المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
(التَّعْزِير) (شرعا) تَأْدِيب لَا يبلغ الْحَد الشَّرْعِيّ كتأديب من شتم بِغَيْر قذف
|
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
التعزير:[في الانكليزية] Reproach ،blame [ في الفرنسية] Reproche ،blame كالتصريف من العزر بالزاء المعجمة بمعنى الرّد والردع. وشرعا هو تأديب دون الحدّ كما في الكافي. والفرق بينه وبين الحدّ على ما في فتاوى الاحتساب أنّ الحدّ مقدّر والتعزير مفوّض إلى رأي الإمام، وأنّ الحدّ يدرأ بالشبهات والتعزير يجب مع الشبهات، وأنّ الحدّ لا يجب على الصبي والتعزير يشرع عليه، وأنّ الحدّ يطلق على الذّمي إن كان مقدرا والتعزير لا يطلق عليه، وإنّما يسمّى عقوبة لأنّ التعزير شرع للتطهير والكافر ليس من أهل التطهير، وإنّما يسمّى في حق أهل الذّمة إذا كان غير مقدر عقوبة، كذا في نصاب التعزير انتهى.
|
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
تَعِزُّ:
بالفتح ثم الكسر، والزاي مشددة: قلعة عظيمة من قلاع اليمن المشهورات. |
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
|
مُسْتَعِزَّة
من (ع ز ز) المتماسكة الشديدة. |
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
|
تَعِز
من (و ع ز) علم منقول عن الجملة بمعنى تقدم إلى غيره وأمر أن يفعل الأمر ومدينة يمنية. |
دستور العلماء للأحمد نكري
|
التَّعْزِير: عُقُوبَة غير مقدرَة حَقًا لله تَعَالَى أَو العَبْد وَسَببه مَا لَيْسَ فِيهِ حد من الْمعاصِي الفعلية أَو القولية فَهُوَ تَأْدِيب دون الْحَد. وَأَصله من العزر وَهُوَ الْمَنْع والردع. وَأكْثر التَّعْزِير تِسْعَة وَثَلَاثُونَ سَوْطًا عِنْد أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ وَأما عِنْد أبي يُوسُف رَحمَه الله فخمسة وَسَبْعُونَ وَفِي رِوَايَة تِسْعَة وَسَبْعُونَ وَهِي أصح عِنْده رَحمَه الله. وَصَحَّ حبس المعزر إِن كَانَ فِيهِ مصلحَة. وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله أَن التَّعْزِير على قدر عظم الجرم كَمَا فِي الْمُحِيط والذخيرة وَغَيرهمَا. وَأقله ثَلَاث من الضربات كَمَا فِي الْكَافِي أَو وَاحِدَة كَمَا فِي الخزانة أَو مَا يرَاهُ الإِمَام كملامة وضربة على مَا ذكره مَشَايِخنَا كَمَا فِي الْهِدَايَة. وَالْأَصْل أَنه إِن كَانَ مِمَّا يجب بِهِ الْحَد فالأكثر وَإِلَّا فمفوض إِلَى القَاضِي كَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَان. وَللْإِمَام وَالْقَاضِي الْخِيَار فِي التَّعْزِير بِغَيْر الضَّرْب كاللطم والتعريك وَالْكَلَام العنيف والشتم غير الْقَذْف أَي الشتم الْمَشْرُوع كالشقي وَالنَّظَر بِوَجْه عبوس والأعراض. وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله أَنه يجوز بِأخذ المَال إِلَّا أَنه يرد إِلَى الصاحب إِن تَابَ وَإِلَّا يصرف إِلَى مَا يرى الإِمَام وَالْقَاضِي. وَفِي مُشكل الْآثَار إِن أَخذ المَال صَار مَنْسُوخا. وَقيل إِن تَعْزِير مثل الْعلمَاء والعلوية بالإعلام بِأَن يَقُول بَلغنِي أَنَّك تفعل كَذَا وتعزير الْأُمَرَاء والدهاقين بِهِ وبالجر إِلَى بَاب القَاضِي وتعزير السوقية وَنَحْوهم بهما وبالحبس وتعزير الأخسة بِهن وبالضرب كَمَا فِي الزَّاهدِيّ وَغَيره.نعم مَا قَالَ مرزا عبد الْقَادِر بيدل بادل رَحْمَة الله عَلَيْهِ.(تاديبي اكرضرورت افتد بهوس...يكدست خطاست كوشمال همه كس)
(أَي مطرب قانون بِسَاط انصاف...دف رابه طبانجه كوب ونى را بِنَفس) وَأَشد الضَّرْب التَّعْزِير لِأَنَّهُ جرى فِيهِ التَّخْفِيف من حَيْثُ الْعدَد فَلَا يُخَفف من حَيْثُ الْوَصْف فَيضْرب ضربا شَدِيدا لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى فَوَات الْمَقْصُود وَهُوَ الانزجار وتتقي الْمَوَاضِع الَّتِي تتقي فِي الْحُدُود. وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله أَنه يضْرب فِيهِ الظّهْر والآلية فَقَط. وَقيل إِن التَّعْزِير أَشد ضربا حَيْثُ يجمع فِيهِ الأسواط فِي عُضْو وَاحِد دون الْحُدُود فَإِنَّهُ يفرق فِيهَا على الْأَعْضَاء. ثمَّ حد الزِّنَا لِأَنَّهُ جِنَايَة أعظم حَيْثُ شرع فِيهِ الرَّجْم وَلِأَنَّهُ ثَبت بِالْكتاب بِخِلَاف حد الشّرْب فَإِنَّهُ ثَبت بقول الصَّحَابَة. ثمَّ حد الشّرْب لِأَن جِنَايَة الشّرْب مَقْطُوع بهَا لشهادة الشّرْب والإحضار إِلَى الْحَاكِم بالرائحة. ثمَّ حد الْقَذْف لِأَن سَببه يحْتَمل جَوَاز صدق الْقَاذِف وَقد جرى فِيهِ التَّغْلِيظ من حَيْثُ رد الشَّهَادَة الَّتِي تنزلت منزلَة قطع لِسَانه فيخفف من حَيْثُ الْوَصْف.ثمَّ اعْلَم أَن الْحُدُود تندرئ بِالشُّبُهَاتِ والتقادم وَالتَّعْزِير لَا يتقادم وَجَاز عَفوه من جَانب الْمَجْنِي عَلَيْهِ عِنْد الطَّحَاوِيّ وَمن جَانب الإِمَام عِنْد غَيره ووفق بِأَن الأول فِي حق العَبْد وَالثَّانِي فِي حق الله تَعَالَى. |
|
التعزير: تأديب دون الحد على معصية لاحد فيها ولا كفارة، من العزر وهو الزجر والمنع ذكره ابن الكمال. وقال الراغب: التعزيز نصرة مع تعظيم. والتعزير تأديب دون الحد وهو يرجع إلى الأول فإنه تأديب والتأديب نصرة بقهر ما، لكن الأول نصرة بقمع العدو عنه، والثاني نصرة بقهر عن عدو فإن أفعال الشر عدو للإنسان فمتى قمعته عنها نصرته، وعليه حديث "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" .
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
التعزيز: هو تأديبٌ دون الحد وأصله العزرُ وهو المنعُ.
|
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
التعزية الحسنة بالأعزة
رسالة. للحافظ، شمس الدين: محمد بن أحمد الذهبي. المتوفى: سنة 746، ست وأربعين وسبعمائة. |
|
*تَعِز مدينة يمنية.
تقع بالقرب من الحدود الجنوبية لليمن، فى جبل صبر، على ارتفاع (1300) متر فوق سطح البحر، وهى إلى الشرق من ميناء مخا، وعلى الطريق البرى الذى يمتد شمالا إلى مدينة زبيد. وتبلغ مساحتها (12ألف كم2). وكانت - فى بداية نشأتها - عبارة عن مجموعة من القلاع، فوق جبل صبر، ولكنها لم تحظَ بالاهتمام إلا بعد وصول توران شاه الأيوبى إليها سنة (569 هـ) فى ثلاثة آلاف مقاتل، وبنائه قلعة بها. وشهدت عصرها الذهبى أيام سلاطين بنى رسول فى منتصف القرن السابع الهجرى، كما شهدت ازدهارًا اقتصاديًّا؛ لوقوعها فى طريق التجارة، ثم فتحها العثمانيون سنة (952 هـ)، وسيطر عليها إبراهيم باشا ابن محمد على قبيل منتصف القرن التاسع عشر الميلادى. وفى منتصف القرن العشرين اتخذها الإمام أحمد مقرًّا لإقامته، وقاعدة لحكمه، ولكن سرعان ما ضعفت أهميتها بعد ثورة اليمن وتحول مقرّ الحكم إلى صنعاء. وتتنوع المحاصيل الزراعية فى تعز؛ بسبب كثرة الأمطار، وتشتهر تعز بزراعة الفاكهة والخضراوات والزيتون والبن والقمح. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - التَّعْزِيرُ لُغَةً: مَصْدَرُ عَزَّرَ مِنَ الْعَزْرِ، وَهُوَ الرَّدُّ وَالْمَنْعُ، وَيُقَال: عَزَّرَ أَخَاهُ بِمَعْنَى: نَصَرَهُ، لأَِنَّهُ مَنَعَ عَدُوَّهُ مِنْ أَنْ يُؤْذِيَهُ، وَيُقَال: عَزَّرْته بِمَعْنَى: وَقَّرْته، وَأَيْضًا: أَدَّبْته، فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الأَْضْدَادِ. وَسُمِّيَتِ الْعُقُوبَةُ تَعْزِيرًا، لأَِنَّ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَدْفَعَ الْجَانِيَ وَتَرُدَّهُ عَنِ ارْتِكَابِ الْجَرَائِمِ، أَوِ الْعَوْدَةِ إِلَيْهَا وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ عُقُوبَةٌ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ شَرْعًا، تَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ، أَوْ لآِدَمِيٍّ، فِي كُل مَعْصِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ وَلاَ كَفَّارَةَ غَالِبًا. (1) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْحَدُّ: 2 - الْحَدُّ لُغَةً: الْمَنْعُ وَاصْطِلاَحًا: عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ __________ (1) المبسوط للسرخسي 9 / 36، وفتح القدير 7 / 119 ط الميمنية، وكشاف القناع 4 / 72 ط المطبعة الشرقية بالقاهرة، والأحكام السلطانية للماوردي ص 224 مطبعة السعادة، ونهاية المحتاج 7 / 72، وقليوبي 4 / 205. قال القليوبي: هذا الضابط للغالب فقد يشرع التعزير ولا معصية، كتأديب طفل وكافر، وكمن يكتسب بآلة لهو لا معصية فيها. شَرْعًا وَجَبَتْ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَى، أَوْ لِلْعَبْدِ كَحَدِّ الْقَذْفِ. ب - الْقِصَاصُ: 3 - الْقِصَاصُ لُغَةً: تَتَبُّعُ الأَْثَرِ. وَاصْطِلاَحًا: هُوَ أَنْ يُفْعَل بِالْجَانِي مِثْل مَا فَعَل. ج - الْكَفَّارَةُ: 4 - الْكَفَّارَةُ لُغَةً: مِنَ التَّكْفِيرِ، وَهُوَ الْمَحْوُ، وَالْكَفَّارَةُ جَزَاءٌ مُقَدَّرٌ مِنَ الشَّرْعِ، لِمَحْوِ الذَّنْبِ. (1) 5 - وَيَخْتَلِفُ التَّعْزِيرُ عَنِ الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ وَالْكَفَّارَةِ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا: أ - فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، إِِذَا ثَبَتَتِ الْجَرِيمَةُ الْمُوجِبَةُ لَهُمَا لَدَى الْقَاضِي شَرْعًا، فَإِِنَّ عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِالْحَدِّ أَوِ الْقِصَاصِ عَلَى حَسَبِ الأَْحْوَال، وَلَيْسَ لَهُ اخْتِيَارٌ فِي الْعُقُوبَةِ، بَل هُوَ يُطَبِّقُ الْعُقُوبَةَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا شَرْعًا بِدُونِ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، وَلاَ يُحْكَمُ بِالْقِصَاصِ إِِذَا عُفِيَ عَنْهُ، وَلَهُ هُنَا التَّعْزِيرُ. وَمَرَدُّ ذَلِكَ: أَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ لِلأَْفْرَادِ، بِخِلاَفِ الْحَدِّ. وَفِي التَّعْزِيرِ يَخْتَارُ الْقَاضِي مِنَ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُنَاسِبُ الْحَال، فَيَجِبُ عَلَى الَّذِينَ لَهُمْ سُلْطَةُ التَّعْزِيرِ الاِجْتِهَادُ فِي اخْتِيَارِ الأَْصْلَحِ، __________ (1) التعريفات للجرجاني، وبدائع الصنائع 7 / 33، وحاشية ابن عابدين 2 / 578. لاِخْتِلاَفِ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ مَرَاتِبِ النَّاسِ، وَبِاخْتِلاَفِ الْمَعَاصِي. (1) ب - إِقَامَةُ الْحَدِّ الْوَاجِبِ لِحَقِّ اللَّهِ لاَ عَفْوَ فِيهِ وَلاَ شَفَاعَةَ وَلاَ إِسْقَاطَ، إِِذَا وَصَل الأَْمْرُ لِلْحَاكِمِ، وَثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، وَكَذَلِكَ الْقِصَاصُ إِِذَا لَمْ يَعْفُ صَاحِبُ الْحَقِّ فِيهِ. وَالتَّعْزِيرُ إِِذَا كَانَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى تَجِبُ إِقَامَتُهُ، وَيَجُوزُ فِيهِ الْعَفْوُ وَالشَّفَاعَةُ إِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ، أَوِ انْزَجَرَ الْجَانِي بِدُونِهِ، وَإِِذَا كَانَ مِنْ حَقِّ الْفَرْدِ فَلَهُ تَرْكُهُ الْعَفْوَ وَبِغَيْرِهِ، وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّعْوَى، وَإِِذَا طَالَبَ صَاحِبُهُ لاَ يَكُونُ لِوَلِيِّ الأَْمْرِ عَفْوٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَلاَ إِسْقَاطٌ. (2) ج - إِثْبَاتُ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الاِعْتِرَافِ، بِشُرُوطٍ خَاصَّةٍ. وَعَلَى سَبِيل الْمِثَال: لاَ يُؤْخَذُ فِيهِ بِأَقْوَال الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَشَاهِدٍ، وَلاَ بِالشَّهَادَةِ السَّمَاعِيَّةِ، وَلاَ بِالْيَمِينِ، وَلاَ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ. بِخِلاَفِ التَّعْزِيرِ فَيَثْبُتُ بِذَلِكَ، وَبِغَيْرِهِ. (3) د - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنْ حَدَّهُ الإِِْمَامُ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَدَمُهُ هَدَرٌ، لأَِنَّ الإِِْمَامَ مَأْمُورٌ __________ (1) سبل السلام 4 / 54 ط مصطفى الحلبي، وابن عابدين 3 / 183 ط بولاق. (2) سبل السلام 4 / 54، وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام 2 / 94 - 95 ط المطبعة الوهبية، وابن عابدين 3 / 183، وواقعات المفتين / 60، والفتاوى الهندية 2 / 167. (3) الفتاوى الهندية 2 / 167. بِإِِقَامَةِ الْحَدِّ، وَفِعْل الْمَأْمُورِ لاَ يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلاَمَةِ. أَمَّا التَّعْزِيرُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي التَّعْزِيرِ. أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: فَالتَّعْزِيرُ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِفِعْل عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِذْ أَرْهَبَ امْرَأَةً فَفَزِعَتْ فَزَعًا، فَدَفَعَتِ الْفَزِعَةُ فِي رَحِمِهَا، فَتَحَرَّكَ وَلَدُهَا، فَخَرَجَتْ، فَأَخَذَهَا الْمَخَاضُ، فَأَلْقَتْ غُلاَمًا جَنِينًا، فَأُتِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِذَلِكَ، فَأَرْسَل إِِلَى الْمُهَاجِرِينَ فَقَصَّ عَلَيْهِمْ أَمْرَهَا، فَقَال: مَا تَرَوْنَ؟ فَقَالُوا: مَا نَرَى عَلَيْك شَيْئًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا أَنْتَ مُعَلِّمٌ وَمُؤَدِّبٌ، وَفِي الْقَوْمِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ. قَال: فَمَا تَقُول: أَنْتَ يَا أَبَا الْحَسَنِ قَال: أَقُول: إِنْ كَانُوا قَارَبُوك فِي الْهَوَى فَقَدْ أَثِمُوا، وَإِِنْ كَانَ هَذَا جَهْدَ رَأْيِهِمْ فَقَدْ أَخْطَئُوا، وَأَرَى عَلَيْكَ الدِّيَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَال: صَدَقْتَ، اذْهَبْ فَاقْسِمْهَا عَلَى قَوْمِكَ. (1) أَمَّا مَنْ يَتَحَمَّل الدِّيَةَ فِي النِّهَايَةِ، فَقِيل: إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى عَاقِلَةِ وَلِيِّ الأَْمْرِ. وَقِيل: إِنَّهَا تَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَال. (2) __________ (1) أثر عمر: أخرجه البيهقي (6 / 123 - ط دائرة المعارف العثمانية) من طريق الحسن البصري عن عمر بالقصة. (2) ابن عابدين 3 / 183، وواقعات المفتين / 60، وحاشية الشرنبلالي على هامش درر الحكام 2 / 94 - 95، وسبل السلام 4 / 54، والأحكام السلطانية للماوردي / 226. هـ - إِنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، بِخِلاَفِ التَّعْزِيرِ، فَإِِنَّهُ يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ. (1) و يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْحُدُودِ إِنْ ثَبَتَتْ بِالإِِْقْرَارِ، أَمَّا التَّعْزِيرُ فَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ الرُّجُوعُ. ز - إِنَّ الْحَدَّ لاَ يَجِبُ عَلَى الصَّغِيرِ، وَيَجُوزُ تَعْزِيرُهُ. ح - إِنَّ الْحَدَّ قَدْ يَسْقُطُ بِالتَّقَادُمِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، بِخِلاَفِ التَّعْزِيرِ. (2) الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: 6 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: عَلَى أَنَّ الأَْصْل فِي التَّعْزِيرِ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي كُل مَعْصِيَةٍ لاَ حَدَّ فِيهَا، وَلاَ كَفَّارَةَ. وَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلاَفِ حَالِهِ وَحَال فَاعِلِهِ. (3) حِكْمَةُ التَّشْرِيعِ: 7 - التَّعْزِيرُ مَشْرُوعٌ لِرَدْعِ الْجَانِي وَزَجْرِهِ، وَإِِصْلاَحِهِ وَتَهْذِيبِهِ. قَال الزَّيْلَعِيُّ: إِنَّ الْغَرَضَ مِنَ التَّعْزِيرِ الزَّجْرُ. وَسَمَّى التَّعْزِيرَاتِ: بِالزَّوَاجِرِ غَيْرِ الْمُقَدَّرَةِ. (4) وَالزَّجْرُ مَعْنَاهُ: مَنْعُ الْجَانِي مِنْ مُعَاوَدَةِ __________ (1) أشباه ابن نجيم مع حاشية الحموي 1 / 164. (2) رد المحتار على الدر المختار 3 / 177. (3) الأحكام السلطانية للماوردي ص 236. (4) الزيلعي 3 / 210. الْجَرِيمَةِ، وَمَنْعُ غَيْرِهِ مِنِ ارْتِكَابِهَا، وَمِنْ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ، كَتَرْكِ الصَّلاَةِ وَالْمُمَاطَلَةِ فِي أَدَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ. (1) أَمَّا الإِِْصْلاَحُ وَالتَّهْذِيبُ فَهُمَا مِنْ مَقَاصِدِ التَّعْزِيرِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الزَّيْلَعِيُّ بِقَوْلِهِ: التَّعْزِيرُ لِلتَّأْدِيبِ. وَمِثْلُهُ تَصْرِيحُ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ فَرْحُونَ بِأَنَّ: التَّعْزِيرَ تَأْدِيبُ اسْتِصْلاَحٍ وَزَجْرٍ. (2) وَقَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ الْحَبْسَ غَيْرَ الْمُحَدَّدِ الْمُدَّةِ حَدُّهُ التَّوْبَةُ وَصَلاَحُ حَال الْجَانِي. (3) وَقَالُوا: إِنَّ التَّعْزِيرَ شُرِعَ لِلتَّطْهِيرِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ سَبِيلٌ لإِِِصْلاَحِ الْجَانِي. (4) وَقَالُوا: الزَّوَاجِرُ غَيْرُ الْمُقَدَّرَةِ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا، لِدَفْعِ الْفَسَادِ كَالْحُدُودِ. (5) وَلَيْسَ التَّعْزِيرُ لِلتَّعْذِيبِ، أَوْ إِهْدَارُ الآْدَمِيَّةِ، أَوِ الإِِْتْلاَفُ، حَيْثُ لاَ يَكُونُ ذَلِكَ وَاجِبًا. وَفِي ذَلِكَ يَقُول الزَّيْلَعِيُّ: التَّعْزِيرُ لِلتَّأْدِيبِ، وَلاَ يَجُوزُ الإِِْتْلاَفُ، وَفِعْلُهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلاَمَةِ. وَيَقُول ابْنُ فَرْحُونَ: التَّعْزِيرُ إِنَّمَا يَجُوزُ مِنْهُ مَا أُمِنَتْ عَاقِبَتُهُ غَالِبًا، وَإِِلاَّ لَمْ يَجُزْ. وَيَقُول الْبُهُوتِيُّ: __________ (1) تبصرة الحكام 1 / 366 - 368 - 370، ونهاية المحتاج 7 / 174، والأحكام السلطانية للماوردي / 424، وكشاف القناع 4 / 73 - 75 - 76. (2) الزيلعي 3 / 211، والأحكام السلطانية للماوردي / 224، والتبصرة 1 / 366. (3) ابن عابدين 3 / 187. (4) ابن عابدين 3 / 183، والسندي 7 / 599. (5) الزيلعي 3 / 210، وابن عابدين 3 / 182، وكشاف القناع 4 / 74 - 76، والحسبة لابن تيمية / 39. لاَ يَجُوزُ قَطْعُ شَيْءٍ مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ، وَلاَ جَرْحُهُ، لأَِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، عَنْ أَحَدٍ يُقْتَدَى بِهِ؛ وَلأَِنَّ الْوَاجِبَ أَدَبٌ، وَالأَْدَبُ لاَ يَكُونُ بِالإِِْتْلاَفِ. (1) وَكُل ضَرْبٍ يُؤَدِّي إِِلَى الإِِْتْلاَفِ مَمْنُوعٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا الاِحْتِمَال نَاشِئًا مِنْ آلَةِ الضَّرْبِ، أَمْ مِنْ حَالَةِ الْجَانِي نَفْسِهِ، أَمْ مِنْ مَوْضِعِ الضَّرْبِ، وَتَفْرِيعًا عَلَى ذَلِكَ: مَنَعَ الْفُقَهَاءُ الضَّرْبَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي قَدْ يُؤَدِّي فِيهَا إِِلَى الإِِْتْلاَفِ. وَلِذَلِكَ فَالرَّاجِحُ: أَنَّ الضَّرْبَ عَلَى الْوَجْهِ وَالْفَرْجِ وَالْبَطْنِ وَالصَّدْرِ مَمْنُوعٌ. (2) وَعَلَى الأَْسَاسِ الْمُتَقَدِّمِ مَنَعَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي التَّعْزِيرِ: الصَّفْعَ، وَحَلْقَ اللِّحْيَةِ، وَتَسْوِيدَ الْوَجْهِ، وَإِِنْ كَانَ الْبَعْضُ قَال بِهِ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ، قَال الأُْسْرُوشَنِيُّ: لاَ يُبَاحُ التَّعْزِيرُ بِالصَّفْعِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ أَعْلَى مَا يَكُونُ مِنَ الاِسْتِخْفَافِ. وَقَال: تَسْوِيدُ الْوَجْهِ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ مَمْنُوعٌ بِالإِِْجْمَاعِ، أَيْ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ. (3) قَال الْبُهُوتِيُّ: (يَحْرُمُ) التَّعْزِيرُ (بِحَلْقِ لِحْيَتِهِ) لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُثْلَةِ (وَلاَ تَسْوِيدِ وَجْهِهِ) . وَالتَّعْزِيرُ بِالْقَتْل عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ يُشْتَرَطُ فِي آلَتِهِ: أَنْ تَكُونَ حَادَّةً مِنْ __________ (1) الزيلعي 3 / 211، وتبصرة الحكام 2 / 369، وكشاف القناع 4 / 74 ط المطبعة الشرقية بالقاهرة، والمغني 10 / 348. (2) فصول الأستروشني في التعزير / 21 - 22. (3) فصول الأستروشني في التعزير / 30. شَأْنِهَا إِحْدَاثُ الْقَتْل بِسُهُولَةٍ، بِحَيْثُ لاَ يَتَخَلَّفُ عَنْهَا الْقَتْل، وَأَلاَّ تَكُونَ كَالَّةً، فَذَلِكَ مِنَ الْمُثْلَةِ، وَالرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل كَتَبَ الإِِْحْسَانَ عَلَى كُل شَيْءٍ، فَإِِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ (1) وَفِي ذَلِكَ أَمْرٌ بِالإِِْحْسَانِ فِي الْقَتْل، وَإِِرَاحَةُ مَا أَحَل اللَّهُ ذَبْحَهُ مِنَ الأَْنْعَامِ، فَالإِِْحْسَانُ فِي الآْدَمِيِّ أَوْلَى. (2) الْمَعَاصِي الَّتِي شُرِعَ فِيهَا التَّعْزِيرُ: 8 - الْمَعْصِيَةُ: فِعْل مَا حَرُمَ، وَتَرْكُ مَا فُرِضَ، يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ كَوْنُ الْعِقَابِ دُنْيَوِيًّا أَوْ أُخْرَوِيًّا. أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى: أَنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ أَوْ فِعْل الْمُحَرَّمِ مَعْصِيَةٌ فِيهَا التَّعْزِيرُ، إِِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَدٌّ مُقَدَّرٌ (3) وَمِثَال تَرْكِ الْوَاجِبِ عِنْدَهُمْ: مَنْعُ الزَّكَاةِ، __________ (1) حديث: " إن الله كتب الإحسان على كل شيء. . . " أخرجه (مسلم 3 / 1548 - ط الحلبي) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه. (2) الزيلعي 3 / 210، والسندي 598 - 599، وابن عابدين 3 / 182 - 187، وفصول الأستروشني 21 - 30، وتبصرة الحكام 2 / 366، ونهاية المحتاج 7 / 174، والأحكام السلطانية للماوردي 224، وكشاف القناع 4 / 72 - 76، والحسبة لابن تيمية / 39، والمغني 10 / 348. (3) تبصرة الحكام 2 / 366 - 367، ومعين الحكام / 189، وكشاف القناع 4 / 75، والسياسة الشرعية لابن تيمية / 55، والأحكام السلطانية للماوردي / 10. وَتَرْكُ قَضَاءِ الدَّيْنِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَعَدَمُ أَدَاءِ الأَْمَانَةِ، وَعَدَمُ رَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَكَتْمُ الْبَائِعِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَيَانُهُ، كَأَنْ يُدَلِّسَ فِي الْمَبِيعِ عَيْبًا خَفِيًّا وَنَحْوِهِ، وَالشَّاهِدُ وَالْمُفْتِي وَالْحَاكِمُ يُعَزِّرُونَ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ (1) . وَمِثَال فِعْل الْمُحَرَّمِ: سَرِقَةُ مَا لاَ قَطْعَ فِيهِ، لِعَدَمِ تَوَافُرِ شُرُوطِ النِّصَابِ أَوِ الْحِرْزِ مَثَلاً، وَتَقْبِيل الأَْجْنَبِيَّةِ، وَالْخَلْوَةُ بِهَا، وَالْغِشُّ فِي الأَْسْوَاقِ، وَالْعَمَل بِالرِّبَا، وَشَهَادَةُ الزُّورِ (2) . وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْل مُبَاحًا فِي ذَاتِهِ لَكِنَّهُ يُؤَدِّي لِمَفْسَدَةٍ، وَحُكْمُهُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ - وَعَلَى الْخُصُوصِ الْمَالِكِيَّةِ - أَنَّهُ يَصِيرُ حَرَامًا، بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَارْتِكَابُ مِثْل هَذَا الْفِعْل فِيهِ التَّعْزِيرُ، مَا دَامَ لَيْسَتْ لَهُ عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ. وَمَا ذُكِرَ هُوَ عَنِ الْوَاجِبِ وَالْمُحَرَّمِ، أَمَّا عَنِ الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ - فَعِنْدَ بَعْضِ الأُْصُولِيِّينَ: الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَمَطْلُوبٌ فِعْلُهُ، وَالْمَكْرُوهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَمَطْلُوبٌ تَرْكُهُ، وَيُمَيَّزُ الْمَنْدُوبُ عَنِ الْوَاجِبِ أَنَّ الذَّمَّ يَسْقُطُ عَنْ تَارِكِ الْمَنْدُوبِ، لَكِنَّهُ يَلْحَقُ تَارِكَ الْوَاجِبِ. وَيُمَيَّزُ الْمَكْرُوهُ عَنِ الْمُحَرَّمِ: أَنَّ الذَّمَّ يَسْقُطُ عَنْ مُرْتَكِبِ الْمَكْرُوهِ، وَلَكِنَّهُ يَثْبُتُ عَلَى مُرْتَكِبِ الْمُحَرَّمِ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ __________ (1) تبصرة الحكام 2 / 366، ومعين الحكام / 189 ط بولاق، وكشاف القناع 4 / 75، والأحكام السلطانية للماوردي / 210. (2) تبصرة الحكام 2 / 367. تَارِكُ الْمَنْدُوبِ أَوْ فَاعِل الْمَكْرُوهِ عَاصِيًا؛ لأَِنَّ الْعِصْيَانَ اسْمُ ذَمٍّ، وَالذَّمُّ أُسْقِطَ عَنْهُمَا، وَلَكِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ مَنْ يَتْرُكُ الْمَنْدُوبَ أَوْ يَأْتِي الْمَكْرُوهَ مُخَالِفًا، وَغَيْرَ مُمْتَثِلٍ. وَعِنْدَ آخَرِينَ: الْمَنْدُوبُ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ الأَْمْرِ، وَالْمَكْرُوهُ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ النَّهْيِ، فَيَكُونُ الْمَنْدُوبُ مُرَغَّبًا فِي فِعْلِهِ، وَالْمَكْرُوهُ مُرَغَّبًا عَنْهُ. وَعِنْدَهُمْ لاَ يُعْتَبَرُ تَارِكُ الْمَنْدُوبِ وَفَاعِل الْمَكْرُوهِ عَاصِيًا. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَعْزِيرِ تَارِكِ الْمَنْدُوبِ، وَفَاعِل الْمَكْرُوهِ، فَفَرِيقٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ؛ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ، وَلاَ تَعْزِيرَ بِغَيْرِ تَكْلِيفٍ. وَفَرِيقٌ أَجَازَهُ، اسْتِنَادًا عَلَى فِعْل عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَدْ عَزَّرَ رَجُلاً أَضْجَعَ شَاةً لِذَبْحِهَا، وَأَخَذَ يُحِدُّ شَفْرَتَهُ وَهِيَ عَلَى هَذَا الْوَضْعِ، وَهَذَا الْفِعْل لَيْسَ إِلاَّ مَكْرُوهًا، وَيَأْخُذُ هَذَا الْحُكْمَ مَنْ يَتْرُكُ الْمَنْدُوبَ. وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: قَدْ يُشْرَعُ التَّعْزِيرُ وَلاَ مَعْصِيَةَ، كَتَأْدِيبِ طِفْلٍ، وَكَافِرٍ، وَكَمَنْ يَكْتَسِبُ بِآلَةِ لَهْوٍ لاَ مَعْصِيَةَ فِيهَا (1) . __________ (1) معين الحكام / 189، وفتح القدير 4 / 117، وتبصرة الحكام 2 / 366 - 367، ومواهب الجليل 6 / 320، ونهاية المحتاج 7 / 173 - 174، والأحكام السلطانية للماوردي / 210، وكشاف القناع 4 / 75، والسياسة الشرعية لابن تيمية / 55، والأحكام السلطانية لأبي يعلى / 244، والمستصفى للغزالي 1 / 75 - 76، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي 1 / 160، والقليوبي 4 / 205. اجْتِمَاعُ التَّعْزِيرِ مَعَ الْحَدِّ أَوِ الْقِصَاصِ أَوِ الْكَفَّارَةِ: 9 - قَدْ يَجْتَمِعُ التَّعْزِيرُ مَعَ الْحَدِّ، فَالْحَنَفِيَّةُ لاَ يَرَوْنَ تَغْرِيبَ الزَّانِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ مِنْ حَدِّ الزِّنَى. فَعِنْدَهُمْ أَنَّ حَدَّهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ لاَ غَيْرُ، وَلَكِنَّهُمْ يُجِيزُونَ تَغْرِيبَهُ بَعْدَ الْجَلْدِ، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعْزِيرِ (1) . وَيَجُوزُ تَعْزِيرُ شَارِبِ الْخَمْرِ بِالْقَوْل، بَعْدَ إِقَامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ عَلَيْهِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِتَبْكِيتِ شَارِبِ الْخَمْرِ بَعْدَ الضَّرْبِ (2) . وَالتَّبْكِيتُ تَعْزِيرٌ بِالْقَوْل، وَمِمَّنْ قَال بِذَلِكَ: الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ (3) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْجَارِحَ عَمْدًا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَيُؤَدَّبُ. وَمِنْ ثَمَّ فَالتَّعْزِيرُ قَدِ اجْتَمَعَ مَعَ الْقِصَاصِ فِي الاِعْتِدَاءِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ عَمْدًا. وَالشَّافِعِيُّ يُجِيزُ اجْتِمَاعَ التَّعْزِيرِ مَعَ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنَ الْجِنَايَاتِ عَلَى الْبَدَنِ، وَهُوَ أَيْضًا يَقُول بِجَوَازِ اجْتِمَاعِ التَّعْزِيرِ مَعَ الْحَدِّ، مِثْل تَعْلِيقِ يَدِ السَّارِقِ فِي عُنُقِهِ بَعْدَ قَطْعِهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، زِيَادَةً فِي النَّكَال. وَقَال أَحْمَدُ __________ (1) معين الحكام / 182، وبداية المجتهد 2 / 364 - 365 ط الجمالية. (2) حديث: " أمر صلى الله عليه وسلم بتبكيت شارب الخمر بعد الضرب " أخرجه أبو داود (4 / 620 - 621 تحقيق عزت عبيد دعاس) . وإسناده حسن. (3) معين الحكام 189، وتبصرة الحكام لابن فرحون 2 / 266، ومواهب الجليل 6 / 247. بِذَلِكَ، لِمَا رَوَى فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ أَنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ (1) . وَأَنَّ عَلِيًّا فَعَل ذَلِكَ، وَمِثْل: الزِّيَادَةِ عَنِ الأَْرْبَعِينَ فِي حَدِّ الشُّرْبِ؛ لأَِنَّ حَدَّ الشُّرْبِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَرْبَعُونَ (2) . وَقَدْ يَجْتَمِعُ التَّعْزِيرُ مَعَ الْكَفَّارَةِ. فَمِنَ الْمَعَاصِي مَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ مَعَ الأَْدَبِ، كَالْجِمَاعِ فِي حَرَامٍ، وَفِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَوَطْءِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا قَبْل الْكَفَّارَةِ إِِذَا كَانَ الْفِعْل مُتَعَمِّدًا فِي جَمِيعِهَا. وَقِيل بِالتَّعْزِيرِ كَذَلِكَ فِي حَلِفِ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ، فَإِِنَّهُ لاَ كَفَّارَةَ فِي يَمِينِ الْغَمُوسِ، وَفِيهَا التَّعْزِيرُ. وَعِنْدَ مَالِكٍ فِي الْقَتْل الَّذِي لاَ قَوَدَ فِيهِ، كَالْقَتْل الَّذِي عُفِيَ عَنِ الْقِصَاصِ فِيهِ، تَجِبُ عَلَى الْقَاتِل الدِّيَةُ، وَتُسْتَحَبُّ لَهُ الْكَفَّارَةُ، وَيُضْرَبُ مِائَةً، وَيُحْبَسُ سَنَةً، وَهَذَا تَعْزِيرٌ قَدِ اجْتَمَعَ مَعَ الْكَفَّارَةِ (3) . وَقَال الْبَعْضُ فِي الْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ: بِوُجُوبِ التَّعْزِيرِ مَعَ الْكَفَّارَةِ، لأَِنَّ هَذِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، بِمَنْزِلَةِ الْكَفَّارَةِ فِي الْخَطَأِ، وَلَيْسَتْ لأَِجْل الْفِعْل، __________ (1) حديث فضالة بن عبيد " أن الرسول صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق ". أخرجه النسائي (8 / 92 - المكتبة التجارية) وقال النسائي عقبه: الحجاج بن أرطأة ضعيف، لا يحتج به. (2) نهاية المحتاج 7 / 172 - 173، والمغني لابن قدامة 10 / 266 - 267. (3) تبصرة الحكام 2 / 236 - 237، ونهاية المحتاج 7 / 172 - 173، وجواهر الإكليل 2 / 272. بَل هِيَ بَدَل النَّفْسِ الَّتِي فَاتَتْ بِالْجِنَايَةِ. وَنَفْسُ الْفِعْل الْمُحَرَّمِ - وَهُوَ جِنَايَةُ الْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ - لاَ كَفَّارَةَ فِيهِ. وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ: بِأَنَّهُ إِِذَا جَنَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ دُونَ أَنْ يُتْلِفَ شَيْئًا فَإِِنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ، وَلاَ كَفَّارَةَ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ. بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَتْلَفَ بِلاَ جِنَايَةٍ مُحَرَّمَةٍ، فَإِِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ بِلاَ تَعْزِيرٍ. وَإِِنَّ الْكَفَّارَةَ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُجَامِعِ فِي الصِّيَامِ وَالإِِْحْرَامِ (1) . التَّعْزِيرُ حَقٌّ لِلَّهِ وَحَقٌّ لِلْعَبْدِ: 10 - يَنْقَسِمُ التَّعْزِيرُ إِِلَى مَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ، وَمَا هُوَ حَقٌّ لِلْعَبْدِ. وَالْمُرَادُ بِالأَْوَّل غَالِبًا: مَا تَعَلَّقَ بِهِ نَفْعُ الْعَامَّةِ، وَمَا يَنْدَفِعُ بِهِ ضَرَرٌ عَامٌّ عَنِ النَّاسِ، مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ بِأَحَدٍ. وَالتَّعْزِيرُ هُنَا مِنْ حَقِّ اللَّهِ؛ لأَِنَّ إِخْلاَءَ الْبِلاَدِ مِنَ الْفَسَادِ وَاجِبٌ مَشْرُوعٌ، وَفِيهِ دَفْعٌ لِلضَّرَرِ عَنِ الأُْمَّةِ، وَتَحْقِيقُ نَفْعٍ عَامٍّ. وَيُرَادُ بِالثَّانِي: مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ مَصْلَحَةٌ خَاصَّةٌ لأَِحَدِ الأَْفْرَادِ. وَقَدْ يَكُونُ التَّعْزِيرُ خَالِصَ حَقِّ اللَّهِ، كَتَعْزِيرِ تَارِكِ الصَّلاَةِ، وَالْمُفْطِرِ عَمْدًا فِي رَمَضَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمَنْ يَحْضُرُ مَجْلِسَ الشَّرَابِ. وَقَدْ يَكُونُ لِحَقِّ اللَّهِ وَلِلْفَرْدِ، مَعَ غَلَبَةِ حَقِّ اللَّهِ، كَنَحْوِ تَقْبِيل زَوْجَةِ آخَرَ وَعِنَاقِهَا. __________ (1) كشاف القناع 4 / 72 - 73. وَقَدْ تَكُونُ الْغَلَبَةُ لِحَقِّ الْفَرْدِ، كَمَا فِي السَّبِّ وَالشَّتْمِ وَالْمُوَاثَبَةِ. وَقَدْ قِيل بِحَالاَتٍ يَكُونُ فِيهَا التَّعْزِيرُ لِحَقِّ الْفَرْدِ وَحْدَهُ، كَالصَّبِيِّ يَشْتُمُ رَجُلاً لأَِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَبْقَى تَعْزِيرُهُ مُتَمَحِّضًا لِحَقِّ الْمَشْتُومِ (1) . وَتَظْهَرُ أَهَمِّيَّةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ نَوْعَيِ التَّعْزِيرِ فِي أُمُورٍ: مِنْهَا: أَنَّ التَّعْزِيرَ الْوَاجِبَ حَقًّا لِلْفَرْدِ أَوِ الْغَالِبَ فِيهِ حَقُّهُ - وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّعْوَى - إِِذَا طَلَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ فِيهِ لَزِمَتْ إِجَابَتُهُ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي فِيهِ الإِِْسْقَاطُ، وَلاَ يَجُوزُ فِيهِ الْعَفْوُ أَوِ الشَّفَاعَةُ مِنْ وَلِيِّ الأَْمْرِ. أَمَّا التَّعْزِيرُ الَّذِي يَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ فَإِِنَّ الْعَفْوَ فِيهِ مِنْ وَلِيِّ الأَْمْرِ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الشَّفَاعَةُ إِنْ كَانَتْ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ، أَوْ حَصَل انْزِجَارُ الْجَانِي بِدُونِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ (2) : اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا يَشَاءُ (3) . __________ (1) شرح طوالع الأنوار للسندي على الدر المختار 7 / 621، 636 (مخطوط) الفصول الخمسة عشر فيما يوجب التعزير وما لا يوجب وغير ذلك، للأستروشني ص 5، والأحكام السلطانية للماوردي 225، والأحكام السلطانية لأبي يعلى 265. (2) حديث: " اشفعوا تؤجروا. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 299 - ط السلفية) ، ومسلم (4 / 2026 ط الحلبي) . (3) حاشية ابن عابدين 3 / 192، الفصول الخمسة عشر في التعزير ص 3، الماوردي ص 225. وَقَدْ حَصَل الْخِلاَفُ فِي التَّعْزِيرِ هَل هُوَ وَاجِبٌ عَلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ أَمْ لاَ فَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ قَالُوا بِوُجُوبِ التَّعْزِيرِ فِيمَا شَرَعَ فِيهِ. وَقَال الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، اسْتِنَادًا إِِلَى أَنَّ رَجُلاً قَال لِلرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَقِيتُ امْرَأَةً فَأَصَبْتُ مِنْهَا دُونَ أَنْ أَطَأَهَا. فَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) أَصَلَّيْت مَعَنَا؟ قَال نَعَمْ: فَتَلاَ عَلَيْهِ آيَةَ: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْل إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (2) . وَإِِلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الأَْنْصَارِ. اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ (3) وَإِِلَى أَنَّ رَجُلاً قَال لِلرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُكْمٍ حَكَمَ بِهِ لِلزُّبَيْرِ لَمْ يَرُقْهُ: أَنْ كَانَ __________ (1) حديث: " عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له، فأنزلت عليه (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) قال الرجل: ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمتي " (الفتح 8 / 355 - ط السلفية) ، ومسلم (4 / 2115 - 2116 - ط الحلبي.) . وأخرج مسلم (4 / 2117 - ط الحلبي) عن أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أصبت حدا، فأقمه علي قال: وحضرت الصلاة فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قضى الصلاة قال: يا رسول الله، إني أصبت حدا فأقم (2) سورة هود / 114. (3) حديث: " اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ". أخرجه البخاري (الفتح 7 / 121 - ط السلفية) ، ومسلم (4 / 1949 - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. ابْنَ عَمَّتِكَ، فَغَضِبَ. وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ عَزَّرَهُ (1) . وَقَال آخَرُونَ، وَمِنْهُمْ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ مَا كَانَ مِنَ التَّعْزِيرِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ كَوَطْءِ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ يَجِبُ امْتِثَال الأَْمْرِ فِيهِ. أَمَّا مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ فَإِِنَّهُ يَجِبُ إِِذَا كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، أَوْ كَانَ لاَ يَنْزَجِرُ الْجَانِي إِلاَّ بِهِ، فَإِِنَّهُ يَجِبُ كَالْحَدِّ، أَمَّا إِِذَا عُلِمَ أَنَّ الْجَانِيَ يَنْزَجِرُ بِدُونِ التَّعْزِيرِ فَإِِنَّهُ لاَ يَجِبُ. وَيَجُوزُ لِلإِِْمَامِ فِيهِ الْعَفْوُ إِنْ كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَكَانَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، خِلاَفُ مَا هُوَ مِنْ حَقِّ الأَْفْرَادِ (2) . التَّعْزِيرُ عُقُوبَةٌ مُفَوَّضَةٌ: الْمُرَادُ بِالتَّفَوُّضِ وَأَحْكَامِهِ: 11 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ التَّعْزِيرَ عُقُوبَةٌ مُفَوَّضَةٌ إِِلَى رَأْيِ الْحَاكِمِ، وَهَذَا التَّفْوِيضُ فِي التَّعْزِيرِ مِنْ أَهَمِّ أَوْجُهِ الْخِلاَفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِّ الَّذِي هُوَ عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الشَّارِعِ. وَعَلَى الْحَاكِمِ فِي تَقْدِيرِ عُقُوبَةِ التَّعْزِيرِ مُرَاعَاةُ حَال الْجَرِيمَةِ وَالْمُجْرِمِ. أَمَّا مُرَاعَاةُ حَال الْجَرِيمَةِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِيهِ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهُ قَوْل الأُْسْرُوشَنِيِّ: يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ الْقَاضِي إِِلَى سَبَبِهِ، فَإِِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ __________ (1) حديث: " أن رجلا قال للرسول صلى الله عليه وسلم في حكم. . . " أخرجه البخاري (الفتح 8 / 254 ط السلفية) ، ومسلم (4 / 1829 - ط الحلبي) . (2) ابن عابدين 3 / 192، والأحكام السلطانية للماوردي / 225. مَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ وَلَمْ يَجِبْ لِمَانِعٍ وَعَارِضٍ، يَبْلُغُ التَّعْزِيرُ أَقْصَى غَايَاتِهِ. وَإِِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا لاَ يَجِبُ الْحَدُّ لاَ يَبْلُغُ أَقْصَى غَايَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ مُفَوَّضٌ إِِلَى رَأْيِ الإِِْمَامِ (1) . " وَأَمَّا مُرَاعَاةُ حَال الْمُجْرِمِ فَيَقُول الزَّيْلَعِيُّ: إِنَّهُ فِي تَقْدِيرِ التَّعْزِيرِ يُنْظَرُ إِِلَى أَحْوَال الْجَانِينَ، فَإِِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَنْزَجِرُ بِالْيَسِيرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يَنْزَجِرُ إِلاَّ بِالْكَثِيرِ. يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ التَّعْزِيرَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْشْخَاصِ، فَلاَ مَعْنَى لِتَقْدِيرِهِ مَعَ حُصُول الْمَقْصُودِ بِدُونِهِ، فَيَكُونُ مُفَوَّضًا إِِلَى رَأْيِ الْقَاضِي، يُقِيمُهُ بِقَدْرِ مَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ (2) . وَيَقُول السِّنْدِيُّ: إِنَّ أَدْنَى التَّعْزِيرِ عَلَى مَا يَجْتَهِدُ الإِِْمَامُ فِي الْجَانِي، بِقَدْرِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَنْزَجِرُ بِهِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّعْزِيرِ الزَّجْرُ، وَالنَّاسُ تَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُمْ فِي الاِنْزِجَارِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَحْصُل لَهُ الزَّجْرُ بِأَقَل الضَّرَبَاتِ، وَيَتَغَيَّرُ بِذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يَحْصُل لَهُ الزَّجْرُ بِالْكَثِيرِ مِنَ الضَّرْبِ (3) . وَنُقِل عَنْ أَبِي يُوسُفَ: إِنَّ التَّعْزِيرَ يَخْتَلِفُ عَلَى قَدْرِ احْتِمَال الْمَضْرُوبِ. وَقَدْ مَنَعَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ تَفْوِيضَ التَّعْزِيرِ، وَقَالُوا بِعَدَمِ تَفْوِيضِ ذَلِكَ لِلْقَاضِي، لاِخْتِلاَفِ حَال الْقُضَاةِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَال بِهِ الطَّرَسُوسِيُّ __________ (1) فصول الأستروشني ص 14. (2) ابن عابدين 3 / 183. (3) مطالع الأنوار للسندي 7 / 605، والأستروشني ص 18 - 20. فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ الْكَنْزِ. وَقَدْ أَيَّدُوا هَذَا الرَّأْيَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ تَفْوِيضِ التَّعْزِيرِ إِِلَى رَأْيِ الْقَاضِي لَيْسَ مَعْنَاهُ التَّفْوِيضَ لِرَأْيِهِ مُطْلَقًا، بَل الْمَقْصُودُ الْقَاضِي الْمُجْتَهِدُ. وَقَدْ ذَكَرَ السِّنْدِيُّ: أَنَّ عَدَمَ التَّفْوِيضِ هُوَ الرَّأْيُ الضَّعِيفُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (1) . وَقَال أَبُو بَكْرٍ الطَّرَسُوسِيُّ فِي أَخْبَارِ الْخُلَفَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُرَاعُونَ قَدْرَ الْجَانِي وَقَدْرَ الْجِنَايَةِ، فَمِنَ الْجَانِينَ مَنْ يُضْرَبُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْبَسُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَامُ وَاقِفًا عَلَى قَدَمَيْهِ فِي الْمَحَافِل، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْتَزَعُ عِمَامَتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَل حِزَامُهُ. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ: عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ يَخْتَلِفُ مِنْ حَيْثُ الْمَقَادِيرُ، وَالأَْجْنَاسُ، وَالصِّفَاتُ، بِاخْتِلاَفِ الْجَرَائِمِ، مِنْ حَيْثُ كِبَرِهَا، وَصِغَرِهَا، وَبِحَسَبِ حَال الْمُجْرِمِ نَفْسِهِ، وَبِحَسَبِ حَال الْقَائِل وَالْمَقُول فِيهِ وَالْقَوْل، وَهُوَ مَوْكُولٌ إِِلَى اجْتِهَادِ الإِِْمَامِ. قَال الْقَرَافِيُّ: إِنَّ التَّعْزِيرَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْزْمِنَةِ وَالأَْمْكِنَةِ، وَتَطْبِيقًا لِذَلِكَ قَال ابْنُ فَرْحُونَ: رُبَّ تَعْزِيرٍ فِي بَلَدٍ يَكُونُ إِكْرَامًا فِي بَلَدٍ آخَرَ، كَقَطْعِ الطَّيْلَسَانِ لَيْسَ تَعْزِيرًا فِي الشَّامِ بَل إِكْرَامٌ (2) ، وَكَشْفُ الرَّأْسِ عِنْدَ الأَْنْدَلُسِيِّينَ __________ (1) السندي 7 / 603 - 605. (2) الطيلسان: طرحة تشبه الخمار المقور، يطرح على الكتفين، أو يلاث جزء منه على العمامة ثم يدلى عليهما، وكان لا يلبسه إلا الكبراء والقضاة. وكان خلعه والمشي بدونه أمارة الخضوع والتذلل (المصباح، المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب، للمستشرق دوزي ص 229) . لَيْسَ هَوَانًا مَعَ أَنَّهُ فِي مِصْرَ وَالْعِرَاقِ هَوَانٌ. وَقَال: إِنَّهُ يُلاَحَظُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا نَفْسُ الشَّخْصِ، فَإِِنَّ فِي الشَّامِ مَثَلاً مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الطَّيْلَسَانَ وَأَلِفَهُ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ - يُعْتَبَرُ قَطْعُهُ تَعْزِيرًا لَهُمْ. فَمَا ذُكِرَ ظَاهِرٌ مِنْهُ: أَنَّ الأَْمْرَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى اخْتِلاَفِ التَّعْزِيرِ بِاخْتِلاَفِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالأَْشْخَاصِ، مَعَ كَوْنِ الْفِعْل مَحَلًّا لِذَلِكَ، بَل إِنَّ هَذَا الاِخْتِلاَفَ قَدْ يَجْعَل الْفِعْل نَفْسَهُ غَيْرَ مُعَاقَبٍ عَلَيْهِ، بَل قَدْ يَكُونُ مَكْرُمَةً (1) . الأَْنْوَاعُ الْجَائِزَةُ فِي عُقُوبَةِ التَّعْزِيرِ: 12 - يَجُوزُ فِي مَجَال التَّعْزِيرِ: إِيقَاعُ عُقُوبَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَخْتَارُ مِنْهَا الْحَاكِمُ فِي كُل حَالَةٍ مَا يَرَاهُ مُنَاسِبًا مُحَقِّقًا لأَِغْرَاضِ التَّعْزِيرِ. وَهَذِهِ الْعُقُوبَاتُ قَدْ تَنْصَبُّ عَلَى الْبَدَنِ، وَقَدْ تَكُونُ مُقَيِّدَةً لِلْحُرِّيَّةِ، وَقَدْ تُصِيبُ الْمَال، وَقَدْ تَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ. وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ هَذَا الإِِْجْمَال. __________ (1) يراجع فيما سبق: فصول الأستروشني ص 14 - 20، ابن عابدين 3 / 183، السندي 7 / 603 - 605، وتبصرة الحكام 2 / 366، ونهاية المحتاج 7 / 174 - 175، والأحكام السلطانية للماوردي ص 224، والسياسة الشرعية ص 53، والحسبة ص 38. الْعُقُوبَاتُ الْبَدَنِيَّةُ: أ - التَّعْزِيرُ بِالْقَتْل: 13 - الأَْصْل: أَنَّهُ لاَ يُبْلَغُ بِالتَّعْزِيرِ الْقَتْل، وَذَلِكَ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} (1) وَقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَحِل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِِحْدَى ثَلاَثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ (2) . وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِِلَى جَوَازِ الْقَتْل تَعْزِيرًا فِي جَرَائِمَ مُعَيَّنَةٍ بِشُرُوطٍ مَخْصُوصَةٍ، مِنْ ذَلِكَ: قَتْل الْجَاسُوسِ الْمُسْلِمِ إِِذَا تَجَسَّسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَذَهَبَ إِِلَى جَوَازِ تَعْزِيرِهِ بِالْقَتْل مَالِكٌ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ. وَتَوَقَّفَ فِيهِ أَحْمَدُ. وَمِنْ ذَلِكَ: قَتْل الدَّاعِيَةِ إِِلَى الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَالْجَهْمِيَّةِ. ذَهَبَ إِِلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ. وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ التَّعْزِيرَ بِالْقَتْل فِيمَا تَكَرَّرَ مِنَ الْجَرَائِمِ، إِِذَا كَانَ جِنْسُهُ يُوجِبُ الْقَتْل، كَمَا يُقْتَل مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ اللِّوَاطُ أَوِ الْقَتْل __________ (1) سورة الأنعام / 151. (2) حديث: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث. . . " أخرجه البخاري (الفتح 12 / 201 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1302 - 1303 ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. بِالْمُثَقَّل (1) . وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ (2) : وَقَدْ يُسْتَدَل عَلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ إِِذَا لَمْ يَنْقَطِعْ شَرُّهُ إِلاَّ بِقَتْلِهِ فَإِِنَّهُ يُقْتَل، لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَرْفَجَةَ الأَْشْجَعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ (3) ب - التَّعْزِيرُ بِالْجَلْدِ: 14 - الْجَلْدُ فِي التَّعْزِيرِ مَشْرُوعٌ، وَدَلِيلُهُ قَوْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى (4) . وَفِي الْحَرِيسَةِ (5) الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ مَرَاتِعِهَا غُرْمُ ثَمَنِهَا مَرَّتَيْنِ، وَضَرْبُ نَكَالٍ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي سَرِقَةِ التَّمْرِ يُؤْخَذُ مِنْ أَكْمَامِهِ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَال سُئِل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ __________ (1) أحكام القرآن للجصاص 1 / 61، وابن عابدين 3 / 184 - 185، والقرطبي 6 / 151 - 152، وتبصرة الحكام ص 193، 206، والمهذب 2 / 268، والأحكام السلطانية للماوردي ص 212 - 213، وكشاف القناع 4 / 74 - 76. (2) السياسة الشرعية لابن تيمية ص 99. (3) حديث: " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد. . . " أخرجه مسلم (3 / 1480 - ط الحلبي) . (4) حديث " لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط. . . " أخرجه البخاري (الفتح 12 / 176 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1333 ط الحلبي) من حديث أبي بردة الأنصاري رضي الله عنه. (5) الحريسة، هي الشاة في الجبل يدركها الليل قبل رجوعها إلى مأواها فتسرق. عَنِ التَّمْرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَال: مَنْ أَصَابَ مِنْهُ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَفِي رِوَايَةٍ قَال سَمِعْتُ رَجُلاً مِنْ مُزَيْنَةَ يَسْأَل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحَرِيسَةِ الَّتِي تُوجَدُ فِي مَرَاتِعِهَا؟ قَال: فِيهَا ثَمَنُهَا مَرَّتَيْنِ، وَضَرْبُ نَكَالٍ. وَمَا أُخِذَ مِنْ عَطَنِهِ فَفِيهِ الْقَطْعُ إِِذَا بَلَغَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ. قَال: يَا رَسُول اللَّهِ، فَالثِّمَارُ وَمَا أُخِذَ مِنْهَا فِي أَكْمَامِهَا؟ قَال: مَنْ أَخَذَ بِفَمِهِ وَلَمْ يَتَّخِذْ خُبْنَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَمَنِ احْتَمَل فَعَلَيْهِ ثَمَنُهُ مَرَّتَيْنِ، وَضَرْبُ نَكَالٍ، وَمَا أُخِذَ مِنْ أَجْرَانِهِ فَفِيهِ الْقَطْعُ، إِِذَا بَلَغَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. وَلاِبْنِ مَاجَهْ مَعْنَاهُ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ فِي آخِرِهِ: وَمَا لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ، وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ (1) . وَقَدْ سَارَ عَلَى هَذِهِ الْعُقُوبَةِ فِي التَّعْزِيرِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْحُكَّامِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ (2) . __________ (1) حديث عبد الله بن عمرو: " من أصاب بفيه. . . " أخرجه أبو داود (2 / 335 - 336 - تحقيق عزت عبيد دعاس) . والنسائي (8 / 85 - ط المكتبة التجارية) واللفظ لأبي داود، ونيل الأوطار 7 / 300 - 301 ط دار الجيل. (2) المغني 10 / 348، وتبصرة الحكام 2 / 200، والحسبة 39. مِقْدَارُ الْجَلْدِ فِي التَّعْزِيرِ: 15 - مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ التَّعْزِيرَ لاَ يَبْلُغُ الْحَدَّ، لِحَدِيثِ: مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ (1) وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي أَقْصَى الْجَلْدِ فِي التَّعْزِيرِ: فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لاَ يَزِيدُ عَنْ تِسْعَةٍ وَثَلاَثِينَ سَوْطًا بِالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ، أَخْذًا عَنِ الشَّعْبِيِّ، إِذْ صَرَفَ كَلِمَةَ الْحَدِّ فِي الْحَدِيثِ إِِلَى حَدِّ الأَْرِقَّاءِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ. وَأَبُو يُوسُفَ قَال بِذَلِكَ أَوَّلاً، ثُمَّ عَدَل عَنْهُ إِِلَى اعْتِبَارِ أَقَل حُدُودِ الأَْحْرَارِ وَهُوَ ثَمَانُونَ جَلْدَةً. وَجْهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ: أَنَّ الْحَدِيثَ ذَكَرَ حَدًّا مُنَكَّرًا، وَأَرْبَعُونَ جَلْدَةً حَدٌّ كَامِلٌ فِي الأَْرِقَّاءِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْقَذْفِ وَالشُّرْبِ، فَيَنْصَرِفُ إِِلَى الأَْقَل. وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَمَدَ عَلَى أَنَّ الأَْصْل فِي الإِِْنْسَانِ الْحُرِّيَّةُ، وَحَدُّ الْعَبْدِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ، فَلَيْسَ حَدًّا كَامِلاً، وَمُطْلَقُ الاِسْمِ يَنْصَرِفُ إِِلَى الْكَامِل فِي كُل بَابٍ (2) . وَفِي عَدَدِ الْجَلَدَاتِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ التَّعْزِيرَ يَصِل إِِلَى تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ سَوْطًا، وَهِيَ رِوَايَةُ هِشَامٍ عَنْهُ، وَقَدْ أَخَذَ بِذَلِكَ __________ (1) حديث: " من بلغ حدا في غير حد. . . " أخرجه البيهقي في السنن (8 / 327 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، وقال: المحفوظ: هذا الحديث مرسل. (2) الكاساني 7 / 64. زُفَرُ، وَهُوَ قَوْل عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَهُوَ الْقِيَاسُ، لأَِنَّهُ لَيْسَ حَدًّا فَيَكُونُ مِنْ أَفْرَادِ الْمَسْكُوتِ عَنِ النَّهْيِ عَنْهُ فِي حَدِيثِ: مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ. . . (1) وَالثَّانِيَةُ: وَهِيَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ التَّعْزِيرَ لاَ يَزِيدُ عَلَى خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ سَوْطًا، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَثَرًا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْضًا، وَأَنَّهُمَا قَالاَ: فِي التَّعْزِيرِ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ. وَأَنَّ أَبَا يُوسُفَ أَخَذَ بِقَوْلِهِمَا فِي نُقْصَانِ الْخَمْسَةِ، وَاعْتُبِرَ عَمَلُهُمَا أَدْنَى الْحُدُودِ (2) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَال الْمَازِرِيُّ: إِنَّ تَحْدِيدَ الْعُقُوبَةِ لاَ سَبِيل إِلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْل الْمَذْهَبِ، وَقَال: إِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ يُجِيزُ فِي الْعُقُوبَاتِ فَوْقَ الْحَدِّ. وَحُكِيَ عَنْ أَشْهَبَ: أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ قَدْ يُزَادُ عَلَى الْحَدِّ (3) . وَعَلَى ذَلِكَ فَالرَّاجِحُ لَدَى الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الإِِْمَامَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ التَّعْزِيرَ عَنِ الْحَدِّ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي لاَ يَشُوبُهَا الْهَوَى. وَمِمَّا اسْتَدَل بِهِ الْمَالِكِيَّةُ: فِعْل عُمَرَ فِي مَعْنِ بْنِ زِيَادٍ لَمَّا زَوَّرَ كِتَابًا عَلَى عُمَرَ وَأَخَذَ بِهِ مِنْ صَاحِبِ بَيْتِ الْمَال مَالاً، إِذْ جَلَدَهُ مِائَةً، ثُمَّ مِائَةً __________ (1) حديث: " من بلغ حدا في غير. . . " تقدم تخريجه. (2) الأستروشني ص 16، والكاساني 7 / 64، والجوهرة 2 / 253، واللباب للميداني 3 / 65. (3) تبصرة الحكام 2 / 204. أُخْرَى، ثُمَّ ثَالِثَةً، وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَكَانَ إِجْمَاعًا، كَمَا أَنَّهُ ضَرَبَ صَبِيغَ بْنَ عِسْلٍ أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِّ (1) . وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِِسْنَادِهِ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ قَدْ شَرِبَ خَمْرًا فِي رَمَضَانَ فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ (الْحَدَّ) وَعِشْرِينَ سَوْطًا، لِفِطْرِهِ فِي رَمَضَانَ. كَمَا رُوِيَ: أَنَّ أَبَا الأَْسْوَدِ اسْتَخْلَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ فَأُتِيَ بِسَارِقٍ قَدْ جَمَعَ الْمَتَاعَ فِي الْبَيْتِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ، فَضَرَبَهُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ سَوْطًا وَخَلَّى سَبِيلَهُ (2) . وَقَالُوا فِي حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لاَ يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ (3) إِنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى زَمَنِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأَِنَّهُ كَانَ يَكْفِي الْجَانِيَ مِنْهُمْ هَذَا الْقَدْرُ، وَتَأَوَّلُوهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: فِي حَدٍّ، أَيْ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَعَاصِي الْمُقَدَّرِ حُدُودُهَا لأَِنَّ الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى (4) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ التَّعْزِيرَ إِنْ كَانَ بِالْجَلْدِ فَإِِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَنْقُصَ عَنْ أَقَل حُدُودِ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهِ __________ (1) كان يعنت الجند بالمشتبهات والتساؤلات فضربه سيدنا عمر رضي الله عنه ونفاه إلى البصرة. (2) تبصرة الحكام 2 / 204، والمغني 10 / 348، وفتح القدير 5 / 115 - 116. (3) حديث: " لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد. . . " تقدم تخريجه. (4) تبصرة الحكام 2 / 205. التَّعْزِيرُ، فَيَنْقُصُ فِي الْعَبْدِ عَنْ عِشْرِينَ، وَفِي الْحُرِّ عَنْ أَرْبَعِينَ، وَهُوَ حَدُّ الْخَمْرِ عِنْدَهُمْ، وَقِيل بِوُجُوبِ النَّقْصِ فِيهِمَا عَنْ عِشْرِينَ، لِحَدِيثِ: مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ (1) وَيَسْتَوِي فِي النَّقْصِ عَمَّا ذُكِرَ جَمِيعُ الْجَرَائِمِ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ. وَقِيل بِقِيَاسِ كُل جَرِيمَةٍ بِمَا يَلِيقُ بِهَا مِمَّا فِيهِ أَوْ فِي جِنْسِهِ حَدٌّ، فَيَنْقُصُ عَلَى سَبِيل الْمِثَال تَعْزِيرُ مُقَدِّمَةِ الزِّنَى عَنْ حَدِّهِ، وَإِِنْ زَادَ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ، وَتَعْزِيرُ السَّبِّ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ، وَإِِنْ زَادَ عَلَى حَدِّ الشُّرْبِ. وَقِيل فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَزِيدُ فِي أَكْثَرِ الْجَلْدِ فِي التَّعْزِيرِ عَنْ عَشْرِ جَلَدَاتٍ أَخْذًا بِحَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ: لاَ يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ (2) لِمَا اشْتَهَرَ مِنْ قَوْل الشَّافِعِيِّ: إِِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي، وَقَدْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ (3) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي قَدْرِ جَلْدِ التَّعْزِيرِ، فَرُوِيَ أَنَّهُ لاَ يَبْلُغُ الْحَدَّ. وَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَالْمَقْصُودُ بِمُقْتَضَاهَا: أَنَّهُ لاَ يُبْلَغُ بِالتَّعْزِيرِ أَدْنَى حَدٍّ مَشْرُوعٍ، فَلاَ يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ أَرْبَعِينَ؛ لأَِنَّ الأَْرْبَعِينَ حَدُّ الْعَبْدِ فِي __________ (1) حديث: " من بلغ حدا في غير حد. . . " تقدم تخريجه. (2) حديث: " لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد. . . " تقدم تخريجه. (3) نهاية المحتاج 7 / 175، والمهذب 2 / 228، ومغني المحتاج 4 / 193. الْخَمْرِ وَالْقَذْفِ، وَلاَ يُجَاوِزُ تِسْعَةً وَثَلاَثِينَ سَوْطًا فِي الْحُرِّ، وَلاَ تِسْعَةَ عَشَرَ فِي الْعَبْدِ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ حَدَّ الْخَمْرِ أَرْبَعُونَ سَوْطًا. وَنَصُّ مَذْهَبِ أَحْمَدَ: أَنْ لاَ يُزَادَ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ فِي التَّعْزِيرِ، لِلأَْثَرِ: لاَ يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلاَّ فِي حَدٍّ. . . إِلاَّ مَا وَرَدَ مِنَ الآْثَارِ مُخَصِّصًا لِهَذَا الْحَدِيثِ، كَوَطْءِ جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ بِإِِذْنِهَا، وَوَطْءِ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ الْمَرْوِيِّ عَنْ عُمَرَ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيَحْتَمِل كَلاَمُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لاَ يَبْلُغُ التَّعْزِيرُ فِي كُل جَرِيمَةٍ حَدًّا مَشْرُوعًا فِي جِنْسِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى حَدٍّ غَيْرِ جِنْسِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُل عَلَى هَذَا. وَاسْتَدَل بِمَا رُوِيَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِيمَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ بِإِِذْنِهَا: أَنَّهُ يُجْلَدُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَهَذَا تَعْزِيرٌ؛ لأَِنَّ عِقَابَ هَذِهِ الْجَرِيمَةِ لِلْمُحْصَنِ الرَّجْمُ، وَبِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الرَّجُل الَّذِي وَطِئَ أَمَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَآخَرَ: أَنَّهُ يُجْلَدُ الْحَدَّ إِلاَّ سَوْطًا وَاحِدًا، وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَحْمَدُ. وَقَدْ زَادَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمِ رَأْيًا رَابِعًا: هُوَ أَنَّ التَّعْزِيرَ يَكُونُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَعَلَى قَدْرِ الْجَرِيمَةِ، فَيَجْتَهِدُ فِيهِ وَلِيُّ الأَْمْرِ عَلَى أَلاَّ يَبْلُغَ التَّعْزِيرُ فِيمَا فِيهِ حَدٌّ مُقَدَّرٌ ذَلِكَ الْمُقَدَّرَ، فَالتَّعْزِيرُ عَلَى سَرِقَةِ مَا دُونَ النِّصَابِ مَثَلاً لاَ يُبْلَغُ بِهِ الْقَطْعَ، وَقَالاَ: إِنَّ هَذَا هُوَ أَعْدَل الأَْقْوَال، وَإِِنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ عَلَيْهِ، كَمَا مَرَّ فِي ضَرْبِ الَّذِي أَحَلَّتْ لَهُ امْرَأَتُهُ جَارِيَتَهَا مِائَةً لاَ الْحَدَّ وَهُوَ الرَّجْمُ، كَمَا أَنَّ عَلِيًّا وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ضَرَبَا رَجُلاً وَامْرَأَةً وُجِدَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ مِائَةً مِائَةً، وَحَكَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَنْ قَلَّدَ خَاتَمَ بَيْتِ الْمَال بِضَرْبِهِ ثَلاَثَمِائَةٍ عَلَى مَرَّاتٍ، وَضَرَبَ صَبِيغَ بْنَ عِسْلٍ لِلْبِدْعَةِ ضَرْبًا كَثِيرًا لَمْ يَعُدُّهُ (1) . وَخُلاَصَةُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ فِيهِ مَنْ يَقُول بِأَنَّ التَّعْزِيرَ لاَ يَزِيدُ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ، وَمَنْ يَقُول: بِأَنَّهُ لاَ يَزِيدُ عَلَى أَقَل الْحُدُودِ، وَمَنْ يَقُول: بِأَنَّهُ لاَ يَبْلُغُ فِي جَرِيمَةٍ قَدْرَ الْحَدِّ فِيهَا، وَهُنَاكَ مَنْ يَقُول: بِأَنَّهُ لاَ يَتَقَيَّدُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَكُونُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَعَلَى قَدْرِ الْجَرِيمَةِ، فِيمَا لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مُقَدَّرٌ. وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمُ التَّحْدِيدُ سَوَاءٌ أَكَانَ بِعَشْرِ جَلَدَاتٍ أَمْ بِأَقَل مِنْ أَدْنَى الْحُدُودِ أَمْ بِأَقَل مِنَ الْحَدِّ الْمُقَرَّرِ لِجِنْسِ الْجَرِيمَةِ. وَمَا ذُكِرَ هُوَ عَنِ الْحَدِّ الأَْعْلَى، أَمَّا عَنِ الْحَدِّ الأَْدْنَى فَقَدْ قَال الْقُدُورِيُّ: إِنَّهُ ثَلاَثُ جَلَدَاتٍ؛ لأَِنَّ هَذَا الْعَدَدَ أَقَل مَا يَقَعُ بِهِ الزَّجْرُ. وَلَكِنَّ غَالِبِيَّةَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الأَْمْرَ فِي أَقَل جَلْدِ التَّعْزِيرِ مَرْجِعُهُ الْحَاكِمُ، بِقَدْرِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكْفِي لِلزَّجْرِ. وَقَال فِي الْخُلاَصَةِ: إِنَّ اخْتِيَارَ التَّعْزِيرِ إِِلَى __________ (1) الحسبة في الإسلام ص 39، والسياسة الشرعية ص 54، والطرق الحكمية ص 106 الْقَاضِي مِنْ وَاحِدٍ إِِلَى تِسْعَةٍ وَثَلاَثِينَ، وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ تَصْرِيحُ ابْنِ قُدَامَةَ، فَقَدْ قَال: إِنَّ أَقَل التَّعْزِيرِ لَيْسَ مُقَدَّرًا فَيُرْجَعُ فِيهِ إِِلَى اجْتِهَادِ الإِِْمَامِ أَوِ الْحَاكِمِ فِيمَا يَرَاهُ وَمَا تَقْتَضِيهِ حَال الشَّخْصِ (1) . ج - التَّعْزِيرُ بِالْحَبْسِ: 16 - الْحَبْسُ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِِْجْمَاعِ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَل اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} (2) وَقَوْلُهُ: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ} (3) . فَقَدْ قَال الزَّيْلَعِيُّ: إِنَّ الْمَقْصُودَ بِالنَّفْيِ هُنَا الْحَبْسُ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ ثَبَتَ: أَنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ بِالْمَدِينَةِ أُنَاسًا فِي تُهْمَةِ دَمٍ، وَحَكَمَ بِالضَّرْبِ __________ (1) يراجع في التعزير بالجلد عموما الكاساني في 7 / 64، والسرخسي 24 / 36، والسندي 7 / 599 - 600، 601، 602، والجوهرة 2 / 253، واللباب لميداني 3 / 65، وفتح القدير 5 / 115 - 116، والزيلعي والشلبي 3 / 210، والأستروشني ص 16، وتبصرة الحكام 2 / 200 - 204، ونهاية المحتاج 7 / 175، والمهذب 2 / 228، وكشاف القناع 4 / 73 - 74، والسياسة الشرعية ص 47، 48، 53، 54، 55، 56، والحسبة ص 39، والطرق الحكمية ص 106، والمغني 10 / 347 - 348. (2) سورة النساء / 15. (3) سورة المائدة / 33. وَالسَّجْنِ، وَأَنَّهُ قَال فِيمَنْ أَمْسَكَ رَجُلاً لآِخَرَ حَتَّى قَتَلَهُ: اقْتُلُوا الْقَاتِل، وَاصْبِرُوا الصَّابِرَ (1) . وَفُسِّرَتْ عِبَارَةُ اصْبِرُوا الصَّابِرَ بِحَبْسِهِ حَتَّى الْمَوْتِ؛ لأَِنَّهُ حَبَسَ الْمَقْتُول لِلْمَوْتِ بِإِِمْسَاكِهِ إِيَّاهُ. وَأَمَّا الإِِْجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، عَلَى الْمُعَاقَبَةِ بِالْحَبْسِ. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَبْسَ يَصْلُحُ عُقُوبَةً فِي التَّعْزِيرِ. وَمِمَّا جَاءَ فِي هَذَا الْمَقَامِ: أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَجَنَ الْحُطَيْئَةَ عَلَى الْهَجْوِ، وَسَجَنَ صَبِيغًا عَلَى سُؤَالِهِ عَنِ الذَّارِيَاتِ، وَالْمُرْسَلاَتِ، وَالنَّازِعَاتِ، وَشِبْهِهِ، وَأَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَجَنَ ضَابِئَ بْنَ الْحَارِثِ، وَكَانَ مِنْ لُصُوصِ بَنِي تَمِيمٍ وَفُتَّاكِهِمْ، وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَجَنَ بِالْكُوفَةِ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَجَنَ بِمَكَّةَ، وَسَجَنَ فِي " دَارِمٍ " مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ لَمَّا امْتَنَعَ عَنْ بَيْعَتِهِ (2) . __________ (1) حديث: " اقتلوا القاتل واصبروا الصابر ". أخرجه البيهقي (8 / 51 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث إسماعيل بن أمية مرسلا. وأورده قبله بلفظ مقارب، ولكنه رجح الإرسال، ومن قبله الدارقطني (3 / 140 - ط دار المحاسن) . (2) أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي عبد الله محمد بن فرح المالكي القرطبي ص 5 - 6، وتبصرة الحكام 2 / 373، والزيلعي 3 / 207 و 4 / 179 - 180، وابن عابدين 4 / 326، وفتح القدير 6 / 375، والمغني 10 / 313 - 314 - 348، والسياسة الشرعية ص 54، وكشاف القناع 4 / 74، والماوردي ص 224. مُدَّةُ الْحَبْسِ فِي التَّعْزِيرِ: 17 - الأَْصْل أَنَّ تَقْدِيرَ مُدَّةِ الْحَبْسِ يَرْجِعُ إِِلَى الْحَاكِمِ، مَعَ مُرَاعَاةِ ظُرُوفِ الشَّخْصِ، وَالْجَرِيمَةِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ. وَقَدْ أَشَارَ الزَّيْلَعِيُّ إِِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ لِلْحَبْسِ مُدَّةٌ مُقَدَّرَةٌ. وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّ الْحَبْسَ تَعْزِيرًا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْمُجْرِمِ، وَبِاخْتِلاَفِ الْجَرِيمَةِ، فَمِنَ الْجَانِينَ مَنْ يُحْبَسُ يَوْمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْبَسُ أَكْثَرُ، إِِلَى غَايَةٍ غَيْرِ مُقَدَّرَةٍ. لَكِنَّ الشِّرْبِينِيَّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، ذَكَرَ أَنَّ شَرْطَ الْحَبْسِ: النَّقْصُ عَنْ سَنَةٍ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ، وَصَرَّحَ بِهِ مُعْظَمُ الأَْصْحَابِ. وَأَطْلَقَ الْحَنَابِلَةُ فِي تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ (1) . د - التَّعْزِيرُ بِالنَّفْيِ (التَّغْرِيب) : مَشْرُوعِيَّةُ التَّعْزِيرِ بِالنَّفْيِ: 18 - التَّعْزِيرُ بِالنَّفْيِ مَشْرُوعٌ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَدَلِيل مَشْرُوعِيَّتِهِ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِِْجْمَاعُ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ __________ (1) فتح القدير 6 / 375، والزيلعي 4 / 179 - 180 و 3 / 181 - 208، وابن عابدين 4 / 326، والفتاوى الهندية 2 / 188، والتاج والإكليل 5 / 48، والمدونة 13 / 54 - 55، وتبصرة الحكام 2 / 373، ونهاية المحتاج 7 / 175، والأحكام السلطانية للماوردي / 224، ومغني المحتاج 4 / 192، وكشاف القناع 4 / 74 - 75، والمغني 10 / 313 - 314. الأَْرْضِ} وَمِنْ ثَمَّ فَهُوَ عُقُوبَةٌ مَشْرُوعَةٌ فِي الْحُدُودِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَإِِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالنَّفْيِ تَعْزِيرًا فِي الْمُخَنَّثِينَ، إِذْ نَفَاهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ (1) . وَأَمَّا الإِِْجْمَاعُ: فَإِِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَفَى نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ لاِفْتِتَانِ النِّسَاءِ بِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ (2) . وَيَجُوزُ كَوْنُ التَّغْرِيبِ لأَِكْثَرَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، لأَِنَّ عُمَرَ غَرَّبَ مِنَ الْمَدِينَةِ نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ إِِلَى الْبَصْرَةِ، وَنَفَى عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِِلَى مِصْرَ، وَنَفَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِِلَى الْبَصْرَةِ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ التَّغْرِيبُ لِبَلَدٍ مُعَيَّنٍ، فَلاَ يُرْسِل الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِهِ إِرْسَالاً، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ غَيْرَ الْبَلَدِ الْمُعَيَّنِ لإِِِبْعَادِهِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَغْرِيبُ الْجَانِي لِبَلَدِهِ (3) . وَيَرَى الشَّافِعِيُّ: أَنْ لاَ تَقِل الْمَسَافَةُ بَيْنَ بَلَدِ الْجَانِي وَالْبَلَدِ الْمُغَرَّبِ إِلَيْهِ عَنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (4) . وَيَرَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى: أَنْ يُنْفَى الْجَانِي __________ (1) أخرج أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما بال هذا؟ فقيل: يا رسول الله، يتشبه بالنساء، فأمر به فنفي إلى النقيع ". أخرجه أبو داود (5 / 224 - تحقيق عز وأعله المنذري بجهالة أحد رواته. (مختصر سنن أبي داود 7 / 240 - نشر المعرفة) . (2) المبسوط للسرخسي 9 / 45، والزيلعي 3 / 174. (3) حاشية البجيرمي 4 / 145. (4) الأحكام السلطانية للماوردي ص 212. إِِلَى بَلَدٍ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي ارْتُكِبَتْ فِيهِ الْجَرِيمَةُ بِحَيْثُ تَكُونُ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الْبَلَدِ الَّذِي يُنْفَى إِلَيْهِ وَبَلَدِ الْجَرِيمَةِ، دُونَ مَسِيرَةِ سَفَرٍ (1) . مُدَّةُ التَّغْرِيبِ: 19 - لاَ يَعْتَبِرُ أَبُو حَنِيفَةَ التَّغْرِيبَ فِي الزِّنَى حَدًّا، بَل يَعْتَبِرُهُ مِنَ التَّعْزِيرِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّهُ يُجِيزُ أَنْ يَزِيدَ مِنْ حَيْثُ الْمُدَّةُ عَنْ سَنَةٍ (2) . وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَزِيدَ التَّغْرِيبُ فِي التَّعْزِيرِ عَنْ سَنَةٍ، مَعَ أَنَّ التَّغْرِيبَ عِنْدَهُ فِي الزِّنَى حَدٌّ؛ لأَِنَّهُ يَقُول بِنَسْخِ حَدِيثِ: مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ. وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ لِلإِِْمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّعْزِيرِ عَنِ الْحَدِّ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ غَيْرِ الْمَشُوبَةِ بِالْهَوَى (3) . وَعَلَى ذَلِكَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ. وَيَرَى الْبَعْضُ الآْخَرُ مِنْهُمْ: أَنَّ مُدَّةَ التَّغْرِيبِ فِي التَّعْزِيرِ لاَ يَجُوزُ أَنْ تَصِل إِِلَى سَنَةٍ، لأَِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ التَّغْرِيبَ فِي جَرِيمَةِ الزِّنَى حَدًّا، وَإِِذَا كَانَتْ مُدَّتُهُ فِيهَا عَامًا فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ فِي التَّعْزِيرِ أَنْ يَصِل التَّغْرِيبُ لِعَامٍ، لِحَدِيثِ: مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ (4) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (نَفْيٌ) . __________ (1) المبسوط للسرخسي 9 / 45. (2) معين الحكام ص 184، وبداية المجتهد 2 / 364 - 35. (3) تبصرة الحكام 2 / 204، والشرح الصغير 4 / 504. (4) يراجع في التغريب عموما السرخسي 9 / 45، والزيلعي 3 / 174، ومعين الحكام ص 182، وبداية المجتهد 2 / 381 ثم 364 - 365، وتبصرة الحكام 2 / 204، أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم ص 5، ونهاية المحتاج 7 / 174 - 175، والمهذب 2 / 228، وحاشية البجيرمي 4 / 153، وشرح الخطيب على هامشها الماوردي ص 212، وكشاف القناع 4 / 73 - 74 - 76، والمغني 10 / 347، والحسبة ص 40، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 247. هـ - التَّعْزِيرُ بِالْمَال: مَشْرُوعِيَّةُ التَّعْزِيرِ بِالْمَال: 20 - الأَْصْل فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ التَّعْزِيرَ بِأَخْذِ الْمَال غَيْرُ جَائِزٍ، فَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ لاَ يُجِيزَانِهِ (1) ، بَل إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي كِتَابٍ مِنْ كُتُبِهِ (2) . أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ: أَنَّ التَّعْزِيرَ بِأَخْذِ الْمَال مِنَ الْجَانِي جَائِزٌ إِنْ رُئِيَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ (3) . وَقَال الشبراملسي: وَلاَ يَجُوزُ عَلَى الْجَدِيدِ بِأَخْذِ الْمَال. يَعْنِي لاَ يَجُوزُ التَّعْزِيرُ بِأَخْذِ الْمَال فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدِ (4) ، وَفِي الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ: يَجُوزُ. أَمَّا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، فَقَدْ قَال ابْنُ فَرْحُونَ: التَّعْزِيرُ بِأَخْذِ الْمَال قَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ (5) . وَقَدْ ذَكَرَ مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةً يُعَزَّرُ فِيهَا __________ (1) ابن عابدين 3 / 184. (2) فصول الأستروشني ص 7. (3) ابن عابدين 3 / 184، والزيلعي 3 / 208، والسندي 7 / 604 - 605، وفتاوى البزازية 2 / 457 طبع أوروبا سنة 1308 هـ. (4) حاشية الشبراملسي على شرح المنهاج 7 / 174، والحسبة ص 40. (5) الحسبة ص 40، وتبصرة الحكام 2 / 367 - 368. بِالْمَال، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: سُئِل مَالِكٌ عَنِ اللَّبَنِ الْمَغْشُوشِ أَيُرَاقُ؟ قَال: لاَ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ يُتَصَدَّقَ بِهِ، إِِذَا كَانَ هُوَ الَّذِي غَشَّهُ. وَقَال فِي الزَّعْفَرَانِ وَالْمِسْكِ الْمَغْشُوشِ مِثْل ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَلِيلاً أَوْ كَثِيرًا، وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكَثِيرِ، وَقَال: يُبَاعُ الْمِسْكُ وَالزَّعْفَرَانُ عَلَى مَا يُغَشُّ بِهِ، وَيَتَصَدَّقُ بِالثَّمَنِ أَدَبًا لِلْغَاشِّ. وَأَفْتَى ابْنُ الْقَطَّانِ الأَْنْدَلُسِيُّ فِي الْمَلاَحِفِ الرَّدِيئَةِ النَّسْجِ بِأَنْ تُحَرَّقَ. وَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ: بِتَقْطِيعِهَا وَالصَّدَقَةِ بِهَا خِرَقًا (1) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَحْرُمُ التَّعْزِيرُ بِأَخْذِ الْمَال أَوْ إِتْلاَفِهِ؛ لأَِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ. وَخَالَفَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمِ، فَقَالاَ: إِنَّ التَّعْزِيرَ بِالْمَال سَائِغٌ إِتْلاَفًا وَأَخْذًا (2) . وَاسْتَدَلاَّ لِذَلِكَ بِأَقْضِيَةٍ لِلرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَإِِبَاحَتِهِ سَلْبَ مَنْ يَصْطَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ لِمَنْ يَجِدُهُ، وَأَمْرِهِ بِكَسْرِ دِنَانِ الْخَمْرِ، وَشَقِّ ظُرُوفِهَا، وَأَمْرِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِحَرْقِ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ، وَتَضْعِيفِهِ الْغَرَامَةَ عَلَى مَنْ __________ (1) تبصرة الحكام ص 468، والطرق الحكمية ص 250. (2) كشاف القناع 4 / 74 - 75، وشرح المنتهى على هامشه ص 110، والحسبة ص 40، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 295. سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، وَسَارِقِ مَا لاَ قَطْعَ فِيهِ مِنَ الثَّمَرِ وَالْكَثَرِ (1) ، وَكَاتِمِ الضَّالَّةِ. وَمِنْهَا أَقَضِيَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، مِثْل أَمْرِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِتَحْرِيقِ الْمَكَانِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ، وَأَخْذُ شَطْرِ مَال مَانِعِ الزَّكَاةِ، وَأَمْرِ عُمَرَ بِتَحْرِيقِ قَصْرِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي بَنَاهُ حَتَّى يَحْتَجِبَ فِيهِ عَنِ النَّاسِ. وَقَدْ نَفَّذَ هَذَا الأَْمْرَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (2) . أَنْوَاعُ التَّعْزِيرِ بِالْمَال التَّعْزِيرُ بِالْمَال يَكُونُ بِحَبْسِهِ أَوْ بِإِِتْلاَفِهِ، أَوْ بِتَغْيِيرِ صُورَتِهِ، أَوْ بِتَمْلِيكِهِ لِلْغَيْرِ. أ - حَبْسُ الْمَال عَنْ صَاحِبِهِ: 21 - وَهُوَ أَنْ يُمْسِكَ الْقَاضِي شَيْئًا مِنْ مَال الْجَانِي مُدَّةً زَجْرًا لَهُ، ثُمَّ يُعِيدُهُ لَهُ عِنْدَمَا تَظْهَرُ تَوْبَتُهُ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَخْذُهُ لِبَيْتِ الْمَال؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ مَال إِنْسَانٍ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ يَقْتَضِي ذَلِكَ (3) . وَفَسَّرَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَبُو يَحْيَى الْخُوَارِزْمِيُّ. وَنَظِيرُهُ مَا يُفْعَل فِي خُيُول الْبُغَاةِ وَسِلاَحِهِمْ، فَإِِنَّهَا تُحْبَسُ عَنْهُمْ مُدَّةً وَتُعَادُ إِلَيْهِمْ __________ (1) الكثر معناه: الجمار أي قلب النخلة ويقال: الطلع. (2) السندي 7 / 604، 1 / 605، والبزازية 2 / 457، وابن عابدين 3 / 184. (3) فصول الأستروشني ص 7 - 8، والبزازية 2 / 457. إِِذَا تَابُوا. وَصَوَّبَ هَذَا الرَّأْيَ الإِِْمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ التُّمُرْتَاشِيُّ الْخُوَارِزْمِيُّ. أَمَّا إِِذَا صَارَ مَيْئُوسًا مِنْ تَوْبَتِهِ، فَإِِنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَصْرِفَ هَذَا الْمَال فِيمَا يَرَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ (1) . ب - الإِِْتْلاَفُ: 22 - قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ الْمُنْكَرَاتِ مِنَ الأَْعْيَانِ وَالصِّفَاتِ يَجُوزُ إِتْلاَفُ مَحَلِّهَا تَبَعًا لَهَا، فَالأَْصْنَامُ صُوَرُهَا مُنْكَرَةٌ، فَيَجُوزُ إِتْلاَفُ مَادَّتِهَا، وَآلاَتُ اللَّهْوِ يَجُوزُ إِتْلاَفُهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَبِذَلِكَ أَخَذَ مَالِكٌ، وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل أَيْضًا أَوْعِيَةُ الْخَمْرِ، يَجُوزُ تَكْسِيرُهَا وَتَحْرِيقُهَا، وَالْمَحَل الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ، وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِفِعْل عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي تَحْرِيقِ مَحَلٍّ يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ، وَقَضَاءُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَحْرِيقَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَ يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ، وَلأَِنَّ مَكَانَ الْبَيْعِ كَالأَْوْعِيَةِ. وَقَال: إِنَّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَمَالِكٍ، وَغَيْرِهِمَا (2) . وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل أَيْضًا: إِرَاقَةُ عُمَرَ اللَّبَنَ الْمَخْلُوطَ بِالْمَاءِ لِلْبَيْعِ. وَمِنْهُ مَا يَرَاهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ جَوَازِ إِتْلاَفِ الْمَغْشُوشَاتِ فِي الصِّنَاعَاتِ، كَالثِّيَابِ رَدِيئَةِ النَّسْجِ، بِتَمْزِيقِهَا __________ (1) السندي 2 / 604، 1 / 605، فصول الأستروشني ص 8. (2) الحسبة ص 143، والطرق الحكمية ص 241، وتبصرة الحكام 2 / 202 - 204. وَإِِحْرَاقِهَا، وَتَحْرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لِثَوْبِهِ الْمُعَصْفَرِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) . وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ هَذَا الإِِْتْلاَفَ لِلْمَحَل الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْمَعْصِيَةُ نَظِيرُهُ إِتْلاَفُ الْمَحَل مِنَ الْجِسْمِ الَّذِي وَقَعَتْ بِهِ الْمَعْصِيَةُ، كَقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ. وَهَذَا الإِِْتْلاَفُ لَيْسَ وَاجِبًا فِي كُل حَالَةٍ، فَإِِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَحَل مُفْسِدٌ فَإِِنَّ إِبْقَاءَهُ جَائِزٌ، إِمَّا لَهُ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ أَفْتَى فَرِيقٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: بِأَنْ يُتَصَدَّقَ بِالطَّعَامِ الْمَغْشُوشِ. وَفِي هَذَا إِتْلاَفٌ لَهُ. وَكَرِهَ فَرِيقٌ الإِِْتْلاَفَ، وَقَالُوا بِالتَّصَدُّقِ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ. وَقَدِ اسْتَحْسَنَ مَالِكٌ التَّصَدُّقَ بِاللَّبَنِ الْمَغْشُوشِ؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ عِقَابًا لِلْجَانِي بِإِِتْلاَفِهِ عَلَيْهِ، وَنَفْعًا لِلْمَسَاكِينِ بِالإِِْعْطَاءِ لَهُمْ. وَقَال مَالِكٌ فِي الزَّعْفَرَانِ وَالْمِسْكِ بِمِثْل قَوْلِهِ فِي اللَّبَنِ إِِذَا غَشَّهُمَا الْجَانِي. وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ بِذَلِكَ فِي الْقَلِيل مِنْ تِلْكَ الأَْمْوَال؛ لأَِنَّ التَّصَدُّقَ بِالْمَغْشُوشِ فِي الْكَثِيرِ مِنْ هَذِهِ الأَْمْوَال الثَّمِينَةِ تَضِيعُ بِهِ أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ عَلَى أَصْحَابِهَا، فَيُعَزَّرُونَ فِي مِثْل تِلْكَ الأَْحْوَال بِعُقُوبَاتٍ أُخْرَى. وَعِنْدَ الْبَعْضِ: أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ __________ (1) حديث: " تحريق عبد الله بن عمر لثوبه المعصفر ". أخرجه مسلم (3 / 1647 ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ. وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ مَنْعَ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَأَخَذَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ كُلٌّ مِنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَذْهَبِ، وَعِنْدَهُمَا: أَنَّ مَنْ غَشَّ أَوْ نَقَصَ مِنَ الْوَزْنِ يُعَاقَبُ بِالضَّرْبِ، وَالْحَبْسِ، وَالإِِْخْرَاجِ مِنَ السُّوقِ، وَأَنَّ مَا غُشَّ مِنَ الْخُبْزِ وَاللَّبَنِ، أَوْ غُشَّ مِنَ الْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ لاَ يُفَرَّقُ وَلاَ يُنْهَبُ (1) . ج - التَّغْيِيرُ: 23 - مِنَ التَّعْزِيرِ بِالتَّغْيِيرِ نَهْيُ (2) النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، إِلاَّ إِِذَا كَانَ بِهَا بَأْسٌ، فَإِِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ كُسِرَتْ، وَفِعْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التِّمْثَال الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِهِ (3) ، وَالسِّتْرِ الَّذِي بِهِ تَمَاثِيل (4) ، إِذْ قَطَعَ رَأْسَ التِّمْثَال فَصَارَ __________ (1) الحسبة ص 43 - 46، والطرق الحكمية ص 247 - 258، وتبصرة الحكام 2 / 202 - 204. (2) حديث " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كسر. . . " أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (6 / 346 ط السعادة) من حديث علقمة بن عبد الله المزني رضي الله عنه، وفي إسناده انقطاع. (3) حديث: " قطع رأس التمثال فصار كالشجرة " أخرجه أبو داود (4 / 388 تحقيق عزت عبيد دعاس) ، والترمذي (5 / 115 ط الحلبي) من حديث أبي هريرة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (4) حديث " قطع الستر إلى وسادتين منتبذتين يوطآن. . . " أخرجه أحمد (2 / 308 ط الميمنية) من حديث أبي هريرة، وأخرجه الترمذي (5 / 115 - ط الحلبي) وقال: حسن صحيح. كَالشَّجَرَةِ، وَقَطَعَ السِّتْرَ إِِلَى وِسَادَتَيْنِ مُنْتَبَذَتَيْنِ (1) يُوطَآنِ. وَمِنْ ذَلِكَ: تَفْكِيكُ آلاَتِ اللَّهْوِ، وَتَغْيِيرُ الصُّوَرِ الْمُصَوَّرَةِ. د - التَّمْلِيكُ: 24 - مِنَ التَّعْزِيرِ بِالتَّمْلِيكِ: قَضَاءُ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَنْ سَرَقَ مِنَ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ قَبْل أَنْ يُؤْخَذَ إِِلَى الْجَرِينِ بِجَلَدَاتِ نَكَالٍ، وَغَرِمَ مَا أَخَذَ مَرَّتَيْنِ (2) ، وَفِيمَنْ سَرَقَ مِنَ الْمَاشِيَةِ قَبْل أَنْ تُؤْوَى إِِلَى الْمَرَاحِ بِجَلَدَاتِ نَكَالٍ، وَغَرِمَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ (3) ، وَقَضَاءِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِتَضْعِيفِ الْغُرْمِ عَلَى كَاتِمِ الضَّالَّةِ، وَقَدْ قَال بِذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ إِضْعَافُ عُمَرَ وَغَيْرِهِ الْغُرْمَ فِي نَاقَةِ أَعْرَابِيٍّ أَخَذَهَا مَمَالِيكُ جِيَاعٌ، إِذْ أَضْعَفَ الْغُرْمَ عَلَى سَيِّدِهِمْ، وَدَرَأَ الْقَطْعَ (4) . __________ (1) منتبذتين: ملقاتين. (2) حديث " قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن سرق من الثمر المعلق. . . " تقدم تخريجه. (3) حديث: " قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن سرق من الماشية قبل. . . " تقدم تخريجه. (4) يراجع للتعزير بالمال عموما: الزيلعي 3 / 208، والسندي 7 / 604، 605، وابن عابدين 3 / 184، وفصول الأستروشني عن 7 - 8، وفتاوى البزازية 2 / 45، ونهاية المحتاج شرح المنهاج 7 / 174، والحسبة ص 40، 44، 45، 46، 47، والطرق الحكمية 247 - 258، وكشاف القناع 4 / 74 - 75، وشرح المنتهى على هامشه ص 110. أَنْوَاعٌ أُخْرَى مِنَ التَّعْزِيرِ: هُنَاكَ أَنْوَاعٌ أُخْرَى مِنَ التَّعْزِيرِ غَيْرِ مَا سَبَقَ. مِنْهَا: الإِِْعْلاَمُ الْمُجَرَّدُ، وَالإِِْحْضَارُ لِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَالتَّوْبِيخُ وَالْهَجْرُ. أ - الإِِْعْلاَمُ الْمُجَرَّدُ: 25 - الإِِْعْلاَمُ: صُورَتُهُ أَنْ يَقُول الْقَاضِي لِلْجَانِي: بَلَغَنِي أَنَّك فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ يَبْعَثُ الْقَاضِي أَمِينَهُ لِلْجَانِي، لِيَقُول لَهُ ذَلِكَ. وَقَدْ قَيَّدَ الْبَعْضُ الإِِْعْلاَمَ، بِأَنْ يَكُونَ مَعَ النَّظَرِ بِوَجْهٍ عَابِسٍ (1) . ب - الإِِْحْضَارُ لِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ: 26 - قَال الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ التَّعْزِيرِ يَكُونُ بِالإِِْعْلاَمِ، وَالذَّهَابِ إِِلَى بَابِ الْقَاضِي، وَالْخِطَابِ بِالْمُوَاجَهَةِ. وَقَال الْبَعْضُ: إِنَّهُ يَكُونُ بِالإِِْعْلاَمِ، وَالْجَرِّ لِبَابِ الْقَاضِي، وَالْخُصُومَةِ فِيمَا نُسِبَ إِِلَى الْجَانِي. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْعُقُوبَةِ وَالإِِْعْلاَمِ الْمُجَرَّدِ: أَنَّ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ يُؤْخَذُ الْجَانِي إِِلَى الْقَاضِي زِيَادَةً عَنِ الإِِْعْلاَمِ، وَذَلِكَ لِيُخَاطِبَهُ فِي الْمُوَاجَهَةِ. __________ (1) الكاساني 7 / 64، والزيلعي 3 / 208، والجوهرة 2 / 254، والفتاوى الهندية 2 / 188، ودرر الحكام 2 / 75. وَبِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: تَتَمَيَّزُ هَذِهِ عَنِ الإِِْعْلاَمِ الْمُجَرَّدِ بِالْخُصُومَةِ فِيمَا نُسِبَ إِِلَى الْجَانِي. وَكَثِيرًا مَا يَلْجَأُ الْقَاضِي لِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أَوْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إِِذَا كَانَ الْجَانِي قَدِ ارْتَكَبَ الْجَرِيمَةَ عَلَى سَبِيل الزَّلَّةِ وَالنُّدُورِ ابْتِدَاءً، إِِذَا كَانَ ذَلِكَ زَاجِرًا، عَلَى شَرِيطَةِ كَوْنِ الْجَرِيمَةِ غَيْرَ جَسِيمَةٍ (1) . ج - التَّوْبِيخُ: مَشْرُوعِيَّةُ التَّوْبِيخِ: 27 - التَّعْزِيرُ بِالتَّوْبِيخِ مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، فَقَدْ رَوَى أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَابَّ رَجُلاً فَعَيَّرَهُ بِأُمِّهِ، فَقَال الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ،، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ (2) . وَقَال الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيُّ الْوَاجِدِ (3) يُحِل عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ (4) . وَقَدْ فُسِّرَ النَّيْل مِنَ الْعِرْضِ __________ (1) يراجع في الإعلام والإحضار عموما: الكاساني 7 / 64، والزيلعي 3 / 208، والجوهرة 2 / 254، ودرر الحكام 2 / 75، وفتح القدير 5 / 113، وابن عابدين 3 / 183 - 184 - 197، والسندي 7 / 663، والفتاوى الهندية 2 / 188، وقاضيخان 2 / 493 - 494. (2) حديث " يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ . . . . " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 84 - ط السلفية) . (3) ليّ الواجد: مطله. (4) حديث " ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته ". أخرجه أحمد (4 / 222 ط الميمنية) وقال ابن حجر في الفتح (5 / 62 ط السلفية) إسناده حسن. بِأَنْ يُقَال لَهُ مَثَلاً: يَا ظَالِمُ، يَا مُعْتَدٍ. وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ التَّعْزِيرِ بِالْقَوْل. وَقَدْ جَاءَ فِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ لاِبْنِ فَرْحُونَ: وَأَمَّا التَّعْزِيرُ بِالْقَوْل فَدَلِيلُهُ مَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَال: اضْرِبُوهُ فَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَمِنَّا الضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ بِإِِسْنَادِهِ: ثُمَّ قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَِصْحَابِهِ بَكِّتُوهُ فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يَقُولُونَ: مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ، مَا خَشِيتَ اللَّهَ، مَا اسْتَحْيَيْتَ مِنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَذَا التَّبْكِيتُ مِنَ التَّعْزِيرِ بِالْقَوْل (1) . وَقَدْ عَزَّرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالتَّوْبِيخِ. فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَنْفَذَ جَيْشًا فَغَنِمُوا غَنَائِمَ، فَلَمَّا رَجَعُوا لَبِسُوا الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ، فَلَمَّا رَآهُمْ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، وَأَعْرَضَ عَنْهُمْ، فَقَالُوا: أَعْرَضْتَ عَنَّا، فَقَال: انْزَعُوا ثِيَابَ أَهْل النَّارِ، فَنَزَعُوا مَا كَانُوا __________ (1) حديث " بكتوه ". وقال في آخره: " ولكن قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ". أخرجه أبو داود (4 / 620 - 621 تحقيق عزت عبيد دعاس) ، وإسناده حسن، والحديث لفظه في نيل الأوطار: عن أبي هريرة قال: " أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب، فقال: اضربوه فقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله قال: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه ال وراجع تبصرة الحكام 2 / 200، وكشاف القناع 4 / 74، والشرح الكبير 4 / 458، والفتاوى 1 / 167، ومغني المحتاج 4 / 192. يَلْبَسُونَ مِنَ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ. وَذَلِكَ فِيهِ تَعْزِيرٌ لَهُمْ بِالإِِْعْرَاضِ عَنْهُمْ، وَفِيهِ تَوْبِيخٌ لَهُمْ (1) . كَيْفِيَّةُ التَّوْبِيخِ: 28 - التَّوْبِيخُ قَدْ يَكُونُ بِإِِعْرَاضِ الْقَاضِي عَنِ الْجَانِي، أَوْ بِالنَّظَرِ لَهُ بِوَجْهٍ عَبُوسٍ، وَقَدْ يَكُونُ بِإِِقَامَةِ الْجَانِي مِنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْكَلاَمِ الْعَنِيفِ، وَيَكُونُ بِزَوَاجِرِ الْكَلاَمِ وَغَايَةِ الاِسْتِخْفَافِ، عَلَى شَرِيطَةِ أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ قَذْفٌ، وَمَنَعَ الْبَعْضُ مَا فِيهِ السَّبُّ أَيْضًا (2) . د - الْهَجْرُ: 29 - الْهَجْرُ مَعْنَاهُ: مُقَاطَعَةُ الْجَانِي، وَالاِمْتِنَاعُ عَنِ الاِتِّصَال بِهِ، أَوْ مُعَامَلَتِهِ بِأَيِّ نَوْعٍ، أَوْ أَيَّةِ طَرِيقَةٍ كَانَتْ. وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي __________ (1) فصول الأستروشني ص 14، والكاساني 7 / 64. (2) يراجع للتوبيخ: الكاساني 7 / 64، والزيلعي 3 / 208، ودرر الحكام 2 / 75، واللباب للميداني 3 / 65، والسندي 7 / 604، وفصول الأستروشني ص 14، والأنقروية 1 / 158، والهندية 2 / 188، وتبصرة الحكام 2 / 200، ونهاية المحتاج 7 / 174، والأحكام السلطانية للماوردي ص 224، وكشاف القناع 4 / 74، والشرح الكبير 4 / 458، والحسبة ص 38، والسياسة الشرعية ص 53. الْمَضَاجِعِ} (1) وَقَدْ هَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ الثَّلاَثَةَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ. وَعَاقَبَ عُمَرُ صَبِيغًا بِالْهَجْرِ لَمَّا نَفَاهُ إِِلَى الْبَصْرَةِ، وَأَمَرَ أَلاَّ يُجَالِسَهُ أَحَدٌ. وَهَذَا مِنْهُ عُقُوبَةٌ بِالْهَجْرِ (2) . الْجَرَائِمُ الَّتِي شُرِعَ فِيهَا التَّعْزِيرُ: 30 - الْجَرَائِمُ الَّتِي شُرِعَ فِيهَا التَّعْزِيرُ قَدْ تَكُونُ مِنْ قَبِيل مَا شُرِعَ فِي جِنْسِهِ عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ مِنْ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ، لَكِنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ لاَ تُطَبَّقُ؛ لِعَدَمِ تَوَافُرِ شَرَائِطِ تَطْبِيقِهَا، وَمِنْهَا مَا فِيهِ عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ لاَ تُطَبَّقُ عَلَيْهَا لِمَانِعٍ، كَوُجُودِ شُبْهَةٍ تَسْتَوْجِبُ دَرْءَ الْحَدِّ، أَوْ عَفْوِ صَاحِبِ الْحَقِّ عَنْ طَلَبِهِ. وَقَدْ تَكُونُ الْجَرَائِمُ التَّعْزِيرِيَّةُ غَيْرَ مَا ذُكِرَ فَيَكُونُ فِيهَا التَّعْزِيرُ أَصْلاً. وَيَدْخُل فِي هَذَا الْقِسْمِ مَا لاَ يَدْخُل فِي سَابِقِهِ مِنْ جَرَائِمَ. وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل ذَلِكَ. الْجَرَائِمُ الَّتِي يُشْرَعُ فِيهَا التَّعْزِيرُ بَدِيلاً عَنِ الْحُدُودِ: جَرَائِمُ الاِعْتِدَاءِ عَلَى النَّفْسِ، وَمَا دُونَهَا: 31 - يَدْخُل فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ: الْكَلاَمُ فِي جَرَائِمِ __________ (1) سورة النساء / 34. (2) يراجع في الهجر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8 / 281 - 288، وأقضية الرسول ص 5، والحسبة ص 40، والسياسة الشرعية ص 53. الاِعْتِدَاءِ عَلَى النَّفْسِ، وَهِيَ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا إِزْهَاقُ الرُّوحِ، وَالْكَلاَمُ فِي جَرَائِمِ الاِعْتِدَاءِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ وَهِيَ الَّتِي تَقَعُ عَلَى الْبَدَنِ دُونَ أَنْ تُؤَدِّيَ لإِِِزْهَاقِ الرُّوحِ: جَرَائِمُ الْقَتْل (الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ) : الْقَتْل الْعَمْدُ: 32 - الْقَتْل الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ مُوجِبُهُ الْقِصَاصُ، وَيَجِبُ لِذَلِكَ تَوَافُرُ شُرُوطٍ، أَهَمُّهَا: كَوْنُ الْقَاتِل قَدْ تَعَمَّدَ تَعَمُّدًا مَحْضًا لَيْسَ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَكَوْنُهُ مُخْتَارًا، وَمُبَاشِرًا لِلْقَتْل، وَأَلاَّ يَكُونَ الْمَقْتُول جُزْءَ الْقَاتِل، وَأَنْ يَكُونَ مَعْصُومَ الدَّمِ مُطْلَقًا. وَفَضْلاً عَنْ ذَلِكَ يَجِبُ لِلْقِصَاصِ: أَنْ يُطْلَبَ مِنْ وَلِيِّ الدَّمِ (1) . فَإِِذَا اخْتَل شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ امْتَنَعَ الْقِصَاصُ، وَفِيهِ التَّعْزِيرُ. وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (قَتْلٌ - قِصَاصٌ) . الْقَتْل شِبْهُ الْعَمْدِ: 33 - قَال الْبُهُوتِيُّ، نَقْلاً عَنِ (الْمُبْدِعِ) : قَدْ يُقَال بِوُجُوبِ التَّعْزِيرِ فِي الْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ؛ لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَتْ لأَِجْل الْفِعْل، بَل بَدَل النَّفْسِ الْفَائِتَةِ، فَأَمَّا نَفْسُ الْفِعْل الْمُحَرَّمِ - الَّذِي هُوَ الْجِنَايَةُ - فَلاَ كَفَّارَةَ فِيهِ. __________ (1) الكاساني 7 / 234. 34 - وَمِنَ الأُْصُول الثَّابِتَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ مَا لاَ قِصَاصَ فِيهِ عِنْدَهُمْ كَالْقَتْل بِالْمُثَقَّل (وَهُوَ الْقَتْل بِمِثْل الْحَجَرِ الْكَبِيرِ أَوِ الْخَشَبَةِ الْعَظِيمَةِ) يَجُوزُ لِلإِِْمَامِ أَنْ يُعَزِّرَ فِيهِ بِمَا يَصِل لِلْقَتْل، إِِذَا تَكَرَّرَ ارْتِكَابُهُ، مَا دَامَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ. وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الأَْصْل قَالُوا بِالتَّعْزِيرِ بِالْقَتْل لِمَنْ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الْخَنْقُ، أَوِ التَّغْرِيقُ، أَوِ الإِِْلْقَاءُ مِنْ مَكَان مُرْتَفِعٍ، إِِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ فَسَادُهُ إِلاَّ بِالْقَتْل (1) . الاِعْتِدَاءُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ: 35 - إِِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ عَمْدًا فَيُشْتَرَطُ لِلْقِصَاصِ فَضْلاً عَنْ شُرُوطِهِ فِي النَّفْسِ: الْمُمَاثَلَةُ، وَإِِمْكَانُ اسْتِيفَاءِ الْمِثْل (2) . وَيَرَى مَالِكٌ التَّعْزِيرَ أَيْضًا فِي الْجِنَايَةِ الْعَمْدَ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، إِِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ، أَوِ امْتَنَعَ لِسَبَبٍ أَوْ لآِخَرَ، فَيَكُونُ فِي الْجَرِيمَةِ التَّعْزِيرُ مَعَ الدِّيَةِ، أَوِ الأَْرْشُ، أَوْ بِدُونِهِ، تَبَعًا لِلأَْحْوَال. وَمِثَال ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ عَلَى عَظْمٍ خَطَرٍ. إِذِ الْعِظَامُ الْخَطِرَةُ لاَ قِصَاصَ فِيهَا عِنْدَهُ، مِثْل عِظَامِ الصُّلْبِ، وَالْفَخِذِ، وَالْعُنُقِ، وَمِثْل الْمُنَقِّلَةِ، وَالْمَأْمُومَةِ، وَيُقَال ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْجَائِفَةِ؛ __________ (1) الكاساني 7 / 234، وابن عابدين 3 / 184 - 185، وكشاف القناع 4 / 73، والسياسة الشرعية ص 55. (2) تبصرة الحكام على هامش فتح العلي المالك 2 / 366 - 367، ومواهب الجليل 6 / 247. لأَِنَّهُ لاَ يُسْتَطَاعُ فِيهَا الْقِصَاصُ (1) ، وَفِي كُل مَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ بِالْجِنَايَةِ مَعَ بَقَائِهِ قَائِمًا فِي الْجِسْمِ، وَبَقَاءِ جَمَالِهِ، فَإِِذَا ضَرَبَهُ عَلَى عَيْنِهِ فَذَهَبَ بَصَرُهَا، وَبَقِيَ جَمَالُهَا فَلاَ قَوَدَ فِيهَا. وَمِثْل ذَلِكَ الْيَدِ إِِذَا شُلَّتْ وَلَمْ تَبِنْ عَنِ الْجِسْمِ، فَفِي هَذِهِ وَمَا يُمَاثِلُهَا يُعَزَّرُ الْجَانِي مَعَ أَخْذِ الْعَقْل مِنْهُ (أَيِ الدِّيَةِ) (2) . وَإِِذَا لَمْ يَتْرُكِ الاِعْتِدَاءُ عَلَى الْجِسْمِ أَثَرًا: فَأَغْلَبُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ التَّعْزِيرَ، لاَ الْقِصَاصَ. وَلَدَى بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ الْقِصَاصُ فِي ضَرْبَةِ السَّوْطِ، وَلَوْ لَمْ يُحْدِثْ جُرْحًا وَلاَ شَجَّةً، مَعَ أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ عِنْدَهُمْ فِي اللَّطْمَةِ، وَضَرْبَةِ الْعَصَا، إِلاَّ إِِذَا خَلَّفَتْ جُرْحًا أَوْ شَجَّةً. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ ضَرْبَةَ السَّوْطِ فِي ذَلِكَ كَاللَّطْمَةِ فِيهِ الأَْدَبُ، وَنَقَل ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ أَشْهَبَ. وَيَرَى ابْنُ الْقَيِّمِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: الْقِصَاصَ فِي اللَّطْمَةِ وَالضَّرْبَةِ (3) . الزِّنَى الَّذِي لاَ حَدَّ فِيهِ، وَمُقَدِّمَاتُهُ: 36 - الزِّنَى إِِذَا تَوَافَرَتِ الشَّرَائِطُ الشَّرْعِيَّةُ لِثُبُوتِهِ __________ (1) مواهب الجليل 6 / 247، والتاج والإكليل على هامشه، والمدونة 16 / 112 (2) مواهب الجليل 6 / 247 - 249. (3) الكاساني 7 / 299، ومعين الحكام ص 177، ومواهب الجليل 6 / 247، وكشاف القناع 4 / 72 - 73، وإعلام الموقعين 2 / 2. فَإِِنَّ فِيهِ حَدَّ الزِّنَى، أَمَّا إِِذَا لَمْ يُطَبَّقِ الْحَدُّ الْمُقَدَّرُ لِوُجُودِ شُبْهَةٍ (1) ، أَوْ لِعَدَمِ تَوَافُرِ شَرِيطَةٍ مِنَ الشَّرَائِطِ الشَّرْعِيَّةِ لِثُبُوتِ الْحَدِّ، فَإِِنَّ الْفِعْل يَكُونُ جَرِيمَةً شُرِعَ الْحُكْمُ فِيهَا - أَوْ فِي جِنْسِهَا - لَكِنَّهُ لَمْ يُطَبَّقْ. وَكُل جَرِيمَةٍ لاَ حَدَّ فِيهَا وَلاَ قِصَاصَ فَفِيهَا التَّعْزِيرُ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: إِِذَا كَانَتْ هُنَاكَ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ، سَوَاءٌ كَانَتْ شُبْهَةَ فِعْلٍ (2) ، أَوْ شُبْهَةَ مِلْكٍ، أَوْ شُبْهَةَ عَقْدٍ، فَإِِنَّ الْحَدَّ لاَ يُطَبَّقُ. لَكِنَّ الْجَانِيَ يُعَزَّرُ؛ لأَِنَّهُ ارْتَكَبَ جَرِيمَةً لَيْسَتْ فِيهَا عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ. وَتُعْرَفُ الشُّبْهَةُ بِأَنَّهَا: مَا يُشْبِهُ الثَّابِتَ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ. أَوْ: هِيَ وُجُودُ الْمُبِيحِ صُورَةً، مَعَ عَدَمِ حُكْمِهِ أَوْ حَقِيقَتِهِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (اشْتِبَاهٌ) . وَإِِذَا كَانَتِ الْمَزْنِيُّ بِهَا مَيِّتَةً فَفِي هَذَا الْفِعْل التَّعْزِيرُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ زِنًى، إِذْ حَيَاةُ الْمَزْنِيِّ بِهَا شَرِيطَةٌ فِي الْحَدِّ. وَإِِذَا لَمْ يَكُنِ الْفِعْل مِنْ رَجُلٍ فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ، __________ (1) درء الحد بالشبهة أساسه حديث " ادرؤوا الحدود بالشبهات، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ". وقد أخذ الجمهور بهذا الحديث في إثبات الشبهة. والحديث المذكور رواه الترمذي قريبا من لفظه، وذكر أنه روي موقوفا، (نيل الأوطار 7 / 110 - 111) . (2) السرخسي 9 / 151، والكاساني 7 / 42 - 45، 235. بَل التَّعْزِيرُ، وَمِنْ ذَلِكَ: الْمُسَاحَقَةُ. وَإِِذَا لَمْ يَكُنِ الْفِعْل فِي قُبُل امْرَأَةٍ فَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى عَدَمِ الْحَدِّ، لَكِنَّ فِيهِ التَّعْزِيرَ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْل فِي الدُّبُرِ. وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ. وَالْقَوْل بِالْقَتْل عَلَى كُل حَالٍ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ زِنًى، وَفِيهِ الْحَدُّ. وَقَال قَوْمٌ: إِنَّ اللِّوَاطَ زِنًى، وَفِيهِ حَدُّ الزِّنَى. وَمِنْ هَؤُلاَءِ: مَالِكٌ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ لَدَى الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ رَأْيُ أَبِي يُوسُفَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ فِيهِ حَدَّ الزِّنَى: وَإِِذَا كَانَ الْفِعْل فِي زَوْجَةِ الْفَاعِل فَلاَ حَدَّ فِيهِ بِالإِِْجْمَاعِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَوْجِبُ التَّعْزِيرَ. وَمِمَّا يَسْتَوْجِبُ التَّعْزِيرَ فِي هَذَا الْمَجَال كُل مَا دُونَ الْوِقَاعِ مِنْ أَفْعَالٍ، كَالْوَطْءِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُسْلِمُ، وَالْكَافِرُ، وَالْمُحْصَنُ، وَغَيْرُهُ. وَمِنْهُ أَيْضًا: إِصَابَةُ كُل مُحَرَّمٍ مِنَ الْمَرْأَةِ غَيْرِ الْجِمَاعِ. وَعِنَاقُ الأَْجْنَبِيَّةِ، أَمْ تَقْبِيلُهَا. وَمِمَّا فِيهِ التَّعْزِيرُ كَذَلِكَ: كَشْفُ الْعَوْرَةِ لآِخَرَ، وَخِدَاعُ النِّسَاءِ، وَالْقَوَادَةُ، وَهِيَ: الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ لِلزِّنَى، وَبَيْنَ الرِّجَال وَالرِّجَال لِلِّوَاطِ (1) . __________ (1) يراجع في التعزير في مجال الزنى وما يتعلق به: السرخسي 9 / 77، 79، 85، 88 و 24 / 36، والكاساني 7 / 34 - 35، وفتح القدير 4 / 142، 147، 4 / 179 - 180، واللباب للميداني 3 / 58 - 59، والجوهرة 148، 150، وشرح الكنز للعيني 1 / 225 - 226، والزيلعي 2 / 245، ومختصر القدوري ص 160، والأشباه والنظائر 1 / 100، والخراج لأبي يوسف ص 66، والفتاوى الهندية 2 / 157، وعدة أرباب الفتوى ص 78، وواقعات المفتين ص 59، والفتاوى الأسعدية 1 / 159، والفتاوى الأنقروية 1 / 159، والمدونة 16 / 52، 13، 58، والماوردي ص 212 - 214، والمغني 10 / 51 - 54، 16. الْقَذْفُ الَّذِي لاَ حَدَّ فِيهِ وَالسَّبُّ: 37 - حَدُّ الْقَذْفِ لاَ يُقَامُ عَلَى الْقَاذِفِ إِلاَّ بِشَرَائِطِهِ، فَإِِذَا انْعَدَمَ وَاحِدٌ مِنْهَا أَوِ اخْتَل فَإِِنَّ الْجَانِيَ لاَ يُحَدُّ. وَيُعَزَّرُ عِنْدَ طَلَبِ الْمَقْذُوفِ؛ لأَِنَّهُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً لاَ حَدَّ فِيهَا. وَمِنْ شُرُوطِ الْقَذْفِ الَّذِي فِيهِ الْحَدُّ: كَوْنُ الْمَقْذُوفِ مُحْصَنًا (1) . فَإِِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلاَ يُحَدُّ الْقَاذِفُ، وَلَكِنْ يُعَزَّرُ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقْذِفَ مَجْنُونًا بِالزِّنَى. أَوْ صَغِيرًا بِالزِّنَى. أَوْ مُسْلِمَةً قَدْ زَنَتْ. أَوْ مُسْلِمًا قَدْ زَنَى، أَوْ مَنْ مَعَهَا أَوْلاَدٌ لاَ يُعْرَفُ لَهُمْ أَبٌ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ الْعِفَّةِ فِي هَذِهِ الثَّلاَثَةِ الأَْخِيرَةِ. وَمِنْهَا كَوْنُ الْمَقْذُوفِ مَعْلُومًا، فَإِِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلاَ حَدَّ، بَل التَّعْزِيرُ؛ لأَِنَّ الْفِعْل مَعْصِيَةٌ لاَ حَدَّ فِيهَا. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ يُعَزَّرُ - وَلاَ يُحَدُّ - مَنْ قَذَفَ بِالزِّنَى جَدَّ آخَرَ دُونَ بَيَانِ الْجَدِّ. أَوْ __________ (1) من شرائط الإحصان في القذف لدى الجمهور: العقل والبلوغ والحرية والإسلام والعفة عن الزنى (الكاساني 7 / 40، والمغني 10 / 202) . أَخَاهُ كَذَلِكَ، وَكَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَخٍ. وَلاَ حَدَّ فِي الْقَذْفِ بِغَيْرِ الصَّرِيحِ، وَمِنْ ذَلِكَ: الْقَذْفُ بِالْكِنَايَةِ، أَوِ التَّعْرِيضِ، فَلَيْسَ فِيهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حَدٌّ، بَل التَّعْزِيرُ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَيَرَى مَالِكٌ: الْحَدَّ فِي الْقَذْفِ بِالتَّعْرِيضِ أَوِ الْكِنَايَةِ. وَالَّذِينَ مَنَعُوا الْحَدَّ قَالُوا بِالتَّعْزِيرِ؛ لأَِنَّ الْفِعْل يَكُونُ جَرِيمَةً لاَ حَدَّ فِيهَا. وَلاَ حَدَّ إِِذَا رَمَاهُ بِأَلْفَاظٍ لاَ تُفِيدُ الزِّنَى صَرَاحَةً. كَقَوْلِهِ: يَا فَاجِرُ، بَل يُعَزَّرُ. وَكَذَلِكَ الشَّأْنُ إِِذَا رَمَاهُ بِمَا لاَ يُعْتَبَرُ زِنًى، كَمَنْ رَمَى آخَرَ بِالتَّخَنُّثِ. وَيُعَزَّرُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَنْ يَرْمِي آخَرَ بِأَنَّهُ يَعْمَل عَمَل قَوْمِ لُوطٍ؛ لأَِنَّ هَذَا الْفِعْل لاَ يُوجِبُ حَدَّ الزِّنَى عِنْدَهُ. أَمَّا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فَإِِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْحَدِّ، وَمِنْ ثَمَّ فَلاَ تَعْزِيرَ فِي ذَلِكَ، بَل فِيهِ حَدُّ الْقَذْفِ عِنْدَ هَؤُلاَءِ. وَمَرَدُّ الْخِلاَفِ: هُوَ فِي أَنَّ اللِّوَاطَ هَل هُوَ زِنًى أَمْ لاَ؟ . فَمَنْ قَالُوا: بِأَنَّهُ زِنًى، جَعَلُوا فِي الْقَذْفِ بِهِ حَدَّ الْقَذْفِ. وَمَنْ قَالُوا: بِغَيْرِ ذَلِكَ، جَعَلُوا فِي الْقَذْفِ بِهِ التَّعْزِيرَ. وَمَنْ قَذَفَ آخَرَ قَذْفًا مُقَيَّدًا بِشَرْطٍ أَوْ أَجَلٍ يُعَزَّرُ وَلاَ يُحَدُّ. وَإِِذَا لَمْ يَكُنِ الْقَوْل قَذْفًا، بَل مُجَرَّدُ سَبٍّ أَوْ شَتْمٍ فَإِِنَّهُ يَكُونُ مَعْصِيَةً لاَ حَدَّ فِيهَا، فَفِيهَا التَّعْزِيرُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: يَا نَصْرَانِيُّ، أَوْ يَا زِنْدِيقُ، أَوْ يَا كَافِرُ، فِي حِينِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ. وَكَذَلِكَ مَنْ قَال لآِخَرَ: يَا مُخَنَّثُ، أَوْ يَا مُنَافِقُ، مَا دَامَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِذَلِكَ. وَيُعَزَّرُ كَذَلِكَ فِي مِثْل: يَا آكِل الرِّبَا، أَوْ يَا شَارِبَ الْخَمْرِ، أَوْ يَا خَائِنُ، أَوْ يَا سَارِقُ، وَكُلُّهُ بِشَرْطِ كَوْنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِمَا نُسِبَ إِلَيْهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ قَال لآِخَرَ: يَا بَلِيدُ، أَوْ يَا قَذِرُ، أَوْ يَا سَفِيهُ، أَوْ يَا ظَالِمُ، أَوْ يَا أَعْوَرُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، أَوْ يَا مُقْعَدُ، وَهُوَ صَحِيحٌ كَذَلِكَ عَلَى سَبِيل الشَّتْمِ. وَعَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ يُعَزَّرُ مَنْ شَتَمَ آخَرَ، مَهْمَا كَانَ الشَّتْمُ؛ لأَِنَّهُ مَعْصِيَةٌ. وَيُرْجَعُ فِي تَحْدِيدِ الْفِعْل الْمُوجِبِ لِلتَّعْزِيرِ إِِلَى الْعُرْفِ، فَإِِذَا لَمْ يَكُنِ الْفِعْل الْمَنْسُوبُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِمَّا يَلْحَقُ بِهِ فِي الْعُرْفِ الْعَارَ وَالأَْذَى وَالشَّيْنَ، فَلاَ عِقَابَ عَلَى الْجَانِي، إِذْ لاَ يَكُونُ ثَمَّةَ جَرِيمَةٌ (1) . __________ (1) يراجع في القذف والسب الذي فيه التعزير: السرخسي 19 / 102، 118، 120 و 14 / 36 - 37، والزيلعي 3 / 208 - 209، والشلبي عليه، والعيني 1 / 234 - 235، والكاساني 7 / 42 - 46، وفتح القدير 4 / 203 - 206، 211 - 214، واللباب 3 / 64، 66، والجامع الصغير ص 69، ومختصر القدوري ص 111، والجوهرة 2 / 253، ودرر الحكام 2 / 96 - 98، والفتاوى الأسعدية 157 - 159، والفتاوى الهندية 2 / 155 - 156، وقاضيخان 3 / 493، والأنقروية 1 / 198 - 159، وكذلك المدونة 16 / 3، 14، 17، 22، 24، 32، 34، 38، وكذلك الماوردي ص 217 - 218، والمغني 10 / 202 - 203، 225. السَّرِقَةُ الَّتِي لاَ حَدَّ فِيهَا: 38 - السَّرِقَةُ مِنْ جَرَائِمِ الْحُدُودِ مَا دَامَتْ قَدِ اسْتَوْفَتْ شُرُوطَهَا الشَّرْعِيَّةَ، وَأَهَمُّهَا: الْخُفْيَةُ. وَكَوْنُ مَوْضُوعِ السَّرِقَةِ مَالاً، مَمْلُوكًا لِغَيْرِ السَّارِقِ، مُحَرَّزًا، نِصَابًا. فَإِِذَا تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْحَدِّ فَلاَ يُقَامُ، وَلَكِنْ يُعَزَّرُ الْفَاعِل؛ لأَِنَّهُ ارْتَكَبَ جَرِيمَةً لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (سَرِقَةٌ) . قَطْعُ الطَّرِيقِ الَّذِي لاَ حَدَّ فِيهِ: 39 - قَطْعُ الطَّرِيقِ كَغَيْرِهِ مِنْ جَرَائِمِ الْحُدُودِ، يَجِبُ لِكَيْ يَكُونَ فِيهِ الْحَدُّ أَنْ تَتَوَافَرَ شُرُوطٌ مُعَيَّنَةٌ، وَإِِلاَّ فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ، وَيُعَزَّرُ الْجَانِي مَا دَامَ قَدِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً لاَ حَدَّ فِيهَا. وَمِنَ الشُّرُوطِ: أَنْ يَكُونَ الْجَانِي بَالِغًا، ذَكَرًا، وَأَنْ يَكُونَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا، وَأَنْ تَكُونَ يَدُهُ عَلَى الْمَال صَحِيحَةً، وَأَنْ لاَ يَكُونَ فِي الْقُطَّاعِ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ لأَِحَدِ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَقْطُوعُ فِيهِ مَالاً مُتَقَوِّمًا مَعْصُومًا مَمْلُوكًا، لاَ مِلْكَ فِيهِ لِلْقَاطِعِ، وَلاَ شُبْهَةَ مِلْكٍ، مُحَرَّزًا، نِصَابًا، وَأَنْ يَكُونَ قَطْعُ الطَّرِيقِ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (حِرَابَةٌ) . الْجَرَائِمُ الَّتِي مُوجِبُهَا الأَْصْلِيُّ التَّعْزِيرُ: بَعْضُ الْجَرَائِمِ الَّتِي تَقَعُ عَلَى آحَادِ النَّاسِ: شَهَادَةُ الزُّورِ: 40 - حُرِّمَ قَوْل الزُّورِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّورِ} (1) وَفِي السُّنَّةِ بِمَا وَرَدَ: أَنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَّ قَوْل الزُّورِ وَشَهَادَةَ الزُّورِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ (2) وَمَا دَامَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ، فَفِيهَا التَّعْزِيرُ (3) . الشَّكْوَى بِغَيْرِ حَقٍّ: 41 - ذَكَرَ صَاحِبُ (تَبْصِرَةُ الْحُكَّامِ) أَنَّ مَنْ قَامَ بِشَكْوَى بِغَيْرِ حَقٍّ يُؤَدَّبُ. وَقَال الْبُهُوتِيُّ: إِنَّهُ إِِذَا ظَهَرَ كَذِبُ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ بِمَا يُؤْذِي بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِِنَّهُ يُعَزَّرُ لِكَذِبِهِ وَإِِيذَائِهِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ (4) . قَتْل حَيَوَانٍ غَيْرِ مُؤْذٍ أَوِ الإِِْضْرَارِ بِهِ: 42 - نَهَى الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ امْرَأَةً دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا، فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُل __________ (1) سورة الحج / 30. (2) حديث " أن الرسول صلى الله عليه وسلم عد قول الزور. . . " أخرجه البخاري (الفتح 5 / 261 - ط السلفية) ، ومسلم (1 / 91 - ط الحلبي) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. (3) السرخسي 16 / 145 - 146، والخراج ص 107، ومختصر القدوري ص 126، والجوهرة 2 / 338، واللباب 3 / 138، والفتاوى الأسعدية 1 / 166. (4) كشاف القناع 4 / 76، وتبصرة الحكام 2 / 370. مِنْ خَشَاشِ (1) الأَْرْضِ (2) فَهَذَا الْفِعْل مَعْصِيَةٌ، فَيُعَزَّرُ الْفَاعِل مَا دَامَ الْفِعْل لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مُقَدَّرٌ. وَمِنَ الأَْمْثِلَةِ عَلَى الْجَرَائِمِ فِي هَذَا الْمَجَال: قَطْعُ ذَنَبِ حَيَوَانٍ، فَقَدْ ذَكَرَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ: مِمَّا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ مَا ذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ فِيمَنْ قَطَعَ ذَنَبَ بِرْذَوْنٍ (3) . انْتِهَاكُ حُرْمَةِ مِلْكِ الْغَيْرِ: 43 - دُخُول بُيُوتِ الْغَيْرِ بِدُونِ إِذْنٍ مَمْنُوعٌ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} (4) وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الأَْصْل قِيل بِتَعْزِيرِ مَنْ يُوجَدُ فِي مَنْزِل آخَرَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَوْ عِلْمِهِ، وَدُونَ أَنْ يَتَّضِحَ سَبَبٌ مَشْرُوعٌ لِهَذَا الدُّخُول (5) . جَرَائِمُ مُضِرَّةٌ بِالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ: 44 - تُوجَدُ جَرَائِمُ مُضِرَّةٌ بِالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ لَيْسَتْ فِيهَا عُقُوبَاتٌ مُقَدَّرَةٌ، وَفِيهَا التَّعْزِيرُ. __________ (1) الخشاش بالكسر: حشرات الأرض، وقد يفتح (المختار) . (2) حديث " دخلت امرأة النار. . . " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 356 - ط السلفية) ، ومسلم (4 / 2110 ط الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (3) الفتاوى الهندية 2 / 169. (4) سورة النور / 27. (5) الفتاوى الأسعدية 1 / 170 - 171. مِنْ هَذِهِ الْجَرَائِمِ: التَّجَسُّسُ لِلْعَدُوِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلاَ تَجَسَّسُوا} (1) ، وَقَوْلُهُ {لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} (2) . وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْجَرِيمَةُ لَيْسَتْ لَهَا عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ فَفِيهَا التَّعْزِيرُ (3) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (تَجَسُّسٌ) . الرِّشْوَةُ: 45 - هِيَ جَرِيمَةٌ مُحَرَّمَةٌ بِالْقُرْآنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} (4) وَهِيَ فِي الْيَهُودِ وَكَانُوا يَأْكُلُونَ السُّحْتَ مِنَ الرِّشْوَةِ. وَهِيَ كَذَلِكَ مُحَرَّمَةٌ بِالسُّنَّةِ لِحَدِيثِ: لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ (5) . وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْجَرِيمَةُ لَيْسَتْ فِيهَا عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ فَفِيهَا التَّعْزِيرُ (6) . __________ (1) سورة الحجرات / 12. (2) سورة الممتحنة / 1. (3) الخراج ص 117، وتبصرة الحكام 2 / 138 - 206، والسياسة الشرعية ص 54، والحسبة ص 40، وكشاف القناع 4 / 76. (4) سورة المائدة / 42. (5) حديث: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي. . . " أخرجه الترمذي (3 / 613 - الحلبي) ، والحاكم (4 / 102 - 103 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (6) السياسة الشرعية ص 19 - 20 - 30، والرائش: هو الواسطة بين الراشي والمرتشي وراجع كذلك في الرشوة: جامع الفصولين 1 / 17 - 18. تَجَاوُزُ الْمُوَظَّفِينَ حُدُودَهُمْ، وَتَقْصِيرُهُمْ: هَذِهِ مَعْصِيَةٌ لَيْسَتْ فِيهَا عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ، وَلَهَا صُوَرٌ مِنْهَا: أ - جَوْرُ الْقَاضِي: 46 - إِِذَا جَارَ الْقَاضِي فِي الْحُكْمِ عَمْدًا يُعَزَّرُ، وَيُعْزَل، وَيَضْمَنُ فِي مَالِهِ؛ لأَِنَّهُ فِيمَا جَارَ لَيْسَ بِقَاضٍ، وَلَكِنَّهُ إِتْلاَفٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَيَكُونُ فِيهِ كَغَيْرِهِ فِي إِيجَابِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ. إِِذَا جَارَ مُخْطِئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غُرْمُ قَضَائِهِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مَعْصُومًا عَنِ الْخَطَأِ (1) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} (2) ب - تَرْكُ الْعَمَل أَوِ الاِمْتِنَاعُ عَمْدًا عَنْ تَأْدِيَةِ الْوَاجِبِ: 47 - كُل عَمَلٍ مِنْ شَأْنِهِ تَعْطِيل الْوَظَائِفِ الْعَامَّةِ أَوْ عَدَمُ انْتِظَامِهَا هُوَ جَرِيمَةٌ تَسْتَوْجِبُ التَّعْزِيرَ، وَالْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ ضَمَانُ حُسْنِ سَيْرِ الْعَمَل، حَتَّى تَقُومَ السُّلْطَةُ بِوَاجِبَاتِهَا عَلَى أَكْمَل وَجْهٍ. وَعَلَى ذَلِكَ: فَيُعَزَّرُ كُل مَنْ تَرَكَ عَمَلَهُ، أَوِ امْتَنَعَ عَنْ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَال الْوَظِيفَةِ قَاصِدًا عَرْقَلَةَ سَيْرِ الْعَمَل، أَوِ الإِِْخْلاَل بِانْتِظَامِهِ، وَيُعَزَّرُ عُمُومًا كُل __________ (1) جامع الفصولين 1 / 16 - 17، واللآلي الدرية على هامشه، والسرخسي 9 / 80. (2) سورة الأحزاب / 5. مَنْ يَتَمَرَّدُ فِي وَظِيفَتِهِ، أَوْ يَسْتَعْمِل الْقُوَّةَ، أَوِ الْعُنْفَ مَعَ رُؤَسَائِهِ، وَيَتْرُكُ عَمَلَهُ. وَمِنْ ذَلِكَ تَعَدِّي أَحَدِ الْمُوَظَّفِينَ الْمَدَنِيِّينَ أَوِ الْعَسْكَرِيِّينَ عَلَى غَيْرِهِ اسْتِغْلاَلاً لِوَظِيفَتِهِ (1) . مُقَاوَمَةُ رِجَال السُّلْطَةِ وَالاِعْتِدَاءُ عَلَيْهِمُ: 48 - التَّعَدِّي عَلَى الْمُوَظَّفِينَ الْعُمُومِيِّينَ وَالْمُكَلَّفِينَ بِخِدْمَةٍ عَامَّةٍ يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ. وَمِنَ الأَْمْثِلَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْمَجَال: إِهَانَةُ الْعُلَمَاءِ أَوْ رِجَال الدَّوْلَةِ بِمَا لاَ يَلِيقُ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِالإِِْشَارَةِ، أَوِ الْقَوْل، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَالتَّعَدِّي عَلَى أَحَدِ الْجُنُودِ بِالْيَدِ، أَوْ تَمْزِيقِ ثِيَابِهِ، أَوْ سَبِّهِ، فَفِيهِ التَّعْزِيرُ، وَالتَّضْمِينُ عَنِ التَّلَفِ. وَمِنْ ذَلِكَ: إِهَانَةُ مَحْكَمَةٍ قَضَائِيَّةٍ، وَكَذَلِكَ جَرَائِمُ الْجِلْسَةِ، فَالْقَاضِي لَهُ فِيهَا التَّعْزِيرُ، وَإِِنْ عَفَا فَحَسَنٌ (2) . هَرَبُ الْمَحْبُوسِينَ وَإِِخْفَاءُ الْجُنَاةِ: 49 - مِنْ ذَلِكَ مَنْ يُؤْوِي مُحَارِبًا، أَوْ سَارِقًا، أَوْ نَحْوَهُمَا، مِمَّنْ عَلَيْهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لآِدَمِيٍّ، وَيُمْنَعُ مِنْ أَنْ يُسْتَوْفَى هَذَا الْحَقُّ. فَقَدْ قِيل: إِنَّهُ شَرِيكٌ فِي جُرْمِهِ وَيُعَزَّرُ، وَيُطْلَبُ إِحْضَارُهُ، أَوِ __________ (1) الفتاوى الأسعدية 1 / 167 - 168. (2) الفتاوى الأسعدية 1 / 166 - 167، 173، والفتاوى الأنقروية 1 / 157، وعدة أرباب الفتوى ص 77، وواقعات المفتين ص 59. الإِِْعْلاَمُ عَنْ مَكَانِهِ، فَإِِنِ امْتَنَعَ يُحْبَسُ، وَيُضْرَبُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، حَتَّى يَسْتَجِيبَ (1) . تَقْلِيدُ الْمَسْكُوكَاتِ الزُّيُوفِ وَالْمُزَوَّرَةِ: 50 - تَقْلِيدُ الْمَسْكُوكَاتِ الَّتِي فِي التَّدَاوُل وَالإِِْعَانَةِ عَلَى صَرْفِ الْعُمْلَةِ الْفَاسِدَةِ وَنَشْرُهَا جَرِيمَةٌ فِيهَا التَّعْزِيرُ. فَفِي (عِدَّةُ أَرْبَابِ الْفَتْوَى) فِي رَجُلٍ يَعْمَل السِّكَّةَ الْمَصْنُوعَةَ رِيَالاً وَذَهَبًا وَرُوبِيَّةً، وَفِي رَجُلٍ يَنْشُرُ هَذِهِ الْمَسْكُوكَاتِ الزَّائِفَةَ وَيُرَوِّجُهَا: أَنَّهُمَا يُعَزَّرَانِ (2) . التَّزْوِيرُ: 51 - فِي هَذِهِ الْجَرِيمَةِ التَّعْزِيرُ، فَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ مَعْنَ بْنَ زِيَادٍ عَمِل خَاتَمًا عَلَى نَقْشِ خَاتَمِ بَيْتِ الْمَال فَأَخَذَ مَالاً، فَضَرَبَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَحَبَسَهُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ مِائَةً أُخْرَى، ثُمَّ ثَالِثَةً، ثُمَّ نَفَاهُ. وَمِنْ مُوجِبَاتِ التَّعْزِيرِ: كِتَابَةُ الْخُطُوطِ وَالصُّكُوكِ بِالتَّزْوِيرِ (3) . الْبَيْعُ بِأَكْثَرَ مِنَ السِّعْرِ الْجَبْرِيِّ: 52 - قَدْ تَدْعُو الْحَال لِتَسْعِيرِ الْحَاجِيَّاتِ، فَإِِنْ كَانَ ذَلِكَ: فَالْبَيْعُ بِأَكْثَرَ مِنَ السِّعْرِ الْمُحَدَّدِ فِيهِ __________ (1) السياسة الشرعية ص 40 وما بعدها. (2) عدة أرباب الفتوى ص 81 - 82، والفتاوى الأسعدية 1 / 157 - 158. (3) الفتاوى الهندية 2 / 190، والمغني 10 / 348. التَّعْزِيرُ. وَمِنْ ذَلِكَ: الاِمْتِنَاعُ عَنِ الْبَيْعِ، فَفِيهِ الأَْمْرُ بِالْوَاجِبِ وَالْعِقَابِ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ. وَمِنْ ذَلِكَ: احْتِكَارُ الْحَاجَاتِ لِلتَّحَكُّمِ فِي السِّعْرِ (1) لِحَدِيثِ: لاَ يَحْتَكِرُ إِلاَّ خَاطِئٌ (2) . الْغِشُّ فِي الْمَكَايِيل وَالْمَوَازِينِ: 53 - يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: {أَوْفُوا الْكَيْل وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} (3) . وَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا (4) وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: فَالْغِشُّ فِي الْكَيْل وَالْوَزْنِ مَعْصِيَةٌ، وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ، فَفِيهَا التَّعْزِيرُ. الْمُشْتَبَهُ فِيهِمْ: 54 - قَدْ يَكُونُ التَّعْزِيرُ لاَ لاِرْتِكَابِ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ، وَلَكِنْ لِحَالَةِ الْجَانِي الْخَطِرَةِ، وَقَدْ قَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِتَعْزِيرِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالسَّرِقَةِ، وَلَوْ لَمْ يَرْتَكِبْ سَرِقَةً جَدِيدَةً، وَمَنْ يُعْرَفُ أَوْ يُتَّهَمُ بِارْتِكَابِ __________ (1) الفتاوى الأنقروية 1 / 159، والحسبة في الإسلام ص 24، 28. (2) حديث " لا يحتكر إلا خاطئ " أخرجه أحمد (3 / 453 ط الميمنية) ، ومسلم (3 / 1227 - ط الحلبي) من حديث معمر بن عبد الله العدوي رضي الله عنه، ولفظ مسلم: " من احتكر فهو خاطئ ". (3) سورة الشعراء / 181 - 182. (4) حديث: " من غشنا فليس منا " أخرجه مسلم (1 / 99 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. جَرَائِمَ ضِدِّ النَّفْسِ، كَالْقَتْل وَالضَّرْبِ وَالْجَرْحِ (1) . سُقُوطُ التَّعْزِيرِ: 55 - تَسْقُطُ الْعُقُوبَةُ التَّعْزِيرِيَّةُ بِأَسْبَابٍ، مِنْهَا: مَوْتُ الْجَانِي، وَالْعَفْوُ عَنْهُ، وَتَوْبَتُهُ. أ - سُقُوطُ التَّعْزِيرِ بِالْمَوْتِ: 56 - إِِذَا كَانَتِ الْعُقُوبَةُ بَدَنِيَّةً أَوْ مُقَيِّدَةً لِلْحُرِّيَّةِ فَإِِنَّ مَوْتَ الْجَانِي مُسْقِطٌ لَهَا بَدَاهَةً؛ لأَِنَّ الْعُقُوبَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِشَخْصِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ: الْهَجْرُ، وَالتَّوْبِيخُ، وَالْحَبْسُ، وَالضَّرْبُ. أَمَّا إِِذَا لَمْ تَكُنِ الْعُقُوبَةُ مُتَعَلِّقَةً بِشَخْصِ الْجَانِي بَل كَانَتْ مُنَصَّبَةً عَلَى مَالِهِ، كَالْغَرَامَةِ وَالْمُصَادَرَةِ، فَمَوْتُ الْجَانِي بَعْدَ الْحُكْمِ لاَ يُسْقِطُهَا؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ التَّنْفِيذُ بِهَا عَلَى الْمَال، وَهِيَ تَصِيرُ بِالْحُكْمِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، وَتَتَعَلَّقُ تَبَعًا لِذَلِكَ بِتَرِكَةِ الْجَانِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ. ب - سُقُوطُ التَّعْزِيرِ بِالْعَفْوِ: 57 - الْعَفْوُ جَائِزٌ فِي التَّعْزِيرِ إِِذَا كَانَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، لِقَوْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَجَافُوا عَنْ عُقُوبَةِ __________ (1) السرخسي 23 / 36، وحاشية الشرنبلالي على الدرر 2 / 81، والفتاوى الهندية 2 / 189 - 190، وعدة أرباب الفتوى ص 80 - 81. ذَوِي الْمُرُوءَةِ إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ (1) وَقَوْلُهُ: أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ (2) وَقَوْلُهُ فِي الأَْنْصَارِ: اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ (3) ، وَقَوْلُهُ لِرَجُلٍ - قَال لَهُ: إِنِّي لَقِيتُ امْرَأَةً فَأَصَبْتُ مِنْهَا دُونَ أَنْ أَطَأَهَا -: أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟ فَرَدَّ عَلَيْهِ بِنَعَمْ، فَتَلاَ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (4) (5) فَالإِِْمَامُ لَهُ الْعَفْوُ. وَقِيل: إِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْعَفْوُ إِِذَا تَعَلَّقَ التَّعْزِيرُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي تَارِكِ الصَّلاَةِ. وَقَال الإِِْصْطَخْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ: وَمَنْ طَعَنَ عَلَى أَحَدِ الصَّحَابَةِ، وَجَبَ عَلَى السُّلْطَانِ تَأْدِيبُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ. وَقَال الْبَعْضُ: إِنَّ مَا كَانَ مِنَ __________ (1) حديث: " تجافوا عن عقوبة. . . " أخرجه الطبراني في المعجم الصغير عن زيد بن ثابت رضي الله عنه مرفوعا. قال الهيثمي: في سنده محمد بن كثير بن مروان الفهري. وهو ضعيف (مجمع الزوائد 6 / 282 ط القدسي) . (2) حديث: " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود. . . " أخرجه أحمد (6 / 181 ط الميمنية) من حديث عائشة رضي الله عنها. وقال عبد الحق: ذكره ابن عدي في باب واصل بن عبد الرحمن الرقاشي ولم يذكر علة. قال الحافظ: وواصل هو أبو حرة ضعيف. وفي إسناد ابن حبان: أبو بكر بن نافع، وقد نص أبو زرعة على ضعفه في هذا الحديث (نيل الأوطار 7 / 143 - 144) . (3) حديث: " اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم. . . " تقدم تخريجه ف / 10. (4) سورة هود / 114. (5) حديث: " أصليت معنا؟ " تقدم تخريجه ف / 10. التَّعْزِيرِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ كَوَطْءِ جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، أَوْ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ، يَجِبُ امْتِثَال الأَْمْرِ فِيهِ، فَهُنَا لاَ يَجُوزُ الْعَفْوُ عِنْدَهُمْ، بَل يَجِبُ التَّعْزِيرُ، لاِمْتِنَاعِ تَطْبِيقِ الْحَدِّ. وَقَال الْبَعْضُ: إِنَّ الْعَفْوَ يَكُونُ لِمَنْ كَانَتْ مِنْهُ الْفَلْتَةُ وَالزَّلَّةُ، وَفِي أَهْل الشَّرَفِ وَالْعَفَافِ، وَعَلَى ذَلِكَ: فَشَخْصُ الْجَانِي لَهُ اعْتِبَارٌ فِي الْعَفْوِ. وَإِِذَا كَانَ التَّعْزِيرُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ فَقَدْ قِيل كَذَلِكَ: إِنَّ لِوَلِيِّ الأَْمْرِ تَرْكَهُ، وَالْعَفْوَ عَنْهُ، حَتَّى وَلَوْ طَلَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ فِيهِ، شَأْنُهُ فِي ذَلِكَ شَأْنُ التَّعْزِيرِ الَّذِي هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيل: لاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ عِنْدَ طَلَبِهِ، مِثْل الْقِصَاصِ، فَلَيْسَ لِوَلِيِّ الأَْمْرِ هُنَا تَرْكُهُ بِعَفْوٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ أَغْلَبُ الْفُقَهَاءِ. وَإِِذَا عَفَا وَلِيُّ الأَْمْرِ عَنِ التَّعْزِيرِ فِيمَا يَمَسُّ الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ، وَكَانَ قَدْ تَعَلَّقَ بِالتَّعْزِيرِ حَقُّ آدَمِيٍّ كَالشَّتْمِ، فَلاَ يَسْقُطُ حَقُّ الآْدَمِيِّ، فَعَلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ الاِسْتِيفَاءُ؛ لأَِنَّ الإِِْمَامَ لَيْسَ لَهُ - عَلَى الرَّاجِحِ - الْعَفْوُ عَنْ حَقِّ الْفَرْدِ. وَإِِذَا عَفَا الآْدَمِيُّ عَنْ حَقِّهِ فَإِِنَّ عَفْوَهُ يَجُوزُ، وَلَكِنْ لاَ يَمَسُّ هَذَا حَقَّ السُّلْطَةِ. وَقَدْ فَرَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي هَذَا الْمَجَال بَيْنَ حَالَتَيْنِ: أ - إِِذَا حَصَل عَفْوُ الآْدَمِيِّ قَبْل التَّرَافُعِ، فَلِوَلِيِّ الأَْمْرِ الْخِيَارُ بَيْنَ التَّعْزِيرِ أَوِ الْعَفْوِ. ب - وَإِِذَا حَصَل بَعْدَ التَّرَافُعِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْعِقَابِ عَنْ حَقِّ السُّلْطَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: الأَْوَّل: فِي قَوْل أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ يَسْقُطُ بِالْعَفْوِ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الأَْمْرِ أَنْ يُعَزِّرَ فِيهِ، لأَِنَّ حَدَّ الْقَذْفِ أَغْلَظُ وَيَسْقُطُ حُكْمُهُ بِالْعَفْوِ، فَكَانَ حُكْمُ التَّعْزِيرِ لِحَقِّ السُّلْطَةِ أَوْلَى بِالسُّقُوطِ. وَالثَّانِي - وَهُوَ الأَْظْهَرُ - أَنَّ لِوَلِيِّ الأَْمْرِ أَنْ يُعَزِّرَ فِيهِ مَعَ الْعَفْوِ قَبْل التَّرَافُعِ إِلَيْهِ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ التَّرَافُعِ مُخَالَفَةً لِلْعَفْوِ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ لأَِنَّ التَّقْوِيمَ مِنَ الْحُقُوقِ الْعَامَّةِ (1) . سُقُوطُ التَّعْزِيرِ بِالتَّوْبَةِ: 58 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ التَّوْبَةِ فِي التَّعْزِيرِ: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لاَ تَسْقُطُ الْعُقُوبَةُ بِالتَّوْبَةِ؛ لأَِنَّهَا كَفَّارَةٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ. وَعِنْدَ هَؤُلاَءِ فِي تَعْلِيل ذَلِكَ: عُمُومُ أَدِلَّةِ الْعُقُوبَةِ بِلاَ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ تَائِبٍ وَغَيْرِهِ عَدَا الْمُحَارِبَةَ. وَفَضْلاً عَنْ ذَلِكَ فَجَعْل التَّوْبَةِ ذَاتَ أَثَرٍ فِي إِسْقَاطِ الْعُقُوبَةِ يَجْعَل لِكُلٍّ ادِّعَاءَهَا، لِلإِِْفْلاَتِ مِنَ الْعِقَابِ. وَعِنْدَ فَرِيقٍ آخَرَ، مِنْهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: __________ (1) يراجع في العفو: فصول الأستروشني ص 3، وابن عابدين 3 / 188، ومواهب الجليل 6 / 320، وتبصرة الحكام 2 / 369، وأسنى المطالب 4 / 162 - 163، ونهاية المحتاج 7 / 175، والماوردي ص 225، وكشاف القناع 4 / 74، والمغني 10 / 349، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 266. أَنَّ التَّوْبَةَ قَبْل الْقُدْرَةِ تُسْقِطُ الْعُقُوبَةَ قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْمُحَارَبَةِ، اسْتِنَادًا إِِلَى مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ. فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاَةَ قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُل، فَأَعَادَ قَوْلَهُ، فَقَال: أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْت مَعَنَا؟ قَال نَعَمْ. قَال: فَإِِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَانِيَ غُفِرَ لَهُ لَمَّا تَابَ. وَفَضْلاً عَنْ ذَلِكَ فَإِِنَّهُ إِِذَا جَازَتِ التَّوْبَةُ فِي الْمُحَارَبَةِ مَعَ شِدَّةِ ضَرَرِهَا وَتَعَدِّيهِ، فَأَوْلَى التَّوْبَةُ فِيمَا دُونَهَا. وَهَؤُلاَءِ يَقْصُرُونَ السُّقُوطَ بِالتَّوْبَةِ عَلَى مَا فِيهِ اعْتِدَاءٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ، بِخِلاَفِ مَا يَمَسُّ الأَْفْرَادَ. وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمِ: إِنَّ التَّوْبَةَ تَدْفَعُ الْعُقُوبَةَ فِي التَّعْزِيرِ وَغَيْرِهِ، كَمَا تَدْفَعُهَا فِي الْمُحَارَبَةِ، بَل إِنَّ ذَلِكَ أَوْلَى مِنَ الْمُحَارَبَةِ، لِشِدَّةِ ضَرَرِهَا، وَهَذَا يُعْتَبَرُ مَسْلَكًا وَسَطًا بَيْنَ مَنْ يَقُول: بِعَدَمِ جَوَازِ إِقَامَةِ الْعُقُوبَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَلْبَتَّةَ. وَبَيْنَ مَسْلَكِ مَنْ يَقُول: إِنَّهُ لاَ أَثَرَ لِلتَّوْبَةِ فِي إِسْقَاطِ الْعُقُوبَةِ أَلْبَتَّةَ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ: أَنَّ التَّعْزِيرَ الْوَاجِبَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، إِلاَّ إِِذَا اخْتَارَ الْجَانِي الْعُقُوبَةَ لِيُطَهِّرَ بِهَا نَفْسَهُ، فَالتَّوْبَةُ تُسْقِطُ التَّعْزِيرَ، عَلَى شَرِيطَةِ أَلاَّ يَطْلُبَ الْجَانِي إِقَامَتَهُ، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِحُقُوقِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل جَعَل تَوْبَةَ الْكُفَّارِ سَبَبًا لِغُفْرَانِ مَا سَلَفَ (1) وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} (2) وَأَنَّ السُّنَّةَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، فَفِي الْحَدِيثِ: التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ (3) . __________ (1) يراجع في التوبة في التعزير: الكاساني 7 / 96، والأستروشني ص 3 - 4، ومواهب الجليل 6 / 316 - 317، والتاج والإكليل على هامشه، وبداية المجتهد 2 / 382، وحاشية الرهوني على شرح الزرقاني 8 / 152 - 153، وأسنى المطالب 4 / 155 - 156، ونهاية المحتاج 8 / 6، والمغني 10 / 316 - 317، وإعلام الموقعين 2 / 197 - 198. (2) سورة الأنفال / 38. (3) حديث: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له. . . " أخرجه ابن ماجه (2 / 1420 ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وحسنه ابن حجر لشواهده. كما في المقاصد الحسنة للسخاوي (ص 152 ط الخانجي) . |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - التَّعْزِيَةُ لُغَةً: مَصْدَرُ عَزَّى: إِِذَا صَبَّرَ الْمُصَابَ وَوَاسَاهُ وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَقَال الشِّرْبِينِيُّ: هِيَ الأَْمْرُ بِالصَّبْرِ وَالْحَمْل عَلَيْهِ بِوَعْدِ الأَْجْرِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الْوِزْرِ، وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بِالْمَغْفِرَةِ، وَلِلْمُصَابِ بِجَبْرِ الْمُصِيبَةِ (1) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: 2 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اسْتِحْبَابِ التَّعْزِيَةِ لِمَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ (2) . وَالأَْصْل فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا: خَبَرُ: مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْل أَجْرِهِ (3) . وَخَبَرِ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إِلاَّ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَل الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (4) . كَيْفِيَّةُ التَّعْزِيَةِ وَلِمَنْ تَكُونُ: 3 - يُعَزَّى أَهْل الْمُصِيبَةِ، كِبَارُهُمْ وَصِغَارُهُمْ، ذُكُورُهُمْ وَإِِنَاثُهُمْ، إِلاَّ الصَّبِيُّ الَّذِي لاَ يَعْقِل، وَالشَّابَّةُ مِنَ النِّسَاءِ، فَلاَ يُعَزِّيهَا إِلاَّ النِّسَاءُ وَمَحَارِمُهَا، خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ. وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ: تُسْتَحَبُّ التَّعْزِيَةُ لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يُفْتِنَّ. وَقَال الدَّرْدِيرُ: وَنُدِبَ تَعْزِيَةٌ لأَِهْل الْمَيِّتِ إِلاَّ مَخْشِيَّةَ الْفِتْنَةِ (5) . مُدَّةُ التَّعْزِيَةِ: 4 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: عَلَى أَنَّ مُدَّةَ التَّعْزِيَةِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِإِِذْنِ الشَّارِعِ فِي الإِِْحْدَادِ فِي الثَّلاَثِ فَقَطْ، بِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ يَحِل لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ تَحُدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (6) وَتُكْرَهُ بَعْدَهَا؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا سُكُونُ قَلْبِ الْمُصَابِ، وَالْغَالِبُ سُكُونُهُ بَعْدَ الثَّلاَثَةِ، فَلاَ يُجَدَّدُ لَهُ الْحُزْنُ بِالتَّعْزِيَةِ، إِلاَّ إِِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا (الْمُعَزَّى أَوِ الْمُعَزِّي) غَائِبًا، فَلَمْ يَحْضُرْ إِلاَّ بَعْدَ الثَّلاَثَةِ، فَإِِنَّهُ يُعَزِّيهِ بَعْدَ الثَّلاَثَةِ. وَحَكَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجْهًا وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لاَ أَمَدَ لِلتَّعْزِيَةِ، بَل تَبْقَى بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ؛ لأَِنَّ الْغَرَضَ الدُّعَاءُ، وَالْحَمْل عَلَى الصَّبْرِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْجَزَعِ، وَذَلِكَ يَحْصُل عَلَى طُول الزَّمَانِ. وَقْتُ التَّعْزِيَةِ: 5 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِِلَى أَنَّ الأَْفْضَل فِي التَّعْزِيَةِ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الدَّفْنِ؛ لأَِنَّ أَهْل الْمَيِّتِ قَبْل الدَّفْنِ مَشْغُولُونَ بِتَجْهِيزِهِ؛ وَلأَِنَّ وَحْشَتَهُمْ بَعْدَ دَفْنِهِ لِفِرَاقِهِ أَكْثَرُ، فَكَانَ ذَلِكَ الْوَقْتُ أَوْلَى بِالتَّعْزِيَةِ. وَقَال جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ: إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ مِنْ أَهْل الْمَيِّتِ شِدَّةُ جَزَعٍ قَبْل الدَّفْنِ، فَتُعَجَّل التَّعْزِيَةُ، لِيَذْهَبَ جَزَعُهُمْ أَوْ يَخِفَّ. وَحُكِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ: أَنَّهُ تُكْرَهُ التَّعْزِيَةُ بَعْدَ الدَّفْنِ (7) . مَكَانُ التَّعْزِيَةِ: 6 - كَرِهَ الْفُقَهَاءُ الْجُلُوسَ لِلتَّعْزِيَةِ فِي الْمَسْجِدِ. وَكَرِهَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الْجُلُوسَ لِلتَّعْزِيَةِ، بِأَنْ يَجْتَمِعَ أَهْل الْمَيِّتِ فِي مَكَان لِيَأْتِيَ إِلَيْهِمُ النَّاسُ لِلتَّعْزِيَةِ؛ لأَِنَّهُ مُحْدَثٌ وَهُوَ بِدْعَةٌ؛ وَلأَِنَّهُ يُجَدِّدُ الْحُزْنَ. وَوَافَقَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ الْجُلُوسِ لِلتَّعْزِيَةِ عَلَى بَابِ الدَّارِ، إِِذَا اشْتَمَل عَلَى ارْتِكَابِ مَحْظُورٍ، كَفَرْشِ الْبُسُطِ وَالأَْطْعِمَةِ مِنْ أَهْل الْمَيِّتِ. وَنَقَل الطَّحْطَاوِيُّ عَنْ شَرْحِ السَّيِّدِ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالْجُلُوسِ لَهَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ مَحْظُورٍ (8) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِِلَى أَنَّ الأَْفْضَل كَوْنُ التَّعْزِيَةِ فِي بَيْتِ الْمُصَابِ (9) . وَقَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّمَا الْمَكْرُوهُ الْبَيْتُوتَةُ عِنْدَ أَهْل الْمَيِّتِ، وَأَنْ يَجْلِسَ إِلَيْهِمْ مَنْ عَزَّى مَرَّةً، أَوْ يَسْتَدِيمَ الْمُعَزِّي الْجُلُوسَ زِيَادَةً كَثِيرَةً عَلَى قَدْرِ التَّعْزِيَةِ (10) . صِيغَةُ التَّعْزِيَةِ: 7 - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِي التَّعْزِيَةِ شَيْئًا مَحْدُودًا، إِلاَّ مَا رُوِيَ أَنَّ الإِِْمَامَ أَحْمَدَ قَال: يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَزَّى رَجُلاً فَقَال: رَحِمَكَ اللَّهُ وَآجَرَكَ (11) . وَعَزَّى أَحْمَدُ أَبَا طَالِبٍ (أَحَدَ أَصْحَابِهِ) فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَال: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكُمْ وَأَحْسَنَ عَزَاءَكُمْ. وَقَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِِذَا عَزَّى مُسْلِمًا بِمُسْلِمٍ قَال: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَن عَزَاك، وَرَحِمَ اللَّهُ مَيِّتَكَ. وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ أَهْل الْعِلْمِ: أَنْ يَقُول مَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَال: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَجَاءَتِ التَّعْزِيَةُ، سَمِعُوا قَائِلاً يَقُول: إِنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُل مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُل هَالِكٍ، وَدَرْكًا مِنْ كُل مَا فَاتَ، فَبِاللَّهِ فَثِقُوا، وَإِِيَّاهُ فَارْجُوا، فَإِِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ (12) . وَهَل يُعَزَّى الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ أَوِ الْعَكْسُ؟ 8 - ذَهَبَ الأَْئِمَّةُ: الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: إِِلَى أَنَّهُ يُعَزَّى الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ، وَبِالْعَكْسِ، وَالْكَافِرُ غَيْرُ الْحَرْبِيِّ. وَذَهَبَ الإِِْمَامُ مَالِكٌ: إِِلَى أَنَّهُ لاَ يُعَزَّى الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ عَزَّى مُسْلِمًا بِكَافِرٍ قَال: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ (13) . صُنْعُ الطَّعَامِ لأَِهْل الْمَيِّتِ: 9 - يُسَنُّ لِجِيرَانِ أَهْل الْمَيِّتِ أَنْ يَصْنَعُوا طَعَامًا لَهُمْ، لِقَوْلِهِ ﷺ: اصْنَعُوا لأَِهْل جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَإِِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ (14) . وَيُكْرَهُ أَنْ يَصْنَعَ أَهْل الْمَيِّتِ طَعَامًا لِلنَّاسِ، لأَِنَّ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى مُصِيبَتِهِمْ، وَشُغْلاً عَلَى شُغْلِهِمْ، وَتَشَبُّهًا بِأَهْل الْجَاهِلِيَّةِ، لِخَبَرِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنَّا نَعُدُّ الاِجْتِمَاعَ إِِلَى أَهْل الْمَيِّتِ، وَصَنِيعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ النِّيَاحَةِ (15) . __________ (1) أسنى المطالب 1 / 334، ومغني المحتاج 1 / 355، وحاشية الدسوقي 1 / 419، وحاشية ابن عابدين 1 / 603. (2) المصادر السابقة، والمغني لابن قدامة 2 / 543. (3) حديث: " من عزى مصابا فله مثل أجره " أخرجه الترمذي (3 / 376 ط الحلبي) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا، وضعفه ابن حجر في التلخيص (2 / 138 ط شركة الطباعة الفنية) . (4) خبر " ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله. . . " أخرجه الخطيب في تاريخه (7 / 397 ط مطبعة السعادة) وفي إسناده جهالة. (5) مغني المحتاج 1 / 354، 355، والمغني 2 / 543 - 545، وحاشية الدسوقي 1 / 419، 603، وحاشية ابن عابدين 1 / 603 - 604. (6) حديث " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 146 ط السلفية) من حديث أم حبيبة رضي الله عنها. (7) المجموع 5 / 306. (8) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 339. (9) الدسوقي 1 / 419. (10) كشاف القناع 2 / 160. (11) الأثر عن الإمام أحمد. رواه أبو داود في مسائل الإمام أحمد ص 138 - 139 نشر دار المعرفة. (12) أثر: " لما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية. . . " أخرجه الشافعي في مسنده (1 / 216 نشر دار الكتب العلمية) ، وانظر المغني 2 / 544. (13) مغني المحتاج 1 / 355، وابن عابدين 1 / 603، والمغني 1 / 544 - 545، وحاشية الدسوقي 1 / 419. (14) حديث: " اصنعوا لأهل جعفر طعاما. . . " أخرجه الترمذي (3 / 314 ط الحلبي) من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما، وحسنه الترمذي. (15) خبر جرير بن عبد الله: " كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت. . . " أخرجه أحمد (2 / 204 ط الميمنية) . وصححه النووي في المجموع (5 / 320 ط المنيرية) . وانظر ابن عابدين 1 / 603، ومغني المحتاج 1 / 368، والمغني لأبن قدامة 2 / 550. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
6 - التعزية
* تسن تعزية المصاب بالميت قبل الدفن أو بعده، فيقال لمصاب بميت مسلم: ((إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب)). متفق عليه (¬1). ويدعو للميت والمصاب بقوله: ((اللهم اغفر لأبي فلان، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه)). أخرجه مسلم (¬2). * تسن تعزية أهل الميت ولا حد لها، ويعزيهم بما يظن أنه يسليهم، ويكف من حزنهم، ويحملهم على الصبر والرضا في حدود الشرع، ويدعو للميت والمصاب. * تجوز التعزية في كل مكان: في المقبرة، والسوق، والمصلى، والمسجد، والبيت، ويجوز أن يجتمع أهل الميت في بيت أو مكان فيقصدهم من أراد التعزية، ويعزيهم ثم ينصرف. * لا يجوز لأهل الميت تخصيص لباس معين للتعزية كالأسود مثلاً؛ لما فيه من التسخط على قضاء الله وقدره. * تجوز تعزية الكفار من غير دعاء لميتهم إن كانوا ممن لا يظهر العداء للإسلام والمسلمين. * يسن أن يصنع لأهل الميت طعام ويبعث به إليهم، ويكره لأهل الميت صنع طعام للناس واجتماعهم عليه. * يجوز البكاء على الميت إن لم يكن معه ندب أو نياحة، ويحرم شق الثوب، ولطم الخد، ورفع الصوت ونحوه، والميت يعذب- أي يتألم ويتكدر- في قبره إذا نيح عليه بوصية منه. 1 - عن عبدالله بن جعفر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: ((لا تبكوا على أخي بعد اليوم))، ثم قال: ((ادعوا لي بني أخي)) فجيء بنا كأنّا أفرخٌ فقال: ((ادعوا لي الحلاق)) فأمره فحلق رؤوسنا. أخرجه أبو داود والنسائي (¬3). 2 - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الميت يعذب في قبره بما نيح عليه)). متفق عليه (¬4). ¬_________ (¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (7377)، واللفظ له، ومسلم برقم (923). (¬2) أخرجه مسلم برقم (920). (¬3) صحيح / أخرجه أبو داود برقم (4192)، وهذا لفظه، صحيح سنن أبي داود رقم (3532). وأخرجه النسائي برقم (5227)، صحيح سنن النسائي رقم (4823). (¬4) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (1292)، واللفظ له، ومسلم برقم (927). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
|
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
التعزير والردة والأيمان والنذور
• * العقوبة على المعاصي ثلاثة أنواع:. • * حكمة مشروعيته:. • * حكم التعزير:. • * أقسام التعزير:. • * كيفية التعزير:. • * كفارة من قَبَّل امرأة لا تحل له وجاء نادماً:. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
التعزير والردة والأيمان والنذور
• * العقوبة على المعاصي ثلاثة أنواع:. • * حكمة مشروعيته:. • * حكم التعزير:. • * أقسام التعزير:. • * كيفية التعزير:. • * كفارة من قَبَّل امرأة لا تحل له وجاء نادماً:. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* حكم التعزير:
واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، سواء كانت فعلاً للمحرمات، أو تركاً للواجبات، كاستمتاع لا حد فيه، وسرقة لا قطع فيها، وجناية لا قود فيها، وإتيان المرأة المرأة، والقذف بغير الزنى ونحوها. ومن ارتكب معصية لا حد فيها ثم جاء تائباً نادماً فإنه لا يعزر. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* أقسام التعزير:
1 - تعزير على التأديب والتربية: كتأديب الوالد لولده، والزوج لزوجته، والسيد لخادمه، في غير معصية، فهذا لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تجلدوا فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله)). متفق عليه (¬1). 2 - تعزير على المعاصي: فهذا تجوز فيه الزيادة للحاكم بحسب المصلحة والحاجة، وحجم المعصية، وكثرتها وقلتها، وليس لها حد معين، لكن إن كانت المعصية في عقوبتها مقدرة من الشارع كالزنى والسرقة ونحوها، فلا يبلغ بالتعزير الحد المقدر. ¬_________ (¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (6850)، واللفظ له، ومسلم برقم (1708). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* كيفية التعزير:
التعزير مجموعة من العقوبات تبدأ بالنصح والوعظ، والهجر، والتوبيخ، والتهديد، والإنذار، والعزل عن الولاية، وتنتهي بأشد العقوبات كالحبس والجلد، وقد تصل إلى القتل تعزيراً إذا اقتضت المصلحة العامة كقتل الجاسوس، والمبتدع، وصاحب الجرائم الخطيرة. وقد يكون التعزير بالتشهير، أو الغرامة المالية، أو النفي. * عقوبة التعزير غير مقدرة، وللحاكم اختيار العقوبة التي تلائم الجاني كما سبق بشرط أن لا تخرج عما أمر الله به، أو نهى الله عنه، وذلك يختلف باختلاف الأماكن، والأزمان، والأشخاص، والمعاصي، والأحوال. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
8 - التعزية
- التعزية: هي ترغيب أهل الميت بالصبر احتساباً للأجر، والدعاء للميت والمصاب. - حكم التعزية: 1 - يسن للمسلم تعزية أهل الميت بما يسليهم، ويكف من حزنهم بذكر الآيات والأحاديث التي تحملهم على الصبر والرضا بما قدر الله، واحتساب الأجر. 2 - تجوز تعزية الكفار من غير دعاء لميتهم إن كانوا ممن لا يظهر العداء للإسلام والمسلمين، ويدعو لهم بالهداية، ويرغبهم في الإسلام. - مكان التعزية: 1 - تسن تعزية أهل الميت وأقاربه في أي مكان: في المصلى، والمسجد، والمقبرة، والبيت، والسوق. 2 - يجوز أن يجتمع أهل الميت في بيت أو مكان فيقصدهم من أراد التعزية، ثم يعزيهم وينصرف. - وقت التعزية: تسن تعزية أهل الميت قبل الدفن أو بعده. والتعزية ليس لها حد ولا أيام محدودة، فمتى علم بالميت، ورأى الفائدة في التعزية أتى بها. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
4 - حكم التعزير
- التعزير: هو التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا قصاص ولا كفارة. فالتعزير كل ما يحصل به الأدب، والأدب هو تقويم الأخلاق، أو فِعل ما يحصل به التقويم. - الفرق بين الحد والتعزير: 1 - الحد يختص بما يلي: أنه مقدر .. والناس فيه سواء .. وإقامته واجبة .. وتنفيذه مختص بالإمام .. ويُدرأ بالشبهة .. ولا تجوز الشفاعة فيه بعد بلوغه الإمام. 2 - التعزير يختص بما يلي: أنه غير مقدر .. ويختلف باختلاف الفاعل .. ويقام مع وجود الشبهة .. ومقداره ونوعه حسب اجتهاد الإمام .. ويقيمه الإمام أو غيره ممن له حق التأديب كالوالد والزوج والمعلم .. وتجوز الشفاعة فيه ولو بلغ الإمام. وكلٌّ من الحد والتعزير عقوبة على معصية أو جناية. - أنواع العقوبات على المعاصي: العقوبات على المعاصي ثلاثة أنواع: الأول: ما فيه حد مقدر كالزنا والسرقة، فهذا لا كفارة فيه ولا تعزير. الثاني: ما فيه كفارة ولا حد فيه كالجماع حال الإحرام، وفي نهار رمضان، والقتل خطأ. الثالث: ما ليس فيه حد ولا كفارة، فهذا فيه التعزير. |
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
|
41 - التعزير
لغة: التأديب دون الحد، والتعزير فى قوله تعالى} وتعَّزروه {{(الفتح 9) النصرة والتعظيم، فهو من أسماء الأضداد، وهو مصدر عزر من العزر وهو الرد والمنع، وسميت العقوبة تعزيرا، لأن من شأنها أن تدفع الجانى وترده عن ارتكاب الجرائم، أو العودة إليها (1). واصطلاحا: هو عقوبة غير مقدرة شرعا تجب حقا لله تعالى أو لآدمى فى كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة غالبا (2). والتعزير مشروع لردع الجانى وزجره وإصلاحه وتهذيبه، والزجز معناه: منع الجانى من معاودة الجريمة، ومنع غيره من ارتكابها، ومن ترك الواجبات كترك الصلاة والمماطلة فى آداء حقوق الناس (3). وليس التعزير للتعذيب أو إهدار الآدمية أو الإتلاف حيث لا يكون ذلك واجبا وقد أجمع الفقهاء على أن ترك الواجب أو فعل المحرم معصية فيها التعزير إذا لم يكن هناك حد مقدر (4). ومثال ترك الواجب عندهم: منع الزكاة، وترك قضاء الدين عند القدرة على ذلك، وعدم آداء الأمانة، وعدم رد المغصوب، ومثال فعل المحرم: سرقة ما لا قطع فيه، لعدم توافر شروط النصاب أو الحرز مثلا وتقبيل الأجنبية والخلوة بها، والغش فى الأسواق والعمل بالربا وشهادة الزور (5). وقال القليوبى: قد يشرع التعزير ولا معصية، كتأديب طفل، وكافر، وكمن يكتسب بآلة لهولا معصية فيها (6). يجوز فى مجال التعزير: إيقاع عقوبات مختلفة يختار منها الحاكم فى كل حالة ما يراه مناسبا محققا لأغراض التعزير منها: (أ) العقوبات البدنية: التعزير بالقتل: والأصل أنه لا يبلغ بالتعزير القتل، لقول الله تعالى:}} ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق {(الإسراء33) وقد ذهب بعض الفقهاء إلى جواز القتل تعزيرا فى جرائم معينة بشروط مخصوصة من ذلك: قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس على المسلمين وقتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة كالجهمية. (ب) التعزير بالجلد، لا يبلغ الحد. (جـ) التعزير بالحبس ومدته يقدرها الحاكم. (د) التعزير بالنفى. (هـ) التعزير بالمال وفيه خلاف بين العلماء، والتعزير بالمال يكون بحبسه أو بإتلافه، أو بتغيير صورته، أو بتمليكه للغير. وهناك أنواع أخرى من التعزير منها: الإعلام المجرد، والإحضار لمجلس القضاء والتوبيخ والهجر (7). أ. د/ فرج السد عنبر __________ المرجع 1 - المصباح المنير، 2/ 407، مختار الصحاح ص 429 2 - المبسوط للسرخسى 9/ 36، كشاف القناع 6/ 121، الأحكام السلطانية، للماوردى ص 293. 3 - تبصرة الحكام 1/ 366، 368، 370، نهاية المحتاج 7/ 174، كشاف القناع6/ 126. 4 - تبصرة الحكام 2/ 366 وما بعدها، كشاف القناع 6/ 121، الأحكام السلطانية للماوردى ص 293 5 - تبصرة الحكام2/ 366، كشاف القناع 6/ 121، الأحكام السلطانية للماوردى ص 294 6 - حاشية القليوبى على شرح المحلى 4/ 205. 7 - بدائع الصنائع، للكاسانى 7/ 64، نهاية المحتاج 7/ 174. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
تعزير السلطان عامر بن عبدالوهاب لرئيس الإسماعيلية بمدينة تعز.
902 ذو القعدة - 1497 م أمر السلطان عامر بن عبدالوهاب بتقييد رئيس الإسماعيلية سليمان بن حسن بمدينة تعز، وأودعه دار الأدب. وكان يتحدث بما لا يعنيه من المغيبات المستقبلات، وكان عالم الإسماعيلية، فأمر السلطان عامر بإحضار كتبه وإتلافها، فأتلفت والحمد لله. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
اندلاع ثورة الخبز بمحافظة تعز اليمنية &.
1428 شعبان - 2007 م شهدت محافظة "تعز" ثورة الخبز التي شارك فيها الآلاف، ونفذ تكتل أحزاب اللقاء المشترك المعارض اعتصاما في المحافظة احتجاجا على تردِّي الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار وللمطالبة بوضع حل لمشكلة المياه. ورفع المتظاهرون من حزب الإصلاح، والحزب الاشتراكي والتنظيم الناصري رغيف الخبز وأوعية الماء كتعبير عن السخرية من تدهور حجم رغيف الخبز وأزمة المياه الخانقة التي تعانيها مدينة تعز منذ أكثر من 15 عاما. وندد بيان المعارضة الذي قرأه عبدالحافظ الفقيه رئيس المكتب التنفيذي للتجمع اليمني للإصلاح في تعز، بـ "كافة الأزمات الاقتصادية وتعاظم حالات الإحباط وانعدام الأمل والثقة في الحاضر والمستقبل التي تجد تعبيرها في مظاهر عديدة كتفشي الجريمة وتعاطي المخدرات والانتحار". وأكدت المعارضة أن الاعتصامات "سوف تتواصل حتى تحقق العدالة ورفع المعاناة وتوفير الحاجة والخدمات الأساسية لحياة المواطن. |
|
*تَعِز مدينة يمنية.
تقع بالقرب من الحدود الجنوبية لليمن، فى جبل صبر، على ارتفاع (1300) متر فوق سطح البحر، وهى إلى الشرق من ميناء مخا، وعلى الطريق البرى الذى يمتد شمالا إلى مدينة زبيد. وتبلغ مساحتها (12ألف كم2). وكانت - فى بداية نشأتها - عبارة عن مجموعة من القلاع، فوق جبل صبر، ولكنها لم تحظَ بالاهتمام إلا بعد وصول توران شاه الأيوبى إليها سنة (569 هـ) فى ثلاثة آلاف مقاتل، وبنائه قلعة بها. وشهدت عصرها الذهبى أيام سلاطين بنى رسول فى منتصف القرن السابع الهجرى، كما شهدت ازدهارًا اقتصاديًّا؛ لوقوعها فى طريق التجارة، ثم فتحها العثمانيون سنة (952 هـ)، وسيطر عليها إبراهيم باشا ابن محمد على قبيل منتصف القرن التاسع عشر الميلادى. وفى منتصف القرن العشرين اتخذها الإمام أحمد مقرًّا لإقامته، وقاعدة لحكمه، ولكن سرعان ما ضعفت أهميتها بعد ثورة اليمن وتحول مقرّ الحكم إلى صنعاء. وتتنوع المحاصيل الزراعية فى تعز؛ بسبب كثرة الأمطار، وتشتهر تعز بزراعة الفاكهة والخضراوات والزيتون والبن والقمح. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
التعزية الحسنة بالأعزة
رسالة. للحافظ، شمس الدين: محمد بن أحمد الذهبي. المتوفى: سنة 746، ست وأربعين وسبعمائة. |
معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية
معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية
|
لغة: المنع، يقال: «عزرته وعزّرته» : إذا منعته، ومنه سمّي التأديب الذي دون الحد تعزيرا، لأنه يمنع الجاني من معاودة الذنب.
قال السعدي: يقال: «عزّرته» : وقرّته، وأيضا: أدّبته، وهو من الأضداد، وهو: تفعيل من العزر، بمعنى: المنع والإجبار على الأمر. وأصله النصرة والتعظيم، ومن هذا المعنى قول الحق تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ. [سورة الأعراف، الآية 157]، وقوله تعالى: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ. [سورة الفتح، الآية 9] واصطلاحا: التأديب، لأنه يمنع ما لا يجوز فعله، أو هي عقوبة غير مقدرة شرعا تجب حقّا لله أو لآدمي في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة غالبا. والحنفية جروا على أن التعزير يصدق على العقوبة الصادرة من الزوج أو الأب أو غيرهما، كما يصدق على فعل الإمام. قال ابن عابدين: التعزير يفعله الزوج والسيد وكل من رأى أحدا يباشر المعصية. - قال الخطيب الشربينى: وتسمية ضرب الولي والزوج والمعلم تعزيرا هو أشهر الاصطلاحين كما ذكره الرافعي. قال: ومنهم من يخص لفظ التعزير بالإمام أو نائبه، وضرب الباقي بتسميته تأديبا لا تعزيرا، فمن نظر إلى العقوبة قال: هو تأديب دون الحد، أو قال: عقوبة غير مقدرة، حقّا لله تعالى أو للعبد. ولذلك قال ابن القيم: التعزير لا يتقدر بقدر معلوم، بل هو بحسب الجريمة في جنسها وصفتها وكبرها وصغرها، وعند التعزير يمكن أن يزيد عن الحد، وحجته: أن الحد في لسان الشرع أعم منه في اصطلاح الفقهاء، فالتعزير أخص من السياسة. والتعزير أعم من التشهير، إذ يكون بالتشهير وبغيره، فالتشهير نوع من أنواع التعزير، والتعذيب أعم من التعزير من وجه، لأن التعزير لا يكون إلا بحق شرعي، بخلاف التعذيب، فقد يكون ظلما وعدوانا، والتعزير أعم من حيث ما يكون به التعزير. «التوقيف ص 186، وتحرير التنبيه ص 328، والمبسوط للسرخسى 9/ 36، وحاشية ابن عابدين 3/ 177، وشرح فتح القدير 7/ 119، ومغني المحتاج 4/ 191، 199، والروض المربع ص 492، وتبصرة الحكام 2/ 293، والمطلع ص 374، والنظم المستعذب 2/ 335، والموسوعة الفقهية 10/ 20، 12/ 40، 243، 254، 25/ 296، ومعجم المصطلحات الاقتصادية ص 101». |
معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية
|
لغة: مصدر «عزى» : إذا صبّر المصاب وواساه.
وهي التأسية لمن يصاب بمن يعز عليه، وهو أن يقول له: «تعز بعزاء الله»، وعزاء الله- عزّ وجلّ- قوله: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا للهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. [سورة البقرة، الآية 156] وكقوله تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذالِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ. [سورة الحديد، الآيتان 22، 23] ويقال: لك أسوة في فلان، فقد مضى حميمه وأليفه فحسن صبره. والعزاء: اسم أقيم مقام التعزية. ومعنى قوله: «تعز بعزاء الله»، أي: تصبره بالتعزية، أي: عزاك الله بها مما في كتابه. وأصل العزاء: الصبر، وعزيت فلانا: أمرته بالصبر، وهي الأمر بالصبر والحمل عليه بوعد الأجر والتحذير من الوزر، والدعاء للميت بالمغفرة، وللمصاب بجبر المصيبة. «الزاهر في غرائب ألفاظ الإمام الشافعي ص 95، وتحرير التنبيه ص 114، والمطلع 119، 120، والموسوعة الفقهية 12/ 217». |
معجم المصطلحات الاسلامية
|
Corroboration التقوية التعزيز التأييد
|
معجم المصطلحات الاسلامية
|
Reinforcement مدد امداد تقوية تعزيز
|