جيدَ الفضيلة، عاليّ الإسنادِ. رَوَى عَنْهُ ابنُ النّجّار فِي " تاريخه " وأثنى عَلَيْهِ، وجمالُ الدّين الشَّريشيّ، ومجدُ الدين ابن العَديم. وسَمِعَ منه ابنُ الحاجبِ، وابنُ المجدِ، والطلبةُ. وبالإجازة: القاضيان ابنُ الخُوَيِّيّ وتقيُّ الدّين الحنبلي، وبهاء الدين البرزالي، والعماد ابن البالسي، وعيسى المطعم، وابن سعد، وأحمد ابن الشحنة، -[329]- والبجِديُّ، وبنتُ الرَّضيِّ، وبنتُ مؤمن، وآخرون. تُوُفّي في رابع رجب. وشفنين: لَقَبُ عُبَيْد اللَّه. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*المعتصم بالله هو «محمد بن هارون الرشيد»، وُلد فى (شعبان سنة 180هـ= أكتوبر سنة 796م)، وأمه جارية تركية اسمها «مارده»، وقد تولى الخلافة عقب وفاة أخيه «المأمون».
اختلفت الأوضاع السياسية فى عهد «المعتصم» عنها فى عهد من سبقه، بسبب ظهور عوامل جديدة على مسرح الأحداث، كان فى مقدمتها ظهور العنصر التركى قوة مؤثرة فى حركة الأحداث؛ فتمتع الأتراك بصفات عسكرية كالشدة والقوة والتحمل جعل «المعتصم» يستكثر منهم، يضاف إلى ذلك أن أمه تركية. إلا أن كثرة الأتراك سببت أضرارًا كبيرة لسكان «بغداد»، مما دفع «المعتصم» إلى البحث عن مكان جديد يكون عاصمة له فوقع الاختيار على المكان الذى بنيت عليه مدينة «سُرّ من رأى» (سامراء حاليا) التى بُدء البناء فيها سنة (221هـ= 836م)، ويتميز موقعها بميزات سياسية واقتصادية وعسكرية، فمن الناحية السياسية فإنها فى موقع متوسط يسهل الاتصال بأنحاء الدولة، ومن الناحية الاقتصادية فإن موقعها يسهل عمليات التبادل التجارى بين النواحى الشمالية والجنوبية، وعسكريا فإن إحاطة المياه بها يجعلها فى مأمن من أى عدوان خارجى. ومن الأعمال العظيمة التى تنسب إلى «المعتصم بالله» نجاحه فى القضاء على ثورة «بابك الخرمى»، فحينما تولى أمر البلاد جهز جيشًا بقيادة «الأفشين» وزوَّده بكل أدوات القتال وبالمال اللازم؛ حيث دارت عدة معارك، انتهت بالقبض على «بابك الخرمى» وإعدامه. تُوفى «المعتصم بالله» فى شهر (ربيع الأول سنة 227هـ= ديسمبر سنة 841م)، وقد أطلق عليه بعض المؤرخين «المُثَمن»، لأن خلافته دامت ثمانى سنين وثمانية أشهر ويومين، ومولده فى الشهر الثامن من العام الهجرى، ومات عن ثمانية بنين وثمانى بنات. |