نتائج البحث عن (تصحيح) 50 نتيجة

التصحيح: هو في اللغة: إزالة السقم من المريض، وفي الاصطلاح: إزالة الكسور الواقعة بين السهام والرءوس.
التّصحيح:[في الانكليزية] Recovery [ في الفرنسية] Guerison هو تفعيل من الصّحة التي هي ضدّ السّقم فيكون المعنى إزالة السّقم من السقيم. وعند أهل الفرائض هو أن يؤخذ السّهام من أقل عدد يمكن على وجه لا يقع الكسر على واحد من الورثة، كذا في الشريفي. سمّي به لأنّ وقوع الكسر على واحد من الورثة بمنزلة السقم فتعالجه بالطريق المذكور المعروف عندهم.فأنت بمنزلة الطبيب والطريق المذكور بمنزلة الدواء، والحاصل إزالة الكسر الواقعة بين السهام والرءوس. وعند المحدّثين هو كتابة صح على كلام يحتمل الشك بأن كرر لفظ مثلا لا يخلّ تركه، كذا في خلاصة الخلاصة والإرشاد الساري شرح صحيح البخاري.
التَّصْحِيح: إِزَالَة السقم من الْمَرِيض. وَعند عُلَمَاء الْفَرَائِض إِزَالَة الْكسر الْوَاقِع بَين السِّهَام والرؤوس. وَبِعِبَارَة أُخْرَى هُوَ أَن يُؤْخَذ السِّهَام من أقل عدد يُمكن على وَجه لَا يَقع الْكسر على وَاحِد من الْوَرَثَة بِأَن يَجْعَل الْأَجْزَاء الْمَكْسُورَة أعدادا صَحِيحَة لَا كسر فِيهَا وَهَذَا معنى تَصْحِيح الكسور. وَمَتى يخرج الْحساب من الْأَقَل لم يخرج من الْأَكْثَر فَإِن خرج من ثَلَاثَة لم يخرج من سِتَّة.
التصحيح: لغة، إزالة السقم عن المريض، وفي عرف الفرضيين: إزالة الكسور بين السهام والرءوس.

مَا إطلاق سراحهم إلاّ تصحيحًا

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

مَا إطلاق سراحهم إلاّ تصحيحًاالجذر: ص ح ح

مثال: مَا إطلاق سراحهم إلاّ تصحيحًا لهَذَا العمل غير الأخلاقيّالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لنصب ما حقه الرفع.

الصواب والرتبة: -ما إطلاق سراحهم إلاّ تصحيحٌ لهذا العمل غير الأخلاقيّ [فصيحة] التعليق: كلمة «تصحيح» خبر المبتدأ «إطلاق»، ولا تأثير لـ «ما» النافية لانتقاض نفي الخبر بـ «إلا».

تصحيح عين الفعل مع عدم وجود ما يوجب إعلالها

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

تصحيح عين الفعل مع عدم وجود ما يوجب إعلالها

مثال: اسْتَعْوَضَ اللهَ في ماله المفقودالرأي: مرفوضةالسبب: لعدم إعلال عين الفعل مع وجود ما يوجبه.

الصواب والرتبة: -اسْتَعْوَضَ اللهَ في ماله المفقود [فصيحة] التعليق: (انظر: عدم إعلال عين الفعل).
  • التصحيح
التصحيح: هو في اللغة: إزالة السقم من المرض، وفي اصطلاح علم الفرائض: إزالة الكسور الواقعة بين السهام والرؤوس.

إعانة الفارض، في تصحيح واقعات الفرائض

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

إعانة الفارض، في تصحيح واقعات الفرائض
للمولى: فضيل بن علي الجمالي، الحنفي.
المتوفى: سنة تسعين وتسعمائة.
هو: متن، مختصر، جامع.
وله: شرحه.
المسمى: (بعون الرائض).
بغية المرتاد، لتصحيح الضاد
للشيخ: علي بن محمد بن علي بن خليل بن غانم المقدسي، الحنفي.
المتوفى: سنة ست وثلاثين وألف. (1004).
وهي: رسالة.
على: مقدمة، وفصول.
أولها: (الحمد لله الذي وفق للنطق الفصيح... الخ).
تصحيح الآثار
لمحمد بن شجاع الثلجي، الحنفي، فقيه العراقيين.
المتوفى: سنة 266، ست وستين ومائتين.
تصحيح التعجيز
لقطب الدين: محمد بن عبد الصمد السنباطي.
المتوفى: سنة 722، اثنتين وعشرين وسبعمائة.
وله عليه: زوائد.
ولمحمد بن الحسن الأطروش.
المتوفى: سنة 784، أربع وثمانين وسبعمائة.
وفخر الدين: عثمان بن خطيب جبرين (علي الشافعي)، الحلبي.
المتوفى: سنة 739، تسع وثلاثين وسبعمائة.
تصحيح المذهب
لعماد الدين: محمد بن الحسين الأسنوي، الشافعي.
المتوفى: سنة 777، سبع وسبعين وسبعمائة.
التصحيح، لصلاة التسبيح
لجلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
المتوفى: سنة 911، إحدى عشرة وتسعمائة.
التنقيح، في مسألة التصحيح
لجلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر، السيوطي.
المتوفى: سنة إحدى عشرة وسبعمائة.
التَّصْحِيحُ: كِتَابَة " صَحَّ " فِيمَا عرضه الشَّك وَالْخلاف؛ ليدل على صِحَّته رِوَايَة، وَمعنى.التَّضْبِيبُ: مد خطّ كرأس الضَّاد الْمُعْجَمَة على ثَابت نقلا فَاسد لفظا، أَو معنى، أَو على ضَعِيف، أَو نَاقص.
1 - تصحيح العقيدة:.
العقيدة الصحيحة هي التي تصحح الأخلاق، وتحمي الإنسان من الانزلاق، وليس ذلك إلا في عقيدة السلف أهل السنة والجماعة أصحاب الحديث..
فالسلوك ثمرة لما يحمله الإنسان من معتقد، وما يدين به من دين، والانحراف في السلوك ناتج عن خلل في المعتقد، فالعقيدة هي السنة، وهي الإيمان الجازم بالله تعالى، وبما يجب له من التوحيد والإيمان بملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبما يتفرع عن هذه الأصول ويلحق بها مما هو من أصول الإيمان، وأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً؛ فإذا صحت العقيدة، حسنت الأخلاق تبعاً لذلك؛ فالعقيدة الصحيحة (عقيدة السلف) عقيدة أهل السنة والجماعة التي تحمل صاحبها على مكارم الأخلاق، وتردعه عن مساوئها..
كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا)) (¬1)..
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكمل المؤمنين أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم)) (¬2). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة)) (¬3)..
¬_________.
(¬1) رواه أبو داود (4682)، والترمذي (1162)، وأحمد (2/ 250) (7396). قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الحاكم (1/ 43)، قال الهيثمي في ((المجمع)) (4/ 306): رواه أحمد، وفيه محمد بن عمرو، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح..
(¬2) رواه أبو داود (4682)، والترمذي (1162)، وأحمد (2/ 250) (7396). قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الحاكم (1/ 43)، قال الهيثمي في ((المجمع)) (4/ 306): رواه أحمد، وفيه محمد بن عمرو، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح..
(¬3) رواه البزار (14/ 31)، وأبو يعلى (7/ 184). قال الهيثمي في ((المجمع)) (1/ 61): رجاله ثقات. وقال البوصيري في ((إتحاف الخيرة)) (6/ 19): إسناده رواته ثقات.

كيفية تثنية المقصور والممدود وجمعهما تصحيحا

ألفية ابن مالك

كيفيّة تثنية المقصور والممدود وجمعهما تصحيحاً:
آخرَ مقصور ٍ تثنّى اجعله يا ... إن كان عن ثلاثةٍ مرتقيا
كذا الذي اليا أصله نحو الفتى ... والجامدُ الذي أميل كمتى
في غير ذا تقلب واواً الألف ... وأولها ما كان قبل قد ألِف
وما كصحراء بواو ٍ ثنّيا ... ونحو علباءٍ كساءٍ وحيا
بواو ٍ او همز ٍ وغير ما ذكر ... صحّح وما شذّ على نقل ٍ قُصِر
واحذف من المقصور في جمع على ... حدّ المثنّى ما به تكمّلا
التَّعْرِيفُ:
1 - التَّصْحِيحُ لُغَةً: مَصْدَرُ صَحَّحَ، يُقَال: صَحَّحْتُ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ تَصْحِيحًا: إِِذَا أَصْلَحْتَ خَطَأَهُ، وَصَحَّحْتَهُ فَصَحَّ. (1)
وَالتَّصْحِيحُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ هُوَ: الْحُكْمُ عَلَى الْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ، إِِذَا اسْتَوْفَى شَرَائِطَ الصِّحَّةِ الَّتِي وَضَعَهَا الْمُحَدِّثُونَ (2) .
وَيُطْلَقُ التَّصْحِيحُ أَيْضًا عِنْدَهُمْ عَلَى كِتَابَةِ (صَحَّ) عَلَى كَلاَمٍ يَحْتَمِل الشَّكَّ بِأَنْ كُرِّرَ لَفْظٌ مَثَلاً لاَ يُخِل تَرْكُهُ (3) .
وَالتَّصْحِيحُ عِنْدَ أَهْل الْفَرَائِضِ: إِزَالَةُ الْكُسُورِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ السِّهَامِ وَالرُّءُوسِ. (4)
وَالتَّصْحِيحُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ: رَفْعُ أَوْ حَذْفُ مَا يُفْسِدُ الْعِبَادَةَ أَوِ الْعَقْدَ (5) .
__________
(1) لسان العرب مادة: " صحح ".
(2) تدريب الراوي / 24.
(3) كشاف اصطلاحات الفنون 3 / 819.
(4) التعريفات للجرجاني.
(5) البدائع 5 / 139، 178، والاختيار 2 / 26، ومغني المحتاج 2 / 40، ومنح الجليل 2 / 570 - 571، وبداية المجتهد 2 / 162 ط عيسى الحلبي.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّعْدِيل:
2 - التَّعْدِيل: مَصْدَرُ عَدَّل، يُقَال: عَدَّلْتُ الشَّيْءَ تَعْدِيلاً فَاعْتَدَل: إِِذَا سَوَّيْتَهُ فَاسْتَوَى. وَمِنْهُ قِسْمَةُ التَّعْدِيل. وَعَدَّلْتُ الشَّاهِدَ: نَسَبْتَهُ إِِلَى الْعَدَالَةِ. وَتَعْدِيل الشَّيْءِ: تَقْوِيمُهُ (1) .

ب - التَّصْوِيبُ:
3 - التَّصْوِيبُ: مَصْدَرُ صَوَّبَ مِنَ الصَّوَابِ، الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْخَطَأِ، وَالتَّصْوِيبُ بِهَذَا الْمَعْنَى يُرَادِفُ التَّصْحِيحَ، وَصَوَّبْتَ قَوْلَهُ: قُلْتَ: إِنَّهُ صَوَابٌ (2) .

ج - التَّهْذِيبُ:
4 - التَّهْذِيبُ كَالتَّنْقِيَةِ، يُقَال: هَذَّبَ الشَّيْءَ، إِِذَا نَقَّاهُ وَأَخْلَصَهُ. وَقِيل: أَصْلَحَهُ (3) .

د - الإِِْصْلاَحُ:
5 - الإِِْصْلاَحُ ضِدُّ الإِِْفْسَادِ، وَأَصْلَحَ الشَّيْءَ بَعْدَ فَسَادِهِ: أَقَامَهُ، وَأَصْلَحَ الدَّابَّةَ: أَحْسَنَ إِلَيْهَا (4) .
__________
(1) لسان العرب والمصباح المنير مادة: " عدل ".
(2) لسان العرب والمصباح المنير مادة: " صوب ".
(3) لسان العرب مادة: " هذب ".
(4) لسان العرب مادة: " صلح ".

هـ - التَّحْرِيرُ:
6 - تَحْرِيرُ الْكِتَابَةِ: إِقَامَةُ حُرُوفِهَا وَإِِصْلاَحُ السَّقْطِ وَتَحْرِيرُ الْحِسَابِ: إِثْبَاتُهُ مُسْتَوِيًا لاَ غَلَتَ فِيهِ، (1) وَلاَ سَقْطَ وَلاَ مَحْوَ. وَتَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ: عِتْقُهَا (2) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
7 - تَصْحِيحُ الْفَسَادِ وَالْخَطَأِ أَمْرٌ وَاجِبٌ شَرْعًا مَتَى عَرَفَهُ الإِِْنْسَانُ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ: كَمَنْ اجْتَهَدَ فِي مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ وَصَلَّى، ثُمَّ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ، فَيَجِبُ تَصْحِيحُ هَذَا الْخَطَأِ بِالاِتِّجَاهِ إِِلَى الْقِبْلَةِ، وَإِِلاَّ فَسَدَتِ الصَّلاَةُ. أَمْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمُعَامَلاَتِ: كَالْبَيْعِ بِشَرْطٍ مُفْسِدٍ لِلْعَقْدِ، فَيَجِبُ إِسْقَاطُ هَذَا الشَّرْطِ لِيَصِحَّ الْبَيْعُ، وَإِِلاَّ وَجَبَ فَسْخُ الْبَيْعِ دَفْعًا لِلْفَسَادِ (3) .

مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّصْحِيحِ مِنْ أَحْكَامٍ:
أَوَّلاً: تَصْحِيحُ الْحَدِيثِ:
8 - تَصْحِيحُ الْحَدِيثِ هُوَ: الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ لِتَوَافُرِ شُرُوطٍ خَاصَّةٍ اشْتَرَطَهَا عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ. وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْمُحَدِّثُونَ فِي صِحَّةِ بَعْضِ الأَْحَادِيثِ
__________
(1) الغلت: الغلط في الحساب (القاموس المحيط) .
(2) لسان العرب مادة: " شهد ".
(3) الهداية 1 / 45، وابن عابدين 4 / 133، والزيلعي 4 / 64.

لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي بَعْضِ الشُّرُوطِ، وَفِي تَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ.
فَقَدْ قَرَّرَ ابْنُ الصَّلاَحِ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ يُحْكَمُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ الَّذِي يَتَّصِل إِسْنَادُهُ بِنَقْل الْعَدْل الضَّابِطِ عَنِ الْعَدْل الضَّابِطِ إِِلَى مُنْتَهَاهُ، وَلاَ يَكُونُ شَاذًّا وَلاَ مُعَلَّلاً.
قَال ابْنُ الصَّلاَحِ: فَهَذَا هُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي يُحْكَمُ لَهُ بِالصِّحَّةِ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ أَهْل الْحَدِيثِ. فَإِِذَا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ حُكِمَ لِلْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ، مَا لَمْ يَظْهَرْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ شُذُوذًا. وَالْحُكْمُ بِتَوَاتُرِ الْحَدِيثِ حُكْمٌ بِصِحَّتِهِ.
وَقَال بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ: يُحْكَمُ لِلْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ إِِذَا تَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُول، وَإِِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ - لَمَّا حَكَى عَنِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ صَحَّحَ حَدِيثَ الْبَحْرِ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِل مَيْتَتُهُ (1) وَأَهْل الْحَدِيثِ لاَ يُصَحِّحُونَ مِثْل إِسْنَادِهِ - لَكِنَّ الْحَدِيثَ عِنْدِي صَحِيحٌ، لأَِنَّ الْعُلَمَاءَ تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُول.
وَقَال الأُْسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإِْسْفَرايِينِيُّ: تُعْرَفُ صِحَّةِ الْحَدِيثِ إِِذَا اشْتَهَرَ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ بِغَيْرِ
__________
(1) حديث: " هو الطهور ماؤه والحل ميتته ". أخرجه مالك (الموطأ 1 / 22 - ط عيسى الحلبي) وعنه الترمذي (1 / 101 - ط مصطفى الحلبي) وصححه البخاري. (التلخيص الحبير 1 / 9 - شركة الطباعة الفنية المتحدة) .

نَكِيرٍ مِنْهُمْ. وَقَال نَحْوَهُ ابْنُ فُورَكٍ (1) .
عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مَنِ اشْتَرَطَ غَيْرَ ذَلِكَ لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، كَاشْتِرَاطِ الْحَاكِمِ أَنْ يَكُونَ رَاوِي الْحَدِيثِ مَشْهُورًا بِالطَّلَبِ (أَيْ طَلَبِ الْحَدِيثِ وَتَتَبُّعِ رِوَايَاتِهِ) وَعَنْ مَالِكٍ نَحْوُهُ، وَكَاشْتِرَاطِ أَبِي حَنِيفَةَ فِقْهَ الرَّاوِي، وَكَاشْتِرَاطِ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ الْعِلْمَ بِمَعَانِي الْحَدِيثِ، حَيْثُ يُرْوَى بِالْمَعْنَى، قَال السُّيُوطِيُّ: وَهُوَ شَرْطٌ لاَ بُدَّ مِنْهُ، لَكِنَّهُ دَاخِلٌ فِي الضَّبْطِ، وَكَاشْتِرَاطِ الْبُخَارِيِّ ثُبُوتَ السَّمَاعِ لِكُل رَاوٍ مِنْ شَيْخِهِ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِإِِمْكَانِ اللِّقَاءِ وَالْمُعَاصَرَةِ (2) .

أَثَرُ عَمَل الْعَالِمِ وَفُتْيَاهُ فِي التَّصْحِيحِ:
9 - قَال النَّوَوِيُّ وَالسُّيُوطِيُّ: عَمَل الْعَالِمِ وَفُتْيَاهُ عَلَى وَفْقِ حَدِيثٍ رَوَاهُ لَيْسَ حُكْمًا مِنْهُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَلاَ بِتَعْدِيل رُوَاتِهِ، لإِِِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ احْتِيَاطًا، أَوْ لِدَلِيلٍ آخَرَ وَافَقَ ذَلِكَ الْخَبَرَ. وَصَحَّحَ الآْمِدِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الأُْصُولِيِّينَ أَنَّهُ حُكْمٌ بِذَلِكَ.
وَقَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَسَالِكِ الاِحْتِيَاطِ (أَيْ لَمْ تَكُنِ الْفُتْيَا بِمُقْتَضَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ، بَل لِلاِحْتِيَاطِ) . وَفَرَّقَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بَيْنَ أَنْ يَعْمَل بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ.
__________
(1) تدريب الراوي ص 22 - 25.
(2) تدريب الراوي ص 26.

كَمَا أَنَّ مُخَالَفَةَ الْعَالِمِ لِلْحَدِيثِ لاَ تُعْتَبَرُ قَدْحًا مِنْهُ فِي صِحَّتِهِ وَلاَ فِي رُوَاتِهِ، لإِِِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَانِعٍ مِنْ مُعَارِضٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَقَدْ رَوَى الإِِْمَامُ مَالِكٌ حَدِيثَ الْخِيَارِ، وَلَمْ يَعْمَل بِهِ لِعَمَل أَهْل الْمَدِينَةِ بِخِلاَفِهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَدْحًا فِي نَافِعٍ رَاوِيهِ.
وَمِمَّا لاَ يَدُل عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ أَيْضًا - كَمَا ذَكَرَ أَهْل الأُْصُول - مُوَافَقَةُ الإِِْجْمَاعِ لَهُ عَلَى الأَْصَحِّ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَنَدُ غَيْرَهُ. وَقِيل: يَدُل عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ. (1)

تَصْحِيحُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ:
10 - يَرَى الشَّيْخُ ابْنُ الصَّلاَحِ أَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ التَّصْحِيحُ فِي هَذِهِ الأَْعْصَارِ، فَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يُصَحِّحَ، بَل يَقْتَصِرُ فِي الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ السَّابِقُونَ، كَمَا يَرَى عَدَمَ اعْتِبَارِ الْحَدِيثِ صَحِيحًا بِمُجَرَّدِ صِحَّةِ إِسْنَادِهِ مَا لَمْ يُوجَدْ فِي مُصَنَّفَاتِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ الْمَشْهُورَةِ، فَأَغْلَبُ الظَّنِّ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ عِنْدَهُمْ لِمَا أَهْمَلُوهُ لِشِدَّةِ فَحْصِهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ. (2)
وَقَدْ خَالَفَ الإِِْمَامُ النَّوَوِيُّ ابْنَ الصَّلاَحِ فِي ذَلِكَ، فَقَال: وَالأَْظْهَرُ عِنْدِي جَوَازُهُ لِمَنْ تَمَكَّنَ وَقَوِيَتْ مَعْرِفَتُهُ.
__________
(1) تدريب الراوي ص 209.
(2) تدريب الراوي ص 51 - 53، 79، وعلوم الحديث ص 13.

قَال الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ: وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَل أَهْل الْحَدِيثِ.
وَقَدْ صَحَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَحَادِيثَ لَمْ يُعْرَفْ تَصْحِيحُهُمَا عَنِ الأَْقْدَمِينَ. (1)

ثَانِيًا: تَصْحِيحُ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ:
11 - الْفُقَهَاءُ عَدَا الْحَنَفِيَّةَ لاَ يُفَرِّقُونَ فِي الْجُمْلَةِ بَيْنَ الْعَقْدِ الْبَاطِل وَالْعَقْدِ الْفَاسِدِ، فَالْحُكْمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْعَقْدَ لاَ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِرَفْعِ الْمُفْسِدِ. فَفِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ حَذَفَ الْعَاقِدَانِ الْمُفْسِدَ لِلْعَقْدِ - وَلَوْ فِي مَجْلِسِ الْخِيَارِ - لَمْ يَنْقَلِبِ الْعَقْدُ صَحِيحًا، إِذْ لاَ عِبْرَةَ بِالْفَاسِدِ. (2)
وَفِي الْمُغْنِي لاِبْنِ قُدَامَةَ: لَوْ بَاعَهُ بِشَرْطِ أَنْ يُسْلِفَهُ أَوْ يُقْرِضَهُ، أَوْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ وَالْعَقْدُ بَاطِلٌ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ، وَعَنْ بَيْعٍ
__________
(1) تدريب الراوي ص 78 وما بعدها.
(2) أسنى المطالب 2 / 37، ومغني المحتاج 2 / 40، وروضة الطالبين 3 / 410، وحاشية الجمل 3 / 84 - 115، والمنثور في القواعد 2 / 150.

وَسَلَفٍ. (1) وَلأَِنَّهُ اشْتَرَطَ عَقْدًا فِي عَقْدٍ فَفَسَدَ كَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ؛ وَلأَِنَّهُ إِِذَا اشْتَرَطَ الْقَرْضَ زَادَ فِي الثَّمَنِ لأَِجْلِهِ، فَتَصِيرُ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ عِوَضًا عَنِ الْقَرْضِ وَرِبْحًا لَهُ، وَذَلِكَ رِبًا مُحَرَّمٌ، فَفَسَدَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ؛ وَلأَِنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ فَلاَ يَعُودُ صَحِيحًا كَمَا لَوْ بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ ثُمَّ تَرَكَ أَحَدَهُمَا (2) .
وَفِي بَابِ الرَّهْنِ قَال: لَوْ بَطَل الْعَقْدُ لَمَا عَادَ صَحِيحًا (3) .
وَفِي شَرْحِ منتهى الإرادات: الْعَقْدُ الْفَاسِدُ لاَ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا (4) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَصِحُّ الْعَقْدُ إِِذَا حُذِفَ الشَّرْطُ الْمُفْسِدُ لِلْعَقْدِ، سَوَاءٌ أَكَانَ شَرْطًا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، أَمْ كَانَ شَرْطًا يُخِل بِالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، إِلاَّ أَرْبَعَةَ شُرُوطٍ فَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ مَعَهَا وَلَوْ حُذِفَ الشَّرْطُ، وَهِيَ:
__________
(1) حديث: " نهى عن ربح ما لم يضمن وعن بيع ما لم يقبض. . . ". رواه الطبراني من حديث حكيم بن حزام قال في مجمع الزوائد (4 / 85) وروى النسائي بعضه، وفي سنده عند الطبراني العلاء بن خالد الواسطي وثقه ابن حبان، وضعفه موسى بن إسماعيل. وروي بلفظ " لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك ". أخرجه الترمذي (3 / 535 - 536 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال: حديث حسن صحيح.
(2) المغني 4 / 259 - 260.
(3) المغني 4 / 379.
(4) شرح منتهى الإرادات 2 / 250.

أ - مَنِ ابْتَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ عَلَى أَنَّهُ إِنْ مَاتَ فَالثَّمَنُ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ، فَإِِنَّهُ يَفْسَخُ الْبَيْعَ وَلَوْ أَسْقَطَ هَذَا الشَّرْطَ لأَِنَّهُ غَرَرٌ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ: إِنْ مَاتَ فَلاَ يُطَالِبُ الْبَائِعُ وَرَثَتَهُ بِالثَّمَنِ.
ب - شَرْطُ مَا لاَ يَجُوزُ مِنْ أَمَدِ الْخِيَارِ، فَيَلْزَمُ فَسْخُهُ وَإِِنْ أَسْقَطَ لِجَوَازِ كَوْنِ إِسْقَاطِهِ أَخْذًا بِهِ.
ج - مَنْ بَاعَ أَمَةً وَشَرَطَ عَلَى الْمُبْتَاعِ أَنْ لاَ يَطَأَهَا، وَأَنَّهُ إِنْ فَعَل فَهِيَ حُرَّةٌ، أَوْ عَلَيْهِ دِينَارٌ مَثَلاً، فَيُفْسَخُ وَلَوْ أَسْقَطَ الشَّرْطَ لأَِنَّهُ يَمِينٌ.
د - شَرْطُ الثُّنْيَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ وَلَوْ أَسْقَطَ الشَّرْطَ.
وَزَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ شَرْطًا خَامِسًا وَهُوَ:
هـ - شَرْطُ النَّقْدِ (أَيْ تَعْجِيل الثَّمَنِ) فِي بَيْعِ الْخِيَارِ قَال ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ أَسْقَطَ شَرْطَ النَّقْدِ فَلاَ يَصِحُّ (1) .
وَفِي الإِِْجَارَةِ جَاءَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: تَفْسُدُ الإِِْجَارَةُ بِالشَّرْطِ الَّذِي يُنَاقِضُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَمَحَل الْفَسَادِ إِنْ لَمْ يُسْقِطَ الشَّرْطَ، فَإِِنْ أَسْقَطَ الشَّرْطَ صَحَّتْ (2) .
وَيُوَضِّحُ ابْنُ رُشْدٍ سَبَبَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ بِارْتِفَاعِ الْمُفْسِدِ أَوْ عَدَمِ صِحَّتِهِ. فَيَقُول: هَل إِِذَا لَحِقَ الْفَسَادُ بِالْبَيْعِ مِنْ قِبَل الشَّرْطِ يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ إِِذَا ارْتَفَعَ الشَّرْطُ، أَوْ لاَ
__________
(1) منح الجليل 2 / 570 - 571.
(2) الشرح الصغير 2 / 277 ط الحلبي.

يَرْتَفِعُ؟ كَمَا لاَ يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ اللاَّحِقُ لِلْبَيْعِ الْحَلاَل مِنْ أَجْل اقْتِرَانِ الْمُحَرَّمِ الْعَيْنَ بِهِ، كَمَنْ بَاعَ غُلاَمًا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَزِقِّ خَمْرٍ، فَلَمَّا عَقَدَ الْبَيْعَ قَال: أَدَّعِ الزِّقَّ. وَهَذَا الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِإِِجْمَاعٍ.
وَهَذَا أَيْضًا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ آخَرَ. هُوَ: هَل هَذَا الْفَسَادُ مَعْقُول الْمَعْنَى أَوْ غَيْرُ مَعْقُولٍ؟ فَإِِنْ قُلْنَا: هُوَ غَيْرُ مَعْقُول الْمَعْنَى، لَمْ يَرْتَفِعِ الْفَسَادُ بِارْتِفَاعِ الشَّرْطِ. وَإِِنْ قُلْنَا: مَعْقُولٌ، ارْتَفَعَ الْفَسَادُ بِارْتِفَاعِ الشَّرْطِ.
فَمَالِكٌ رَآهُ مَعْقُولاً، وَالْجُمْهُورُ رَأَوْهُ غَيْرَ مَعْقُولٍ، وَالْفَسَادُ الَّذِي يُوجَدُ فِي بُيُوعِ الرِّبَا وَالْغَرَرِ هُوَ أَكْثَرُ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْقُول الْمَعْنَى، وَلِذَلِكَ لَيْسَ يَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ أَصْلاً، وَإِِنْ تُرِكَ الرِّبَا بَعْدَ الْبَيْعِ وَارْتَفَعَ الْغَرَرُ (1) .
12 - وَيُفَرِّقُ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الْعَقْدِ الْبَاطِل وَالْعَقْدِ الْفَاسِدِ فَيَصِحُّ عِنْدَهُمْ - خِلاَفًا لِزُفَرَ - تَصْحِيحُ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، بِارْتِفَاعِ الْمُفْسِدِ دُونَ الْبَاطِل، وَيَقُولُونَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ: إِنَّ ارْتِفَاعَ الْمُفْسِدِ فِي الْفَاسِدِ يَرُدُّهُ صَحِيحًا، لأَِنَّ الْبَيْعَ قَائِمٌ مَعَ الْفَسَادِ، وَمَعَ الْبُطْلاَنِ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بِصِفَةِ الْبُطْلاَنِ، بَل كَانَ مَعْدُومًا.
وَعِنْدَ زُفَرَ: الْعَقْدُ الْفَاسِدُ لاَ يَحْتَمِل الْجَوَازَ بِرَفْعِ الْمُفْسِدِ.
__________
(1) بداية المجتهد 2 / 162 ط عيسى الحلبي.

لَكِنَّ تَصْحِيحَ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِِذَا كَانَ الْفَسَادُ ضَعِيفًا. يَقُول الْكَاسَانِيُّ: الأَْصْل عِنْدَنَا أَنَّهُ يُنْظَرُ إِِلَى الْفَسَادِ، فَإِِنْ كَانَ قَوِيًّا بِأَنْ دَخَل فِي صُلْبِ الْعَقْدِ - وَهُوَ الْبَدَل أَوِ الْمُبْدَل - لاَ يَحْتَمِل الْجَوَازَ بِرَفْعِ الْمُفْسِدِ، كَمَا إِِذَا بَاعَ عَبْدًا بأَلْفِ دِرْهَمٍ وَرِطْلٍ مِنْ خَمْرٍ، فَحَطَّ الْخَمْرَ عَنِ الْمُشْتَرِي فَهُوَ فَاسِدٌ وَلاَ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا.
وَإِِنْ كَانَ الْفَسَادُ ضَعِيفًا، وَهُوَ مَا لَمْ يَدْخُل فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، بَل فِي شَرْطٍ جَائِزٍ يَحْتَمِل الْجَوَازَ بِرَفْعِ الْمُفْسِدِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ خِيَارٍ لَمْ يُوَقَّتْ، أَوْ وُقِّتَ إِِلَى وَقْتٍ مَجْهُولٍ كَالْحَصَادِ، أَوْ لَمْ يُذْكُرِ الْوَقْتُ، وَكَمَا فِي الْبَيْعِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إِِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، فَإِِذَا أَسْقَطَ الأَْجَل مَنْ لَهُ الْحَقُّ فِيهِ قَبْل حُلُولِهِ وَقَبْل فَسْخِهِ جَازَ الْبَيْعُ لِزَوَال الْمُفْسِدِ، وَلَوْ كَانَ إِسْقَاطُ الأَْجَل بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ عَلَى مَا حَرَّرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ.
وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ بِسَبَبِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ بِالْبَائِعِ فِي التَّسْلِيمِ إِِذَا سَلَّمَ الْبَائِعَ بِرِضَاهُ وَاخْتِيَارِهِ - كَمَا إِِذَا بَاعَ جِذْعًا لَهُ فِي سَقْفٍ، أَوْ آجُرًّا لَهُ فِي حَائِطٍ، أَوْ ذِرَاعًا فِي دِيبَاجٍ - أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ إِلاَّ بِالنَّزْعِ وَالْقَطْعِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ بِالْبَائِعِ، وَالضَّرَرُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِالْعَقْدِ، فَكَانَ هَذَا عَلَى التَّقْدِيرِ بَيْعُ مَا لاَ يَجِبُ تَسْلِيمُهُ شَرْعًا، فَيَكُونُ فَاسِدًا. فَإِِنْ نَزَعَهُ الْبَائِعُ

أَوْ قَطَعَهُ وَسَلَّمَهُ إِِلَى الْمُشْتَرِي قَبْل أَنْ يَفْسَخَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ جَازَ الْبَيْعُ؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْجَوَازِ ضَرَرُ الْبَائِعِ بِالتَّسْلِيمِ، فَإِِذَا سَلَّمَ بِاخْتِيَارِهِ وَرِضَاهُ فَقَدْ زَال الْمَانِعُ، فَجَازَ الْبَيْعُ وَلَزِمَ (1) .
وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ طِبْقًا لِقَاعِدَةِ: إِِذَا زَال الْمَانِعُ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي عَادَ الْحُكْمُ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ هِبَةَ الْمُشَاعِ فَاسِدَةٌ، فَإِِنْ قَسَّمَهُ وَسَلَّمَهُ جَازَ. وَاللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفُ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ، وَالزَّرْعُ وَالنَّخْل فِي الأَْرْضِ، وَالتَّمْرُ فِي النَّخِيل بِمَنْزِلَةِ الْمُشَاعِ؛ لأَِنَّهَا مَوْجُودَةٌ، وَامْتِنَاعُ الْجَوَازِ لِلاِتِّصَال، فَإِِذَا فَصَّلَهَا وَسَلَّمَهَا جَازَ لِزَوَال الْمَانِعِ (2) .
وَمِثْل ذَلِكَ: إِِذَا رَهَنَ الأَْرْضَ بِدُونِ الْبِنَاءِ، أَوْ بِدُونِ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ، أَوْ رَهَنَ الزَّرْعَ وَالشَّجَرَ بِدُونِ الأَْرْضِ، أَوْ رَهَنَ الشَّجَرَ بِدُونِ الثَّمَرِ، أَوْ رَهَنَ الثَّمَرَ بِدُونِ الشَّجَرِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الْمَرْهُونَ مُتَّصِلٌ بِمَا لَيْسَ بِمَرْهُونٍ، وَهَذَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَبْضِ. وَلَوْ جُذَّ الثَّمَرُ وَحُصِدَ الزَّرْعُ وَسُلِّمَ مُنْفَصِلاً جَازَ لِزَوَال الْمَانِعِ (3) .
__________
(1) البدائع 5 / 168، 178 - 179، وابن عابدين 4 / 119، والاختيار 2 / 25 - 26.
(2) البدائع 6 / 119، والزيلعي 5 / 94.
(3) البدائع 6 / 140.

تَصْحِيحُ الْعَقْدِ بِاعْتِبَارِهِ عَقْدًا آخَرَ:
13 - هَذَا، وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ إِِذَا أَمْكَنَ تَحْوِيلُهُ إِِلَى عَقْدٍ آخَرَ صَحِيحٍ لِتَوَافُرِ أَسْبَابِ الصِّحَّةِ فِيهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الصِّحَّةُ عَنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، أَمْ عَنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ عِنْدَ الْبَعْضِ الآْخَرِ نَظَرًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي قَاعِدَةِ (هَل الْعِبْرَةُ بِصِيَغِ الْعُقُودِ أَوْ مَعَانِيهَا) . (1) وَنُوَضِّحُ ذَلِكَ بِالأَْمْثِلَةِ الآْتِيَةِ:
14 - فِي الأَْشْبَاهِ لاِبْنِ نُجَيْمٍ: الاِعْتِبَارُ لِلْمَعْنَى لاَ لِلأَْلْفَاظِ، صَرَّحُوا بِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا: الْكَفَالَةُ، فَهِيَ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَْصِيل حَوَالَةً، وَهِيَ بِشَرْطِ عَدَمِ بَرَاءَتِهِ كَفَالَةً. (2)
وَفِي الاِخْتِيَارِ: شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَتَسَاوَى الشَّرِيكَانِ فِي التَّصَرُّفِ وَالدَّيْنِ وَالْمَال الَّذِي تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ. . فَلاَ تَنْعَقِدُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، فَإِِذَا عَقَدَ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ الْمُفَاوَضَةَ صَارَتْ عِنَانًا عِنْدَهُمَا، لِفَوَاتِ شَرْطِ الْمُفَاوَضَةِ وَوُجُودِ شَرْطِ الْعِنَانِ، وَكَذَلِكَ كُل مَا فَاتَ مِنْ شَرَائِطِ الْمُفَاوَضَةِ
__________
(1) درر الحكام 1 / 18، 19 مادة (3) ، وأشباه ابن نجيم ص 270، وأشباه السيوطي ص 184، والمنثور 2 / 371، وإعلام الموقعين 3 / 95، والقواعد لابن رجب ص 49.
(2) الأشباه لابن نجيم ص 207، وابن عابدين 4 / 246، وانظر درر الحكام 1 / 18، 19، شرح المادة (3) .

يُجْعَل عِنَانًا إِِذَا أَمْكَنَ، تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِمَا بِقَدْرِ الإِِْمْكَانِ. (1)
وَفِي الاِخْتِيَارِ أَيْضًا: عَقْدُ الْمُضَارَبَةِ، إِنْ شُرِطَ فِيهِ الرِّبْحُ لِلْمُضَارِبِ فَهُوَ قَرْضٌ؛ لأَِنَّ كُل رِبْحٍ لاَ يُمْلَكُ إِلاَّ بِمِلْكِ رَأْسِ الْمَال، فَلَمَّا شُرِطَ لَهُ جَمِيعُ الرِّبْحِ فَقَدْ مَلَّكَهُ رَأْسَ الْمَال، وَإِِنْ شُرِطَ الرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَال كَانَ إِبْضَاعًا، وَهَذَا مَعْنَاهُ عُرْفًا وَشَرْعًا. (2)
وَجَاءَ فِي مِنَحِ الْجَلِيل: مَنْ أَحَال عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَأَعْلَمَ الْمُحَال، صَحَّ عَقْدُ الْحَوَالَةِ، فَإِِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ لَمْ تَصِحَّ، وَتَنْقَلِبُ حَمَالَةً أَيْ كَفَالَةً. (3)
وَفِي أَشْبَاهِ السُّيُوطِيِّ: هَل الْعِبْرَةُ بِصِيَغِ الْعُقُودِ أَوْ مَعَانِيهَا؟ خِلاَفٌ. التَّرْجِيحُ مُخْتَلِفٌ فِي الْفُرُوعِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: إِِذَا قَال: أَنْتَ حُرٌّ غَدًا عَلَى أَلْفٍ. إِنْ قُلْنَا: بَيْعٌ فَسَدَ وَلاَ تَجِبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ، وَإِِنْ قُلْنَا: عِتْقٌ بِعِوَضٍ، صَحَّ وَوَجَبَ الْمُسَمَّى. وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ الْمَبِيعَ لِلْبَائِعِ قَبْل قَبْضِهِ بِمِثْل الثَّمَنِ الأَْوَّل، فَهُوَ إِقَالَةٌ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَخَرَّجَهُ السُّبْكِيُّ عَلَى الْقَاعِدَةِ، وَالتَّخْرِيجُ لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ قَال: إِنِ اعْتَبَرْنَا اللَّفْظَ لَمْ يَصِحَّ، وَإِِنْ
__________
(1) الاختيار 3 / 12 - 13.
(2) الاختيار 3 / 20، والمغني 5 / 35.
(3) منح الجليل 3 / 232.

اعْتَبَرْنَا الْمَعْنَى فَإِِقَالَةٌ. (1)

ثَالِثًا - تَصْحِيحُ الْعِبَادَةِ إِِذَا طَرَأَ عَلَيْهَا مَا يُفْسِدُهَا:
15 - مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي تَطْرَأُ عَلَى الْعِبَادَةِ مَا لاَ يُمْكِنُ إِزَالَتُهُ أَوْ تَلاَفِيهِ كَالأَْكْل وَالشُّرْبِ وَالْكَلاَمِ وَالْحَدَثِ وَالْجِمَاعِ، فَهَذِهِ الأُْمُورُ لاَ يُمْكِنُ تَلاَفِيهَا، وَهِيَ تُعْتَبَرُ مِنْ مُفْسِدَاتِ الْعِبَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ. هَذَا مَعَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي التَّفْصِيل فِيهَا بَيْنَ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، وَبَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ وَالْجَهْل، وَمَا هُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ أَوْ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ.
فَإِِذَا طَرَأَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْعِبَادَةِ فَفَسَدَتْ فِعْلاً - عِنْدَ مَنْ يَعْتَبِرُ ذَلِكَ مُفْسِدًا - فَلاَ مَجَال لِتَصْحِيحِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَيَلْزَمُ إِعَادَتُهَا إِنِ اتَّسَعَ وَقْتُهَا، أَوْ قَضَاؤُهَا إِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (إِعَادَةٌ - قَضَاءٌ) .
وَالْكَلاَمُ هُنَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَطْرَأُ عَلَى الْعِبَادَةِ مِمَّا يُعْتَبَرُ مِنَ الْمُفْسِدَاتِ مَعَ إِمْكَانِ إِزَالَةِ الْمُفْسِدِ أَوْ تَلاَفِيهِ لِتَصِحَّ الْعِبَادَةُ، مِثْل طُرُوءِ النَّجَاسَةِ أَوْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَمَا شَابَهُ ذَلِكَ.
وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى: أَنَّهُ إِِذَا طَرَأَ عَلَى الْعِبَادَةِ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُفْسِدَهَا لَوِ اسْتَمَرَّ وَأَمْكَنَ تَلاَفِيهِ وَإِِزَالَتُهُ وَجَبَ فِعْل ذَلِكَ لِتَصْحِيحِ الْعِبَادَةِ.
__________
(1) الأشباه للسيوطي ص 183 - 184، 185 ط عيسى الحلبي.

وَنَظَرًا لِتَعَذُّرِ حَصْرِ مِثْل هَذِهِ الْمَسَائِل لِكَثْرَةِ فُرُوعِهَا فِي أَبْوَابِ الْعِبَادَةِ الْمُخْتَلِفَةِ، فَيُكْتَفَى بِذِكْرِ بَعْضِ الأَْمْثِلَةِ الَّتِي تُوَضِّحُ ذَلِكَ:
16 - مَنِ اجْتَهَدَ فِي مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ، وَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ اسْتَدَارَ إِِلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهَا، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلاَتِهِ.
وَكَذَلِكَ إِِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ، وَبَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ، بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ خَبَرٍ عَنْ يَقِينٍ فَإِِنَّهُ يَسْتَدِيرُ إِِلَى جِهَةِ الصَّوَابِ وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى.
وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَهْل قُبَاءَ لَمَّا بَلَغَهُمْ نَسْخُ الْقِبْلَةِ وَهُمْ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ اسْتَدَارُوا إِلَيْهَا، وَاسْتَحْسَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْل أَهْل قُبَاءَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالإِِْعَادَةِ (1) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (اسْتِقْبَالٌ - قِبْلَةٌ - صَلاَةٌ) .
17 - مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ يَابِسَةٌ - وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ - فَأَزَالَهَا سَرِيعًا صَحَّتْ صَلاَتُهُ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: بَيْنَمَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ، إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ
__________
(1) الاختيار 1 / 47، وابن عابدين 1 / 291، وجواهر الإكليل 1 / 45، وأسنى المطالب 1 / 139، والمغني 1 / 445. وحديث: " نسخ القبلة " أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 506 - ط السلفية) ومسلم (1 / 375 - ط عيسى الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ ذَلِكَ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَتَهُ قَال: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ . قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا. فَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ جِبْرِيل أَتَانِي، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا. (1)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (نَجَاسَةٌ - صَلاَةٌ) .
18 - مَنْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ - بِأَنْ أَطَارَتِ الرِّيحُ سُتْرَتَهُ فَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ - فَإِِنْ أَعَادَهَا سَرِيعًا صَحَّتْ صَلاَتُهُ. (2)
وَلَوْ صَلَّى عُرْيَانًا لِعَدَمِ وُجُودِ سُتْرَةٍ، ثُمَّ وَجَدَ سُتْرَةً قَرِيبَةً مِنْهُ سَتَرَ بِهَا مَا وَجَبَ سَتْرُهُ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلاَتِهِ، قِيَاسًا عَلَى أَهْل قُبَاءَ لَمَّا عَلِمُوا بِتَحْوِيل الْقِبْلَةِ اسْتَدَارُوا إِلَيْهَا وَأَتَمُّوا صَلاَتَهُمْ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (عَوْرَةٌ - صَلاَةٌ) .
19 - إِنْ خَفَّ فِي الصَّلاَةِ مَعْذُورٌ بِعُذْرٍ مُسَوِّغٍ لِلاِسْتِنَادِ أَوِ الْجُلُوسِ أَوِ الاِضْطِجَاعِ انْتَقَل لِلأَْعْلَى، كَمُسْتَنِدٍ قَدَرَ عَلَى الاِسْتِقْلاَل،
__________
(1) البدائع 1 / 221، والدسوقي 1 / 70، والمهذب 1 / 94، وشرح منتهى الإرادات 1 / 153. وحديث أبي سعيد الخدري: " إن جبريل أتاني فأخبرني. . . " أخرجه أبو داود (1 / 426 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (1 / 260 - 4 دائرة المعارف العثمانية) وصححه.
(2) ابن عابدين 1 / 273، والبدائع 1 / 239، والدسوقي 1 / 22، والمهذب 1 / 73، 94، وشرح منتهى الإرادات 1 / 143 - 144، 146.

وَجَالِسٍ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ انْتَقَل وُجُوبًا، فَإِِنْ تَرَكَهُ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ (1) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (عُذْرٌ - صَلاَةٌ) .
20 - مَنْ عَلِمَ فِي أَثْنَاءِ طَوَافِهِ بِنَجَسٍ فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ طَرَحَهُ أَوْ غَسَلَهُمَا، وَبَنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ طَوَافِهِ إِنْ لَمْ يُطِل، وَإِِلاَّ بَطَل طَوَافُهُ لِعَدَمِ الْمُوَالاَةِ. (2)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (طَوَافٌ) .
21 - هَذَا، وَمِنْ تَصْحِيحِ الْعِبَادَةِ مَا يَدْخُل تَحْتَ قَاعِدَةِ: بُطْلاَنُ الْخُصُوصِ لاَ يُبْطِل الْعُمُومَ.
جَاءَ فِي الْمَنْثُورِ: لَوْ تَحَرَّمَ بِالْفَرْضِ مُنْفَرِدًا فَحَضَرَتْ جَمَاعَةٌ، قَال الشَّافِعِيُّ: أَحْبَبْتُ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَتَكُونُ نَافِلَةً، وَيُصَلِّي الْفَرْضَ، فَصَحَّحَ النَّفَل مَعَ إِبْطَال الْفَرْضِ.
وَإِِذَا تَحَرَّمَ بِالصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ قَبْل وَقْتِهَا ظَانًّا دُخُولَهُ بَطَل خُصُوصُ كَوْنِهَا ظُهْرًا، وَيَبْقَى عُمُومُ كَوْنِهَا نَفْلاً فِي الأَْصَحِّ.
وَإِِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْل أَشْهُرِهِ فَفِي انْعِقَادِهِ عُمْرَةً قَوْلاَنِ أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ. (3) وَحَكَاهُ فِي الْمُهَذَّبِ قَوْلاً وَاحِدًا، قَال: لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فَإِِذَا عَقَدَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا انْعَقَدَ غَيْرُهَا مِنْ
__________
(1) ابن عابدين 1 / 511، وجواهر الإكليل 1 / 56، والمنثور في القواعد 1 / 117، وشرح منتهى الإرادات 1 / 272.
(2) جواهر الإكليل 1 / 174.
(3) المنثور في القواعد 1 / 113، 114، 115.

جِنْسِهَا، كَصَلاَةِ الظُّهْرِ إِِذَا أَحْرَمَ بِهَا قَبْل الزَّوَال، فَإِِنَّهُ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالنَّفْل. (1)
22 - وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَكَادُ تَكُونُ مُطَّرِدَةً فِي بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ فِي الْجُمْلَةِ، فَفِي شَرْحِ منتهى الإرادات: مَنْ أَتَى بِمَا يُفْسِدُ الْفَرْضَ فِي الصَّلاَةِ - كَتَرْكِ الْقِيَامِ بِلاَ عُذْرٍ - انْقَلَبَ فَرْضُهُ نَفْلاً؛ لأَِنَّهُ كَقَطْعِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ، فَتَبْقَى نِيَّةُ الصَّلاَةِ. وَيَنْقَلِبُ نَفْلاً كَذَلِكَ مَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل وَقْتُهُ؛ لأَِنَّ الْفَرْضَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِل النَّفَل. (2)
23 - وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ قَبِيل مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ: لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلاَنِ الْوَصْفِ بُطْلاَنُ الأَْصْل.
جَاءَ فِي الْهِدَايَةِ: مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُصَل الظُّهْرَ فَهِيَ فَاسِدَةٌ، إِلاَّ إِِذَا كَانَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ التَّرْتِيبِ.
وَإِِذَا فَسَدَتِ الْفَرْضِيَّةُ لاَ يَبْطُل أَصْل الصَّلاَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛ لأَِنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لأَِصْل الصَّلاَةِ بِوَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلاَنِ الْوَصْفِ بُطْلاَنُ الأَْصْل (3) .
__________
(1) المهذب 1 / 207.
(2) شرح منتهى الإرادات 1 / 169.
(3) الهداية 1 / 73.

وَقَال الْكَاسَانِيُّ فِي بَابِ الزَّكَاةِ: حُكْمُ الْمُعَجَّل مِنَ الزَّكَاةِ، إِِذَا لَمْ يَقَعْ زَكَاةً أَنَّهُ إِنْ وَصَل إِِلَى يَدِ الْفَقِيرِ يَكُونُ تَطَوُّعًا، سَوَاءٌ وَصَل إِِلَى يَدِهِ مِنْ يَدِ رَبِّ الْمَال، أَوْ مِنْ يَدِ الإِِْمَامِ، أَوْ نَائِبِهِ وَهُوَ السَّاعِي؛ لأَِنَّهُ حَصَل أَصْل الْقُرْبَةِ، وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لاَ يُحْتَمَل الرُّجُوعُ فِيهَا بَعْدَ وُصُولِهَا إِِلَى يَدِ الْفَقِيرِ. (1)
رَابِعًا - تَصْحِيحُ الْمَسَائِل فِي الْمِيرَاثِ:
24 - تَصْحِيحُ مَسَائِل الْفَرَائِضِ: أَنْ تُؤْخَذَ السِّهَامُ مِنْ أَقَل عَدَدٍ يُمْكِنُ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَقَعُ الْكَسْرُ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِدُونِ الضَّرْبِ - كَمَا فِي صُورَةِ الاِسْتِقَامَةِ - أَوْ بَعْدَ ضَرْبِ بَعْضِ الرُّءُوسِ - كَمَا فِي صُورَةِ الْمُوَافَقَةِ - أَوْ فِي كُل الرُّءُوسِ - كَمَا فِي صُورَةِ الْمُبَايَنَةِ. (2)
مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي تَصْحِيحِ الْمَسَائِل الْفَرْضِيَّةِ:
25 - لِتَصْحِيحِ الْمَسَائِل الْفَرْضِيَّةِ قَوَاعِدُ يُكْتَفَى مِنْهَا بِمَا أَوْرَدَهُ عَنْهَا شَارِحُ السِّرَاجِيَّةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، قَال: يَحْتَاجُ ذَلِكَ إِِلَى سَبْعَةِ أُصُولٍ:
__________
(1) البدائع 2 / 50 - 52.
(2) شرح السراجية للشريف الجرجاني 213 ط الكردي بمصر وحاشية الفناري عليه.

ثَلاَثَةٍ مِنْهَا بَيْنَ السِّهَامِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ مَخَارِجِهَا (1) وَبَيْنَ الرُّءُوسِ مِنَ الْوَرَثَةِ. وَأَرْبَعَةٍ مِنْهَا بَيْنَ الرُّءُوسِ وَالرُّءُوسِ.

أَمَّا الأُْصُول الثَّلاَثَةُ:

26 - فَأَحَدُهَا: إِنْ كَانَتْ سِهَامُ كُل فَرِيقٍ مِنَ الْوَرَثَةِ مُنْقَسِمَةً عَلَيْهِمْ بِلاَ كَسْرٍ، فَلاَ حَاجَةَ إِِلَى الضَّرْبِ، كَأَبَوَيْنِ وَبِنْتَيْنِ. فَإِِنَّ الْمَسْأَلَةَ حِينَئِذٍ مِنْ سِتَّةٍ، فَلِكُلٍّ مِنَ الأَْبَوَيْنِ سُدُسُهَا وَهُوَ وَاحِدٌ، وَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ أَعْنِي أَرْبَعَةً، فَلِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا اثْنَانِ، فَاسْتَقَامَتِ السِّهَامُ عَلَى رُءُوسِ الْوَرَثَةِ بِلاَ انْكِسَارٍ، فَلاَ يَحْتَاجُ إِِلَى التَّصْحِيحِ، إِذِ التَّصْحِيحُ إِنَّمَا يَكُونُ إِِذَا انْكَسَرَتِ السِّهَامُ بِقِسْمَتِهَا عَلَى الرُّءُوسِ.

27 - وَالثَّانِي مِنَ الأُْصُول الثَّلاَثَةِ:
أَنْ يَكُونَ الْكَسْرُ عَلَى طَائِفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَكِنْ بَيْنَ سِهَامِهِمْ وَرُءُوسِهِمْ مُوَافَقَةً بِكَسْرٍ مِنَ الْكُسُورِ، فَيُضْرَبُ وَفْقَ عَدَدِ رُءُوسِهِمْ - أَيْ عَدَدِ رُءُوسِ مَنِ انْكَسَرَتْ عَلَيْهِمُ السِّهَامُ، وَهُمْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ الْوَاحِدَةُ - فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ إِنْ لَمْ تَكُنْ عَائِلَةً، وَفِي أَصْلِهَا وَعَوْلِهَا مَعًا إِنْ كَانَتْ عَائِلَةً، كَأَبَوَيْنِ وَعَشْرِ بَنَاتٍ، أَوْ زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ وَسِتِّ بَنَاتٍ.
فَالأَْوَّل: مِثَال مَا لَيْسَ فِيهَا عَوْلٌ. إِذْ أَصْل
__________
(1) ورد بحاشية ابن عابدين 5 / 512: المخارج: جمع مخرج وهو أقل عدد يمكن أن يؤخذ منه كل فرض بانفراده صحيحا.

الْمَسْأَلَةِ مِنْ سِتَّةٍ. السُّدُسَانِ وَهُمَا اثْنَانِ لِلأَْبَوَيْنِ وَيَسْتَقِيمَانِ عَلَيْهِمَا، وَالثُّلُثَانِ وَهُمَا أَرْبَعَةٌ لِلْبَنَاتِ الْعَشَرَةِ وَلاَ يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِنَّ، لَكِنْ بَيْنَ الأَْرْبَعَةِ وَالْعَشَرَةِ مُوَافَقَةٌ بِالنِّصْفِ، فَإِِنَّ الْعَدَدَ الْعَادَّ لَهُمَا هُوَ الاِثْنَانِ، فَرَدَدْنَا عَدَدَ الرُّءُوسِ أَعْنِي الْعَشَرَةَ إِِلَى نِصْفِهَا وَهُوَ خَمْسَةٌ، وَضَرَبْنَاهَا فِي السِّتَّةِ الَّتِي هِيَ أَصْل الْمَسْأَلَةِ فَصَارَ الْحَاصِل ثَلاَثِينَ، وَمِنْهُ تَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ.
إِذْ قَدْ كَانَ لِلأَْبَوَيْنِ مِنْ أَصْل الْمَسْأَلَةِ سَهْمَانِ، وَقَدْ ضَرَبْنَاهُمَا فِي الْمَضْرُوبِ الَّذِي هُوَ خَمْسَةٌ فَصَارَ عَشْرَةً، لِكُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسَةٌ، وَكَانَ لِلْبَنَاتِ الْعَشْرِ، مِنْهُ أَرْبَعَةٌ، وَقَدْ ضَرَبْنَاهَا أَيْضًا فِي خَمْسَةٍ فَصَارَ عِشْرِينَ، لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ اثْنَانِ.
وَالثَّانِي: مِثَال مَا فِيهَا عَوْلٌ. فَإِِنَّ أَصْلَهَا مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ لاِجْتِمَاعِ الرُّبُعِ وَالسُّدُسَيْنِ وَالثُّلُثَيْنِ. فَلِلزَّوْجِ رُبُعُهَا وَهُوَ ثَلاَثَةٌ، وَلِلأَْبَوَيْنِ سُدُسَاهَا وَهُمَا أَرْبَعَةٌ، وَلِلْبَنَاتِ السِّتِّ ثُلُثَاهَا وَهُمَا ثَمَانِيَةٌ. فَقَدْ عَالَتِ الْمَسْأَلَةُ إِِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، وَانْكَسَرَتْ سِهَامُ الْبَنَاتِ - أَعْنِي الثَّمَانِيَةَ - عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ فَقَطْ. لَكِنْ بَيْنَ عَدَدِ السِّهَامِ وَعَدَدِ الرُّءُوسِ تَوَافُقٌ بِالنِّصْفِ، فَرَدَدْنَا عَدَدَ رُءُوسِهِنَّ إِِلَى نِصْفِهِ وَهُوَ ثَلاَثَةٌ، ثُمَّ ضَرَبْنَاهَا فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ مَعَ عَوْلِهَا وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَحَصَل خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ، فَاسْتَقَامَتْ مِنْهَا الْمَسْأَلَةُ.
إِذْ قَدْ كَانَ لِلزَّوْجِ مِنْ أَصْل الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةٌ،

وَقَدْ ضَرَبْنَاهَا فِي الْمَضْرُوبِ الَّذِي هُوَ ثَلاَثَةٌ فَصَارَ تِسْعَةً فَهِيَ لَهُ، وَكَانَ لِلأَْبَوَيْنِ أَرْبَعَةٌ وَقَدْ ضَرَبْنَاهَا فِي ثَلاَثَةٍ فَصَارَ اثْنَيْ عَشَرَ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا سِتَّةٌ، وَكَانَ لِلْبَنَاتِ ثَمَانِيَةٌ فَضَرَبْنَاهَا فِي ثَلاَثَةٍ فَحَصَل أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، فَلِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَرْبَعَةٌ.

28 - وَالثَّالِثُ مِنَ الأُْصُول الثَّلاَثَةِ:
أَنْ تَنْكَسِرَ السِّهَامُ أَيْضًا عَلَى طَائِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، وَلاَ يَكُونُ بَيْنَ سِهَامِهِمْ وَعَدَدِ رُءُوسِهِمْ مُوَافَقَةً، بَل مُبَايَنَةً، فَيُضْرَبُ حِينَئِذٍ عَدَدُ رُءُوسِ مَنِ انْكَسَرَتْ عَلَيْهِمُ السِّهَامُ فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ إِنْ لَمْ تَكُنْ عَائِلَةً، وَفِي أَصْلِهَا مَعَ عَوْلِهَا إِنْ كَانَتْ عَائِلَةً، كَزَوْجٍ وَخَمْسِ أَخَوَاتٍ لأَِبٍ وَأُمٍّ، فَأَصْل الْمَسْأَلَةِ مِنْ سِتَّةٍ: النِّصْفُ وَهُوَ ثَلاَثَةٌ لِلزَّوْجِ، وَالثُّلُثَانِ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ لِلأَْخَوَاتِ، فَقَدْ عَالَتْ إِِلَى سَبْعَةٍ، وَانْكَسَرَتْ سِهَامُ الأَْخَوَاتِ فَقَطْ عَلَيْهِنَّ، وَبَيْنَ عَدَدِ سِهَامِهِنَّ وَعَدَدِ رُءُوسِهِنَّ مُبَايَنَةً، فَضَرَبْنَا عَدَدَ رُءُوسِهِنَّ فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ مَعَ عَوْلِهَا وَهُوَ سَبْعَةٌ، فَصَارَ الْحَاصِل خَمْسَةً وَثَلاَثِينَ، وَمِنْهُ تَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ.
وَقَدْ كَانَ لِلزَّوْجِ ثَلاَثَةٌ، وَقَدْ ضَرَبْنَاهَا فِي الْمَضْرُوبِ وَهُوَ خَمْسَةٌ فَصَارَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَهِيَ لَهُ، وَكَانَ لِلأَْخَوَاتِ الْخَمْسِ أَرْبَعَةٌ، وَقَدْ ضَرَبْنَاهَا أَيْضًا فِي خَمْسَةٍ فَصَارَ عِشْرِينَ، فَلِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَرْبَعَةٌ.

وَمِثَال غَيْرِ الْمَسَائِل الْعَائِلَةِ: زَوْجٌ وَجَدَّةٌ وَثَلاَثُ أَخَوَاتٍ لأُِمٍّ. فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ، لِلزَّوْجِ مِنْهَا نِصْفُهَا وَهُوَ ثَلاَثَةٌ، وَلِلْجَدَّةِ سُدُسُهَا وَهُوَ وَاحِدٌ، وَلِلأَْخَوَاتِ لأُِمٍّ ثُلُثُهَا وَهُوَ اثْنَانِ، وَلاَ يَسْتَقِيمَانِ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ، بَل بَيْنَهُمَا تَبَايُنُ، فَضَرَبْنَا عَدَدَ رُءُوسِ الأَْخَوَاتِ فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ فَصَارَ الْحَاصِل ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْهَا.
وَقَدْ كَانَ لِلزَّوْجِ ثَلاَثَةٌ فَضَرَبْنَاهَا فِي الْمَضْرُوبِ الَّذِي هُوَ ثَلاَثَةٌ فَصَارَ تِسْعَةً، وَضَرَبْنَا نَصِيبَ الْجَدَّةِ فِي الْمَضْرُوبِ أَيْضًا فَكَانَ ثَلاَثَةً، وَضَرَبْنَا نَصِيبَ الأَْخَوَاتِ لأُِمٍّ فِي الْمَضْرُوبِ فَصَارَ سِتَّةً، فَأَعْطَيْنَا كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ اثْنَيْنِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ مَتَى كَانَتِ الطَّائِفَةُ الْمُنْكَسِرَةُ عَلَيْهِمْ ذُكُورًا وَإِِنَاثًا - مِمَّنْ يَكُونُ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، كَالْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الاِبْنِ الأَْخَوَاتِ لأَِبٍ وَأُمٍّ أَوْ لأَِبٍ - يَنْبَغِي أَنْ يُضَعَّفَ عَدَدُ الذُّكُورِ، وَيُضَمَّ إِِلَى عَدَدِ الإِِْنَاثِ، ثُمَّ تَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ عَلَى هَذَا الاِعْتِبَارِ، كَزَوْجٍ وَابْنٍ وَثَلاَثِ بَنَاتٍ. أَصْل الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَرْبَعَةٍ: لِلزَّوْجِ سَهْمٌ عَلَيْهِ يَسْتَقِيمُ، وَالْبَاقِي ثَلاَثَةٌ، لِلأَْوْلاَدِ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، فَيُجْعَل عَدَدُ رُءُوسِهِمْ خَمْسَةً بِأَنْ يُنَزَّل الاِبْنُ مَنْزِلَةَ بِنْتَيْنِ، وَلاَ تَسْتَقِيمُ الثَّلاَثَةُ عَلَى الْخَمْسَةِ، فَتُضْرَبُ الْخَمْسَةُ فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ، فَتَبْلُغُ عِشْرِينَ، وَمِنْهَا تَصِحُّ.

وَأَمَّا الأُْصُول الأَْرْبَعَةُ الَّتِي بَيْنَ الرُّءُوسِ وَالرُّءُوسِ:

29 - فَأَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ انْكِسَارُ السِّهَامِ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْوَرَثَةِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَكِنْ بَيْنَ أَعْدَادِ رُءُوسِ مَنِ انْكَسَرَ عَلَيْهِمْ مُمَاثَلَةٌ، فَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يُضْرَبَ أَحَدُ الأَْعْدَادِ الْمُمَاثَلَةِ فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ، فَيَحْصُل مَا تَصِحُّ بِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى جَمِيعِ الْفِرَقِ. مِثْل: سِتُّ بَنَاتٍ، وَثَلاَثُ جَدَّاتٍ: أُمُّ أُمِّ أُمٍّ، وَأُمُّ أُمِّ أَبٍ، وَأُمُّ أَبِ أَبٍ مَثَلاً عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُوَرِّثُ أَكْثَرَ مِنْ جَدَّتَيْنِ، وَثَلاَثَةِ أَعْمَامٍ. الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ: لِلْبَنَاتِ السِّتِّ الثُّلُثَانِ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ، وَلاَ يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِنَّ، لَكِنْ بَيْنَ الأَْرْبَعَةِ وَعَدَدِ رُءُوسِهِنَّ مُوَافَقَةٌ بِالنِّصْفِ، فَأَخَذْنَا نِصْفَ عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ وَهُوَ ثَلاَثَةٌ. وَلِلْجَدَّاتِ الثَّلاَثِ السُّدُسُ وَهُوَ وَاحِدٌ، فَلاَ يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِنَّ وَلاَ مُوَافَقَةَ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَعَدَدِ رُءُوسِهِنَّ، فَأَخَذْنَا جَمِيعَ عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ وَهُوَ أَيْضًا ثَلاَثَةٌ. وَلِلأَْعْمَامِ الثَّلاَثَةِ الْبَاقِي وَهُوَ وَاحِدٌ أَيْضًا، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدَدِ رُءُوسِهِمْ مُبَايَنَةٌ، فَأَخَذْنَا جَمِيعَ عَدَدِ رُءُوسِهِمْ. ثُمَّ نَسَبْنَا هَذِهِ الأَْعْدَادَ الْمَأْخُوذَةَ بَعْضَهَا إِِلَى بَعْضٍ فَوَجَدْنَاهَا مُتَمَاثِلَةً، فَضَرَبْنَا أَحَدَهَا وَهُوَ ثَلاَثَةٌ فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ - أَعْنِي السِّتَّةَ - فَصَارَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَمِنْهَا تَسْتَقِيمُ الْمَسْأَلَةُ. وَكَانَ لِلْبَنَاتِ أَرْبَعَةُ سِهَامٍ ضَرَبْنَاهَا فِي الْمَضْرُوبِ الَّذِي هُوَ ثَلاَثَةٌ، فَصَارَ اثْنَيْ عَشَرَ، فَلِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ اثْنَانِ. وَلِلْجَدَّاتِ سَهْمٌ وَاحِدٌ ضَرَبْنَاهُ أَيْضًا فِي ثَلاَثَةٍ فَكَانَ ثَلاَثَةً،

فَلِكُل وَاحِدَةٍ وَاحِدٌ. وَلِلأَْعْمَامِ وَاحِدٌ أَيْضًا ضَرَبْنَاهُ أَيْضًا فِي الثَّلاَثَةِ، وَأَعْطَيْنَا كُل وَاحِدٍ سَهْمًا وَاحِدًا.
وَلَوْ فَرَضْنَا فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ عَمًّا وَاحِدًا بَدَل الأَْعْمَامِ الثَّلاَثَةِ، كَانَ الاِنْكِسَارُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ فَقَطْ، وَكَانَ وَفْقُ عَدَدِ رُءُوسِ الْبَنَاتِ مُمَاثِلاً لِعَدَدِ رُءُوسِ الْجَدَّاتِ، إِذْ كُلٌّ مِنْهُمَا ثَلاَثَةٌ، فَيُضْرَبُ الثَّلاَثَةُ فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ، فَيَصِيرُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَتَصِحُّ السِّهَامُ عَلَى الْكُل كَمَا مَرَّ.

30 - وَالأَْصْل الثَّانِي مِنَ الأُْصُول الأَْرْبَعَةِ: أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الأَْعْدَادِ - أَيْ بَعْضُ أَعْدَادِ رُءُوسِ الْوَرَثَةِ الْمُنْكَسِرَةِ عَلَيْهِمْ سِهَامُهُمْ مِنْ طَائِفَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ - مُتَدَاخِلاً فِي الْبَعْضِ، فَالْحُكْمُ فِيهَا أَنْ يُضْرَبَ مَا هُوَ أَكْثَرُ تِلْكَ الأَْعْدَادِ فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ، كَأَرْبَعِ زَوْجَاتٍ وَثَلاَثِ جَدَّاتٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ عَمًّا. فَأَصْل الْمَسْأَلَةِ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ: لِلْجَدَّاتِ الثَّلاَثِ السُّدُسُ وَهُوَ اثْنَانِ، فَلاَ يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِنَّ، وَبَيْنَ رُءُوسِهِنَّ وَسِهَامِهِنَّ مُبَايَنَةٌ، فَأَخَذْنَا مَجْمُوعَ عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ وَهُوَ ثَلاَثَةٌ. وَلِلزَّوْجَاتِ الأَْرْبَعِ الرُّبُعُ وَهُوَ ثَلاَثَةٌ، فَبَيْنَ عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ وَعَدَدِ سِهَامِهِنَّ مُبَايَنَةٌ، فَأَخَذْنَا عَدَدَ الرُّءُوسِ بِتَمَامِهِ. وَلِلأَْعْمَامِ الاِثْنَيْ عَشَرَ الْبَاقِي وَهُوَ سَبْعَةٌ، فَلاَ يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِمْ بَل بَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ، فَأَخَذْنَا عَدَدَ الرُّءُوسِ بِأَسْرِهِ. فَنَجِدُ الثَّلاَثَةَ وَالأَْرْبَعَةَ مُتَدَاخِلَيْنِ فِي الاِثْنَيْ عَشَرَ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ أَعْدَادِ الرُّءُوسِ، فَضَرَبْنَاهُ فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ

أَيْضًا اثْنَا عَشَرَ فَصَارَ مِائَةً وَأَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ، فَتَصِحُّ مِنْهَا الْمَسْأَلَةُ.
وَقَدْ كَانَ لِلْجَدَّاتِ مِنْ أَصْل الْمَسْأَلَةِ اثْنَانِ، ضَرَبْنَاهُمَا فِي الْمَضْرُوبِ - الَّذِي هُوَ اثْنَا عَشَرَ - فَصَارَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، فَلِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَمَانِيَةٌ. وَلِلزَّوْجَاتِ مِنْ أَصْلِهَا ثَلاَثَةٌ ضَرَبْنَاهَا فِي الْمَضْرُوبِ الْمَذْكُورِ فَصَارَ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ، فَلِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تِسْعَةٌ. وَلِلأَْعْمَامِ سَبْعَةٌ ضَرَبْنَاهَا فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَيْضًا فَحَصَل أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ، فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ.
وَلَوْ فَرَضْنَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ زَوْجَةً وَاحِدَةً بَدَل الزَّوْجَاتِ الأَْرْبَعِ، كَانَ الاِنْكِسَارُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ فَقَطْ، أَعْنِي الْجَدَّاتِ الثَّلاَثَ وَالأَْعْمَامَ الاِثْنَيْ عَشَرَ، وَكَانَ عَدَدُ رُءُوسِ الْجَدَّاتِ مُتَدَاخِلاً فِي عَدَدِ رُءُوسِ الأَْعْمَامِ، فَيُضْرَبُ أَكْثَرُ هَذَيْنِ الْعَدَدَيْنِ الْمُتَدَاخِلَيْنِ، أَيِ الاِثْنَيْ عَشَرَ فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ، فَيَحْصُل مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ، فَيُقْسَمُ عَلَى الْكُل قِيَاسُ مَا سَبَقَ.

31 - وَالأَْصْل الثَّالِثُ مِنَ الأُْصُول الأَْرْبَعَةِ:
أَنْ يُوَافِقَ بَعْضُ أَعْدَادِ رُءُوسِ مَنِ انْكَسَرَتْ عَلَيْهِمْ سِهَامُهُمْ مِنْ طَائِفَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بَعْضًا. وَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يُضْرَبَ وَفْقُ أَحَدِ أَعْدَادِ رُءُوسِهِمْ فِي جَمِيعِ الْعَدَدِ الثَّانِي، ثُمَّ يُضْرَبُ جَمِيعُ مَا بَلَغَ فِي وَفْقِ الْعَدَدِ الثَّالِثِ - إِنْ وَافَقَ ذَلِكَ الْمَبْلَغُ الْعَدَدَ الثَّالِثَ - وَإِِنْ لَمْ يُوَافِقِ الْمَبْلَغَ الثَّالِثَ فَحِينَئِذٍ يُضْرَبُ الْمَبْلَغُ فِي جَمِيعِ الْعَدَدِ الثَّالِثِ. ثُمَّ يُضْرَبُ

الْمَبْلَغُ الثَّانِي فِي الْعَدَدِ الرَّابِعِ كَذَلِكَ، أَيْ فِي وَفْقِهِ إِنْ وَافَقَهُ الْمَبْلَغُ الثَّانِي، أَوْ فِي جَمِيعِهِ إِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ. ثُمَّ يُضْرَبُ الْمَبْلَغُ الثَّالِثُ فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ، كَأَرْبَعِ زَوْجَاتٍ وَثَمَانِي عَشْرَةَ بِنْتًا وَخَمْسَ عَشْرَةَ جَدَّةً وَسِتَّةِ أَعْمَامٍ. أَصْل الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ: لِلزَّوْجَاتِ الأَْرْبَعِ الثُّمُنُ وَهُوَ ثَلاَثَةٌ، فَلاَ يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِنَّ وَبَيْنَ عَدَدِ سِهَامِهِنَّ وَعَدَدِ رُءُوسِهِنَّ مُبَايَنَةٌ، فَحَفِظْنَا جَمِيعَ عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ. وَلِلْبَنَاتِ الثَّمَانِيَ عَشْرَةَ: الثُّلُثَانِ وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ فَلاَ يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِنَّ، وَبَيْنَ رُءُوسِهِنَّ وَسِهَامِهِنَّ مُوَافَقَةٌ بِالنِّصْفِ، فَأَخَذْنَا نِصْفَ عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ وَهُوَ تِسْعَةٌ وَحَفِظْنَاهُ. وَلِلْجَدَّاتِ الْخَمْسَ عَشْرَةَ السُّدُسُ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ فَلاَ يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِنَّ، وَبَيْنَ عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ وَعَدَدِ سِهَامِهِنَّ مُبَايَنَةٌ، فَحَفِظْنَا جَمِيعَ عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ. وَلِلأَْعْمَامِ السِّتَّةِ الْبَاقِي وَهُوَ وَاحِدٌ لاَ يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِمْ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدَدِ رُءُوسِهِمْ مُبَايَنَةٌ، فَحَفِظْنَا عَدَدَ رُءُوسِهِمْ. فَحَصَل لَنَا مِنْ أَعْدَادِ الرُّءُوسِ الْمَحْفُوظَةِ: أَرْبَعَةٌ وَسِتَّةٌ وَتِسْعَةٌ وَخَمْسَةَ عَشَرَ. وَالأَْرْبَعَةُ مُوَافِقَةٌ لِلسِّتَّةِ بِالنِّصْفِ فَرَدَدْنَا إِحْدَاهُمَا إِِلَى نِصْفِهَا وَضَرَبْنَاهُ فِي الأُْخْرَى، فَحَصَل اثْنَا عَشَرَ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلتِّسْعَةِ بِالثُّلُثِ، فَضَرَبْنَا ثُلُثَ أَحَدِهِمَا فِي جَمِيعِ الآْخَرِ فَحَصَل سِتَّةٌ وَثَلاَثُونَ، وَبَيْنَ هَذَا الْمَبْلَغِ الثَّانِي وَبَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ مُوَافَقَةٌ بِالثُّلُثِ أَيْضًا، فَضَرَبْنَا ثُلُثَ خَمْسَةَ عَشَرَ - وَهُوَ خَمْسَةٌ - فِي سِتَّةٍ وَثَلاَثِينَ فَحَصَل مِائَةٌ وَثَمَانُونَ، ثُمَّ ضَرَبْنَا هَذَا الْمَبْلَغَ

الثَّالِثُ فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ - أَعْنِي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ - فَحَصَل أَرْبَعَةُ آلاَفٍ وَثَلاَثُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ، وَمِنْهَا تَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ.
كَانَ لِلزَّوْجَاتِ مِنْ أَصْل الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةٌ، ضَرَبْنَاهَا فِي الْمَضْرُوبِ - وَهُوَ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ - فَحَصَل خَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ، فَلِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَاتِ الأَْرْبَعِ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَثَلاَثُونَ. وَكَانَ لِلْبَنَاتِ الثَّمَانِيَ عَشْرَةَ سِتَّةَ عَشَرَ، وَقَدْ ضَرَبْنَاهَا فِي ذَلِكَ الْمَضْرُوبِ، فَصَارَ أَلْفَيْنِ وَثَمَانَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ، لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِائَةٌ وَسِتُّونَ. وَكَانَ لِلْجَدَّاتِ الْخَمْسَ عَشْرَةَ أَرْبَعَةٌ، وَقَدْ ضَرَبْنَاهَا فِي الْمَضْرُوبِ الْمَذْكُورِ فَصَارَ سَبْعَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ، لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ. وَكَانَ لِلأَْعْمَامِ السِّتَّةِ وَاحِدٌ ضَرَبْنَاهُ فِي الْمَضْرُوبِ، فَكَانَ مِائَةً وَثَمَانِينَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلاَثُونَ.
وَإِِذَا جَمَعْتَ جَمِيعَ أَنْصِبَاءِ الْوَرَثَةِ بَلَغَ أَرْبَعَةَ آلاَفٍ وَثَلاَثَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا.

32 - وَالأَْصْل الرَّابِعُ مِنَ الأُْصُول الأَْرْبَعَةِ:
أَنْ يَكُونَ أَعْدَادُ رُءُوسِ مَنِ انْكَسَرَ عَلَيْهِمْ سِهَامُهُمْ مِنْ طَائِفَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مُتَبَايِنَةً لاَ يُوَافِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَالْحُكْمُ فِيهَا: أَنْ يُضْرَبَ أَحَدُ الأَْعْدَادِ فِي جَمِيعِ الثَّانِي، ثُمَّ يُضْرَبُ مَا بَلَغَ فِي جَمِيعِ الثَّالِثِ، ثُمَّ مَا بَلَغَ فِي جَمِيعِ الرَّابِعِ، ثُمَّ يُضْرَبُ مَا اجْتَمَعَ فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ. كَزَوْجَتَيْنِ وَسِتِّ جَدَّاتٍ وَعَشْرِ بَنَاتٍ وَسَبْعَةِ أَعْمَامٍ. أَصْل الْمَسْأَلَةِ: أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ. لِلزَّوْجَتَيْنِ الثُّمُنُ وَهُوَ

ثَلاَثَةٌ لاَ يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِمَا، وَبَيْنَ عَدَدِ رُءُوسِهِمَا وَعَدَدِ سِهَامِهِمَا مُبَايَنَةٌ، فَأَخَذْنَا عَدَدَ رُءُوسِهِمَا وَهُوَ اثْنَانِ. وَلِلْجَدَّاتِ السِّتِّ: السُّدُسُ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ لاَ يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِنَّ، وَبَيْنَ عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ وَعَدَدِ سِهَامِهِنَّ مُوَافَقَةٌ بِالنِّصْفِ، فَأَخَذْنَا نِصْفَ عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ وَهُوَ ثَلاَثَةٌ، وَلِلْبَنَاتِ الْعَشْرِ: الثُّلُثَانِ هُوَ سِتَّةَ عَشَرَ فَلاَ يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِنَّ، وَبَيْنَ عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ وَعَدَدِ سِهَامِهِنَّ مُوَافَقَةٌ بِالنِّصْفِ، فَأَخَذْنَا نِصْفَ عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ وَهُوَ خَمْسَةٌ. وَلِلأَْعْمَامِ السَّبْعَةِ الْبَاقِي وَهُوَ وَاحِدٌ، لاَ يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِمْ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدَدِ رُءُوسِهِمْ مُبَايَنَةٌ فَأَخَذْنَا عَدَدَ رُءُوسِهِمْ وَهُوَ سَبْعَةٌ. فَصَارَ مَعَنَا مِنَ الأَْعْدَادِ الْمَأْخُوذَةِ لِلرُّءُوسِ: اثْنَانِ وَثَلاَثَةٌ وَخَمْسَةٌ وَسَبْعَةٌ. وَهَذِهِ كُلُّهَا أَعْدَادٌ مُتَبَايِنَةٌ. فَضَرَبْنَا الاِثْنَيْنِ فِي الثَّلاَثَةِ فَحَصَل سِتَّةٌ، ثُمَّ ضَرَبْنَا السِّتَّةَ فِي خَمْسَةٍ فَحَصَل ثَلاَثُونَ، ثُمَّ ضَرَبْنَا هَذَا الْمَبْلَغَ فِي سَبْعَةٍ فَصَارَ مِائَتَيْنِ وَعَشَرَةً، ثُمَّ ضَرَبْنَا هَذَا الْمَبْلَغَ فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ - وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ - فَصَارَ الْمَجْمُوعُ خَمْسَةَ آلاَفٍ وَأَرْبَعِينَ. وَمِنْهَا تَسْتَقِيمُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى جَمِيعِ الطَّوَائِفِ.
إِذْ كَانَ لِلزَّوْجَتَيْنِ مِنْ أَصْل الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةٌ، فَضَرَبْنَاهَا فِي الْمَضْرُوبِ - الَّذِي هُوَ مِائَتَانِ وَعَشَرَةٌ - فَحَصَل سِتُّمِائَةٍ وَثَلاَثُونَ، لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَلاَثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ. وَكَانَ لِلْجَدَّاتِ السِّتِّ أَرْبَعَةٌ، فَضَرَبْنَاهَا فِي ذَلِكَ الْمَضْرُوبِ الْمَذْكُورِ فَصَارَ ثَمَانَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ، لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ مِائَةٌ

وَأَرْبَعُونَ. وَكَانَ لِلْبَنَاتِ الْعَشْرِ سِتَّةَ عَشَرَ، ضَرَبْنَاهَا فِي الْمَضْرُوبِ الْمَذْكُورِ فَبَلَغَ ثَلاَثَةَ آلاَفٍ وَثَلاَثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ، لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلاَثُمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَثَلاَثُونَ. وَكَانَ لِلأَْعْمَامِ السَّبْعَةِ وَاحِدٌ، ضَرَبْنَاهُ فِي ذَلِكَ الْمَضْرُوبِ فَكَانَ مِائَتَيْنِ وَعَشَرَةً، لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلاَثُونَ. وَمَجْمُوعُ هَذِهِ الأَْنْصِبَاءِ خَمْسَةُ آلاَفٍ وَأَرْبَعُونَ.
وَذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالاِسْتِقْرَاءِ أَنَّ انْكِسَارَ السِّهَامِ لاَ يَقَعُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ طَوَائِفَ. (1)
33 - هَذَا وَلاَ يَخْتَلِفُ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى عَنِ الْحَنَفِيَّةِ، فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي تَصْحِيحِ الْمَسَائِل الْفَرْضِيَّةِ، تَوَصُّلاً إِِلَى مَعْرِفَةِ نَصِيبِ كُل وَارِثٍ عَلَى نَحْوِ مَا ذُكِرَ. (2)
__________
(1) شرح السراجية للشريف الجرجاني وحاشية الفناري عليه 213 - 221 ط الكردي بمصر، ونهاية المحتاج للرملي 6 / 37 م مصطفى الحلبي، وكشاف القناع 4 / 438 م النصر الحديثة.
(2) نهاية المحتاج للرملي 6 / 36 - 37 م مصطفى الحلبي، والشرح الكبير 4 / 472 - 477، وكشاف القناع 4 / 437 - 443 م النصر الحديثة.

‫أ- لغة: مصدر "صحح" بمعنى إصلاح الخطأ قال فى اللسان: "وصححت الكتاب والحساب تصحيحاً، إذ كان سقيماً فأصلحت خطأه" (لسان العرب: 2/5 8- مادة "صحح").‬

‫ب- اصطلاحا: يطلق التصحيح على معنيين عند أهل الحديث‬
‫فأولهما: هو كتابة (صح) على الكلام أو عنده، ولا يفعل ذلك إلا فيما صح رواية ومعنى، غير أنه عرضة للشك أو الخلاف، فيكتب عليه(صح)، ليعرف أنه لم يغفل عنه، وأنه قد ضبط وصح على ذلك الوجه (علوم الحديث: ص196- بلفظه، وانظر التقريب مع التدريب: 2/82 فإنه بمعناه، وانظر فتح المغيث: 2/177، وتوضيح الأفكار: 2/367).‬
‫2- وقال القاضى عياض فى الإلماع: "أما كتابة "صح" على الحرف فهو استثبات لصحة معناه وروايته، ولا يكتب "صح" إلا على ما هذا سبيله، إما عند لحقه، أو إصلاحه، أو تقييد مهمله، وشكل مشكله، ليعرف أنه صحيح بهذه السبيل، قد وقف عليه عند الرواية، واهتبل بتقييده"
‫وثانيهما: هو الحكم على الحديث بأنه صحيح (قد ألف السيوطى رسالة سماها: "التنقيح لمسألة التصحيح" انظر البحث المذكور فى مخطوطات دار الكتب الظاهرية، مجموع رقم عام/5896/).‬
‫فقد ذكر السيوطى فى تدريب الراوى قول العراقى: "فقد صحح جماعة من المتأخرين أحاديث لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحاً " (تدريب الراوى: 1/143 وما بعدها، وانظر التقييد: ص23 وما بعدها، والنكت: 1/266 وما بعدها، وتوضيح الأفكار: 1/117 وما بعدها)>‬

التصحيح - كما هو معلوم - هو مصدر الفعل (صحّّحَ).
ويريد أهل الحديث بكلمة التصحيح أكثر من معنى ؛ وإليك ما أعلمه من معانيها:
المعنى الأول: الحكم للحديث بالصحة ، فيقال مثلاً: هذا الحديث صححه ابن حبان والترمذي ، ويقال: صححه الحاكم على شرط الشيخين ، ويقال: تصحيحات الحاكم فيها تساهل.
المعنى الثاني: اتصال الإسناد بالسماع ؛ ذكر الشيخ إبراهيم اللاحم في (الاتصال والانقطاع) (ص437-442) هذا المعنى من معاني التصحيح ، فقال في تعريف التصحيح الذي بهذا المعنى: (ويريدون به اتصال الإسناد بالسماع ، فيقولون: سألت فلاناً أن يصحح لي هذه الأحاديث ، فصححها ؛ يعني صرح بالتحديث فيها ؛ أو: لم يصححها ، يعني أبَى ذلك ؛ أو صحح لي منها كذا ، يعني صرح بالتحديث في بعضها دون بعضها الآخر ، فهو لم يسمعه ؛ ويقولون: أحاديث فلان عن فلان صحاح ، يعني سمعها ، أو: ليست بصحاح ، يعني لم يسمعها ، ونحو هذه العبارات.
وفي بعض عباراتهم ما يشتبه بالتصحيح المطلق ، وهو الحكم على الحديث ، ولكن يفهم من السياق أو من عبارات أخرى أنَّ ذلك خاصٌّ بالسماع ، ولا شك أنه بالنسبة للنفي يوافق عدم التصحيح المطلق ، لأن معناه اختلال شرط من شروط الصحة ، وهذا كافٍ في التضعيف ، أما بالنسبة للإثبات فلا يلزم منه الصحة المطلقة ، إذ يبقى النظر في باقي الإسناد ، وفي بقية شروط الصحة للحديث.
وقد تقدم في هذا البحث نصوص كثيرة في التصحيح بهذا المعنى.
ومن نصوصهم في ذلك أيضاً قول شعبة: "هذه الأربعة التي يصححها الحكم ، سماع من مقسم"(1)
.
وقال الآجري: سألت أبا داود عن عمار بن أبي عمار ، فقال: ثقة ، روى عنه شعبة حديثاً ، قال شعبة: وكان لا يصحح لي"(2).
ومراد شعبة أنه لم يصرح له بالتحديث ، وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث عن شعبة أن كل ما رواه عن شيوخه قد صرحوا فيه بالسماع ، إلا ما بينه شعبة.
وقال يحيى القطان: "
كان عند عثمان بن غياث كتاب عن عكرمة ، فلم يصححه لنا"(3).
وقال أيضاً: "
قتادة لم يصحح عن معاذة"(4) ، ومراده أن قتادة لا يثبت له سماع من معاذة العدوية.
وقال ابن المديني: "
قلت ليحيى: قول عامر في طلاق الصبي سمعه إسماعيل من عامر ؟ قال: لا ، قلت ليحيى: سألته عنه؟ قال: نعم - فيما أعلم - ، فضعفه ، قلت ليحيى: فطلاق السكران - قول عامر - من صحيح حديثه ؟ قال: لا ، قلت: سألته عنه ؟ قال برأسه ، أي نعم ، قلت: فلم يصححه ؟ قال: لا ..."(5).
وقال ابن المديني أيضاً: "
سمعت يحيى يقول: أخذت أطراف بحر بن مرار ، عن عبدالرحمن بن أبي بكرة ، فسألته عنها ، فلم يصحح منها شيئاً ، قلت ليحيى: أي شيء منها ؟ قال حديث ((شهرا عيد لا ينقصان ...)) "(6).
وذكر أحمد أن يحيى القطان كان لا يحدث عن قتادة ، عن خلاس بن عمرو الهجري ، عن علي ، وكان يحدث عن قتادة ، عن خلاس ، عن غير علي ، قال أحمد: "
كأنه يتوقى حديث خلاس ، عن علي وحده - يعني يقول: ليس هي صحاحاً - أو لم يسمع منه-"(7).
وذكر ليحيى القطان حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، في (الجراحات أخماس) ، فقال يحيى: "
كان معي فلم يصححه إسماعيل"(8) ، يعني ذكر أنه لم يسمعه من الشعبي.
وقال عبدالرحمن بن مهدي في حديث الأعمش ، عن إبراهيم بن يزيد التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر: "
من بنى لله مسجداً ..." الحديث: "ليس من صحيح حديث الأعمش"(9).
ومراده أنه دلسه ، فلم يسمعه من إبراهيم بن يزيد.
وقال أحمد: "
إبراهيم بن سعد صحيح الحديث عن ابن إسحاق"(10).
ومراد أحمد أن إبراهيم بن سعد يبين في روايته عن ابن إسحاق ما سمعه ابن إسحاق وصرّح فيه بالتحديث ، مما ليس كذلك.
وقال حرب بن إسماعيل عن أحمد في عبدالله بن الوليد العدني: "
سمع من سفيان ، وجعل يصحح سماعه ، ولكن لم يكن صاحب حديث ، وحديثه حديث صحيح ، وكان ربما أخطأ في الأسماء ، وقد كتبت أنا عنه كثيراً"(11).
ومراد أحمد - فيما يظهر - بصحة حديثه: أنه يعتني بالتصريح بالتحديث ، يوضح ذلك قول أحمد: "
لم يكن يفصل ...(12) بن القاسم ، وبين المسعودي ، ولكن كانت صدور أحاديثه صحاحاً ، كتبتُ عنه شيئاً ، صالح"(13).
وقال أحمد أيضاً: "
كان ابن علية يقولون: عنده حديث واحد - يعني يحيى بن عتيق - ، فلم يصح له ، ولم يكن يحدث به ، لم أدرك أحداً يحدث عن ابن عتيق"(14).
ومراد أحمد أن هذا الحديث لم يسمعه ابن علية من يحيى بن عتيق ، فلم يكن يحدث به ، وقد كان حدث به أولاً وسمعه منه يعقوب بن إبراهيم الدورقي الحافظ ، وتفرد به عن ابن علية ، ثم سرقه منه بعض المتروكين ، وسأل الإمامَ أحمدَ سائلٌ عنه فقال: لم أسمعه من ابن علية ، وقد سمعه يعقوب الدورقي(15) ، فاسمعه منه"
.
وجاء عن أحمد أيضاً أنه نهى يعقوب أن يحدث به(16).
وقال أحمد أيضاً: "الذي يصحح الحكَمُ عن مقسم: أربعة أحاديث ..."(17).
وذكر أحمد أن سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان ولم يلقه ، وقال: "بينهما معدان بن أبي طلحة ، وليست هذه الأحاديث بصحاح"(18).
وقال ابن المديني في هشام بن حسان بعد أن ذكر أنه يرسل عن الحسن: "وأما أحاديثه عن محمد فصحاح"(19).
وقال أيضاً في حديث رواه ابن إسحاق: "كنت أرى أن هذا من صحيح حديث ابن إسحاق ، فإذا هو قد دلّسه"(20).
وقال ابن معين: "إبراهيم بن سعد أحبّ إليَّ من ابن أبي ذئب ، في الزهري ؛ ابن أبي ذئب يقولون: لم يصحح عن الزهري شيئاً "(21).
ومراد ابن معين أنه لم يسمع من الزهري سماعاً ، ولكنه عرض عليه ، وقيل إن الزهري كتب إليه أحاديث فكان يحدث بها "(22).
المعنى الثالث: إصلاح المحدث العالم ما وقع من خطأ في الرواية ، في كتابه ، أو كتاب تلميذه ، أو كتاب شيخه ، بإذن ذلك الشيخ ، أو بطلب منه.
المعنى الرابع: من معاني التصحيح تصحيح الكتب وتحقيقها ، بمقابلتها بأصولها وغيرها ، قبل طباعتها ونشرها ، أو قبل روايتها ؛ وانظر (تصحيح الكتاب ).
المعنى الخامس: التصحيح أيضاً هو وضع علامة (صح) على الكلمة أو العبارة ، رمزاً إلى معنى معين يأتي شرحه تحت (التضبيب).
المعنى السادس: أن يكتب الشيخ بخطه على سماعات طلابه المثبتة في نسخهم ، أو في نسخة بعضهم ، ما يؤيد صحة تلك السماعات.
__________
(1) العلل ومعرفة الرجال (1/537).
(2) شؤالات الآجري (1/433) ، وانظر (سنن الدارمي) حديث 793 ، و(مسائل أبي داود) (ص428).
(3) الجرح والتعديل (1/236).
(4) العلل ومعرفة الرجال (3/227).
(5) الجرح والتعديل (1/239).
(6) الجرح والتعديل (1/239).
(7) العلل ومعرفة الرجال (1/531) ، وانظر (3/80) ، وجامع التحصيل (ص208) ، وتهذيب التهذيب (3/176).
(8) جامع التحصيل (ص173).
(9) علل ابن أبي حاتم (1/97).
(10) سؤالات أبي داود (ص224).
(11) الجرح والتعديل (5/188) ، وانظر المعرفة والتاريخ (1/718).
(12) هذا بياض في الأصل.
(13) سؤالات أبي داود (ص237).
(14) مسائل أبي داود (ص403) [وانظر ((تاريخ بغداد)) 14/278 و279].
(15) وقع في هذه الكلمة خطأ مطبعي فصارت (الدروقي) ، فأصلحتها.
(16) "
سنن النسائي" حديث (17) ، و "سؤالات الآجري لأبي داود" (ص277) ، و "المعجم الأوسط" حديث (18) ، و "الكامل" (4/1564) ، و "تاريخ بغداد" (9/193) ، (4/278).
(19) العلل ومعرفة الرجال (1/536).
(20) تهذيب الكمال (10/132).
(21) علل [ابن] المديني (ص63)
(22) معرفة علوم الحديث (ص107).
(23) تاريخ بغداد (5/82).
(24) تهذيب التهذيب (9/305 ، 306 ، 307).
وانظر نصوصاً أخرى في التصحيح بهذا المعنى [في]: مسائل أبي داود (ص389) ، وسؤالات أبي داود (ص231) ، والعلل ومعرفة الرجال (3/435) ، ومسائل إسحاق (2/220) ، وعلل ابن المديني (ص51 ، 54 ، 57) ، والمعرفة والتاريخ (2/52) ، والتمهيد (1/49) ، وتهذيب الكمال (4/197) ، وجامع التحصيل (ص173) ، وتهذيب التهذيب (2/441) ، (3/438).
تصحيح الكتب يراد به رفعُ ما وقع فيها من أخطاء نسخية أو طبعية أو نحوها ، في النسخ المطبوعة أو المخطوطة ، سواء كانت تلك الأخطاء تصحيفاً أو سقْطاً أو زيادةً أو قلباً ؛ وقد يشمل التصحيحُ في عرف المعاصرين الضبطَ ، وهو تصحيح احترازي.
وتصحيح الكتاب الحديثي يستند إلى ركنين:
الأول: مقابلةُ الأصولِ والرواياتِ ببعضها ، ليتبين الصحيح من غيره(1).
والثاني: الرجوعُ إلى المظانِّ المُعِيْنةِ على التصحيح.
ومن أنفع هذه المظان ستة أنواع من الكتب:
النوع الأول: كتبُ التصحيفِ والتحريفِ.
النوع الثاني: كتب ضبط أسماء الرواة ، وكتب المؤتلف والمختلف ، وكتب المشتبه ، ونحوها ، وهي تقارب كتب النوع الأول في مقاصدها.
النوع الثالث: المقالات والكتب المفردة لتصحيح المطبوعات والاستدراك عليها وبيانِ أخطائها الطباعية.
النوع الرابع: تعليقاتُ المحققينَ على الكتب الأخرى الداخلة في موضوع ذلك الكتاب(2) ؛ هذا إن كان التحقيقُ تحقيقاً بحق ؛ وإما إن خالفَ الاسم المسمى - كما هو حالُ أغلبِ التحقيقاتِ اليومَ - فما أقلَّ الخيرَ فيه ، بل لعلَّ بعضَ هذه التحقيقاتِ يكون ضَرُّه أقربَ من نفعه.
النوع الخامس: موارد ذلك الكتاب المراد تصحيحه ، وغيرها من الدواوين والأصول والمصادر الحديثية.
النوع السادس: كتب اللغة والتاريخ ومعاجم البلدان وغيرها.
يضاف إلى هذا كله مراعاة القرائن الدالة على وقوع الخطأ ، أو على تعيين الصواب ؛ وكلما كان المحقق أعلم وأوسع خبرة كان انتفاعه بالقرائن أكثر.
هذا ما يتعلق بالتصحيح ؛ وأما الضبط فعمل تكميلي احترازي كما تقدمت الإشارة إليه.
وأعني بقولي "تكميلي" أنه ركن آخر مكمل لركن التصحيح المتقدم ذكره.
فمن أراد أن يحقق كتاباً فعليه أن يصحح ما وقع فيه من أخطاء أولاً ، ثم يضبط كلماته المحتملة للبس والاشتباه ، ثانياً ، ليتبين الصواب من جهة ، وليتعين ، من جهة أخرى ، بحيث يستبعد بعدئذ وقوع خطأ من قارئ أو ناسخ ، إلا لعلة أخرى خارجة عن موضوع ضبط الكتاب.
وبهذا يُعلم الفرق بين الضبط والتصحيح ، وهو أن الأول - أعني الضبط - أعم ، فإنه قد يكون احترازياً ، أي سابقاً لوقوع الخطأ ، بل لا يلزم أن يعقبه وقوع خطأ ؛ وأما الثاني فلا يكون إلا استدراكياً.
أعني أن الأول فيه بيان للصحيح واحتراز من الخطأ قبل الوقوع فيه ؛ وأما الثاني ففيه بيان للصحيح في كتابة أو قراءة الكلمة أو العبارة بعد وقوع الخطأ فيها.
وراجع لمعرفة معنى الضبط وأنواعه ( الضبط ) من هذا المعجم.
والآن إذ تبين معنى التصحيح ، ومعنى الضبط ، لم يبق إلا أن أقول: إن التحقيق - بمعناه العصري - إنما هو معنى ملتئمٌ من مجموعهما.
التنبيه إلى صعوبة تصحيح الكتب:
قال الشيخ الجليل العالم المتقن أحمد محمد شاكر رحمه الله في مقدمة تحقيقه (سنن الترمذي ) (1/16-19): (تصحيح الكتب وتحقيقها من أشق الأعمال وأكبرِها تبعة ، ولقد صور أبو عمرو الجاحظ ذلك أقوى تصوير ، في كتاب "الحيوان" فقال (ج1ص79 من طبعة أولاد السيد مصطفى الحلبي بمصر): "ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفاً ، أو كلمة ساقطة ، فيكون إنشاء عشر ورقات من حُرِّ اللفظ وشريف المعاني: أيسر عليه من إتمام ذلك النقص ، حتى يرده إلى موضعه من أمثلة الكلام ، فكيف يطيق ذلك المعارِض المستأجَر ، والحكيم نفسه قد أعجزه هذا البابُ! وأعجب من ذلك أنه يأخذ بأمرين: قد أصلح الفاسدَ وزاد الصالحَ صلاحاً ، ثم يصير هذا الكتابُ بعد ذلك نسخةً لإنسان آخرَ ، فيسير فيه الوراق الثاني سيرة الوراق الأول ، ولا يزال الكتاب تتداوله الأيدي الجانية ، والأعراض [كذا بالعين المعجمة] المفسدة ، حتى يصير غلطاً صِرفاً ، وكذباً مصمتاً ، فما ظنكم بكتاب تتعاقبه المترجمون بالإفساد ، وتتعاوره الخُطّاط بشرٍّ من ذلك أو بمثله ، كتابٍ متقادم الميلاد ، دُهْريِّ الصنعة! ".
وقال الأخفش: " إذا نُسخ الكتاب ولم يُعارَض ، ثم نُسخ ولم يعارَض ، خرج أعجمياً "(3).
وصدق الجاحظ والأخفش ، وقد كان الخطر قديماً في الكتب المخطوطة ، وهو خطر محصور ، لقلة تداول الأيدي إياها ، مهما كثرت وذاعت ، فماذا كانا قائلين لو رأيا ما رأينا من المطابع ، وما تجترحه من جرائم تسميها كتباً!! ألوف من النسخ من كل كتاب ، تُنْشر في الأسواق والمكاتب ، تتناولها أيدي الناس ، ليس فيها صحيح إلا قليلاً ، يقرؤها العالم المتمكن ، والمتعلم المستفيد ، والعامي الجاهل ، وفيها أغلاط واضحةٌ ، وأغلاط مشكلةٌ ، ونقص وتحريف: فيضطرب العالم المتثبت ، إذا هو وقع على خطأ في موضع نظر وتأمل ، ويظن بما علمَ الظنون ، ويخشى أن يكون هو المخطئ ، فيراجع ويراجع ، حتى يستبين له وجه الصواب ، فإذا به قد أضاع وقتاً نفيساً ، وبذل جهداً هو إليه أحوج ، ضحية لعبٍ من مصحح في مطبعة ، أو عمدٍ من ناشرٍ أميٍّ يأبى إلا أن يوسد الأمر إلى غير أهله ، ويأبى إلا أن يَرْكبَ رأسَه ، فلا يكون مع رأيه رأيٌ: ويشتبه الأمر على المتعلم الناشئ ، في الواضح والمشكل ، وقد يثق بالكتاب بين يديه ، فيحفظ الخطأ ويطمئن إليه ، ثم يكون إقناعه بغيره عسيراً ، وتصوَّرْ أنت حال العامي بعد ذلك !!.
وأيُّ كتب تُبتلى هذا البلاء ؟ كتبٌ هي ثروة ضخمة من مجد الإسلام ، ومفخرةٌ للمسلمين ، كتب الدين والعلم: التفسيرِ والحديثِ ، والأدب والتاريخ ، وما إلى ذلك من علوم أُخر.
وفي غمرة هذا العبث تُضيء قلة من الكتب ، طبعت في مطبعة بولاق قديماً ، عندما كان فيها أساطين المصححين ، أمثال الشيخ محمد قطة العدوي ، والشيخ نصر الهوريني ، وفي بعض المطابع الأهلية كمطبعة الحلبي والخانجي ؛ وشيء نادر عُني به بعض المستشرقين في أوربة وغيرها من أقطار الأرض ، يمتاز عن كل ما طبع في مصر بالمحافظة الدقيقة - غالباً - على ما في الأصول المخطوطة التي يُطبع عنها ، مهما اختلفت ، ويذكرون ما فيها من خطأ وصواب ، يضعونه تحت أنظار القارئين ، فرب خطأ في نظر مصحح الكتاب هو الصواب الموافق لما قال المؤلف ، وقد يتبينه شخص آخر ، عن فهم ثاقب أو دليل ثابت.
وتمتاز طبعاتهم أيضاً بوصف الأصول التي يطبعون عنها ، وصفاً جيداً ، يُظهر القارئَ على مبلغ الثقة ِ بها ، أو الشك في صحتها ، ليكون على بصيرة من أمره ؛ وهذه ميزة لن تجدها في شيء مما طبع بمصر قديماً ، بلغ ما بلغ من الصحة والإتقان----.
فكان عمل هؤلاء المستشرقين مرشداً للباحثين منا الْمُحْدَثين ، وفي مقدمة من قلدهم وسار على نهجهم العلامة الحاج أحمد زكي باشا رحمه الله ، ثم من سار سيرته واحتذى حذوه ؛ وعن ذلك كانت طبعات المستشرقين نفائس تُقْتنى وأعلاقاً تُدَّخر ، وتغالى الناس وتغالينا في اقتنائها ، على علوّ ثمنها ، وتعسر وجود كثير منها على راغبيه).
ثم عاب المستشرقين - وهم طلائع المبشرين - بما فيهم ، وعاب أعمالهم بما فيها من نقص وجهل وخلل ، وعاب الذين غلوا من قومنا في تمجيدهم وتقليدهم ، إلى أن قال: "لم يكن هؤلاء الأجانب مبتكري قواعد التصحيح ، وإنما سبقهم إليها علماء الإسلام المتقدمون ، وكتبوا فيها فصولاً نفيسة نذكر بعضها هنا ، على أن يذكر القارئ أنهم ابتكروا هذه القواعد لتصحيح الكتب المخطوطة ، إذ لم تكن المطابع وجدت ، ولو كانت لديهم لأتوا من ذلك بالعجب العجاب ، ونحن وارثو مجدهم وعزهم ، وإلينا انتهت علومهم ، فلعلنا نحفز هممنا لإتمام ما بدؤا به.
نبني كما كانت أوائلنا تبني ... ونفعل مثل ما فعلوا )
ثم نقل الفصل الذي كتبه ابن الصلاح في مقدمته في باب ضبط المكتوب ، وختمه بقوله:
(هذا آخر ما قال أبو عمرو بن الصلاح في هذا الفصل ، وقد طال جداً ، ولكنه نفيس كله ، وفيه فوائد جمة ، ودقائق بديعة ، وقد كتب العلماء بعده في ذلك الشيء الكثير ، منهم المختصر ، ومنهم المطيل ، وذكروا وجوهاً وتفاصيل أخر ، وكلها في تصحيح المخطوطات كما أسلفنا ، ولسنا نحب أن نطيل فيه أكثر من هذا ، الآن ، خشية الملل والسآمة ؛ وهذه القواعد التي ذكر ابن الصلاح يصلح أكثرها في تصحيح الكتب المطبوعة ، وهي كلها إرشاد للمصحح عند النقل من الكتب المخطوطة ، حتى يعرف قيمة الأصول التي يطبع عنها ، أهي مما يوثق به ، أم مما يُحتاط في الأخذ عنه ؟ ولو كانت الفرصُ مواتية لحررت قواعد التصحيح المطبعي ، ووضعت له القوانين الدقيقة ، على أساس ما رسم لنا أئمتنا المتقدمون وعلماؤنا الأعلام الثقات ، لتكون دستوراً للمطابع كلها ، ومرشداً للمصححين أجمع ، وعسى أن أفعل ، إن شاء الله بتوفيقه وهدايته وعونه).
وقال العلامة المعلمي اليماني رحمه الله تعالى في مقدمته على (الإكمال) لابن ماكولا (1/1-2): (إن أشد نقص في الكتاب العربي المطبوع كثرة الخطأ والغلط والتصحيف والتحريف، ولذلك أسباب ، منها خلو أكثر المخطوطات عن الشكل ، وخلو كثير منها عن النقط ، وتقارب صور بعض الحروف ، ولا سيما في الخطوط التي لم يعتنَ بتحقيقها. هذه الأسباب مع جهل النساخ تفسد أكثر المخطوطات ، وإذا لم يعتنَ بالتصحيح قبل الطبع وعنده جاء المطبوع أكثر وأفحش غلطاً من النسخ المخطوطة ؛ والعناية الناجحة بالتصحيح لا يكفي فيها عالِمية المصحِّح ، بل لا بد من أمور أخر أهمها توفر المراجع ؛ وأكثر الألفاظ تعرضاً للغلط أسماء المتقدمين وألقابهم وكناهم ونِسبهم ، لأنها كما قال بعض القدماء "شيء لا يدخله القياس ، ولا قبله شيء ولا بعده شيء يدل عليه(4)
". ليست التبعة على الخط العربي ، فقد أُعد فيه من النقط والشكل وعلامات توضح أن الحرف مهمل أي غير منقوط ما هو كفيل مع تحقيق الخط بداء كل لبس ، وقد كان السلف يُعنون بذلك حق العناية حتى أن بعضهم(5) سمع خبراً فيه ذكر أبي الحوراء - بالحاء والراء - فكتبه وخاف أن يلتبس فيما بعد بأبي الجوزاء - بالجيم والزاي - فلم يكتف بعدم النقط ولا بوضع العلامات حتى كتب تحت الكلمة "حور عين" ؛ ثم لما شاع التساهل في الضبط وكثر في الشيوخ من يقل تحقيقه واضطر أهل العلم إلى الأخذ من الكتب بدون سماع فزع المحققون إلى ما يدافعون به الخطأ والتصحيف ، فمن ذلك تأليفهم كتب التراجم مرتبة على الحروف ثم على أبواب لكل اسم ، كما تراه في "تاريخ البخاري" وكتاب ابن أبي حاتم ، فمن بعدهما ، ولا ريب أن هذا يدفع كثيراً من التصحيف والتحريف ؛ ومن ذلك الضبط بالألفاظ كأن يقال:
"
بحاء غير منقوطة" ؛ ويقع للقدماء قليل من هذا ، ويكثر في مؤلفات بعض المتأخرين كابن خلكان في "وفياته" والمنذري في "تكملته" وابن الأثير في "كامله" ، كما نبه عليه الدكتور مصطفى جواد في مقدمته لـ"تكملة إكمال الإكمال" لابن الصابوني ؛ ومن ذلك - وهو أجلها وأنفعها - تأليف كتب في هذا الموضوع خاصة وهو ضبط ما يُخشى الخطأ فيه.
وإذ كان أكثر الخطأ وقوعاً وأشده خطراً الخطأ في الأسماء التي توجد أسماء أخرى تشتبه بها وجهوا معظم عنايتهم إلى هذا , فوضعوا له فناً خاصاً ، وهو ( المؤتلف والمختلف) أي المؤتلف خطاً المختلف لفظاً ، وهو كل ما لا يفرق بينه إلا الشكل أو النقط مثل: "
عُبَاد" بعين مهملة مضمومة فموحدة مفتوحة(6) فألف فدال مهملة ؛ مع "عباد" مثله لكن بكسر أوله ، و "عباد" بتلك الحروف لكن بفتح فتشديد ، و "عياذ" بعين مهملة مكسورة فتحتية مخففة فألف فذال معجمة ؛ وكثيراً ما يذكرون الاسمين اللذين يفرق بينهما الخط المجوَّد فقط مثل "بشر وشبر"(7) ؛ وربما ذكروا ما هو أقل التباساً من هذا ، كما يأتي في باب "أحمد وأجمد وأحمر" ، فصورة الراء مخالفة لصورة الدال مخالفة بينة ، ولكن لما كانت صورتاهما قد تتقاربان في بعض الخطوط وكان اسم "أحمر" قليلاً من سُمي به لم يؤمَن فيمن يرى في كتاب "أحمر بن فلان" مقاربةً فيه صورة الراء لصورة الدال أن يتبادر إلى ذهنه أنه أحمد.
فأما ما يزيد أحد الاسمين فيه على الآخر بحرف ، كحسن وحسين ، وسعد وسعيد ، وعبد الله وعبيد الله ، وأشباه ذلك فقلما يتعرضون له ، لأنه يكثر جداً).
وانظر (التحقيق) بل (أصول التحقيق).
__________
(1) من المعلوم أنَّ نوعَ التصحيحِ هذا ليس مطلوباً في كتب الرواية -أعني الكتب المسندة - وحدَها ، بل ولا في كتب المكتبة الحديثية - وحدها - ، بل هو مطلوب في كل الكتب ؛ فما من كتاب إلا وهو عرضةٌ للتحريف والخطأ ، من ناسخ أو مالك أو محقق أو ناشر ؛ ولكن كتب الحديث القديمة هي أولى الكتب بالتصحيح لأنها أصول خطيرة أولاً ، ولأنها مكتوبة بطريقة أو لغة غير مألوفة عند أهل هذه الأعصر ، ثانياً فهي عرضة لتحريف الطابعين والنساخ المحْدَثين.
(2) وهذه التعليقات تعد من المراجع الفرعية للضبط والتصحيح.
(3) عن كتاب "
علوم الحديث" لابن الصلاح ، طبعة المطبعة العلمية بحلب سنة 1350 (ص176).
(4) خطبة كتاب عبد الغني الأزدي في (المؤتلف).
(5) قلت: هو عبدالله بن إدريس الكوفي ؛ أخرج أثره هذا الخطيبُ في (الجامع) (1/270) ، وذكره القاضي عياض في (الإلماع) (ص155).
(6) قال في الهامش: (الحرف الذي يليه ألف لا يكون إلا مفتوحاً ، فإذا نُصَّ على فتحه فالمراد أنه غير مشدد ، هكذا يدل عليه استقراء كلامهم ، والأولى أن يقال: "مخففة" )
.
(7) الثاني من الثانية مهمل لكن لم يتيسر في الطباعة رسمه مهملاً.
والكتب التي تُعنى بالضبط كثيرة ومتنوعة ، وهي قسمان:
القسم الأول: كتب مختصة بالضبط والتصحيح ، مثل (صيانة صحيح مسلم عن السقط والإسقاط وحمايته من الوهم والأغلاط) للإمام أبي عمرو بن الصلاح ؛ ومثل ( مشارق الأنوار على صحاح الآثار ) للقاضي عياض ؛ وهو في تقييد وضبط ما وقع - أو يحتمل أن يقع - فيه لبس أو إشكال أو اختلاف ، أو نحو ذلك من الأسماء والألفاظ الواردة في ( الموطأ ) و ( الصحيحين ) ، وهو مبوب على الحروف ، على ترتيب أهل المغرب ؛ وهو كتاب حافل نافع ماتع.
ومثل (المغني في ضبط أسماء الرجال ومعرفة كنى الرواة وألقابهم وأنسابهم) لمحمد بن طاهر بن علي الْفَتَّنِيُّ - بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ - الْكَجَرَاتِيُّ اْلْهِنْدِيُّ (ت 986)(1).
والقسم الثاني: كتب غير مختصة بموضوع الضبط والتصحيح، وإنما تجد فيها جملة طيبة من ذلك ، مع ما فيها من مقاصدها الكبرى ووظائفها الرئيسة.
مثال ذلك أنك تجد كثيراً من الضبط في كتب التراجم والجرح والتعديل كـ ( تهذيب التهذيب ) وفروعه.
وكذلك في كتب اللغة مثل ( لسان العرب ) و (تاج العروس ) وغيرهما ؛ وفي كتب الشروح ، بل هذا الجانب فيها واضح جداً ؛ وفي كتب التاريخ كـ ( وفيات الأعيان ) لابن خلكان ؛ وفي كتب ( الأنساب ) و ( الكنى ) و ( الألقاب ).
__________
(1) له ترجمة في (الأعلام) للزركلي (المجلد السادس) ، و(هدية العارفين) و (الرِّسَالَةِ الْمُسْتَطْرَفَةِ) (ص151 ، 158 ، 206) وغيرها؛ وله كتابان آخران (مَجْمَعُ الْبِحَارِ فِي لُغَةِ الْحَدِيثِ وَالآثَارِ) و (تَذْكَرَةُ الْمَوْضُوعَاتِ).
وكان يلقب بملك المحدثين ؛ زار الحرمين والتقى بكثير من العلماء وعاد ، فانقطع للعلم. ودعا إلى مناوأة البواهير وكانوا قومه ، أنكر عليهم بدعتهم ، فانفردوا به فقتلوه.
والبواهير أو البوهرة أو البهرة: طائفة في كجرات، بالهند ، تتسمى بالاسلام ، أسلم أسلافها على يد ( أعلا على ) في القرن السابع للهجرة ، ودخلتها بدع القرامطة ، و ( بيوهار ) باللغة الهندية: التجارة ، و ( بوهرة ) التاجر ، وهم ذوو تجارة وصناعات ، كما في (أبجد العلوم) (ص896) وهامشه.

إعانة الفارض في تصحيح واقعات الفرائض

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

إعانة الفارض، في تصحيح واقعات الفرائض
للمولى: فضيل بن علي الجمالي، الحنفي.
المتوفى: سنة تسعين وتسعمائة.
هو: متن، مختصر، جامع.
وله: شرحه.
المسمى: (بعون الرائض) .

بغية المرتاد لتصحيح الضاد

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

بغية المرتاد، لتصحيح الضاد
للشيخ: علي بن محمد بن علي بن خليل بن غانم المقدسي، الحنفي.
المتوفى: سنة ست وثلاثين وألف. (1004) .
وهي: رسالة.
على: مقدمة، وفصول.
أولها: (الحمد لله الذي وفق للنطق الفصيح ... الخ) .
تصحيح الآثار
لمحمد بن شجاع الثلجي، الحنفي، فقيه العراقيين.
المتوفى: سنة 266، ست وستين ومائتين.
تصحيح المذهب
لعماد الدين: محمد بن الحسين الأسنوي، الشافعي.
المتوفى: سنة 777، سبع وسبعين وسبعمائة.
التصحيح، لصلاة التسبيح
لجلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
المتوفى: سنة 911، إحدى عشرة وتسعمائة.
تصحيح التعجيز
لقطب الدين: محمد بن عبد الصمد السنباطي.
المتوفى: سنة 722، اثنتين وعشرين وسبعمائة.
وله عليه: زوائد.
ولمحمد بن الحسن الأطروش.
المتوفى: سنة 784، أربع وثمانين وسبعمائة.
وفخر الدين: عثمان بن خطيب جبرين (علي الشافعي) ، الحلبي.
المتوفى: سنة 739، تسع وثلاثين وسبعمائة.

التنقيح في مسألة التصحيح

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

التنقيح، في مسألة التصحيح
لجلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر، السيوطي.
المتوفى: سنة إحدى عشرة وسبعمائة.

العذب المسلسل في تصحيح الخلاف المرسل

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

العذب المسلسل، في تصحيح الخلاف المرسل
في الروضة.
في الفروع.
رسالة.
لجلال الدين السيوطي.
المتوفى: سنة 911، إحدى عشرة وتسعمائة.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت