المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
(الْجِهَاد) الأَرْض المستوية أنبتت أَو لم تنْبت والصحراء وَالْأَرْض الصلبة وَيُقَال أَرض جِهَاد وَفِي الحَدِيث أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نزل بِأَرْض جِهَاد وثمر الْأَرَاك (ج) (جهد)
(الْجِهَاد) (شرعا) قتال من لَيْسَ لَهُم ذمَّة من الْكفَّار |
|
الجهاد:[في الانكليزية] Effort ،holywar ،struggle against the desires [ في الفرنسية] Effort ،guerre sainte ،lutte contre les desirs بالكسر في اللغة بذل ما في الوسع من القول والفعل كما قال ابن الأثير. وفي الشريعة قتال الكفار ونحوه من ضربهم ونهب أموالهم وهدم معابدهم وكسر أصنامهم وغيرها كذا في جامع الرموز. ومثله في فتح القدير حيث قال:الجهاد غلب في عرف الشرع على جهاد الكفار وهو دعوتهم إلى الدين الحق وقتالهم إن لم يقبلوا، وهو في اللغة أعمّ من هذا انتهى.والسّير أشمل من الجهاد كما في البرجندي.وعند الصوفية هو الجهاد الأصغر. والجهاد الأكبر عندهم هو المجاهدة مع النفس الأمّارة كذا في كشف اللغات.
|
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
|
جِهَادة
من (ج ه د) المرة من جاهد أي قاتل العدو. |
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْجِهَاد: الدُّعَاء إِلَى الدّين الْحق والمحاربة عَن أَدَائِهِ عِنْد إنكارهم عَنهُ وَعَن قبُول الذِّمَّة.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الجِهاد: الدعاء إلى الدين وقتالُ من لم يقبله حقيقة أو حكماً بأداء الجزية أو المصالحة.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
الاجتهاد، في طلب الجهاد
رسالة. لعماد الدين: إسماعيل بن عمر، المعروف: بابن كثير الحافظ، الدمشقي. المتوفى: بها، سنة 774. كتبها: للأمير منجك، لما حاصر الفرنج قلعة إياس. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
الأربعين، في الجهاد
لابن عساكر المذكور. سماه: (الاجتهاد، في إقامة فرض الجهاد). |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
الإرشاد، في فضل أرباب الذكر والجهاد
للشيخ، عفيف الدين، أبي المعالي: علي بن عبد المحسن، الشهير: بابن الدوالبي. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
امتضاض السهاد، في افتراض الجهاد
مجلد. لمجد الدين، أبي طاهر: محمد بن يعقوب الفيروزأبادي، الشيرازي. المتوفى: سنة سبع عشرة وثمانمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
الإمداد، فيما يتعلق بالجهاد
وهو: أربعون حديثا. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
بغية الوقاد، في التعريف بسمة الجهاد
لقاسم بن محمد بن طيلسان الأنصاري، القرطبي. المتوفى: سنة ثلاث وأربعين وستمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تهافت الأمجاد، في أول كتاب الجهاد
من الهداية يأتي. |
|
الجهادقوبل الدين الجديد بأعنف مظاهر المعارضة، واجتمع أعداؤه يريدون القضاء عليه، ويحاولون بكل ما أوتوا من قوة أن يخنقوه في مهده، وأن يبيدوا فكرته ومبادئه، ولم يقفوا عند حد الجدل اللسانى، أو المعارضة القولية، بل تعدوا ذلك إلى أشد ألوان الإيذاء، فحملوا بقسوة على من اعتنق هذا الدين الجديد، حتى أصبح مقامهم في وطنهم عبئا لا يحتمل، وجحيما لا يطاق، ففروا بدينهم إلى المدينة، وضحوا في سبيل عقيدتهم بأموالهم. وأهليهم، فكان من الطبيعى أن يسمح لمعتنقى هذا الدين الذى اتخذ شعاره: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل 125). أن يعدوا العدة للدفاع عن أنفسهم، والدفاع عن عقيدتهم، حتى يتدبر الناس أمرها في حرية وأمن، ويتدبروا ما فيها من الحق والصواب، فيعتنقوها عن اقتناع، ويدخلوها مطمئنين، لا يخافون، وقد بين القرآن ذلك في قوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ (الحج 39، 40). وإن أحق ما يعطاهالمظلوم من الحقوق الدفاع عن النفس، ليعيش آمنا في سربه، مطمئنّا إلى حياته، لا يخشى أحدا على نفسه ولا عقيدته، والجهاد هو الذى يدفع شرّة العدو، ويحول بينه وبين الاعتداء والتعدى، فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (النساء 84).وإذا كان للجهاد، هذا الأثر القوى في تأمين الجماعة الناشئة على نفسها وعقيدتها، فلا جرم كان له مكانه الممتاز بين مبادئ هذا الدين وقواعده، حتى إنه لينكر أن يسوى به غيره مما لا يبلغ قدره وقيمته، فيقول: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (التوبة 19 - 22).ويقول: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (النساء 95).أرأيت هذا التكرير وما يحمله من معانى التوكيد، مثبتا في النفس فضل الجهاد وقدره وقيمته.والقرآن يعترف بأن الجهاد فريضة ثقيلة على النفوس، لا تتقبله في يسر، ولا تنقاد إليه في سهولة، فهو يعلم ما لغريزة حب الذات من أثر قوى في حياة الإنسان وتوجيه أفعاله، ولذلك تحدث في صراحة، مقررا موقف النفس الإنسانية، من تلك الفريضة الشاقة، التى يعرض المرء فيها حياته لخطر الموت، وقد طبعت النفوس على بغضه وكراهيته، فقال كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (البقرة 216). ويقرر في صراحة أن نفوس المسلمين قد رغبت في أن تظفر بتجارة المكيين الآئبة من الشام، والتى يستطيعون الاستيلاء عليها من غير أن يريقوا دماءهم في قتال مرير مع القرشيين، إذ يقول: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (الأنفال 7).وإذا كانت النفس الإنسانية تجد الجهاد فريضة شاقة، فقد جمع القرآن حولها من المغريات ما يدفع إلى قبولها قبولا حسنا، بل إلى حبها والرغبة فيها.وإذا كان أول ما يثنى المرء عن الجهاد هو حبه للحياة وبغضه للموت، فقد أكدالقرآن مرارا أن هذا الذى يقتل في سبيل الله حىّ عند ربه يرزق، وإن كنا لا نشعر بحياته ولا نحس بها، فقال: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (آل عمران 169 - 171). وإذا كان من يقتل في سبيل الله حيا يرزق، ويظفر بحياة سعيدة، فرحا بما أنعم الله به عليه، ولا يمسه خوف، ولا يدركه حزن، فلا معنى للإحجام عن الجهاد، حرصا على حياة لا تنقطع بالموت في ميدان القتال، ولا تنتهى بالاستشهاد، بل يستأنف صاحبها حياة أخرى آمنة، خالصة مما يشوب حياة الدنيا من القلق والمخاوف والأحزان.ويمضى بعدئذ، غارسا في نفوسهم أن الموت قدر مقدور، لا يستطيع المرء تجنبه أو الهرب منه، فلا معنى إذا لتجنب الجهاد الذى لا يدنى الأجل، إذا كان في العمر فسحة، إذ الأجل لا يتقدم ولا يتأخر، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (الأعراف 34). فيقول: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (الأعراف 34). ويقول: يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ (آل عمران 154). ويرد على أولئك الذين يزعمون الجهاد مجلبة للموت ردّا رفيقا حازما في قوله: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (آل عمران 167، 168). وإذا كان المرء يموت عند انقضاء أجله، فلا معنى كذلك للفرار من ميدان القتال خوفا من الموت إذ لاشىء يحول بينهم وبينه إن كان أجلهم قد دنا، قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (الأحزاب 16، 17).وإذا كانت الدنيا زائلة لا محالة والموت قادما لا ريب فيه، وإذا كان الباقى الدائم هو الدار الآخرة والجهاد وسيلة من وسائل السعادة في هذه الدار- كان العاقل الحازم هو هذا الذى يقبل على الجهاد بنفس راضية، مؤثرا ما يبقى على ما يزول قال سبحانه: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (النساء 74). ويرد على هؤلاء الذيناعترضوا على فرض القتال بقوله: وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ (النساء 77، 78).ويثير فيهم النخوة الإنسانية، وشهامة الرجولة، حينما يمثل لهم واجبهم المقدس إزاء إنقاذ قوم ضعاف يسامون الذل، ويقاسون الظلم، على أيدى قرية ظالم أهلها، فلا يجدون ملجأ يتجهون إليه سوى الله، يرجونه ويطلبون نصرته، أليس هؤلاء الضعاف أجدر الناس بأن يهب من لديهم نخوة لإنقاذهم من أيدى ظالميهم؟ قال سبحانه: وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (النساء 75).ويمثلهم وأعداءهم معسكرين، أحدهما ينصر الله، وثانيهما ينصر الشيطان، أحدهما يدافع عن الحق، وثانيهما يدافع عن الباطل والغواية، والدفاع عن الحق من عمل الإنسان الكامل، أما الباطل فلا يلبث أن ينهار في سرعة، لأنه هشّ ضعيف، الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (النساء 76).أما جزاء الجهاد فقد أعد الله للمجاهد مغفرة منه ورحمة خيرا مما يتكالب الناس على جمعه في هذه الحياة، وهيأ له جنات تجرى من تحتها الأنهار، فقد عقد معه عقد بيع وشراء، يقاتل في سبيله، فيقتل ويقتل، وله في مقابل ذلك جنة الخلد، ذلك عهد قد أكد الله تحقيقه في قوله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة 111). وأكّد القرآن هذا، وكرره في مواضع عدة، فقال مرة: فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (آل عمران 195). وقال أخرى حاثا على الجهاد مغريا به: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (الصف 10 - 12).ويشجعهم على تتبع أعدائهم بلا تباطؤ ولا وهن، مبينا لهم أن أعداءهم ليسوابأسعد حالا منهم، فهم يتألمون مثلهم ثمّ هم يمتازون عليهم بأن لهم آمالا في الله، ورجاء في ثوابه وجنته، ما ليس لدى أعدائهم، ولذا كانوا أجدر منهم بالصبر، وأحق منهم بالإقدام، فيقول: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (النساء 104).تلك هى المغريات التى بثها القرآن هنا وهناك، يحث بها على الجهاد، ويوطن النفس على الرغبة فيه والإقبال عليه، وأنت تراها مغريات طبيعية تدفع النفس إلى الإقدام على مواطن الخطر غير هيابة ولا وجلة، مؤمنة بأنه لن يصيبها إلا ما كتب الله لها، فلا الخوف بمنجّ من الردى، ولا الإحجام بمؤخر للأجل، مؤملة خير الآمال في حياة سعيدة قادمة، لا يعكر صوفها خوف ولا حزن.وإذا كان الله قد حث النفس الإنسانية على الجهاد، وحببه إليها، فقد حذرها من الفرار من ميدان القتال تحذيرا كله رهبة وخوف، وإن الفرار يوم الزحف لجدير أن يظفر بهذا التهديد، لأنه يوهن القوى، ويفت في العضد، ويسلم إلى الانحدار، والهزيمة، فلا غرابة أن نسمع هذا الزجر العنيف في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (الأنفال 15، 16).ويشير القرآن إلى أن الإعداد للحرب وسيلة من وسائل تجنّبها، وهو من أجل ذلك يحث على إعداد العدة واتخاذ الأهبة، حتى يرهب العدو ويحذر، فيكون ذلك مدعاة إلى العيش في أمن وسلام، ويدعو القرآن إلى البذل في سبيل هذا الإعداد، حتى ليتكفل بوفاء النفقة لمن أنفق من غير ظلم ولا إجحاف به، والقرآن بتقرير هذا المبدأ عليم بالنفس الإنسانية التى يردعها الخوف فيثنيها عن الاعتداء، قال سبحانه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (الأنفال 60).وبهذه القوة التى أمرنا القرآن بإعدادها نرهب العدو، ونستطيع القضاء عليه، إذا هو حاول الهجوم، أو نقض عهدا كان قد أبرمه معنا، وبها نقلّم أظافره، فلا نغتر بما قد يبديه من خضوع، يخفى وراءه رغبة في الانقضاض إن واتته الفرصة، أو وجد عندنا غفلة، وبهذه القوة يشعر العدو بخشونة ملمسنا، وأننا لسنا لقمة سائغة الازدراء،فالقتال مباح حتى يأمن سرب الجماعة، ويهدأ بالها، فلا تخشى هجوما ولا مباغتة، ولكن من غير أن تحملنا القوة على الزّهو فنعتدى،وبهذه القوة نقابل الاعتداء بمثله، من غير أن نظهر وهنا ولا استكانة يظنها العدو ضعفا، وبها نقضى على أسباب الفتنة، حتى تصبح حرّيّة العبادة مكفولة، وحرية العقيدة، موطدة الأركان، واستمع إلى هذه المبادئ القوية مصوغة في أسلوب قوى في قوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (البقرة 190 - 193).وإِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (الأنفال 55 - 57)، وكَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة 7 - 15). يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (التوبة 123). فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (محمد 35).ولم يدع القرآن بابا لتقوية الروح المعنوية لدى المسلمين إلا سلكه، ففضلا عن المغريات التى أسلفنا الحديث عنها، يؤكد لهم مرارا أن الله معهم، وأنه وعد من ينصره بالنصر المؤزر، ويطمئنهم بأنه يمدهم بالملائكة يساعدونهم ويشدون عضدهم، ويخبرهم بأنه ينزل السكينة على قلوبهم، والأمن على أفئدتهم، ويربط على قلوبهم ويثبت أقدامهم، وهو يعلم ما للإيمان الصادق، وما للروح المعنوية القوية من أثر بالغ في صدق الدفاع والنصر، ولهذا جعل المؤمن الصابر الصادق يساوىفى المعركة عشرة رجال، ثم رأى أن هذا الجندى المثالى قليل الوجود، فجعل المؤمن الواحد يساوى اثنين، فللقوة المعنوية أثرها الذى لا ينكر في ميدان القتال، واستمع إليه يقول: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (الأنفال 65).ويقرر القرآن ما للرعب الذى يلقيه في قلوب أعدائهم من الأثر فيما يلحقهم من الهزائم، وفي كل ذلك تثبيت لقلوب المؤمنين، وتقوية لروحهم المعنوية.هذا، ومن أهم ما عنى به القرآن وهو يصف القتال الناجح- وصفه المقاتلين يتقدمون إلى العدو في صفوف ملتحمة متجمعة، لا ثغرة للعدو ينفذ منها، ولا جبان بين الصفوف يتقدم في خوف ووهن، وذلك حين يقول: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (الصف 4). وفي كلمة البنيان والرصّ ما يصور لك صفوف المجاهدين يتقدمون في قوة وحزم، يملأ قلوبهم الإيمان، ويحدوهم اليقين.كما عنى بالحديث عن الجند الخائن، وأن الخير في تطهير الجيش منهم، فهم آفة يبثون الضعف، ويبذرون بذور الوهن في النفس، ويقودون الجيش إلى الانهيار والهزيمة، وقد أطال القرآن في وصف هؤلاء الجند وتهديدهم وتحذير الرسول من صحبتهم، فقال مرة: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (النساء 72، 73). ويصفهم مهددا منذرا فى قوله: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (التوبة 81 - 87). ويبين أن الخير في عدم استصحابهم، فيقول: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُالْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (المائدة 47). وهذه النذر القوية تؤذن بما للجهاد من أثر في صيانة الدين، والتمكين له في الأرض.
|
أبجد العلوم لصديق حسن خان
|
علم الجهاد
هو: علم يعرف به أحوال الحرب وكيفية ترتيب العسكر واستعمال السلاح ونحو ذلك وهو باب من أبواب الفقه تذكر فيه أحكامه الشرعية وقد بينوا أحواله العادية وقواعده الحكمية في كتب مستقلة ولميذكره أصحاب الموضوعات بلفظ علم الجهاد ولكنهم ذكروه في ضمن علوم: كعلم ترتيب العسكر وعلم الآلات الحربية ونحو ذلك لكن الأولى أنه يذكر ههنا. ومن الكتب المصنفة فيه: الاجتهاد في طلب الجهاد وجمعت كتابا في أحكام الجهاد سميته: العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة وللسيد الإمام المجتهد محمد بن إسماعيل الأمير رسالة مستقلة في ذلك الباب ذكر فيها مسئلة: هل قتال الكفار لطلب إسلامهم أم لدفع شرهم؟ وله - رحمة الله - أيضا كلام فيها في: منحة الغفار حاشية ضوء النهار من كتاب: السير. |
المخصص
|
أَبُو عُبَيْد: جاهده مُجاهَدَةً وجِهاداً، والمُكاوِح: المُجاهِد.
صَاحب الْعين: الغَزْو: السّير إِلَى قتال الْعَدو وانتهابه، وَقد غزا غَزْواً، وَرجل غازٍ من قوم غُزَّىً وغُزاة والغَزِيّ اسْم للْجَمِيع عِنْد سِيبَوَيْهٍ، وأغْزَيْت الرَّجُل وغَزَّيْته: حَملته على أَن يَغْزُو، وَقَالُوا: غَزاة وَاحِدَة: يُرِيدُونَ عمل وَجه وَاحِد كَمَا قَالُوا حجَّة وَاحِدَة يُرِيدُونَ عمل سنة وَاحِدَة وَالْقِيَاس غَزْوَة. أَبُو عُبَيْد: النّسَب إِلَى الْغَزْو غَزْوَى وَهُوَ من نَادِر المعدول، والمَغازي الغَزَوات والمَغازي مَوَاطِن الْغَزْو والمَغازي أَيْضا مناقبهم، وأغزت الْمَرْأَة فَهِيَ مُغْزِيَة: إِذا غزا بَعْلهَا. |
أسد الغابة في معرفة الصحابة
|
5779- أبو جهاد
د ع: أبو جهاد لَهُ صحبة، وهو من الأنصار، ثُمَّ من بني سلمة. 2875 روى ابن وهب، عن سعيد بن عبد الرحمن، قَالَ: حَدَّثَنِي رجل من الأنصار، من بني سلمة، عن أبيه، عن جده أبي جهاد، وَكَانَ من أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لأبيه: أبشر يا أبتاه، فقد رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصحبته، فوالله لو رأيته لفعلت وفعلت، فقال: يا بني اتق الله وسدد، فوالله لقد رأيتنا معه ليلة الخندق، وهو يقول: " من يذهب إلى القوم يأتيني بخبرهم، جعله الله رفيقي فِي الجنة ". فما قام أحد، ثُمَّ قالها الثانية، فما قام أحد، ثُمَّ قالها الثالثة، فما قام أحد، مما بنا من الجوع والقر، حَتَّى نادى حذيفة باسمه فقال: يا رسول الله، وَالَّذِي نفسي بيده ما منعني أن أقوم إلا خشية أن لا آتيك بخبرهم، فقال: " اذهب " ودعا له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخير. أخرجه ابن منده، وأبو نعيم. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
: قال أبو نعيم: يعدّ في المصريين، وأخرج من طريق ابن وهب، عن سعيد بن عبد الرحمن، حدثني رجل من الأنصار من بني سلمة، عن أبيه، عن جده أبي جهاد، وكان أبو جهاد من أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم؛ فقال له ابنه: يا أبتاه، رأيتم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم وصحبتموه، واللَّه لو رأيته لفعلت وفعلت. فقال له أبوه: اتّق اللَّه وسدّد؛ فو الّذي نفسي بيده لقد رأيتنا معه ليلة الخندق وهو يقول: من يذهب فيأتينا بخبرهم جعله اللَّه رفيقي يوم القيامة، فما قام من الناس أحد من صميم ما بهم من الجوع والقر، حتى نادى في الثالثة: يا حذيفة. وأخرجه الدولابي من هذا الوجه.
|
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْجِهَادُ مَصْدَرُ جَاهَدَ، وَهُوَ مِنَ الْجَهْدِ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا - أَيِ الطَّاقَةِ وَالْمَشَقَّةِ، وَقِيل: الْجَهْدُ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - هُوَ الْمَشَقَّةُ، وَبِالضَّمِّ الطَّاقَةُ (1) . وَالْجِهَادُ الْقِتَال مَعَ الْعَدُوِّ كَالْمُجَاهَدَةِ، قَال تَعَالَى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ (2) } . وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ (3) . يُقَال: جَاهَدَ الْعَدُوُّ مُجَاهَدَةً وَجِهَادًا إِذَا قَاتَلَهُ. وَحَقِيقَةُ الْجِهَادِ كَمَا قَال الرَّاغِبُ: الْمُبَالَغَةُ وَاسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ فِي مُدَافَعَةِ الْعَدُوِّ بِالْيَدِ أَوِ اللِّسَانِ. أَوْ مَا أَطَاقَ مِنْ شَيْءٍ، وَهُوَ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ: مُجَاهَدَةُ الْعَدُوِّ الظَّاهِرِ، وَالشَّيْطَانِ، وَالنَّفْسِ. وَتَدْخُل الثَّلاَثَةُ فِي قَوْله تَعَالَى __________ (1) لسان العرب مادة: (جهد) ، والقاموس المحيط، وتاج العروس مادة: (جهد) . (2) سورة الحج / 78. (3) حديث: " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 3 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1487 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس. : {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} . وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الْجِهَادُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْقَلْبِ كَالْعَزْمِ عَلَيْهِ، أَوْ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الإِْسْلاَمِ وَشَرَائِعِهِ، أَوْ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُبْطِل، أَوْ بِبَيَانِ الْحَقِّ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ، أَوْ بِالرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ فِيمَا فِيهِ نَفْعُ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ بِالْقِتَال بِنَفْسِهِ. فَيَجِبُ الْجِهَادُ بِغَايَةِ مَا يُمْكِنُهُ. قَال الْبُهُوتِيُّ: وَمِنْهُ هَجْوُ الْكُفَّارِ. كَمَا كَانَ حَسَّانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَهْجُو أَعْدَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) . وَالْجِهَادُ اصْطِلاَحًا: قِتَال مُسْلِمٍ كَافِرًا غَيْرَ ذِي عَهْدٍ بَعْدَ دَعْوَتِهِ لِلإِْسْلاَمِ وَإِبَائِهِ، إِعْلاَءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ (2) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - السِّيَرُ: 2 - السِّيَرُ جَمْعُ سِيرَةٍ وَهِيَ فِعْلَةٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ مِنَ السِّيَرِ. وَقَدْ غَلَبَتْ فِي لِسَانِ الْفُقَهَاءِ عَلَى الطَّرَائِقِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي غَزْوِ الْكُفَّارِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، كَغَلَبَةِ لَفْظِ (الْمَنَاسِكِ) عَلَى أُمُورِ الْحَجِّ. وَقَدْ سُمِّيَتِ الْمَغَازِي سِيَرًا؛ لأَِنَّ أَوَّل أُمُورِهَا السَّيْرُ إِلَى الْعَدُوِّ، وَالْمُرَادُ بِهَا سَيْرُ الإِْمَامِ __________ (1) كشاف القناع 3 / 36. (2) فتح القدير 4 / 277، والفتاوى الهندية 2 / 188، والخرشي 2 / 107، وجواهر الإكليل 1 / 250، وشرح الزرقاني على الموطأ 2 / 287، وحاشية الشرقاوي 3 / 391، وحاشية الباجوري 2 / 268. وَمُعَامَلاَتُهُ مَعَ الْغُزَاةِ، وَالأَْنْصَارِ، وَمَنْعُ الْعُدَاةِ وَالْكُفَّارِ (1) . ب - الْغَزْوُ: 3 - الْغَزْوُ مَعْنَاهُ الطَّلَبُ، يُقَال: مَا مَغْزَاكَ مِنْ هَذَا الأَْمْرِ أَيْ مَا مَطْلَبُكَ، وَسُمِّيَ الْغَازِي، غَازِيًا لِطَلَبِهِ الْغَزْوَ (2) . وَيُعْرَفُ كِتَابُ الْجِهَادِ فِي غَيْرِ كُتُبِ الْفِقْهِ بِكِتَابِ الْمَغَازِي، وَهُوَ أَيْضًا أَعَمُّ؛ لأَِنَّهُ جَمْعُ مَغْزَاةٍ مَصْدَرٌ لِغَزَا، إِنْزَالاً عَلَى الْوَحْدَةِ، وَالْقِيَاسُ غَزْوٌ، وَغَزْوَةٌ لِلْوَحْدَةِ، كَضَرْبَةٍ وَضَرْبٍ، وَهُمْ قَصْدُ الْعَدُوِّ لِلْقِتَال، خُصَّ فِي عُرْفِ الشَّارِعِ بِقِتَال الْكُفَّارِ (3) . ج - الرِّبَاطُ: 4 - الرِّبَاطُ هُوَ الإِْقَامَةُ فِي مَكَانٍ لَيْسَ وَرَاءَهُ إِسْلاَمٌ، وَيُتَوَقَّعُ هُجُومُ الْعَدُوِّ مِنْهُ لِقَصْدِ دَفْعِهِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَالرِّبَاطُ تَأَهُّبٌ لِلْجِهَادِ، وَالأَْحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ __________ (1) ابن عابدين 4 / 217 ط دار إحياء التراث العربي، وفتح القدير 5 / 187، 188. (2) النظم المستعذب في شرح غريب المهذب 2 / 226. (3) فتح القدير 5 / 187 وما بعدها. صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ (1) . وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (رِبَاطٌ) . تَدَرُّجُ مَشْرُوعِيَّةِ الْجِهَادِ: 5 - الْجِهَادُ مَشْرُوعٌ بِالإِْجْمَاعِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال (2) } إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ، وَلِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْرِهِ بِهِ (3) وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ (4) . وَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل الْهِجْرَةِ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ؛ لأَِنَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّل الأَْمْرِ هُوَ التَّبْلِيغُ وَالإِْنْذَارُ، وَالصَّبْرُ عَلَى أَذَى الْكُفَّارِ، وَالصَّفْحُ وَالإِْعْرَاضُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، وَبَدَأَ الأَْمْرَ بِالدَّعْوَةِ سِرًّا ثُمَّ جَهْرًا (5) . قَال اللَّهُ تَعَالَى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيل (6) } وَقَال أَيْضًا: {ادْعُ إِلَى سَبِيل رَبِّكَ __________ (1) فتح القدير 5 / 188، وابن عابدين 3 / 217، 218، وحديث: " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر. . . " أخرجه مسلم (3 / 1520 - ط الحلبي) . (2) سورة البقرة / 216 (3) المغني 8 / 346، وكشاف القناع 3 / 32. (4) حديث: " من مات ولم يغز ولم يحدث. . . " أخرجه مسلم (3 / 1517 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة. (5) القرطبي 1 / 722، وعمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير 2 / 46، وإمتاع الأسماع للمقريزي 1 / 51. (6) سورة الحجر / 85. بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (1) } وَقَال أَيْضًا: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (2) } ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْقِتَال إِذَا ابْتَدَأَهُمُ الْكُفَّارُ بِالْقِتَال، وَكَانَ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا (3) } . ثُمَّ شَرَعَ اللَّهُ الاِبْتِدَاءَ بِالْقِتَال عَلَى الإِْطْلاَقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً (4) } وَقَوْلِهِ: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً (5) } وَتُسَمَّى هَذِهِ آيَةُ السَّيْفِ، وَقِيل: هِيَ قَوْله تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (6) } . وَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ (7) . __________ (1) سورة النحل / 125. (2) سورة الحجر / 94. (3) سورة الحج / 39. (4) سورة التوبة / 41. (5) سورة التوبة / 36. (6) سورة التوبة / 5. (7) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 262 - ط السلفية) من حديث عمر بن الخطاب. وانظر: المبسوط للسرخسي 10 / 2، وروضة الطالبين 10 / 204، وشرح روض الطالب من أسنى المطالب 4 / 175. وَالْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لاَ يُتْرَكَ الْجِهَادُ كُل سَنَةٍ مَرَّةً عَلَى الأَْقَل (1) . وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُوَجِّهَ الإِْمَامُ كُل سَنَةٍ طَائِفَةً، وَيَزُجَّ بِنَفْسِهِ مَعَهَا أَوْ يُخْرِجَ بَدَلَهُ مَنْ يَثِقُ بِهِ؛ لِيَدْعُوَ الْكُفَّارَ لِلإِْسْلاَمِ، وَيُرَغِّبَهُمْ فِيهِ، ثُمَّ يُقَاتِلَهُمْ إِذَا أَبَوْا؛ لأَِنَّ فِي تَعْطِيلِهِ أَكْثَر مِنْ سَنَةٍ مَا يُطَمِّعُ الْعَدُوَّ فِي الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ فِي السَّنَةِ إِلَى أَكْثَر مِنْ مَرَّةٍ وَجَبَ؛ لأَِنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فَوَجَبَ مِنْهُ مَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، فَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى تَأْخِيرِهِ لِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ قِلَّةِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي قِتَالِهِمْ مِنَ الْعُدَّةِ، أَوِ الْمَدَدِ الَّذِي يَسْتَعِينُ بِهِ، أَوْ يَكُونُ الطَّرِيقُ إِلَيْهِمْ فِيهَا مَانِعٌ، أَوْ لَيْسَ هُنَا مُؤَنٌ، أَوْ لِلطَّمَعِ فِي إِسْلاَمِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأَْعْذَارِ، جَازَ تَأْخِيرُهُ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَالَحَ قُرَيْشًا عَشْرَ سِنِينَ (2) ، وَأَخَّرَ قِتَالَهُمْ حَتَّى نَقَضُوا الْهُدْنَةَ، وَأَخَّرَ قِتَال غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَبَائِل بِغَيْرِ هُدْنَةٍ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا كَانَ يُرْجَى مِنَ النَّفْعِ بِتَأْخِيرِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يُرْجَى مِنَ النَّفْعِ بِتَقْدِيمِهِ وَجَبَ تَأْخِيرُهُ (3) . __________ (1) ابن عابدين 3 / 218، والدسوقي 2 / 173، وجواهر الإكليل 1 / 251، والمهذب 2 / 226، وروضة الطالبين 10 / 208، والمغني 8 / 348، وكشاف القناع 3 / 36، والإنصاف 4 / 116. (2) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح قريشا عشر سنين " أخرجه ابن إسحاق مرسلا عن الزهري كما في سيرة ابن هشام (2 / 317 - ط الحلبي) . (3) المهذب 2 / 226، والمغني 8 / 348، وكشاف القناع 3 / 36، والإنصاف 4 / 116. فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَدْعُو إِلَى تَأْخِيرِ الْجِهَادِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ الإِْكْثَارُ مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنْ أُقْتَل فِي سَبِيل اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَل ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَل (1) . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً، وَبَعَثَ خَمْسًا وَثَلاَثِينَ سَرِيَّةً (2) . فَضْل الْجِهَادِ: 6 - فَضْل الْجِهَادِ عَظِيمٌ، وَحَاصِلُهُ بَذْل الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَقَرُّبًا بِذَلِكَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَلَقَدْ فَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَل: {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (3) } . وقَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (4) } وقَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ __________ (1) حديث: " والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 16 - ط السلفية) من حديث أبي هريرة. (2) المبسوط 10 / 3، والمهذب 2 / 277. (3) سورة النساء / 95. (4) سورة العنكبوت / 69. وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيل وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (1) } . وقَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّهِ أَمْوَاتًا بَل أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (2) } . وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهُ أَفْضَل الأَْعْمَال بَعْدَ الإِْيمَانِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: سُئِل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْعَمَل أَفْضَل؟ قَال: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. قِيل: ثُمَّ مَاذَا؟ قَال: الْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ (3) . وَأَفْضَل مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ الْجِهَادُ، وَقَدْ قَال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لاَ أَعْلَمُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَرَائِضِ أَفْضَل مِنَ الْجِهَادِ، وَقَدْ رَوَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. قَال أَحْمَدُ: الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ هُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ عَنِ الإِْسْلاَمِ وَعَنْ حَرِيمِهِمْ، فَأَيُّ عَمَلٍ أَفْضَل مِنْهُ؟ النَّاسُ آمِنُونَ وَهُمْ خَائِفُونَ، قَدْ بَذَلُوا مُهَجَ أَنْفُسِهِمْ. وَالأَْحَادِيثُ مُتَظَاهِرَةٌ بِذَلِكَ: فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ __________ (1) سورة التوبة / 111. (2) سورة آل عمران / 169. (3) حديث أبي هريرة: " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 77 - ط السلفية) ومسلم (1 / 88 - ط الحلبي) . أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِل الْجِهَادَ، قَال: لاَ أَجِدُهُ، ثُمَّ قَال: هَل تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُل مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلاَ تَفْتُرَ، وَتَصُومَ وَلاَ تُفْطِرَ؟ قَال: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ (1) ؟ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: مَثَل الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ - كَمَثَل الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّل اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ، بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ (2) . وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلاَّ الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْل الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَل مَرَّةً أُخْرَى (3) . وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ قَال: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيل اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا (4) . __________ (1) حديث: " هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل. . . " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 4 - ط السلفية) . (2) حديث: " مثل المجاهد في سبيل الله. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 6 - ط السلفية) . (3) حديث: " ما من عبد يموت له عند الله خير. . . " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 15 - ط السلفية) . (4) حديث: " من جهز غازيا في سبيل الله. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 49 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1507 - ط الحلبي) . وَهَذِهِ الأَْحَادِيثُ وَغَيْرُهَا تَتَضَافَرُ عَلَى بَيَانِ فَضْل الْجِهَادِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّ الْجِهَادَ فِي الْبَحْرِ أَفْضَل مِنَ الْجِهَادِ فِي الْبَرِّ، لِحَدِيثِ أُمِّ حَرَامٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ عِنْدَهَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيل اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَْسِرَّةِ أَوْ مِثْل الْمُلُوكِ عَلَى الأَْسِرَّةِ (1) . وَلأَِنَّ الْبَحْرَ أَعْظَمُ خَطَرًا وَمَشَقَّةً، فَإِنَّهُ بَيْنَ الْعَدُوِّ، وَفِيهِ خَطَرُ الْغَرَقِ، وَلاَ يَتَمَكَّنُ مِنَ الْفِرَارِ إِلاَّ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَكَانَ أَفْضَل مِنْ غَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ الْقِتَال مَعَ أَهْل الْكِتَابِ أَفْضَل مِنْ قِتَال غَيْرِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ عَنْ دِينٍ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أُمِّ خَلاَّدٍ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ابْنُكَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ، قَالَتْ: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: لأَِنَّهُ قَتَلَهُ أَهْل الْكِتَابِ (2) . __________ (1) حديث: " ناس من أمتي عرضوا علي. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 10 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1518 - ط الحلبي) . (2) كشاف القناع 3 / 38، 40، والإنصاف 4 / 119، 120، والمغني 8 / 340، 350. وحديث: " إن ابنك له أجر شهيدين. . . " أخرجه أبو داود (3 / 13 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث قيس بن شماس. وأعله المنذري بضعف راويين فيه، كما في مختصره لأبي داود (3 / 359 - نشر دار المعرفة) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْجِهَادِ: 7 - الْجِهَادُ فَرْضٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَالدَّلِيل عَلَى فَرْضِيَّتِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَل: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ (1) } ، وقَوْله تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيل اللَّهِ (2) } ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِل آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّال (3) . وَالْمُرَادُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ فَرْضٌ بَاقٍ؛ لأَِنَّ الْمُضِيَّ مَعْنَاهُ النَّفَاذُ، وَالنَّفَاذُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْفَرْضِ مِنَ الأَْحْكَامِ، فَإِنَّ النَّدْبَ وَالإِْبَاحَةَ لاَ يَجِبُ فِيهِمَا الاِمْتِثَال وَالنَّفَاذُ (4) . وَقَدْ نُقِل عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ مَعَ الْخَوْفِ، وَنَافِلَةٌ مَعَ الأَْمْنِ (5) . 8 - ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْفَرْضِيَّةِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ لِحُصُول __________ (1) سورة البقرة / 216. (2) سورة التوبة / 41. (3) حديث: " الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال " أخرجه أبو داود (3 / 40 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أنس بن مالك، وفي إسناده جهالة كما في فيض القدير للمناوي (3 / 293 - ط المكتبة التجارية) . (4) فتح القدير 5 / 189 وما بعدها، وجواهر الإكليل 1 / 251، وروضة الطالبين 10 / 208، والإنصاف 4 / 116، والمغني 8 / 345. (5) الدسوقي 2 / 173، وجواهر الإكليل 1 / 251. الْمَقْصُودِ وَهُوَ كَسْرُ شَوْكَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِعْزَازُ الدِّينِ. وَمَعْنَى الْكِفَايَةِ فِي الْجِهَادِ أَنْ يَنْهَضَ إِلَيْهِ قَوْمٌ يَكْفُونَ فِي جِهَادِهِمْ، إِمَّا أَنْ يَكُونُوا جُنْدًا لَهُمْ دَوَاوِينُ مِنْ أَجْل ذَلِكَ، أَوْ يَكُونُوا أَعَدُّوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ تَطَوُّعًا بِحَيْثُ إِذَا قَصَدَهُمُ الْعَدُوُّ حَصَلَتِ الْمَنَعَةُ بِهِمْ، وَيَكُونُ فِي الثُّغُورِ مَنْ يَدْفَعُ الْعَدُوَّ عَنْهَا، وَيَبْعَثُ فِي كُل سَنَةٍ جَيْشًا يُغِيرُونَ عَلَى الْعَدُوِّ فِي بِلاَدِهِمْ. وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ: مَا قُصِدَ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلاَّ وَاحِدٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، كَرَدِّ السَّلاَمِ، وَالصَّلاَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ (1) . فَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِالْوَاجِبِ مَنْ يَكْفِي، أَثِمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلٍّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ (2) } . وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (3) } . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ الْجِهَادَ مَا فُرِضَ لِعَيْنِهِ، __________ (1) ابن عابدين 3 / 219، وكشاف القناع 3 / 32، 33، والمغني 8 / 346. (2) سورة التوبة / 122. (3) سورة النساء / 95. وَإِنَّمَا فُرِضَ لإِِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ، وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنِ الْعِبَادِ. وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَأْمَنَ الْمُسْلِمُونَ، وَيَتَمَكَّنُوا مِنَ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. فَإِذَا اشْتَغَل الْكُل بِالْجِهَادِ لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِلْقِيَامِ بِمَصَالِحِ دُنْيَاهُمْ. وَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَارَةً يَخْرُجُ، وَتَارَةً يَبْعَثُ غَيْرَهُ، حَتَّى قَال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِمْ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْدُو فِي سَبِيل اللَّهِ (1) . فَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الْقَاعِدِينَ غَيْرُ آثِمِينَ مَعَ جِهَادِ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ كُلًّا الْحُسْنَى، وَالْعَاصِي لاَ يُوعَدُ بِهَا، وَلاَ تَفَاضُل بَيْنَ مَأْجُورٍ وَمَأْزُورٍ (2) . وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إِلَى بَنِي لِحْيَانَ، وَقَال: لِيَخْرُجْ مِنْ كُل رَجُلَيْنِ رَجُلٌ، ثُمَّ قَال __________ (1) حديث: " والذي نفسي بيده، لولا أن رجالا من المؤمنين. . . " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 16 - ط السلفية) من حديث أبي هريرة. وانظر: المبسوط 10 / 3، والدسوقي 2 / 182، وجواهر الإكليل 1 / 250، والمهذب 2 / 227، ونهاية المحتاج 8 / 45، والمغني 8 / 345، وكشاف القناع 3 / 32، 33. (2) المهذب 2 / 226، ونهاية المحتاج 8 / 45، والمغني 8 / 345، وكشاف القناع 3 / 32 لِلْقَاعِدِينَ: أَيُّكُمْ خَلَفَ الْخَارِجَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِخَيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْل نِصْفِ أَجْرِ الْخَارِجِ (1) . وَقَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنَّ الْجِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الأَْعْيَانِ (2) .: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيل اللَّهِ (3) } . وَقَوْلُهُ: {إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (4) } . وَقَوْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ (5) . وَأَنَّ الْقَاعِدِينَ الْمَوْعُودِينَ بِالْحُسْنَى كَانُوا حُرَّاسًا، أَيْ كَانُوا مِنْ هَذَيْنِ كَذَلِكَ (6) . مَتَى يَصِيرُ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ؟ 9 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَصِيرُ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ فِي كُلٍّ مِنَ الْحَالاَتِ الآْتِيَةِ: __________ (1) حديث: " ليخرج من كل رجلين رجل. . . " صحيح مسلم 2 / 100، وفي رواية " لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما ". (2) نهاية المحتاج 8 / 45 وما بعدها، والمغني 8 / 345 وما بعدها، وكشاف القناع 2 / 32 وما بعدها. (3) سورة التوبة / 41. (4) سورة التوبة / 39. (5) حديث: " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو. . . " أخرجه مسلم (3 / 1517 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة. (6) نهاية المحتاج 8 / 45 وما بعدها. أ - إِذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ، وَتَقَابَل الصَّفَّانِ، حَرُمَ عَلَى مَنْ حَضَرَ الاِنْصِرَافُ، وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} . . . إِلَى قَوْلِهِ: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (1) } . ب - إِذَا هَجَمَ الْعَدُوُّ عَلَى قَوْمٍ بَغْتَةً، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمُ الدَّفْعُ وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا، أَوْ هَجَمَ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى دَفْعِهِ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ كَانَ بِمَكَانٍ مُقَارِبٍ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ إِنْ عَجَزَ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ عَنِ الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمَحَل التَّعَيُّنِ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إِنْ لَمْ يَخْشَوْا عَلَى نِسَائِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ مِنْ عَدُوٍّ بِتَشَاغُلِهِمْ بِمُعَاوَنَةِ مَنْ فَجَأَهُمُ الْعَدُوُّ، وَإِلاَّ تَرَكُوا إِعَانَتَهُمْ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُعْتَبَرُ مَنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنَ الْبَلْدَةِ كَأَهْلِهَا، وَمَنْ عَلَى الْمَسَافَةِ يَلْزَمُهُ الْمُوَافَقَةُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ إِنْ لَمْ يَكْفِ أَهْلُهَا، وَمَنْ يَلِيهِمْ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَفْجَأْهُمُ الْعَدُوُّ فَلاَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ، يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمُقِل مِنْهُمْ وَالْمُكْثِرُ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّ النَّفِيرَ يَعُمُّ جَمِيعَ النَّاسِ مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْقِتَال حِينَ الْحَاجَةِ لِمَجِيءِ الْعَدُوِّ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ التَّخَلُّفُ إِلاَّ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْمَكَانِ وَالأَْهْل وَالْمَال، وَمَنْ يَمْنَعُهُ الأَْمِيرُ __________ (1) سورة الأنفال / 45، 46. مِنَ الْخُرُوجِ، أَوْ مَنْ لاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ أَوِ الْقِتَال (1) . وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ أَرَادُوا الرُّجُوعَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ يَوْمَ الأَْحْزَابِ فَقَال: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا (2) } . ج - إِذَا اسْتَنْفَرَ الإِْمَامُ قَوْمًا لَزِمَهُمُ النَّفِيرُ مَعَهُ إِلاَّ مَنْ لَهُ عُذْرٌ قَاطِعٌ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيل لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيل اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَْرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآْخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآْخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (3) } . وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا (4) وَذَلِكَ لأَِنَّ أَمْرَ الْجِهَادِ مَوْكُولٌ إِلَى الإِْمَامِ وَاجْتِهَادِهِ، وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طَاعَتُهُ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ (5) . __________ (1) ابن عابدين 3 / 221، وفتح القدير 5 / 190، والدسوقي 2 / 174، وجواهر الإكليل 1 / 253، وروضة الطالبين 1 / 215، ومغني المحتاج 4 / 219، والمغني 8 / 346، 347، وكشاف القناع 3 / 37. (2) سورة الأحزاب / 13. وانظر: فتح القدير 5 / 191، والمغني 8 / 364. (3) سورة التوبة / 38. (4) حديث: " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد نية ". تقدم تخريجه (ف / 1) . وانظر صحيح البخاري 4 / 66. (5) حاشية الدسوقي 2 / 175، وجواهر الإكليل 1 / 252، والمغني 8 / 352، والمحلى 7 / 291. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْجِهَادُ بِتَعْيِينِ الإِْمَامِ وَلَوْ لِصَبِيٍّ مُطِيقٍ لِلْقِتَال أَوِ امْرَأَةٍ، وَتَعْيِينُ الإِْمَامِ إِلْجَاؤُهُ إِلَيْهِ وَجَبْرُهُ عَلَيْهِ، كَمَا يَلْزَمُ بِمَا فِيهِ صَلاَحُ حَالِهِ، لاَ بِمَعْنَى عِقَابِهِ عَلَى تَرْكِهِ، فَلاَ يُقَال: إِنَّ تَوَجُّهَ الْوُجُوبِ لِلصَّبِيِّ خَرْقٌ لِلإِْجْمَاعِ (1) . حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الْجِهَادِ: 10 - الْقَصْدُ مِنَ الْجِهَادِ دَعْوَةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الإِْسْلاَمِ، أَوِ الدُّخُول فِي ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَدَفْعِ الْجِزْيَةِ، وَجَرَيَانُ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِمْ، وَبِذَلِكَ يَنْتَهِي تَعَرُّضُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَاعْتِدَاؤُهُمْ عَلَى بِلاَدِهِمْ، وَوُقُوفُهُمْ فِي طَرِيقِ نَشْرِ الدَّعْوَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، وَيَنْقَطِعُ دَابِرُ الْفَسَادِ، قَال تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (2) } . وَقَال عَزَّ وَجَل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَل رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (3) } . وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسِيرَتُهُ، وَسِيرَةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى جِهَادِ الْكُفَّارِ، وَتَخْيِيرِهِمْ بَيْنَ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ مُرَتَّبَةٍ وَهِيَ: __________ (1) حاشية الدسوقي 2 / 175، وجواهر الإكليل 1 / 252. (2) سورة البقرة / 193. (3) سورة التوبة / 33. قَبُول الدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ، أَوِ الْبَقَاءُ عَلَى دِينِهِمْ مَعَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَعَقْدُ الذِّمَّةِ. فَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوا، فَالْقِتَال. وَلاَ يَنْطَبِقُ هَذَا عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (جِزْيَةٌ، وَأَهْل الذِّمَّةِ) . الاِسْتِئْذَانُ فِي الْجِهَادِ: أ - إِذْنُ الْوَالِدَيْنِ: 11 - لاَ يَجُوزُ الْجِهَادُ إِلاَّ بِإِذْنِ الأَْبَوَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، أَوْ بِإِذْنِ أَحَدِهِمَا إِنْ كَانَ الآْخَرُ كَافِرًا، إِلاَّ إِذَا تَعَيَّنَ، كَأَنْ يَنْزِل الْعَدُوُّ بِقَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَفَرْضٌ عَلَى كُل مَنْ يُمْكِنُهُ إِعَانَتُهُمْ أَنْ يَقْصِدَهُمْ مُغِيثًا لَهُمْ، أَذِنَ الأَْبَوَانِ أَمْ لَمْ يَأْذَنَا، إِلاَّ أَنْ يَضِيعَا، أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَهُ، فَلاَ يَحِل لَهُ تَرْكُ مَنْ يَضِيعُ مِنْهُمَا؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَال: نَعَمْ، قَال: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ (1) . فَدَل عَلَى أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجِهَادِ. وَلأَِنَّ الأَْصْل فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ يَنُوبُ عَنْهُ غَيْرُهُ فِيهِ، وَبِرُّ __________ (1) حديث: " أحي والداك؟ قال: نعم. . . " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 140 - ط السلفية) ومسلم (4 / 1975 - ط الحلبي) . الْوَالِدَيْنِ فَرْضٌ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَلِهَذَا قَال رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَغْزُوَ الرُّومَ، وَإِنَّ أَبَوَيَّ مَنَعَانِي، فَقَال: " أَطِعْ أَبَوَيْكَ فَإِنَّ الرُّومَ سَتَجِدُ مَنْ يَغْزُوهَا غَيْرَكَ ". وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَسَائِرُ أَهْل الْعِلْمِ (1) . وَأَمَّا إِنْ كَانَ الأَْبَوَانِ كَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجَاهِدَ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِمَا؛ لأَِنَّ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يُجَاهِدُونَ، وَفِيهِمْ مَنْ لَهُ أَبَوَانِ كَافِرَانِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِهِمَا، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُوهُ رَئِيسُ الْمُشْرِكِينَ (2) . وَلأَِنَّ الْكَافِرَ مُتَّهَمٌ فِي الدِّينِ بِالْمَنْعِ مِنَ الْجِهَادِ لِمَظِنَّتِهِ قَصْدَ تَوْهِينِ الإِْسْلاَمِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِاسْتِثْنَائِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِإِذْنِ الأَْبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ __________ (1) ابن عابدين 3 / 220، وجواهر الإكليل 1 / 252، وحاشية الدسوقي 2 / 175، 176، والمهذب 2 / 229، ونهاية المحتاج 8 / 57، والمغني 8 / 358، والمحلى 7 / 292. (2) فتح القدير 5 / 194، وابن عابدين 3 / 220، وحاشية الدسوقي 2 / 175، 176، وجواهر الإكليل 1 / 252، والمهذب 2 / 229، ونهاية المحتاج 8 / 57، والمغني 8 / 359، وكشاف القناع 3 / 44. أَوْ أَحَدِهِمَا إِذَا كَرِهَ خُرُوجَهُ مَخَافَةً وَمَشَقَّةً، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِكَرَاهَةِ قِتَال أَهْل دِينِهِ فَلاَ يُطِيعُهُ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ. إِذْ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا مُحْتَاجًا إِلَى خِدْمَتِهِ فُرِضَتْ عَلَيْهِ وَلَوْ كَافِرًا، وَلَيْسَ مِنَ الصَّوَابِ تَرْكُ فَرْضِ عَيْنٍ لِيُتَوَصَّل إِلَى فَرْضِ كِفَايَةٍ، وَبِهَذَا قَال الثَّوْرِيُّ لِعُمُومِ الأَْخْبَارِ (1) . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبَوَانِ وَلَهُ جَدٌّ أَوْ جَدَّةٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجَاهِدَ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِمَا؛ لأَِنَّهُمَا كَأَبَوَيْنِ فِي الْبِرِّ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ جَدُّهُ لأَِبِيهِ وَجَدَّتُهُ لأُِمِّهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ أَبُو الأُْمِّ وَأُمُّ الأَْبِ، فَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِخُرُوجِهِ؛ لِقِيَامِ أَبِي الأَْبِ وَأُمِّ الأُْمِّ مَقَامَ الأَْبِ وَالأُْمِّ عِنْدَ فَقْدِهِمَا، وَالآْخَرَانِ كَبَاقِي الأَْجَانِبِ إِلاَّ إِذَا عُدِمَ الأَْوَّلاَنِ (2) . وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ وَجَدٌّ، أَوْ أُمٌّ وَجَدَّةٌ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْتِئْذَانُ الْجَدِّ مَعَ الأَْبِ، وَاسْتِئْذَانُ الْجَدَّةِ مَعَ الأُْمِّ، لأَِنَّ وُجُودَ الأَْبَوَيْنِ لاَ يُسْقِطُ بِرَّ الْجَدَّيْنِ، وَلاَ يُنْقِصُ شَفَقَتَهُمَا عَلَيْهِ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْلٌ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ؛ لأَِنَّ الأَْبَ وَالأُْمَّ يَحْجُبَانِ الْجَدَّ وَالْجَدَّةَ عَنِ الْوِلاَيَةِ وَالْحَضَانَةِ (3) . __________ (1) ابن عابدين 3 / 220، وحاشية الدسوقي 2 / 176، والمغني 8 / 359. (2) ابن عابدين 3 / 20. (3) المهذب 2 / 229، ونهاية المحتاج 8 / 57، وروضة الطالبين 10 / 211، والمغني 8 / 359، وكشاف القناع 3 / 44. وَإِنَّمَا يَجِبُ اسْتِئْذَانُ الأَْبَوَيْنِ فِي الْجِهَادِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا، وَلَكِنْ إِذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ فَلاَ إِذْنَ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّهُ صَارَ فَرْضَ عَيْنٍ، وَتَرْكُهُ مَعْصِيَةٌ، وَلاَ طَاعَةَ لأَِحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ. قَال الأَْوْزَاعِيُّ: لاَ طَاعَةَ لِلْوَالِدَيْنِ فِي تَرْكِ الْفَرَائِضِ، وَالْجُمَعِ، وَالْحَجِّ، وَالْقِتَال؛ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ إِذْنُ الأَْبَوَيْنِ فِيهَا كَالصَّلاَةِ (1) . الرُّجُوعُ عَنِ الإِْذْنِ: 12 - مَنْ خَرَجَ لِلْجِهَادِ بِإِذْنِ الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَا عَنِ الإِْذْنِ، أَوْ كَانَ الأَْبَوَانِ كَافِرَيْنِ، فَأَسْلَمَا بَعْدَ الْخُرُوجِ وَلَمْ يَأْذَنَا، وَعَلِمَ الْمُجَاهِدُ الْحَال، يَلْزَمُهُ الاِنْصِرَافُ إِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِتَال، وَلَمْ يَحْضُرِ الْوَقْعَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ، وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ يَخَافَ انْكِسَارَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، فَلاَ يَلْزَمُهُ. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الاِنْصِرَافُ لِلْخَوْفِ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يُقِيمَ فِي قَرْيَةٍ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى يَرْجِعَ الْجَيْشُ، لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ الاِنْصِرَافُ. وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِتَال، قَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ: يَحْرُمُ الاِنْصِرَافُ، وَتَجِبُ __________ (1) المراجع السابقة. الْمُصَابَرَةُ؛ لِعُمُومِ الأَْمْرِ بِالثَّبَاتِ؛ وَلاِنْكِسَارِ الْقُلُوبِ بِانْصِرَافِهِ، وَالثَّانِي: لاَ يَحْرُمُ، بَل يَجِبُ الاِنْصِرَافُ، وَالثَّالِثُ: يُخَيَّرُ بَيْنَ الاِنْصِرَافِ وَالْمُصَابَرَةِ. وَإِنْ أَحَاطَ الْعَدُوُّ بِالْمُسْلِمِينَ تَعَيَّنَ فَرْضُ الْجِهَادِ، وَسَقَطَ الإِْذْنُ؛ لأَِنَّ تَرْكَ الْجِهَادِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، فَقُدِّمَ عَلَى حَقِّ الأَْبَوَيْنِ (1) . وَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَالِدَاهُ فِي الْغَزْوِ وَشَرَطَا عَلَيْهِ أَنْ لاَ يُقَاتِل، فَحَضَرَ الْقِتَال، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِتَال وَسَقَطَ شَرْطُهُمَا. وَبِذَلِكَ قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، لأَِنَّهُ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمَا فِي تَرْكِهِ طَاعَةٌ، وَلَوْ خَرَجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا فَحَضَرَ الْقِتَال، ثُمَّ بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ (2) . ب - إِذْنُ الدَّائِنِ: 13 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الْمَدِينُ لِلْجِهَادِ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الْمَدِينُ بِغَيْرِ إِذْنِ غَرِيمِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَفَاءٌ؛ لأَِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَرِيمِ وَهُوَ الْمُلاَزَمَةُ، فَلَوْ أَذِنَ لَهُ الدَّائِنُ، وَلَمْ يُبْرِئْهُ، فَالْمُسْتَحَبُّ الإِْقَامَةُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لأَِنَّ __________ (1) روضة الطالبين 10 / 212، ونهاية المحتاج 8 / 58، والمهذب 2 / 229، والمغني 8 / 359، 360. (2) المغني 8 / 359 وما بعدها. الْبَدْءَ بِالأَْوْجَبِ أَوْلَى، فَإِنْ خَرَجَ فَلاَ بَأْسَ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْكَفِيل إِذَا كَانَ بِأَمْرِ الدَّائِنِ، وَيَسْتَوِي فِي وُجُوبِ الاِسْتِئْذَانِ، الْكَفِيل بِالْمَال وَالْكَفِيل بِالنَّفْسِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلاً فَلَهُ الْخُرُوجُ بِلاَ إِذْنٍ إِنْ عَلِمَ بِرُجُوعِهِ قَبْل حُلُولِهِ؛ لِعَدَمِ تَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، لَكِنَّ الأَْفْضَل الإِْقَامَةُ لِقَضَائِهِ (1) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُشْتَرَطُ الإِْذْنُ فِي الدَّيْنِ الْحَال إِذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ بِبَيْعِ مَا عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ، أَوْ كَانَ مُؤَجَّلاً وَلاَ يَحِل فِي غَيْبَتِهِ خَرَجَ بِغَيْرِ إِذْنِ الدَّائِنِ، فَإِنْ حَل فِي غَيْبَتِهِ، وَعِنْدَهُ مَا يُوَفِّي مِنْهُ، وَكُل مَنْ يَقْضِيهِ عَنْهُ (2) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الْمَدِينُ فِي الدَّيْنِ إِذَا كَانَ حَالًّا إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْسِرًا، أَيْ كَانَ لَهُ وَفَاءٌ، وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَفَاءٌ فِي قَوْلٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا إِذْ لاَ مُطَالَبَةَ فِي الْحَال. وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلاً، فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْمَنْعُ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ إِلاَّ أَنْ يُقِيمَ كَفِيلاً بِالدَّيْنِ. وَالثَّالِثُ: لَهُ الْمَنْعُ إِنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً، وَقِيل: يَجُوزُ __________ (1) ابن عابدين 3 / 221. (2) حاشية الدسوقي 2 / 175، وجواهر الإكليل 1 / 252. لِلدَّائِنِ أَنْ يَمْنَعَ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ يَحِل قَبْل رُجُوعِهِ (1) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَمْ مُؤَجَّلاً بِغَيْرِ إِذْنِ غَرِيمِهِ إِلاَّ أَنْ يَتْرُكَ وَفَاءً، أَوْ يُقِيمَ بِهِ كَفِيلاً أَوْ يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال يَا رَسُول اللَّهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيل اللَّهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قَال: نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلاَّ الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَامُ قَال لِي ذَلِكَ (2) . وَلأَِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَرَامٍ وَالِدَ جَابِرٍ الصَّحَابِيِّ الْمَعْرُوفِ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ فَاسْتُشْهِدَ، وَقَضَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ مَعَ عِلْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، بَل مَدَحَهُ، وَقَال: مَا زَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ (3) . وَقَال لاِبْنِهِ جَابِرٍ: أَفَلاَ أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟ مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ، إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ وَكَلَّمَهُ كِفَاحًا (4) __________ (1) روضة الطالبين 10 / 210 - 211، ونهاية المحتاج 8 / 56، 57. (2) حديث: " أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . " أخرجه مسلم (3 / 1501 - ط الحلبي) من حديث أبي قتادة. (3) حديث: " ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 163 - ط السلفية) ومسلم (4 / 1918 - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله. (4) حديث: " أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك ". أخرجه الترمذي (5 / 230 - ط الحلبي) وقال: " هذا حديث حسن غريب ". وَلأَِنَّ الْجِهَادَ تُقْصَدُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ الَّتِي تَفُوتُ بِهَا النَّفْسُ، فَيَفُوتُ الْحَقُّ بِفَوَاتِهَا (1) . وَأَمَّا إِذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ إِذْنَ لِغَرِيمِهِ؛ لأَِنَّهُ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ، فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا فِي ذِمَّتِهِ كَسَائِرِ فُرُوضِ الأَْعْيَانِ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لاَ يَتَعَرَّضَ لِمَظَانِّ الْقَتْل مِنَ الْمُبَارَزَةِ، وَالْوُقُوفِ فِي أَوَّل الْمُقَاتِلَةِ؛ لأَِنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِتَفْوِيتِ الْحَقِّ، بَل يَقِفُ وَسَطَ الصَّفِّ أَوْ حَاشِيَتِهِ حِفْظًا لِلدَّيْنِ (2) . ج - إِذْنُ الإِْمَامِ: 14 - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ الْغَزْوُ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ أَوِ الأَْمِيرِ الْمُوَلَّى مِنْ قِبَلِهِ؛ لأَِنَّ الْغَزْوَ عَلَى حَسَبِ حَال الْحَاجَةِ، وَالإِْمَامُ أَوِ الأَْمِيرُ أَعْرَفُ بِذَلِكَ، وَلاَ يَحْرُمُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنَ التَّغْرِيرِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّغْرِيرُ بِالنَّفْسِ يَجُوزُ فِي الْجِهَادِ. وَلأَِنَّ أَمْرَ الْحَرْبِ مَوْكُولٌ إِلَى الأَْمِيرِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ وَقِلَّتِهِمْ، وَمَكَامِنِ الْعَدُوِّ وَكَيْدِهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُرْجَعَ إِلَى رَأْيِهِ؛ لأَِنَّهُ أَحْوَطُ __________ (1) المغني 8 / 359، 360، وكشاف القناع 3 / 44، 45. (2) ابن عابدين 3 / 221، وحاشية الدسوقي 2 / 175، وجواهر الإكليل 1 / 252، ونهاية المحتاج 8 / 57، وروضة الطالبين 10 / 214، والمغني 8 / 360، وكشاف القناع 3 / 45. لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا لَمْ تَجُزِ الْمُبَارَزَةُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَالْغَزْوُ أَوْلَى، إِلاَّ أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ يَخَافُونَ تَمَكُّنَهُ، فَلاَ يُمْكِنُهُمُ الاِسْتِئْذَانُ، فَيَسْقُطُ الإِْذْنُ بِاقْتِضَاءِ قِتَالِهِمْ، وَالْخُرُوجُ إِلَيْهِمْ لِحُصُول الْفَسَادِ بِتَرْكِهِمُ انْتِظَارًا لِلإِْذْنِ. وَدَلِيل ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَغَارَ الْكُفَّارُ عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَادَفَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ الأَْكْوَعِ خَارِجًا مِنَ الْمَدِينَةِ فَتَبِعَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، فَمَدَحَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَال: خَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ بْنُ الأَْكْوَعِ، وَأَعْطَاهُ سَهْمَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ (1) . الْجِهَادُ مَعَ الأَْئِمَّةِ: 15 - صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ يُغْزَى مَعَ أَمِيرِ جَيْشٍ وَلَوْ كَانَ جَائِرًا ارْتِكَابًا لأَِخَفِّ الضَّرَرَيْنِ؛ وَلأَِنَّ تَرْكَ الْجِهَادِ مَعَهُ سَوْفَ يُفْضِي إِلَى قَطْعِ الْجِهَادِ، وَظُهُورِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِئْصَالِهِمْ وَظُهُورِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَنُصْرَةُ الدِّينِ وَاجِبَةٌ. وَكَذَا مَعَ ظَالِمٍ فِي أَحْكَامِهِ، أَوْ فَاسِقٍ بِجَارِحَةٍ، لاَ مَعَ غَادِرٍ يَنْقُضُ الْعَهْدَ (2) __________ (1) المهذب 2 / 229، ونهاية المحتاج 8 / 60، وروضة الطالبين 10 / 238، والمغني 8 / 364. وحديث " خير رجالتنا سلمة بن الأكوع. . . " أخرجه مسلم (3 / 1439 ط الحلبي) من حديث سلمة بن الأكوع. (2) ابن عابدين 3 / 222، وجواهر الإكليل 1 / 251، وحاشية الدسوقي 2 / 174، والمغني 8 / 350. شُرُوطُ وُجُوبِ الْجِهَادِ: أ - الإِْسْلاَمُ: 16 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْجِهَادِ: الإِْسْلاَمَ؛ لأَِنَّهُ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ سَائِرِ الْفُرُوعِ؛ وَلأَِنَّ الْكَافِرَ غَيْرُ مَأْمُونٍ فِي الْجِهَادِ، وَلاَ يَأْذَنُ لَهُ الإِْمَامُ بِالْخُرُوجِ مَعَ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى بَدْرٍ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَال لَهُ: تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَال: لاَ، قَال: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ (1) . وَلأَِنَّ مَا يُخَافُ مِنَ الضَّرَرِ بِحُضُورِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يُرْجَى مِنَ الْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ لاَ يُؤْمَنُ مَكْرُهُ وَغَائِلَتُهُ؛ لِخُبْثِ طَوِيَّتِهِ، وَالْحَرْبُ تَقْتَضِي الْمُنَاصَحَةَ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. ب - الْعَقْل: 17 - الْمَجْنُونُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، وَلاَ يَتَأَتَّى مِنْهُ. ج - الْبُلُوغُ: 18 - لاَ يَجِبُ الْجِهَادُ عَلَى الصَّبِيِّ غَيْرِ الْبَالِغِ ضَعِيفِ الْبِنْيَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: عُرِضْتُ عَلَى __________ (1) حديث: " فارجع فلن أستعين بمشرك. . . " أخرجه مسلم (3 / 1450 - ط الحلبي) من حديث عائشة. رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يُجِزْنِي فِي الْمُقَاتِلَةِ (1) . وَقَدْ رَدَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَعَرَّابَةَ بْنَ أَوْسٍ، فَجَعَلَهُمْ حَرَسًا لِلذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ (2) ، وَلأَِنَّ الْجِهَادَ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ فَلاَ يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَالْحَجِّ. د - الذُّكُورَةُ: 19 - تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ لِوُجُوبِ الْجِهَادِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ، هَل عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ فَقَال: جِهَادٌ لاَ قِتَال فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ (3) . __________ (1) حديث ابن عمر: " عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . " أخرجه البخاري (الفتح 5 / 276 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1490 - ط الحلبي) . وانظر: فتح القدير 5 / 193 وما بعدها، وابن عابدين 3 / 221، 222، والمدونة 3 / 5 وحاشية الدسوقي 2 / 175 والمهذب 2 / 230، ونهاية المحتاج 8 / 52 وروضة الطالبين 10 / 209، 210، والمغني 8 / 347، وكشاف القناع 3 / 62. (2) حديث: " وقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. . . " أخرجه البخاري (الفتح 7 / 290 - ط السلفية) . (3) حديث: " جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة ". أخرجه ابن ماجه (2 / 968 - ط الحلبي) وصححه ابن خزيمة (4 / 359 - ط المكتب الإسلامي) من حديث عائشة. وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ الْجِهَادُ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ فِي الأَْحْوَال الثَّلاَثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. أَمَّا إِخْرَاجُ النِّسَاءِ مَعَ الْمُجَاهِدِينَ فَيُكْرَهُ فِي سَرِيَّةٍ لاَ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّ فِيهِ تَعْرِيضَهُنَّ لِلضَّيَاعِ، وَيَمْنَعُهُنَّ الإِْمَامُ مِنَ الْخُرُوجِ لِلاِفْتِتَانِ بِهِنَّ، وَلَسْنَ مِنْ أَهْل الْقِتَال لاِسْتِيلاَءِ الْخَوَرِ وَالْجُبْنِ عَلَيْهِنَّ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ ظَفَرُ الْعَدُوِّ بِهِنَّ، فَيَسْتَحِلُّونَ مِنْهُنَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِاسْتِثْنَاءِ امْرَأَةِ الأَْمِيرِ لِحَاجَتِهِ، أَوِ امْرَأَةٍ طَاعِنَةٍ فِي السِّنِّ لِمَصْلَحَةٍ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يُؤْذَنُ لِمِثْلِهِمَا؛ لِمَا رَوَتْ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَسْقِي الْقَوْمَ وَنَخْدُمَهُمُ الْمَاءَ، وَنَرُدُّ الْجَرْحَى وَالْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ (1) . وَلَكِنْ لاَ بَأْسَ بِإِخْرَاجِ النِّسَاءِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانُوا عَسْكَرًا عَظِيمًا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ السَّلاَمَةُ، وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقَّقِ. وَلاَ يَجِبُ الْجِهَادُ عَلَى خُنْثَى مُشْكِلٍ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُعْلَمُ كَوْنُهُ ذَكَرًا، فَلاَ يَجِبُ مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهِ (2) . __________ (1) حديث الربيع بنت معوذ: " كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 80 - ط السلفية) . وانظر المغني 8 / 365، 366. (2) المرجع السابق. هـ - الْقُدْرَةُ عَلَى مُؤْنَةِ الْجِهَادِ: 20 - يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْجِهَادِ الْقُدْرَةُ عَلَى تَحْصِيل السِّلاَحِ. وَكَذَلِكَ لاَ يَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ الَّذِي لاَ يَجِدُ مَا يُنْفِقُ فِي طَرِيقِهِ فَاضِلاً عَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَل: {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ (1) } . فَإِنْ كَانَ الْقِتَال عَلَى بَابِ الْبَلَدِ أَوْ حَوَالَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نَفَقَةِ الطَّرِيقِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلاَةُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَسِيلَةٍ تَنْقُلُهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (2) } . وَإِنْ بَذَل لَهُ الإِْمَامُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ وَسِيلَةِ نَقْلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَل وَيُجَاهِدَ؛ لأَِنَّ مَا يُعْطِيهِ الإِْمَامُ حَقٌّ لَهُ، وَإِنْ بَذَل لَهُ غَيْرُ الإِْمَامِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ (3) . و السَّلاَمَةُ مِنَ الضَّرَرِ: 21 - لاَ يَجِبُ الْجِهَادُ عَلَى الْعَاجِزِ غَيْرِ __________ (1) سورة التوبة / 91. (2) سورة التوبة / 92. (3) ابن عابدين 3 / 220، 221 وحاشية الدسوقي 2 / 175، وروضة الطالبين 10 / 210 والمغني 8 / 348. الْمُسْتَطِيعِ؛ لأَِنَّ الْعَجْزَ يَنْفِي الْوُجُوبَ، وَالْمُسْتَطِيعُ هُوَ الصَّحِيحُ فِي بَدَنِهِ مِنَ الْمَرَضِ. وَمِنْ ثَمَّ فَلاَ يَخْرُجُ الْمَرِيضُ الدَّنَفُ الَّذِي يَمْنَعُهُ مَرَضُهُ مِنَ الرُّكُوبِ أَوِ الْقِتَال، بِأَنْ تَحْصُل لَهُ مَشَقَّةٌ لاَ تُحْتَمَل عَادَةً. وَلاَ يَسْقُطُ وُجُوبُ الْجِهَادِ بِالْمَرَضِ إِنْ كَانَ يَسِيرًا لاَ يَمْنَعُهُ، كَوَجَعِ ضِرْسٍ، وَصُدَاعٍ خَفِيفٍ، وَنَحْوِهِمَا؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَعَذَّرُ مَعَهُمَا الْجِهَادُ (1) . وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ دُونَ الْقِتَال فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ لِتَكْثِيرِ السَّوَادِ إِرْهَابًا (2) . وَكَالْمَرِيضِ مَنْ لَهُ مَرِيضٌ لاَ مُتَعَهِّدَ لَهُ غَيْرُهُ (3) . وَلاَ يَخْرُجُ الأَْعْمَى، وَلاَ الأَْعْرَجُ، وَلاَ الْمُقْعَدُ، وَلاَ الأَْقْطَعُ، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْعْذَارَ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الْجِهَادِ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الأَْعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَْعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ (4) } . وَقَال: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ (5) } . __________ (1) حاشية رد المحتار 3 / 221 ونهاية المحتاج 8 / 55، والمغني 8 / 348 وكشاف القناع 3 / 36. (2) رد المحتار 3 / 221، وفتح القدير 5 / 193. (3) نهاية المحتاج 8 / 55. (4) سورة الفتح / 17. (5) سورة التوبة / 92. فَأَمَّا الأَْعْمَى فَمَعْرُوفٌ أَنَّهُ لاَ يَصْلُحُ لِلْقِتَال فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، وَكَالأَْعْمَى ذُو رَمَدٍ، وَضَعِيفُ بَصَرٍ لاَ يُمْكِنُهُ اتِّقَاءُ السِّلاَحِ، فَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ الشَّخْصَ وَمَا يَتَّقِيهِ مِنَ السِّلاَحِ وَجَبَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَال، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَال. وَيَجِبُ عَلَى الأَْعْوَرِ وَالأَْعْشَى، وَهُوَ الَّذِي يُبْصِرُ فِي النَّهَارِ دُونَ اللَّيْل؛ لأَِنَّهُ كَالْبَصِيرِ فِي الْقِتَال (1) . وَأَمَّا الْعَرَجُ فَالْمَقْصُودُ بِهِ الْعَرَجُ الْفَاحِشُ الَّذِي يَمْنَعُ الْمَشْيَ الْجَيِّدَ وَالرُّكُوبَ كَالزَّمَانَةِ وَنَحْوِهَا، وَهُوَ عَرَجٌ بَيِّنٌ، وَلَوْ كَانَ فِي رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا كَانَ يَسِيرًا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنَ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ شِدَّةُ الْعَدُوِّ، فَلاَ يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَ الْجِهَادِ، لأَِنَّهُ مُمْكِنٌ فَشَابَهَ الأَْعْوَرَ. وَمِثْل الأَْعْرَجِ الأَْقْطَعُ وَالأَْشَل وَلَوْ لِمُعْظَمِ أَصَابِعِ يَدٍ وَاحِدَةٍ، إِذْ لاَ بَطْشَ لَهُمَا وَلاَ نِكَايَةَ، وَمِثْلُهُمَا فَاقِدُ الأَْنَامِل. وَلاَ تَأْثِيرَ لِقَطْعِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ إِذَا أَمْكَنَ مَعَهُ الْمَشْيُ مِنْ غَيْرِ عَرَجٍ بَيِّنٍ (2) . مَنْ يَمْنَعُهُ الإِْمَامُ مِنَ الْخُرُوجِ فِي الْجِهَادِ: 22 - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُسَنُّ لِلإِْمَامِ __________ (1) نهاية المحتاج 8 / 55 ط مصطفى البابي الحلبي، والمهذب 2 / 228، وكشاف القناع 3 / 36. (2) نهاية المحتاج 8 / 55، والمهذب 2 / 228. أَوْ نَائِبِهِ مَنْعُ مُخَذِّلٍ وَمُرْجِفٍ مِنَ الْخُرُوجِ وَحُضُورِ الصَّفِّ وَإِخْرَاجِهِ مِنْهُ مَا لَمْ يَخْشَ فِتْنَةً، بَل يُتَّجَهُ وُجُوبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُول ذَلِكَ مِنْهُ وَأَنَّ بَقَاءَهُ مُضِرٌّ بِغَيْرِهِ (1) . وَالْمُخَذِّل مَنْ يَصُدُّ غَيْرَهُ عَنِ الْغَزْوِ وَيُزَهِّدُهُمْ فِي الْخُرُوجِ إِلَيْهِ مِثْل أَنْ يَقُول: الْحَرُّ أَوِ الْبَرْدُ شَدِيدٌ، وَالْمَشَقَّةُ شَدِيدَةٌ، وَلاَ تُؤْمَنُ هَزِيمَةُ الْجَيْشِ وَأَشْبَاهُ هَذَا. يَقُول اللَّهُ عَزَّ وَجَل: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأََوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ (2) } . قِيل فِي التَّفْسِيرِ: لأََوْقَعُوا بَيْنَكُمُ الاِخْتِلاَفَ، وَقِيل: لأََسْرَعُوا فِي تَفْرِيقِ جَمْعِكُمْ (3) . وَالْمُرْجِفُ هُوَ الَّذِي يَقُول: هَلَكَتْ سَرِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَمَا لَهُمْ مَدَدٌ وَلاَ طَاقَةَ لَهُمْ بِالْكُفَّارِ وَنَحْوُ هَذَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيل اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (4) } . وَلاَ يَأْذَنُ لِمَنْ يُعِينُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالتَّجَسُّسِ لِلْكُفَّارِ، وَإِطْلاَعِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَمُكَاتَبَتِهِمْ بِأَخْبَارِهِمْ، وَدَلاَلَتِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ، أَوْ إِيوَاءِ جَوَاسِيسِهِمْ، وَلاَ مَنْ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ __________ (1) نهاية المحتاج 8 / 57، والمغني 8 / 351، وروضة الطالبين 10 / 240. (2) سورة التوبة / 47. (3) المهذب 2 / 230. (4) سورة التوبة / 46. الْمُسْلِمِينَ وَيَسْعَى بِالْفَسَادِ، للآية: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ} ؛ وَلأَِنَّ هَؤُلاَءِ مَضَرَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَلْزَمُهُ مَنْعُهُمْ (1) . وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُ أَحَدُ هَؤُلاَءِ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ، وَلَمْ يُرْضَخْ، وَإِنْ أَظْهَرَ عَوْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ أَظْهَرَهُ نِفَاقًا وَقَدْ ظَهَرَ دَلِيلُهُ، فَيَكُونُ مُجَرَّدَ ضَرَرٍ فَلاَ يَسْتَحِقُّ مِمَّا غَنِمُوا شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ الأَْمِيرُ أَحَدَ هَؤُلاَءِ لَمْ يُسْتَحَبَّ الْخُرُوجُ مَعَهُ؛ لأَِنَّهُ إِذَا مَنَعَ خُرُوجَ الْمُخَذِّل، وَالْمُرْجِفِ، وَالْجَاسُوسِ وَنَحْوِهِمْ، تَبَعًا فَمَتْبُوعًا أَوْلَى؛ وَلأَِنَّهُ لاَ تُؤْمَنُ الْمَضَرَّةُ عَلَى مَنْ صَحِبَهُ (2) . هَذَا، وَكُل عُذْرٍ مَنَعَ وُجُوبَ الْحَجِّ مَنَعَ وُجُوبَ الْجِهَادِ إِلاَّ خَوْفَ طَرِيقٍ مِنْ كُفَّارٍ، فَإِنَّهُ وَإِنْ مَنَعَ وُجُوبَ الْحَجِّ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِهَادِ؛ لأَِنَّ مَبْنَى الْجِهَادِ عَلَى رُكُوبِ الْمَخَاوِفِ. الْقِتَال عَلَى جُعْلٍ: 23 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَخْذُ الْجُعْل عَلَى الْجِهَادِ، مَا دَامَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيْءٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ ضَرُورَةَ إِلَيْهِ، وَمَال بَيْتِ الْمَال مُعَدٌّ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ؛ لأَِنَّ حَقِيقَةَ الأَْجْرِ عَلَى الطَّاعَةِ حَرَامٌ، فَمَا يُشْبِهُهُ مَكْرُوهٌ. __________ (1) المغني 8 / 351. (2) المغني 8 / 351، وروضة الطالبين 10 / 240. وَقَدْ نُقِل عَنْ مَالِكٍ كَرَاهِيَتُهُ الشَّدِيدَةُ لِلْقِتَال عَلَى جُعْلٍ. وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ فِي بَيْتِ الْمَال لاَ يُكْرَهُ الْجُعْل لِلضَّرُورَةِ، وَهُوَ دَفْعُ الضَّرَرِ الأَْعْلَى - أَيْ تَعَدِّي شَرِّ الْكُفَّارِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ - بِالأَْدْنَى وَهُوَ الْجُعْل قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فَيُلْتَزَمُ الضَّرَرُ الْخَاصُّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْعَامِّ. إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَشْتَرِطُونَ فِي جَوَازِ الْجُعْل أَنْ تَكُونَ الْخُرْجَةُ وَاحِدَةً، كَأَنْ يَقُول الْجَاعِل لِلْخَارِجِ عَنْهُ: أُجَاعِلُكَ بِكَذَا عَلَى أَنْ تَخْرُجَ بَدَلاً عَنِّي فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَمَّا لَوْ تَعَاقَدَ مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ كُلَّمَا حَصَل الْخُرُوجُ لِلْجِهَادِ خَرَجَ نَائِبًا عَنْهُ فَلاَ يَجُوزُ لِقُوَّةِ الْغَرَرِ، فَالْمُرَادُ بِالْخُرْجَةِ الْمَرَّةُ مِنَ الْخُرُوجِ. وَكَذَلِكَ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْجِهَادِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ لَزِمَهُ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَخْذُ الْجُعْل. وَإِذَا قَال الْقَاعِدُ لِلْغَازِي، خُذْ هَذَا الْمَال لِتَغْزُوَ بِهِ عَنِّي لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُ اسْتِئْجَارٌ عَلَى الْجِهَادِ، بِخِلاَفِ قَوْلِهِ: فَاغْزُ بِهِ (1) . وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يُجَاهِدُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ بِعِوَضٍ، أَوْ غَيْرِ عِوَضٍ؛ لأَِنَّهُ إِذَا حَضَرَ الْقِتَال تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْفَرْضُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَلاَ يُؤَدِّيهِ عَنْ غَيْرِهِ. وَلاَ يَصِحُّ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ غَيْرِهِ اسْتِئْجَارُ مُسْلِمٍ __________ (1) ابن عابدين 3 / 222، والمدونة 3 / 31، 44. لِلْجِهَادِ؛ لأَِنَّهُ يَقَعُ عَنِ الْمُبَاشِرِ عَنْ نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ. وَمَا يَأْخُذُهُ الْمُجَاهِدُونَ مِنَ الدِّيوَانِ مِنَ الْفَيْءِ، وَمَا يَأْخُذُهُ الْمُتَطَوِّعُ مِنَ الزَّكَاةِ إِعَانَةٌ لاَ أُجْرَةٌ. وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْغَزْوِ لاَ أُجْرَةَ لَهُ إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَإِلاَّ اسْتَحَقَّهَا مِنْ خُرُوجِهِ إِلَى حُضُورِهِ الْوَاقِعَةِ (1) . أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ قَال الْخِرَقِيُّ: إِذَا اسْتَأْجَرَ الأَْمِيرُ قَوْمًا يَغْزُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِمَنَافِعِهِمْ لَمْ يُسْهَمْ لَهُمْ وَأُعْطُوا مَا اسْتُؤْجِرُوا بِهِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، فَقَال فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَحَنْبَلٍ: فِي الإِْمَامِ يَسْتَأْجِرُ قَوْمًا يَدْخُل بِهِمْ بِلاَدَ الْعَدُوِّ لاَ يُسْهِمُ لَهُمْ، وَيُوَفِّي لَهُمْ بِمَا اسْتُؤْجِرُوا عَلَيْهِ، وَقَال الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى اسْتِئْجَارِ مَنْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ كَالْعَبِيدِ وَالْكُفَّارِ. أَمَّا الرِّجَال الْمُسْلِمُونَ الأَْحْرَارُ فَلاَ يَصِحُّ اسْتِئْجَارُهُمْ عَلَى الْجِهَادِ؛ لأَِنَّ الْغَزْوَ يَتَعَيَّنُ بِحُضُورِ الْغَزْوِ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ، فَإِذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْفَرْضُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ، كَمَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ. ثُمَّ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُحْتَمَل أَنْ يُحْمَل كَلاَمُ أَحْمَدَ __________ (1) روضة الطالبين 10 / 240، 241، ونهاية المحتاج 8 / 62، 63، والمهذب 2 / 227. وَالْخِرَقِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي صِحَّةِ الاِسْتِئْجَارِ عَلَى الْغَزْوِ لِمَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لِلْغَازِي أَجْرُهُ وَلِلْجَاعِل أَجْرُهُ (1) . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَل الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِي وَيَأْخُذُونَ الْجُعْل، وَيَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ، مَثَل أُمِّ مُوسَى تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ أَجْرَهَا (2) وَلأَِنَّهُ أَمْرٌ لاَ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الْقُرْبَةِ فَصَحَّ الاِسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، أَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ الْجِهَادُ فَصَحَّ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ، وَيُفَارِقُ الْحَجَّ حَيْثُ إِنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ، وَأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ، وَفِي الْمَنْعِ مِنْ أَخْذِ الْجُعْل عَلَيْهِ تَعْطِيلٌ لَهُ وَمَنْعٌ لَهُ مِمَّا فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ نَفْعٌ وَبِهِمْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بِخِلاَفِ الْحَجِّ (3) . __________ (1) حديث: " للغازي أجره وللجاعل أجره " أخرجه أبو داود (3 / 37 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عبد الله بن عمرو وحسنه السيوطي كما في فيض القدير (5 / 291 - ط المكتبة التجارية) . (2) حديث: " مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل. . . " أخرجه أبو داود في مراسليه كما في تحفة الأشراف للمزي (13 / 155 - ط الدار القيمة) من حديث سعيد بن جبير مرسلا، وعزاه كذلك المتقي الهندي إلى أبي نعيم والبيهقي عن جبير. كذا في كنز العمال (4 / 336 - ط الرسالة) . (3) المغني 8 / 467. وَأَمَّا الاِسْتِفَادَةُ مِنَ الْجُعْل عِنْدَ مَنْ قَال بِهِ فِي غَيْرِ الْجِهَادِ، فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْغَازِي أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ الْجُعْل لِنَفَقَةِ عِيَالِهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَهَيَّأُ لَهُ الْخُرُوجُ إِلاَّ بِهِ (1) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَتْرُكُ لأَِهْلِهِ مِنْهُ شَيْئًا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكِهِ إِلاَّ أَنْ يَصِل إِلَى رَأْسِ مَغْزَاهُ فَيَكُونُ كَمَالِهِ، فَيَبْعَثُ إِلَى عِيَالِهِ مِنْهُ، وَلاَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْل الْخُرُوجِ لِئَلاَّ يَتَخَلَّفَ عَنِ الْغَزْوِ، فَلاَ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِمَا أَنْفَقَهُ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ سِلاَحًا أَوْ آلَةً لِلْغَزْوِ (2) . وَمَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا مِنَ الْمَال يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَزْوَةٍ بِعَيْنِهَا فَمَا فَضَل بَعْدَهَا فَهُوَ لَهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَابِلَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَعْطَى شَيْئًا فِي الْغَزْوِ يَقُول لِصَاحِبِهِ: إِذَا بَلَغْتَ وَادِيَ الْقُرَى فَشَأْنُكَ بِهِ. وَلأَِنَّهُ أَعْطَاهُ عَلَى سَبِيل الْمُعَاوَنَةِ وَالنَّفَقَةِ، لاَ عَلَى سَبِيل الإِْجَارَةِ، فَكَانَ الْفَاضِل لَهُ، وَإِنْ أَعْطَاهُ شَيْئًا لِيُنْفِقَهُ فِي الْغَزْوِ مُطْلَقًا، فَفَضَل مِنْهُ فَضْلٌ، أَنْفَقَهُ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى؛ لأَِنَّهُ أَعْطَاهُ الْجَمِيعَ لِيُنْفِقَهُ فِي جِهَةِ قُرْبَةٍ فَلَزِمَهُ إِنْفَاقُ الْجَمِيعِ فِيهَا (3) . __________ (1) ابن عابدين 3 / 222. (2) المغني 8 / 370. (3) المرجع السابق. الدَّعْوَةُ قَبْل الْقِتَال 24 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَل الْمُسْلِمُونَ دَارَ الْحَرْبِ فَحَاصَرُوا مَدِينَةً أَوْ حِصْنًا دَعَوُا الْكُفَّارَ إِلَى الإِْسْلاَمِ؛ لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا قَاتَل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا حَتَّى دَعَاهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ فَإِنْ أَجَابُوا كَفُّوا عَنْ قِتَالِهِمْ لِحُصُول الْمَقْصُودِ، وَقَدْ قَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِْسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ (1) . وَإِنِ امْتَنَعُوا دَعَوْهُمْ إِلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ تُقْبَل مِنْهُ الْجِزْيَةُ، وَأَمَّا مَنْ لاَ تُقْبَل مِنْهُ كَالْمُرْتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الأَْوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ فَلاَ فَائِدَةَ فِي دَعْوَتِهِمْ إِلَى قَبُول الْجِزْيَةِ. وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الرِّسَالَةُ لِقَطْعِ حُجَّتِهِمْ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُمُ الإِْسْلاَمُ قَبْل الْعِلْمِ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَل: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} ، وَلاَ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ عَلَى مَا لاَ يَلْزَمُهُمْ، وَلِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَال: إِذَا لَقِيتَ __________ (1) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس. . . " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 75 - ط السلفية) ومسلم (1 / 53 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر. عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّل مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوَا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْل حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَل لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلاَ تَجْعَل لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلاَ ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَل لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ إِنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ، أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْل حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَلاَ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ (1) . __________ (1) حديث: " كان إذا بعث أميرا على جيش أو سرية. . . " أخرجه مسلم (3 / 1357 - 1358 - ط الحلبي) . وانظر: الاختيار 4 / 118 وفتح القدير 5 / 195 وما بعدها وحاشية رد المحتار 3 / 222، وحاشية الدسوقي 2 / 176، وجواهر الإكليل 1 / 252، والمهذب 2 / 231، وكشاف القناع 3 / 40، والمغني 8 / 361. وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَصِيَّةِ أُمَرَاءِ الأَْجْنَادِ: فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؛ وَلأَِنَّهُمْ بِالدَّعْوَةِ يَعْلَمُونَ أَنَّا نُقَاتِلُهُمْ عَلَى الدِّينِ لاَ عَلَى سَلْبِ الأَْمْوَال وَسَبْيِ الذَّرَارِيِّ، فَلَعَلَّهُمْ يُجِيبُونَ فَنُكْفَى مُؤْنَةَ الْقِتَال (1) . قَال الْمَالِكِيَّةُ. وَدَعْوَةُ الْكُفَّارِ وُجُوبًا إِلَى الإِْسْلاَمِ تَسْتَمِرُّ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي كُل يَوْمٍ مَرَّةً، فَإِذَا دُعُوا أَوَّل الثَّالِثِ قُوتِلُوا فِي أَوَّل الرَّابِعِ بَعْدَ دَعْوَتِهِمْ فِيهِ لأَِدَاءِ الْجِزْيَةِ وَامْتِنَاعِهِمْ، وَلاَ تَجِبُ دَعْوَتُهُمْ لِلإِْسْلاَمِ لاَ فِي بَقِيَّةِ الثَّالِثِ، وَلاَ فِي أَوَّل الرَّابِعِ. ثُمَّ إِنْ أَبَوْا قَبُول الإِْسْلاَمِ دُعُوا إِلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي أَوَّل الْيَوْمِ الرَّابِعِ إِجْمَالاً، إِلاَّ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ تَفْصِيلِهَا بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ فِيهِ غَدْرُهُمْ لِكَوْنِهِمْ تَنَالُهُمْ فِيهِ أَحْكَامُنَا، وَإِلاَّ بِأَنْ لَمْ يُجِيبُوا أَوْ أَجَابُوا وَلَكِنْ بِمَحَلٍّ لاَ تَنَالُهُمْ أَحْكَامُنَا فِيهِ، وَلَمْ يَرْتَحِلُوا لِبِلاَدِنَا قُوتِلُوا وَقُتِلُوا (2) . وَلَوْ قَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ قَبْل الدَّعْوَةِ أَثِمُوا لِلنَّهْيِ، وَلاَ يَضْمَنُ الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا مِمَّا أَتْلَفُوهُ مِنَ الدِّمَاءِ وَالأَْمْوَال عِنْدَ __________ (1) حديث: " وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمراء الأجناد " سبق تخريجه بهذا المعنى آنفا ف / 24. وانظر: شرح فتح القدير 5 / 195 وما بعدها، وحاشية رد المحتار 3 / 223. (2) حاشية الدسوقي 2 / 176 وجواهر الإكليل 1 / 252. الْحَنَفِيَّةِ مَعَ الإِْثْمِ، وَهَذَا لِعَدَمِ الْعَاصِمِ وَهُوَ الدِّينُ، أَوِ الإِْحْرَازُ بِالدَّارِ، فَصَارَ كَقَتْل النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ (1) . هَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَذَلِكَ إِنْ وُجِدَ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ دُعُوا قَبْل الْقِتَال. أَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ، فَإِنَّهُ لاَ تَجِبُ دَعْوَتُهُمْ؛ لأَِنَّ الدَّعْوَةَ قَدِ انْتَشَرَتْ وَعَمَّتْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إِلاَّ نَادِرٌ بَعِيدٌ. ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْفَتْحِ: أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ بِأَنَّ هَؤُلاَءِ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ (2) . قَال أَحْمَدُ: إِنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْ وَانْتَشَرَتْ، وَلَكِنْ إِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ قَوْمٌ خَلْفَ الرُّومِ وَخَلْفَ التُّرْكِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ قَبْل الدَّعْوَةِ (3) ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ (4) . . . الْحَدِيثَ. وَقَال مَالِكٌ: أَمَّا مَنْ قَارَبَ الدُّرُوبَ فَالدَّعْوَةُ __________ (1) السرخسي 10 / 30، وابن عابدين 3 / 223. (2) ابن عابدين 3 / 223. (3) المغني 8 / 362. (4) المدونة 3 / 2. وحديث: " إذا لقيت عدوك. . . " تقدم تخريجه آنفا ف / 24. مَطْرُوحَةٌ لِعِلْمِهِمْ بِمَا يُدْعَوْنَ إِلَيْهِ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبُغْضِ وَالْعَدَاوَةِ لِلدِّينِ وَأَهْلِهِ، وَمِنْ طُول مُعَارَضَتِهِمْ لِلْجُيُوشِ وَمُحَارَبَتِهِمْ لَهُمْ، فَلْتَطْلُبْ غِرَّتَهُمْ. وَلاَ تُحْدِثُ لَهُمُ الدَّعْوَةَ إِلاَّ تَحْذِيرًا وَأَخْذَ عِدَّةٍ لِمُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْعًا لِمَا رَجَاهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ. قَال مَالِكٌ: إِذَا عَاجَلَكَ أَهْل الْحَرْبِ عَنْ أَنْ تَدْعُوَهُمْ فَقَاتِلْهُمْ، وَسُئِل عَنْ قَوْمٍ أَتَوْا إِلَى قَوْمٍ فِي دِيَارِهِمْ فَأَرَادُوا قَتْلَهُمْ وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ. قَال مَالِكٌ: نَاشِدُوهُمْ بِاللَّهِ فَإِنْ أَبَوْا وَإِلاَّ فَالسَّيْفُ (1) . وَقَال يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: لاَ بَأْسَ بِابْتِغَاءِ عَوْرَةِ الْعَدُوِّ لَيْلاً وَنَهَارًا؛ لأَِنَّ دَعْوَةَ الإِْسْلاَمِ قَدْ بَلَغَتْهُمْ، وَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إِلَى خَيْبَرَ فَقَتَلُوا أَمِيرَهُمُ ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ غِيلَةً (2) ، وَكَذَلِكَ يُفْعَل بِقَوْمٍ إِنْ جَلَسْتَ بِأَرْضِكَ أَتَوْكَ، وَإِنْ سِرْتَ إِلَيْهِمْ قَاتَلُوكَ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَال: إِنْ كَانَ عَدُوٌّ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَلاَ أَمْرُ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُمْ يُدْعَوْنَ وَيُعْرَضُ عَلَيْهِمُ الإِْسْلاَمُ، وَتَسِيرُ إِلَيْهِمُ الأَْمْثَال، وَتُضْرَبُ لَهُمُ الْعِبَرُ، وَيُتْلَى عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْعُذْرُ فِي دُعَائِهِمْ وَأَبَوْا طُلِبَتْ عَوْرَتُهُمْ، وَالْتُمِسَتْ غَفْلَتُهُمْ، وَكَانَ __________ (1) المدونة 3 / 3. (2) حديث: " بعث إلى خيبر فقتلوا أميرهم ابن أبي الحقيق " أخرجه البخاري (الفتح 7 / 340 - ط السلفية) من حديث البراء بن عازب. الدُّعَاءُ فِيمَنْ أُعْذِرَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الإِْعْذَارِ تَحْذِيرًا لَهُمْ، وَفِي هَذَا ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (1) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ وُجُوبَ الدَّعْوَةِ قَبْل الْقِتَال يُحْتَمَل أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الأَْمْرِ قَبْل انْتِشَارِ الدَّعْوَةِ وَظُهُورِ الإِْسْلاَمِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدِ انْتَشَرَتِ الدَّعْوَةُ، فَاسْتُغْنِيَ بِذَلِكَ عَنِ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقِتَال. قَال أَحْمَدُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو إِلَى الإِْسْلاَمِ قَبْل أَنْ يُحَارِبَ، حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ الدِّينَ وَعَلاَ الإِْسْلاَمُ، وَلاَ أَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُدْعَى، قَدْ بَلَغَتِ الدَّعْوَةُ كُل أَحَدٍ، فَالرُّومُ قَدْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ وَعَلِمُوا مَا يُرَادُ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الدَّعْوَةُ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ. وَلَكِنْ إِذَا دُعِيَ مَنْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ فَلاَ بَأْسَ (2) . وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي الإِْنْذَارِ لِمَا رَوَى سَهْل بْنُ سَعْدٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ يَوْمَ خَيْبَرَ: انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِل بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ (3) ، إِلاَّ إِذَا تَضَمَّنَتْ دَعْوَتُهُمْ ضَرَرًا وَلَوْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ كَأَنْ يَسْتَعِدُّوا أَوْ يَتَحَصَّنُوا فَلاَ يَفْعَل. __________ (1) المدونة 3 / 3، 4. (2) المغني 8 / 361. (3) حديث: " أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم. . . " أخرجه البخاري (الفتح 7 / 476 - ط السلفية) . وَلَكِنَّ دَعْوَتَهُمْ لَيْسَتْ وَاجِبَةً؛ لأَِنَّهُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ (1) ، وَالْغَارَةُ لاَ تَكُونُ بِدَعْوَةٍ (2) . وَقَيَّدَ ابْنُ الْقَيِّمِ وُجُوبَ الدَّعْوَةِ لِمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ، وَاسْتِحْبَابُهَا لِمَنْ بَلَغَتْهُ بِمَا إِذَا قَصَدَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْكُفَّارُ قَاصِدِينَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَال فَلِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ دَفْعًا عَنْ نُفُوسِهِمْ وَحَرِيمِهِمْ (3) . الأَْمَانُ فِي حَال الْقِتَال: 25 - الأَْصْل أَنَّ إِعْطَاءَ الأَْمَانِ لِلْكُفَّارِ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ طَلَبَهُ مُبَاحٌ، وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا إِذَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى ضَرَرٍ أَوْ إِخْلاَلٍ بِوَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ. وَحُكْمُ الأَْمَانِ ثُبُوتُ الأَْمْنِ لِلْكَفَرَةِ عَنِ الْقَتْل وَالسَّبْيِ، وَغَنْمِ أَمْوَالِهِمْ، فَيَحْرُمُ بِوُجُودِ الأَْمَانِ قَتْل رِجَالِهِمْ، وَسَبْيُ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَاغْتِنَامُ أَمْوَالِهِمْ (4) . __________ (1) حديث: " أغار على بني المصطلق وهم غارون ". أخرجه البخاري (الفتح 5 / 170 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1356 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر. (2) شرح فتح القدير 5 / 195 وحاشية رد المحتار 3 / 223، والمهذب 2 / 231. (3) كشاف القناع 3 / 41. (4) البدائع 7 / 107، والشرح الصغير 2 / 288، وروضة الطالبين 10 / 281، والمغني مع الشرح الكبير 10 / 432. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (أَمَانٌ) (وَمُسْتَأْمَنٌ) . الاِسْتِعَانَةُ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى قِتَال الْعَدُوِّ: 26 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الاِسْتِعَانَةِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى قِتَال الْعَدُوِّ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ مَا عَدَا ابْنَ الْمُنْذِرِ، وَابْنَ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ إِلَى جَوَازِ الاِسْتِعَانَةِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ الإِْمَامُ حُسْنَ رَأْيِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَأْمَنَ خِيَانَتَهُمْ، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكْثُرَ الْمُسْلِمُونَ بِحَيْثُ لَوْ خَانَ الْمُسْتَعَانُ بِهِمْ وَانْضَمُّوا إِلَى الَّذِينَ يَغْزُونَهُمْ، أَمْكَنَهُمْ مُقَاوَمَتُهُمْ جَمِيعًا. وَشَرَطَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنْ يُخَالِفُوا مُعْتَقَدَ الْعَدُوِّ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - مَا عَدَا ابْنَ حَبِيبٍ - وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْل الْعِلْمِ مِنْهُمُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْجُوزَجَانِيُّ: لاَ تَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ بِمُشْرِكٍ (1) . وَتَفْصِيل الاِسْتِعَانَةِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي: (اسْتِعَانَةٌ) وَفِي: (أَهْل الْكِتَابِ) . أَمَّا اسْتِئْجَارُ الْكَافِرِ لِلْجِهَادِ فَقَدْ صَرَّحَ __________ (1) ابن عابدين 3 / 235، والمبسوط 10 / 33، وفتح القدير 5 / 242، 243 والحطاب 3 / 352، والمدونة 3 / 40، ومغني المحتاج 4 / 221، وروضة الطالبين 10 / 239، والمغني 8 / 414، وكشاف القناع 3 / 48. الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ ذِمِّيٍّ، وَمُسْتَأْمَنٍ، وَمُعَاهَدٍ، بَل حَرْبِيٍّ لِلْجِهَادِ مِنْ قِبَل الإِْمَامِ، حَيْثُ تَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ بِهِ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ دُونَ غَيْرِهِ أَيْ مِنَ الْغَنِيمَةِ؛ لأَِنَّ الْجِهَادَ لاَ يَقَعُ عَنْهُ فَلاَ يَأْخُذُ مِنَ الْغَنِيمَةِ؛ وَلأَِنَّهُ يُحْتَمَل فِي مُعَاقَدَةِ الْكُفَّارِ مَا لاَ يُحْتَمَل فِي مُعَاقَدَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الإِْمَامِ ذَلِكَ؛ لاِحْتِيَاجِ الْجِهَادِ إِلَى مَزِيدٍ مِنْ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ (1) . مُحَرَّمَاتُ الْجِهَادِ وَمَكْرُوهَاتُهُ: أ - الْقِتَال فِي الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ: 27 - الأَْشْهُرُ الْحُرُمُ هِيَ رَجَبٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَمُحَرَّمٌ. وَكَانَ الْبَدْءُ بِالْقِتَال فِي هَذِهِ الأَْشْهُرِ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ مُحَرَّمًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ (2) } ، وقَوْله تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُل قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ (3) } . وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ بَدْءَ الْقِتَال فِي الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ مَنْسُوخٌ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَنَاسِخُهُ قَوْله تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ __________ (1) نهاية المحتاج 8 / 62، 63 وما بعدها. (2) سورة التوبة / 36. (3) سورة البقرة / 217. حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (1) } وَبِغَزْوِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّائِفَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ. وَالْقَوْل الآْخَرُ: أَنَّهُ لاَ يَزَال مُحَرَّمًا، وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَغْزُو فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إِلاَّ أَنْ يُغْزَى، فَإِذَا حَضَرَهُ أَقَامَ حَتَّى يَنْسَلِخَ (2) . وَأَمَّا الْقِتَال فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ دَفْعًا فَيَجُوزُ إِجْمَاعًا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ (3) . ب - مَنْعُ إِخْرَاجِ الْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الشَّرْعِ فِي الْجِهَادِ: 28 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ السَّفَرُ بِالْمُصْحَفِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَالْغَزْوُ بِهِ، كَمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ فَإِنِّي لاَ آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ (4) ، وَلأَِنَّ إِخْرَاجَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى وُقُوعِهِ فِي يَدِ الْعَدُوِّ، وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ لاِسْتِخْفَافِهِمْ بِهِ __________ (1) سورة التوبة / 5. (2) حديث: " لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر. . . " أخرجه ابن جرير الطبري في تفسير (4 / 300 - ط دار المعارف) ، وإسناده صحيح. (3) المبسوط 10 / 2، 3، ونهاية المحتاج 8 / 45، وروضة الطالبين 10 / 204، وكشاف القناع 3 / 37. (4) حديث: " لا تسافروا بالقرآن فإني لا آمن أن يناله العدو ". أخرجه مسلم (3 / 1491 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر. وَهُوَ حَرَامٌ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ فَهُوَ حَرَامٌ. وَلَكِنْ لاَ يُكْرَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِخْرَاجُ الْمُصْحَفِ فِي جَيْشٍ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ، وَأَقَلُّهُ عِنْدَ الإِْمَامِ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَقَال ابْنُ الْهُمَامِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعَسْكَرُ الْعَظِيمُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَنْ تُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ (1) . وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ السَّفَرُ بِالْمُصْحَفِ لأَِرْضِهِمْ وَلَوْ مَعَ جَيْشٍ كَبِيرٍ، وَقَاسَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْمُصْحَفِ كُتُبَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ (2) . وَإِذَا دَخَل مُسْلِمٌ إِلَيْهِمْ بِأَمَانٍ جَازَ حَمْل الْمُصْحَفِ مَعَهُ إِذَا كَانُوا يُوفُونَ بِالْعَهْدِ؛ لأَِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ تَعَرُّضِهِمْ لَهُ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَمَانٌ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ إِرْسَال الْمُصْحَفِ إِلَيْهِمْ وَلَوْ طَلَبُوهُ لِيَتَدَبَّرُوهُ خَشْيَةَ إِهَانَتِهِمْ لَهُ، وَلاَ يَنْطَبِقُ هَذَا عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ الآْيَةُ وَنَحْوُهَا (3) . ج - مَنْ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ فِي الْجِهَادِ: 29 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ فِي الْجِهَادِ __________ (1) حديث: " لن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة ". أخرجه أبو داود (3 / 82 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (1 / 443 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (2) ابن عابدين 3 / 223، 224، والمبسوط 10 / 29، وحاشية الدسوقي 2 / 178، والمغني 1 / 149، 8 / 367. (3) ابن عابدين 3 / 224، والدسوقي 2 / 178. قَتْل النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَالْمَجَانِينِ، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِل، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقْتُولَةً، فَنَهَى عَنْ قَتْل النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ (1) . وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ قَتْل الشُّيُوخِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَبِهِ قَال مُجَاهِدٌ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلاَ طِفْلاً، وَلاَ امْرَأَةً (2) ، وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تَعْتَدُوا (3) } يَقُول: " لاَ تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ " وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْقِتَال فَلاَ يُقْتَل كَالْمَرْأَةِ، وَقَدْ أَوْمَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي وُجِدَتْ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَقَال: مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِل (4) . __________ (1) حديث: " نهى عن قتل النساء والصبيان ". أخرجه البخاري (الفتح 6 / 148 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1364 - ط الحلبي) . (2) حديث: " لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا ولا امرأة ". أخرجه أبو داود (3 / 86 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أنس بن مالك، وإسناده حسن لغيره. (3) سورة البقرة / 190. (4) حديث: " ما كانت هذه لتقاتل. . . " أخرجه أبو داود (3 / 122 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (2 / 122 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث رباح بن ربيع، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَجُوزُ قَتْل الشُّيُوخِ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ (1) } وَلِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ (2) . وَلأَِنَّهُمْ أَحْرَارٌ مُكَلَّفُونَ فَجَازَ قَتْلُهُمْ كَغَيْرِهِمْ. وَالْخِلاَفُ فِي قَتْل الزَّمِنِ وَالأَْعْمَى وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمَا كَيَابِسِ الشِّقِّ، وَمَقْطُوعِ الْيُمْنَى، أَوِ الْمَقْطُوعِ مِنْ خِلاَفٍ، كَالْخِلاَفِ فِي الشَّيْخِ (3) . وَلاَ يُقْتَل الرَّاهِبُ فِي صَوْمَعَتِهِ، وَلاَ أَهْل الْكَنَائِسِ الَّذِينَ لاَ يُخَالِطُونَ النَّاسَ، فَإِنْ خَالَطُوا قُتِلُوا كَالْقِسِّيسِ، وَلاَ سَائِحٌ فِي الْجِبَال لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ. وَالَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ، يُقْتَل فِي حَال إِفَاقَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِل (4) . وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْمَرِيضَ يُقْتَل إِذَا كَانَ مِمَّنْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا قَاتَل؛ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الإِْجْهَازِ عَلَى الْجَرِيحِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ، فَيَكُونُ __________ (1) سورة التوبة / 5. (2) حديث: " اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم " أخرجه الترمذي (4 / 145 - ط الحلبي) من حديث سمرة ابن جندب، وفي سنده انقطاع بين سمرة والراوي عنه. (3) البدائع 7 / 101، وابن عابدين 3 / 224، 225، وحاشية الدسوقي 2 / 176، ونهاية المحتاج 8 / 64، والمغني 8 / 477. (4) ابن عابدين 3 / 225، والبدائع 7 / 101. بِمَنْزِلَةِ الزَّمِنِ لاَ يُقْتَل؛ لأَِنَّهُ لاَ يَخَافُ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ إِلَى حَالٍ يُقَاتِل فِيهَا. وَكَذَلِكَ الْفَلاَّحُ الَّذِي لاَ يُقَاتِل، وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ لِقَوْل ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: " اتَّقُوا اللَّهَ فِي الْفَلاَّحِينَ الَّذِينَ لاَ يَنْصِبُونَ لَكُمُ الْحَرْبَ ". وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُقْتَل، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْمُشْرِكِينَ (1) . وَصَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَتْل رَسُول الْكُفَّارِ (2) . وَيَجُوزُ قَتْل مَنْ قَاتَل مِمَّنْ ذَكَرْنَا وَلَوِ امْرَأَةً؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَل يَوْمَ قُرَيْظَةَ امْرَأَةً طَرَحَتِ الرَّحَا عَلَى خَلاَّدِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقَتَلَتْهُ (3) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا، وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ؛ لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَقَال: مَنْ قَتَل هَذِهِ؟ قَال رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: وَلِمَ؟ قَال: نَازَعَتْنِي قَائِمَ سَيْفِي. قَال: فَسَكَتَ (4) . __________ (1) المغني 8 / 478، 479. (2) روضة الطالبين 10 / 244، ونهاية المحتاج 8 / 64. (3) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم قريظة. . . " أخرجه ابن إسحاق في المغازي كما في السيرة النبوية لابن كثير (3 / 242 - نشر دار إحياء التراث) . (4) حديث: " من قتل هذه؟ " أخرجه أبو داود في المراسيل كما في التلخيص الحبير (4 / 102 - ط شركة الطباعة الفنية) . وَلأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فَقَال: مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِل وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ قَتْل الْمَرْأَةِ إِذَا لَمْ تُقَاتِل (1) . وَكَذَلِكَ يُقْتَل كُلٌّ مِنْ هَؤُلاَءِ إِذَا كَانَ مَلِكًا، أَوْ ذَا رَأْيٍ يُعِينُ فِي الْحَرْبِ؛ لأَِنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ قُتِل يَوْمَ حُنَيْنٍ وَهُوَ شَيْخٌ لاَ قِتَال فِيهِ، وَكَانُوا خَرَجُوا بِهِ يَتَيَمَّنُونَ بِهِ وَيَسْتَعِينُونَ بِرَأْيِهِ، فَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْلَهُ (2) ، وَلأَِنَّ الرَّأْيَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَعُونَةِ فِي الْحَرْبِ. أَمَّا الأَْخْرَسُ وَالأَْصَمُّ، وَأَقْطَعُ الْيَدِ الْيُسْرَى، أَوْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ فَيُقْتَل؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَاتِل رَاكِبًا (3) . وَلَوْ قَتَل مَنْ لاَ يَحِل قَتْلُهُ مِمَّنْ ذُكِرَ، فَعَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالاِسْتِغْفَارُ فَقَطْ كَسَائِرِ الْمَعَاصِي، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ دِيَةٍ وَلاَ كَفَّارَةٍ؛ لأَِنَّ دَمَ الْكَافِرِ لاَ يَتَقَوَّمُ إِلاَّ بِالأَْمَانِ، وَلَمْ يُوجَدْ (4) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (جِزْيَةٌ) . د - قَتْل الْقَرِيبِ: 30 - اخْتَلَفَتِ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِي قَتْل الْقَرِيبِ أَثْنَاءَ الْمُحَارَبَةِ مَعَ الْكُفَّارِ: __________ (1) حديث: " ما كانت هذه لتقاتل " تقدم تخريجه آنفا. (2) حديث: " مقتل دريد بن الصمة " أخرجه البخاري (الفتح 7 / 41 - ط السلفية) من حديث أبي موسى الأشعري. (3) ابن عابدين 3 / 224 وما بعدها، وفتح القدير 5 / 201 وما بعدها، والمدونة 3 / 6، والدسوقي 2 / 176. (4) المراجع السابقة. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل لِلْفَرْعِ أَنْ يَبْدَأَ بِقَتْل أَصْلِهِ الْمُشْرِكِ، بَل يَشْغَلُهُ بِالْمُحَارَبَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا (1) } ، وَلأَِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِحْيَاؤُهُ بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهِ فَيُنَاقِضُهُ الإِْطْلاَقُ فِي إِفْنَائِهِ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ غَيْرُهُ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُل بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ اقْتِحَامِهِ الْمَأْثَمَ. وَأَمَّا إِنْ قَصَدَ الأَْبُ قَتْلَهُ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُهُ دَفْعَهُ إِلاَّ بِقَتْلِهِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ؛ لأَِنَّ مَقْصُودَهُ الدَّفْعُ وَهُوَ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَلأَِنَّهُ لَوْ شَهَرَ الأَْبُ الْمُسْلِمُ سَيْفَهُ عَلَى ابْنِهِ، وَلاَ يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إِلاَّ بِقَتْلِهِ، يَقْتُلُهُ، فَهَذَا أَوْلَى (2) . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا لِغَازٍ أَنْ يَقْتُل قَرِيبَهُ؛ لأَِنَّ فِيهِ نَوْعًا مِنْ قَطْعِ الرَّحِمِ، وَقَتْل قَرِيبٍ مَحْرَمٍ أَشَدُّ كَرَاهَةً؛ لأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَعَ أَبَا بَكْرٍ مِنْ قَتْل ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَوْمَ أُحُدٍ. إِلاَّ أَنْ يَسْمَعَهُ يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى، أَوْ يَذْكُرَهُ أَوْ يَذْكُرَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ نَبِيًّا مِنَ الأَْنْبِيَاءِ بِسُوءٍ (3) ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَوْ عَلِمَهُ مِنْهُ فَلاَ كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ فِي قَتْلِهِ تَقْدِيمًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ أَنْبِيَائِهِ، وَإِلَيْهِ مَال الْحَنَفِيَّةُ __________ (1) سورة لقمان / 15. (2) البدائع 7 / 101، وفتح القدير 5 / 203، وابن عابدين 3 / 225. (3) حديث: " منع أبا بكر من قتل ابنه عبد الرحمن " أخرجه البيهقي في السنن (8 / 186 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي الزناد وأعله ابن حجر في التلخيص (4 / 101 - ط شركة الطباعة الفنية) يضعف الواقدي روايه. أَيْضًا؛ لأَِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَتَل أَبَاهُ، وَقَال لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَمِعْتُهُ يَسُبُّكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ (1) . هـ - الْغَدْرُ، وَالْغُلُول، وَالْمُثْلَةُ: 31 - صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ فِي الْجِهَادِ الْغَدْرُ وَالْغُلُول، وَالتَّمْثِيل بِالْقَتْلَى، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا (2) . وَالْغُلُول فِي الْجِهَادِ الْخِيَانَةُ فِي الْمَغْنَمِ بِأَنْ يُخْفِيَ مَا وَقَعَ فِي يَدِهِ، فَلاَ يَحِل لأَِحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ مِمَّا غَنِمَ شَيْئًا، خَيْطًا فَمَا فَوْقَهُ، بَل يَضُمُّهُ إِلَى الْمَغَانِمِ. وَأَمَّا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ وَعَلَفِ الدَّوَابِّ وَالسِّلاَحِ، فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ (3) . وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (غَنِيمَةٌ) (وَغُلُولٌ) . وَالْغَدْرُ: الْخِيَانَةُ وَنَقْضُ الْعَهْدِ. وَكُل ذَلِكَ مُحَرَّمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ __________ (1) ابن عابدين 3 / 225، 226، ونهاية المحتاج 8 / 64 وما بعدها، والمهذب 2 / 233، وروضة الطالبين 10 / 243. وحديث: " مقالة أبي عبيدة: سمعته يسبك " أخرجه أبو داود في المراسيل كما في التلخيص لابن حجر (4 / 102 - ط شركة الطباعة الفنية) من حديث مالك بن عمير مرسلا. (2) حديث: " لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا " أخرجه مسلم (3 / 1357 - ط الحلبي) من حديث بريدة. (3) ابن عابدين 3 / 224، وجواهر الإكليل 1 / 254، 255، وحاشية الدسوقي 2 / 179، والمغني 8 / 494. آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) } ، وقَوْله تَعَالَى: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (2) } ، لَكِنْ إِنْ نَقَضَ الْكُفَّارُ الْعَهْدَ جَازَ قِتَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ إِلَيْهِمْ، أَمَّا إِنْ بَدَتْ مِنَ الْكُفَّارِ أَمَارَاتُ نَقْضِ الْعَهْدِ جَازَ نَبْذُ الْعَهْدِ إِلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (3) } وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ (4) يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِ: (عَهْدٌ) وَ (مُعَاهَدَةٌ) وَ (أَمَانٌ) . أَمَّا الْمُثْلَةُ فَهِيَ الْعُقُوبَةُ الشَّنِيعَةُ مِنْ مِثْل قَطْعِ الأَْنْفِ، وَالأُْذُنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهِيَ مَا كَانَتِ ابْتِدَاءً عَلَى غَيْرِ جَزَاءٍ، وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ شَخْصًا جَنَى عَلَى قَوْمٍ جِنَايَاتٍ فِي أَعْضَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَاقْتُصَّ مِنْهُ، لَمَا كَانَ التَّشْوِيهُ الَّذِي حَصَل لَهُ مِنَ الْمُثْلَةِ. وَحَاصِل هَذَا أَنَّ الْمُثْلَةَ بِمَنْ مَثَّل جَزَاءٌ، ثَابِتٌ وَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، وَالْمُثْلَةُ بِمَنِ اسْتَحَقَّ الْقَتْل لاَ عَنْ مُثْلَةٍ لاَ تَحِل. وَتَأْسِيسًا عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِحَمْل رَأْسِ الْمُشْرِكِ لَوْ فِيهِ غَيْظُهُمْ وَفِيهِ فَرَاغُ قُلُوبِنَا بِانْدِفَاعِ شَرِّهِ. __________ (1) سورة المائدة / 1. (2) سورة التوبة / 4. (3) سورة الأنفال / 58. (4) المغني 10 / 516 - 522 - ط المنار الأولى. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَمْل رُءُوسِ قَتْلَى الْكُفَّارِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ بَيْنَ مُجِيزٍ وَمُحَرِّمٍ، يُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (مُثْلَةٌ (1)) . و تَحْرِيقُ الْعَدُوِّ بِالنَّارِ، وَتَغْرِيقُهُ بِالْمَاءِ، وَرَمْيُهُ بِالْمَنْجَنِيقِ: 32 - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا قَدَرَ عَلَى الْعَدُوِّ فَلاَ يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ بِالنَّارِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَال: بَعَثَنَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْثٍ فَقَال: إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ. ثُمَّ قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ: إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا (2) . فَأَمَّا رَمْيُهُمْ قَبْل أَخْذِهِمْ بِالنَّارِ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُمْ بِدُونِهَا لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ بِهَا؛ لأَِنَّهُمْ فِي مَعْنَى الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمْ بِغَيْرِهَا فَجَائِزٌ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ تَغْرِيقُ الْعَدُوِّ بِالْمَاءِ، إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِ (3) . __________ (1) ابن عابدين 3 / 225، وجواهر الإكليل 1 / 254، وحاشية الدسوقي 2 / 179، وروضة الطالبين 10 / 250، والمغني 8 / 494. (2) حديث: " بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث. . . " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 149 - ط السلفية) . (3) المغني 8 / 448، 449. 33 - وَأَمَّا حِصَارُ الْقِلاَعِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ حِصَارُ الْكُفَّارِ فِي الْبِلاَدِ وَالْقِلاَعِ، وَإِرْسَال الْمَاءِ عَلَيْهِمْ، وَقَطْعُهُ عَنْهُمْ، وَرَمْيُهُمْ بِنَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ وَغَيْرِهِمَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ (1) } وَلأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاصَرَ أَهْل الطَّائِفِ، وَرَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ (2) . وَقِيسَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يَعُمُّ بِهِ الْهَلاَكُ، وَوَافَقَ أَحْمَدُ الْحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ فِي جَوَازِ رَمْيِهِمْ بِالْمَنْجَنِيقِ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا (3) ، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ الْقَوْل فَقَالُوا: يُقَاتِل الْعَدُوَّ بِالْحِصْنِ بِغَيْرِ تَحْرِيقٍ وَتَغْرِيقٍ إِذَا كَانُوا مَعَ مُسْلِمِينَ، أَوْ ذُرِّيَّةٍ أَوْ نِسَاءٍ، وَلَمْ يَخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُرْمَوْنَ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَلَوْ مَعَ ذُرِّيَّةٍ، أَوْ نِسَاءٍ، أَوْ مُسْلِمِينَ (4) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ الْغَرَقِ لَمْ يَجُزْ إِذَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ إِتْلاَفُ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ يَحْرُمُ إِتْلاَفُهُمْ قَصْدًا، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ إِلاَّ بِهِ جَازَ (5) . __________ (1) سورة التوبة / 5. (2) حديث: " حاصر أهل الطائف ورماهم بالمنجنيق. . . " ذكره ابن إسحاق في المغازي كما في السيرة لابن كثير (3 / 658 - نشر دار إحياء التراث العربي) . (3) ابن عابدين 3 / 223، وفتح القدير 5 / 197، ونهاية المحتاج 8 / 64، ومغني المحتاج 4 / 223، والمغني 8 / 448، 449. (4) حاشية الدسوقي 2 / 177، وجواهر الإكليل 1 / 253. (5) المغني 8 / 448. وَإِذَا حَاصَرَ الإِْمَامُ حِصْنًا لَزِمَتْهُ مُصَابَرَتُهُ، وَلاَ يَنْصَرِفُ عَنْهُ إِلاَّ فِي إِحْدَى الْحَالاَتِ الآْتِيَةِ: 1 - أَنْ يُسَلِّمُوا فَيُحْرِزُوا بِالإِْسْلاَمِ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا (1) . 2 - أَنْ يَبْذُلُوا مَالاً عَلَى الْمُوَادَعَةِ، فَيَجُوزُ قَبُولُهُ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ أَعْطَوْهُ جُمْلَةً، أَوْ جَعَلُوهُ خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كُل عَامٍ، فَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ فَبَذَلُوهَا لَزِمَهُ قَبُولُهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (2) } . وَإِنْ بَذَلُوا مَالاً عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْجِزْيَةِ فَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي قَبُولِهِ قَبِلَهُ، وَلاَ يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ إِذَا لَمْ يَرَ الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ (3) . 3 - أَنْ يَفْتَحَهُ. 4 - أَنْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي الاِنْصِرَافِ عَنْهُ، إِمَّا لِضَرَرِ الإِْقَامَةِ، وَإِمَّا لِلْيَأْسِ مِنْهُ، وَإِمَّا لِمَصْلَحَةٍ يَنْتَهِزُهَا، تَفُوتُ بِإِقَامَتِهِ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاصَرَ أَهْل الطَّائِفِ فَلَمْ يَنَل مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَال: إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى غَدًا (4) . . . . __________ (1) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس. . . " تقدم تخريجه ف / 5. (2) سورة التوبة / 29. (3) المراجع السابقة. (4) حديث: " إنا قافلون إن شاء الله. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 8 / 44 - ط السلفية) من حديث عبد الله ابن عمر. 5 - أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، فَيَجُوزُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمَّا حَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ رَضُوا بِأَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ (1) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ حُرًّا مُسْلِمًا عَاقِلاً بَالِغًا ذَكَرًا عَدْلاً فَقِيهًا كَمَا يُشْتَرَطُ فِي حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْمَى؛ لأَِنَّ عَدَمَ الْبَصَرِ لاَ يَضُرُّ هُنَا؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ رَأْيُهُ وَمَعْرِفَةُ الْمَصْلَحَةِ، وَلاَ يَضُرُّ عَدَمُ الْبَصَرِ فِيهِ، بِخِلاَفِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَغْنِي عَنِ الْبَصَرِ لِيَعْرِفَ الْمُدَّعِيَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالشَّاهِدَ مِنَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَالْمُقَرَّ لَهُ مِنَ الْمُقِرِّ، وَيُعْتَبَرُ مِنَ الْفِقْهِ هَاهُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحُكْمِ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ وَيُعْتَبَرُ لَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلاَ يُعْتَبَرُ فِقْهُهُ فِي جَمِيعِ الأَْحْكَامِ الَّتِي لاَ تَعَلُّقَ لَهَا بِهَذَا. وَلِهَذَا حَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِجَمِيعِ الأَْحْكَامِ. وَإِذَا حَكَّمُوا رَجُلَيْنِ جَازَ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَإِنْ جَعَلُوا الْحُكْمَ إِلَى رَجُلٍ يُعَيِّنُهُ الإِْمَامُ جَازَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَخْتَارُ إِلاَّ مَنْ يَصْلُحُ، وَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَوْ جَعَلُوا التَّعْيِينَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّهُمْ رُبَّمَا اخْتَارُوا __________ (1) حديث: " أمر بني قريظة أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ " أخرجه البخاري (7 / 411 - ط السلفية) من حديث أبي سعيد الخدري. مَنْ لاَ يَصْلُحُ، وَإِنْ عَيَّنُوا رَجُلاً يَصْلُحُ فَرَضِيَهُ الإِْمَامُ جَازَ؛ لأَِنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ رَضُوا بِحُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَعَيَّنُوهُ فَرَضِيَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَجَازَ حُكْمَهُ وَقَال: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ (1) . وَإِنْ مَاتَ مَنِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَاتَّفَقُوا عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ قَامَ مَقَامَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، أَوْ طَلَبُوا حُكْمًا لاَ يَصْلُحُ، رُدُّوا إِلَى مَأْمَنِهِمْ، وَكَانُوا عَلَى الْحِصَارِ حَتَّى يَتَّفِقُوا، وَكَذَلِكَ إِنْ رَضُوا بِاثْنَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَاتَّفَقُوا عَلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ جَازَ، وَإِلاَّ رُدُّوا إِلَى مَأْمَنِهِمْ، وَكَذَلِكَ إِنْ رَضُوا بِتَحْكِيمِ مَنْ لَمْ تَجْتَمِعِ الشَّرَائِطُ فِيهِ وَوَافَقَهُمُ الإِْمَامُ عَلَيْهِ. ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لاَ يَصْلُحُ لَمْ يَحْكُمْ، وَيُرَدُّونَ إِلَى مَأْمَنِهِمْ كَمَا كَانُوا. 34 - وَأَمَّا صِفَةُ الْحُكْمِ: فَإِنْ حَكَمَ أَنْ تُقْتَل مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ نَفَذَ حُكْمُهُ؛ لأَِنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِذَلِكَ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ (2) وَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ، فَقَال الْقَاضِي يَلْزَمُ حُكْمُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ إِلَيْهِ __________ (1) شطر من الحديث السابق، وتقدم تخريجه آنفا. (2) حديث: " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة. . . " أخرجه ابن إسحاق من مرسل علقمة بن وقاص كما في الفتح لابن حجر (7 / 412 - ط السلفية) وأصله في صحيح البخاري (الفتح 7 / 411 - ط السلفية) . فِيمَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، فَكَانَ لَهُ الْمَنُّ كَالإِْمَامِ فِي الأَْسِيرِ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ حُكْمَهُ لاَ يَلْزَمُ؛ لأَِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ، وَلاَ حَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْمَنِّ، وَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ عَلَى الذُّرِّيَّةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَجُوزَ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ لاَ يَمْلِكُ الْمَنَّ عَلَى الذُّرِّيَّةِ إِذَا سُبُوا فَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ، وَيُحْتَمَل الْجَوَازُ لأَِنَّ هَؤُلاَءِ لَمْ يَتَعَيَّنِ السَّبْيُ فِيهِمْ بِخِلاَفِ مَنْ سُبِيَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ، وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْفِدَاءِ جَازَ، لأَِنَّ الإِْمَامَ يُخَيَّرُ فِي الأَْسْرَى بَيْنَ الْقَتْل، وَالْفِدَاءِ، وَالاِسْتِرْقَاقِ، وَالْمَنِّ، فَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ، وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ لَمْ يَلْزَمْ حُكْمُهُ؛ لأَِنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِالتَّرَاضِي، وَلِذَلِكَ لاَ يَمْلِكُ الإِْمَامُ إِجْبَارَ الأَْسِيرِ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، وَإِنْ حَكَمَ بِالْقَتْل وَالسَّبْيِ جَازَ لِلإِْمَامِ الْمَنُّ عَلَى بَعْضِهِمْ، لأَِنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ سَأَل فِي الزُّبَيْرِ بْنِ بَاطَا مِنْ قُرَيْظَةَ وَمَالِهِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجَابَهُ. وَيُخَالِفُ مَال الْغَنِيمَةِ إِذَا حَازَهُ الْمُسْلِمُونَ؛ لأَِنَّ مِلْكَهُمُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَسْلَمُوا قَبْل الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ أَسْلَمُوا وَهُمْ أَحْرَارٌ، وَأَمْوَالُهُمْ لَهُمْ فَلَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُمْ، بِخِلاَفِ الأَْسِيرِ، فَإِنَّ الأَْسِيرَ قَدْ ثَبَتَتِ الْيَدُ عَلَيْهِ كَمَا تَثْبُتُ عَلَى الذُّرِّيَّةِ، وَلِذَلِكَ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ. وَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ نَظَرْتَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْقَتْل سَقَطَ لأَِنَّ مَنْ أَسْلَمَ فَقَدْ عَصَمَ دَمَهُ وَلَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ أَسْلَمُوا قَبْل اسْتِرْقَاقِهِمْ، قَال أَبُو الْخَطَّابِ: وَيُحْتَمَل جَوَازُ اسْتِرْقَاقِهِمْ. كَمَا لَوْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الأَْسْرِ، وَيَكُونُ الْمَال عَلَى مَا حُكِمَ فِيهِ، وَإِنْ حُكِمَ بِأَنَّ الْمَال لِلْمُسْلِمِينَ كَانَ غَنِيمَةً؛ لأَِنَّهُمْ أَخَذُوهُ بِالْقَهْرِ وَالْحَصْرِ (1) . ز - إِتْلاَفُ الأَْمْوَال: 35 - إِذَا اسْتَعَدَّ الْكُفَّارُ أَوْ تَحَصَّنُوا لِقِتَال الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّنَا نَسْتَعِينُ بِاللَّهِ وَنُحَارِبُهُمْ لِنَظْفَرَ بِهِمْ، وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى إِتْلاَفِ أَمْوَالِهِمْ، إِلاَّ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ الظَّفَرُ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِتْلاَفٍ لأَِمْوَالِهِمْ فَيُكْرَهُ فِعْل ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ إِفْسَادٌ فِي غَيْرِ مَحَل الْحَاجَةِ، وَمَا أُبِيحَ إِلاَّ لَهَا؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ كَسْرُ شَوْكَتِهِمْ، وَإِلْحَاقُ الْغَيْظِ بِهِمْ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ حُصُول ذَلِكَ بِدُونِ إِتْلاَفٍ، وَأَنَّهُ يَصِيرُ لَنَا لاَ نُتْلِفُهُ (2) . وَأَمَّا قَطْعُ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ، فَإِنَّ الشَّجَرَ وَالزَّرْعَ يَنْقَسِمُ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى إِتْلاَفِهِ كَالَّذِي يَقْرُبُ مِنْ حُصُونِهِمْ وَيَمْنَعُ مِنْ قِتَالِهِمْ، أَوْ يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يَحْتَاجُ إِلَى قَطْعِهِ لِتَوْسِعَةِ طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ يَكُونُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ __________ (1) المغني 8 / 480، 481. (2) ابن عابدين 3 / 223. بِنَا فَيُفْعَل بِهِمْ ذَلِكَ؛ لِيَنْتَهُوا، فَهَذَا يَجُوزُ بِغَيْرِ خِلاَفٍ. الثَّانِيَ: مَا يَتَضَرَّرُ الْمُسْلِمُونَ بِقَطْعِهِ لِكَوْنِهِمْ يَنْتَفِعُونَ بِبَقَائِهِ لِعَلُوفَتِهِمْ، أَوْ يَسْتَظِلُّونَ بِهِ، أَوْ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَرِهِ، فَهَذَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ. الثَّالِثُ: مَا عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِمَّا لاَ ضَرَرَ فِيهِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَلاَ نَفْعَ سِوَى غَيْظِ الْكُفَّارِ وَالإِْضْرَارِ بِهِمْ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ، وَبِهَذَا قَال مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَقَ نَخْل بَنِي النَّضِيرِ (1) ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (2) } . وَالثَّانِيَةُ: لاَ يَجُوزُ (3) . لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ أَخِيهِ مِنْ غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَقَال: لَعَلَّكَ حَرَقْتَ حَرْثًا؟ قَال: نَعَمْ، قَال: لَعَلَّكَ غَرَّقْتَ نَخْلاً؟ قَال: نَعَمْ، __________ (1) حديث: " حرق نخل بني النضير " أخرجه البخاري (الفتح 8 / 629 - ط السلفية) من حديث عبد الله بن عمر. (2) سورة الحشر / 5. (3) ابن عابدين 3 / 223، ومغني المحتاج 4 / 226، والمغني 8 / 451، 453، 454، وكشاف القناع 3 / 48، 49. قَال: لَعَلَّكَ قَتَلْتَ صَبِيًّا؟ قَال: نَعَمْ، قَال: لِتَكُنْ غَزْوَتُكَ كَفَافًا (1) . وَلأَِنَّ فِي ذَلِكَ إِتْلاَفًا مَحْضًا، فَلَمْ يَجُزْ كَعَقْرِ الْحَيَوَانِ، وَبِهَذَا قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهَا حَالَةَ الْحَرْبِ؛ لأَِنَّ قَتْل بَهَائِمِهِمْ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى قَتْلِهِمْ وَهَزِيمَتِهِمْ، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الأَْرْجَحَ وُجُوبُ حَرْقِ الْحَيَوَانَاتِ بَعْدَ قَتْلِهَا إِنِ اسْتَحَلُّوا أَكْل الْمَيْتَةِ فِي دِينِهِمْ، وَقِيل: إِنْ كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا قَبْل فَسَادِهَا، وَجَبَ التَّحْرِيقُ، وَإِلاَّ لَمْ يَجِبْ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ عَدَمُ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ وَقَدْ حَصَل (2) . وَأَمَّا فِي غَيْرِ حَالَةِ الْحَرْبِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ عَقْرُ دَوَابِّهِمْ، لأَِنَّ فِيهِ غَيْظًا لَهُمْ وَإِضْعَافًا لِقُوَّتِهِمْ، فَأَشْبَهَ قَتْلَهَا حَال قِتَالِهِمْ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، لِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْل الْحَيَوَانِ صَبْرًا (3) ، __________ (1) أثر ابن مسعود. أخرجه سعيد بن منصور في سننه (القسم الثاني من المجلد الثالث / ص 257 ط علمي بريس) . (2) حاشية الدسوقي 2 / 181، والمعنى 8 / 451 - 452، وفتح القدير 5 / 197. (3) حديث: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل شيء من الدواب صبرا) أخرجه مسلم (3 / 1550 - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله. وَلِقَوْل الصِّدِّيقِ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ يُوصِيهِ: وَلاَ تَعْقِرَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلاَ دَابَّةً عَجْمَاءَ وَلاَ شَاةً إِلاَّ لِمَأْكَلَةٍ. وَلأَِنَّهُ إِفْسَادٌ يَدْخُل فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَْرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْل وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ (1) } . وَيَجُوزُ عَقْرُ الْحَيَوَانَاتِ لِلأَْكْل إِنْ كَانَتِ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إِلَى ذَلِكَ، لأَِنَّ الْحَاجَةَ تُبِيحُ مَال الْمَعْصُومِ، فَمَال الْكَافِرِ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إِلَيْهِ نَظَرْنَا: فَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ لاَ يُرَادُ إِلاَّ لِلأَْكْل كَالدَّجَاجِ، وَالْحَمَامِ، وَسَائِرِ الطَّيْرِ، وَالصَّيْدِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الطَّعَامِ، لأَِنَّهُ لاَ يُرَادُ لِغَيْرِ الأَْكْل، وَتَقِل قِيمَتُهُ، فَأَشْبَهَ الطَّعَامَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْقِتَال لَمْ يُبَحْ ذَبْحُهُ إِلاَّ لِلأَْكْل (2) . 36 - وَفِي تَغْرِيقِ النَّحْل وَتَحْرِيقِهِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَقْوَالٍ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَعَامَّةُ أَهْل الْعِلْمِ مِنْهُمُ الأَْوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَغْرِيقُ النَّحْل وَتَحْرِيقُهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ يُوصِيهِ: وَلاَ تُحَرِّقْ نَحْلاً وَلاَ تُغْرِقَنَّهُ (3) . __________ (1) سورة البقرة / 205. (2) المغني 8 / 451 وما بعدها. (3) المغني 8 / 451. وَلأَِنَّهُ إِفْسَادٌ فَيَدْخُل فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَْرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْل وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ (1) } . وَلأَِنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو رُوحٍ، فَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ لِغَيْظِ الْمُشْرِكِينَ. وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ إِبَاحَتُهُ؛ لأَِنَّ فِيهِ غَيْظًا لَهُمْ، وَإِضْعَافًا فَأَشْبَهَ قَتْل بَهَائِمِهِمْ حَال قِتَالِهِمْ (2) . وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ الْقَوْل فِيهِ، فَقَالُوا: إِنْ قَصَدَ بِإِتْلاَفِهَا أَخْذَ عَسَلِهَا كَانَ إِتْلاَفُهَا جَائِزًا قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ أَخْذَ عَسَلِهَا، فَإِنْ قَلَّتْ كُرِهَ إِتْلاَفُهَا، وَإِنْ كَثُرَ فَيَجُوزُ فِي رِوَايَةٍ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ لاَ يَجُوزُ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي حَال الْكَثْرَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ النِّكَايَةِ لَهُمْ (3) . ح - الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ: 37 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ الثَّبَاتُ فِي الْجِهَادِ، وَيَحْرُمُ الْفِرَارُ مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَْدْبَارَ (4) } وَقَال اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً __________ (1) سورة البقرة / 205. (2) ابن عابدين 3 / 223. (3) حاشية الدسوقي 2 / 181. (4) سورة الأنفال / 15. فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (1) } . وَقَدْ عَدَّ رَسُول اللَّهِ الْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ بِقَوْلِهِ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهَا: التَّوَلِّيَ يَوْمَ الزَّحْفِ (2) . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيل ذَلِكَ: 38 - فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الْفِرَارُ، وَيَجِبُ الثَّبَاتُ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا:: أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ لاَ يَزِيدُونَ عَلَى ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ زَادُوا عَلَيْهِ جَازَ الْفِرَارُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الآْنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (3) } . وَالآْيَةُ وَإِنْ كَانَتْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ فَهُوَ أَمْرٌ، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {الآْنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} وَلَوْ كَانَ خَبَرًا عَلَى حَقِيقَتِهِ لَمْ يَكُنْ رَدُّنَا مِنْ غَلَبَةِ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ إِلَى غَلَبَةَ الاِثْنَيْنِ تَخْفِيفًا؛ وَلأَِنَّ خَبَرَ اللَّهِ __________ (1) سورة الأنفال / 45. (2) ابن عابدين 3 / 224، والبدائع 7 / 99، وحاشية الدسوقي 2 / 178، والمهذب 2 / 322، ونهاية المحتاج 2 / 65، والمغني 8 / 484، وكشاف القناع 3 / 45، 46. وحديث: " اجتنبوا السبع الموبقات. . . " أخرجه البخاري (الفتح 5 / 393 - ط السلفية) ومسلم (1 / 92 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة. (3) سور الأنفال / 66. تَعَالَى صِدْقٌ لاَ يَقَعُ بِخِلاَفِ مُخْبِرِهِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الظَّفَرَ وَالْغَلَبَةَ لاَ يَحْصُل لِلْمُسْلِمِينَ فِي كُل مَوْطِنٍ يَكُونُ الْعَدُوُّ فِيهِ ضِعْفَ الْمُسْلِمِينَ فَمَا دُونَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَمْرٌ وَفَرْضٌ، وَلَمْ يَأْتِ شَيْءٌ يَنْسَخُ هَذِهِ الآْيَةَ لاَ فِي كِتَابٍ وَلاَ سُنَّةٍ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهَا. قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَلاَّ يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، ثُمَّ جَاءَ تَخْفِيفٌ فَقَال: {الآْنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ. . .} ، فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْعَدَدِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خَفَّفَ مِنَ الْعَدَدِ. وَقَدْ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، وَمَنْ فَرَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ فَمَا فَرَّ، وَيَلْزَمُ الْمُسْلِمِينَ الثَّبَاتُ وَإِنْ ظَنُّوا التَّلَفَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَْدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ (1) } . قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنَ الْخَانِيَّةِ: إِنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا حَرُمَ الْفِرَارُ وَلَوْ كَثُرَ الْكُفَّارُ جِدًّا مَا لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ، فَإِنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ جَازَ الْفِرَارُ مُطْلَقًا وَلَوْ بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا (2) . وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ (3) . __________ (1) سورة الأنفال / 15. (2) ابن عابدين 3 / 224، وحاشية الدسوقي 2 / 178. (3) حديث: " لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة " تقدم تخريجه ف / 31. الشَّرْطُ الثَّانِي لِوُجُوبِ الثَّبَاتِ أَنْ لاَ يَقْصِدَ بِفِرَارِهِ التَّحَيُّزَ إِلَى فِئَةٍ وَلاَ التَّحَرُّفَ لِقِتَالٍ، فَإِنْ قَصَدَ أَحَدَ هَذَيْنِ فَالْفِرَارُ مُبَاحٌ لَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {. . . إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ (1) } . وَمَعْنَى التَّحَرُّفِ لِلْقِتَال أَنْ يَنْحَازَ إِلَى مَوْضِعٍ يَكُونُ الْقِتَال فِيهِ أَمْكَنَ مِثْل أَنْ يَنْحَازَ مِنْ مُوَاجَهَةِ الشَّمْسِ أَوِ الرِّيحِ إِلَى اسْتِدْبَارِهِمَا، أَوْ مِنْ نَزْلَةٍ إِلَى عُلُوٍّ، أَوْ مِنْ مَعْطَشَةٍ إِلَى مَوْضِعِ مَاءٍ، أَوْ يَفِرَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لِتُنْتَقَضَ صُفُوفُهُمْ، أَوْ تَنْفَرِدَ خَيْلُهُمْ مِنْ رَجَّالَتِهِمْ، أَوْ لِيَجِدَ فِيهِمْ فُرْصَةً، أَوْ لِيَسْتَنِدَ إِلَى جَبَلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَهْل الْحَرْبِ. وَأَمَّا التَّحَيُّزُ إِلَى فِئَةٍ فَهُوَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى فِئَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِيَكُونَ مَعَهُمْ فَيَقْوَى بِهِمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَسَوَاءٌ أَبَعُدَتِ الْمَسَافَةُ أَمْ قَرُبَتْ، فَإِنْ كَانَتِ الْحَرْبُ بِخُرَاسَانَ وَالْفِئَةُ بِالْحِجَازِ جَازَ التَّحَيُّزُ إِلَيْهَا، لأَِنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال لِلَّذِينَ فَرُّوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ فِيهَا: أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ، أَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ (2) وَكَانُوا بِمَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْهُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَحَيِّزَ إِلَى فِئَةٍ __________ (1) سورة الأنفال / 16. (2) حديث: " أنتم العكارون، أنا فئة المسلمين " أخرجه أبو داود (3 / 107 - تحقيق عرت عبيد دعاس) . ونوه المناوي بضعف أحد رواته في فيض القدير (3 / 44 - ط المكتبة التجارية) . عَكَّارٌ، وَلَيْسَ بِفَرَّارٍ مِنَ الزَّحْفِ، فَلاَ يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ (1) . قَال الدُّسُوقِيُّ: وَقِيل: إِنَّ التَّحَيُّزَ إِلَى فِئَةٍ يَكُونُ إِذَا قَرُبَ الْمُنْحَازُ إِلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ انْحِيَازُهُ إِلَى فِئَةٍ خَرَجَ مَعَهَا، أَمَّا لَوْ خَرَجُوا مِنْ بَلَدٍ وَالأَْمِيرُ مُقِيمٌ فِي بَلْدَةٍ فَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ الْفِرَارُ حَتَّى يَنْحَازَ إِلَيْهِ، وَأَمِيرُ الْجَيْشِ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْفِرَارُ وَلَوْ عَلَى سَبِيل التَّحَيُّزِ وَلَوْ أَدَّى لِهَلاَكِ نَفْسِهِ وَبَقَاءِ الْجَيْشِ مِنْ غَيْرِ أَمِيرٍ، مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ الْجَيْشِ يَفِرُّ عِنْدَ هَلاَكِهِ (2) . قِلَّةُ الْعَدَدِ مَعَ احْتِمَال الظَّفَرِ: 39 - إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ أَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْلِمِينَ الظَّفَرُ، فَالأَْوْلَى لَهُمُ الثَّبَاتُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، وَإِنِ انْصَرَفُوا جَازَ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يَأْمَنُونَ الْعَطَبَ وَالْحُكْمُ مُعَلَّقٌ عَلَى مَظِنَّتِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُمْ أَقَل مِنْ نِصْفِ عَدَدِهِمْ، وَلِذَلِكَ لَزِمَهُمُ الثَّبَاتُ إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الْهَلاَكُ فِيهِ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَلْزَمَهُمُ الثَّبَاتُ إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الظَّفَرُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ (3) . فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ إِنْ ثَبَتُوا لِمِثْلَيْهِمْ هَلَكُوا فَفِيهِ وَجْهَانِ: __________ (1) البدائع 7 / 99، ونهاية المحتاج 8 / 66، والمهذب 2 / 232، والمغني 8 / 485، وكشاف القناع 3 / 46. (2) حاشية الدسوقي 2 / 178. (3) المغني 8 / 486، وكشاف القناع 3 / 47. أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُمْ أَنْ يُوَلُّوا لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَل: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (1) . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُوَلُّوا وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَل: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} (2) وَلأَِنَّ الْمُجَاهِدَ إِنَّمَا يُقَاتِل عَلَى إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ الشَّهَادَةِ أَوِ الْفَوْزِ بِالْغَنِيمَةِ مَعَ الأَْجْرِ. قَال تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} (3) . وَقَدْ قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لاَ بَأْسَ بِالاِنْهِزَامِ إِذَا أَتَى الْمُسْلِمُ مِنَ الْعَدُوِّ مَا لاَ يُطِيقُهُ، وَلاَ بَأْسَ بِالصَّبْرِ أَيْضًا بِخِلاَفِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ إِلْقَاءٌ بِالنَّفْسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، بَل فِي هَذَا تَحْقِيقُ بَذْل النَّفْسِ فِي سَبِيل اللَّهِ. وَقَال الْحَصْكَفِيُّ: فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا حَارَبَ قُتِل وَإِنْ لَمْ يُحَارِبْ أُسِرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِتَال (4) . فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الْهَلاَكُ فِي الإِْقَامَةِ وَالاِنْصِرَافِ، فَالأَْوْلَى لَهُمُ الثَّبَاتُ؛ لِيَنَالُوا دَرَجَةَ الشُّهَدَاءِ الْمُقْبِلِينَ عَلَى الْقِتَال مُحْتَسِبِينَ فَيَكُونُونَ أَفْضَل مِنَ الْمُوَلِّينَ؛ وَلأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَغْلِبُوا أَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً __________ (1) سورة البقرة / 195. (2) سورة الأنفال / 45. (3) سورة التوبة / 111. وانظر: المهذب 2 / 232، ونهاية المحتاج 8 / 62. (4) شرح السير الكبير 1 / 88، والدر المحتار بحاشية ابن عابدين 3 / 222. كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (1) . قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِلاَّ أَنَّهُ يَحْرُمُ الاِنْصِرَافُ لِمِائَةِ بَطَلٍ عَنْ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدٍ ضُعَفَاءَ، وَيَجُوزُ انْصِرَافُ مِائَةٍ ضُعَفَاءَ عَنْ مِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ أَبْطَالاً فِي الأَْصَحِّ اعْتِبَارًا بِالْمَعْنَى، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنَ النَّصِّ عَلَى حُرْمَةِ الاِنْصِرَافِ مِنَ الصَّفِّ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ؛ لأَِنَّهُمْ يُقَاوِمُونَهُمْ لَوْ ثَبَتُوا لَهُمْ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى الْعَدَدُ عِنْدَ تَقَارُبِ الأَْوْصَافِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَخْتَصَّ الْخِلاَفُ بِزِيَادَةِ الْوَاحِدِ وَنَقْصِهِ، وَلاَ بِرَاكِبٍ وَمَاشٍ، بَل الضَّابِطُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْقُوَّةِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ يُقَاوِمُونَ الزَّائِدَ عَلَى مِثْلَيْهِمْ وَيَرْجُونَ الظَّفَرَ بِهِمْ، أَوْ مِنَ الضَّعْفِ مَا لاَ يُقَاوِمُونَهُمْ، وَحَيْثُ جَازَ الاِنْصِرَافُ فَإِنْ غَلَبَ الْهَلاَكُ بِلاَ نِكَايَةٍ لِلْكُفَّارِ وَجَبَ الاِنْصِرَافُ، وَإِنْ غَلَبَ الْهَلاَكُ عَلَى حُصُول النِّكَايَةِ لَهُمْ يُسْتَحَبُّ الاِنْصِرَافُ (2) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي هَذَا الْبَابِ لِغَالِبِ الرَّأْيِ، وَأَكْبَرِ الظَّنِّ دُونَ الْعَدَدِ. فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْغُزَاةِ أَنَّهُمْ يُقَاوِمُونَهُمْ يَلْزَمُهُمُ الثَّبَاتُ، وَإِنْ كَانُوا أَقَل عَدَدًا مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ غَالِبُ ظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ يَغْلِبُونَ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَنْحَازُوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ لِيَسْتَعِينُوا بِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ عَدَدًا مِنَ الْكَفَرَةِ. وَكَذَا الْوَاحِدُ مِنْ الْغُزَاةِ، لَيْسَ __________ (1) سورة البقرة / 249. (2) نهاية المحتاج 8 / 66، 67. مَعَهُ سِلاَحٌ مَعَ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ مَعَهُمَا سِلاَحٌ أَوْ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنَ الْكَفَرَةِ وَمَعَهُ سِلاَحٌ، لاَ بَأْسَ أَنْ يُوَلِّيَ دُبُرَهُ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ. قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: وَيُكْرَهُ لِلْوَاحِدِ الْقَوِيِّ أَنْ يَفِرَّ مِنَ الْكَافِرَيْنِ، وَيُكْرَهُ لِلْمِائَةِ الْفِرَارُ مِنَ الْمِائَتَيْنِ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَفِرَّ الْوَاحِدُ مِنَ الثَّلاَثَةِ، وَالْمِائَةُ مِنْ ثَلاَثِمِائَةٍ (1) . تَحَصُّنُ أَهْل الْبَلَدِ مِنَ الْعَدُوِّ: 40 - إِنْ جَاءَ الْعَدُوُّ بَلَدًا فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ لأَِهْلِهِ التَّحَصُّنَ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِمْ لِيَلْحَقَهُمْ مَدَدٌ أَوْ قُوَّةٌ، وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ تَوَلِّيًا وَلاَ فِرَارًا، إِنَّمَا التَّوَلِّي بَعْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَإِنْ لَقُوهُمْ خَارِجَ الْحِصْنِ فَلَهُمُ التَّحَيُّزُ إِلَى الْحِصْنِ؛ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّحَرُّفِ لِلْقِتَال أَوِ التَّحَيُّزِ إِلَى فِئَةٍ. وَإِنْ غَزَوْا فَذَهَبَتْ دَوَابُّهُمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي الْفِرَارِ؛ لأَِنَّ الْقِتَال مُمْكِنٌ لِلرَّجَّالَةِ، وَإِنْ تَحَيَّزُوا إِلَى جَبَلٍ لِيُقَاتِلُوا فِيهِ رَجَّالَةً فَلاَ بَأْسَ، لأَِنَّهُ تَحَرُّفٌ لِلْقِتَال، وَإِنْ ذَهَبَ سِلاَحُهُمْ فَتَحَيَّزُوا إِلَى مَكَانٍ يُمْكِنُهُمُ الْقِتَال فِيهِ بِالْحِجَارَةِ وَالتَّسَتُّرُ بِالشَّجَرِ وَنَحْوِهِ، أَوْ لَهُمْ فِي التَّحَيُّزِ إِلَيْهِ فَائِدَةٌ، جَازَ (2) . __________ (1) البدائع 7 / 98، 99، وابن عابدين 3 / 224. (2) المهذب 2 / 233، وروضة الطالبين 10 / 249، ونهاية المحتاج 8 / 65، والمغني 8 / 486. الْفِرَارُ وَإِحْرَازُ الْغَنِيمَةِ: 41 - فَإِنْ وَلَّى قَوْمٌ قَبْل إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ وَأَحْرَزَهَا الْبَاقُونَ، فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ نَصِيبَ لِلْفَارِّينَ؛ لأَِنَّ إِحْرَازَهَا حَصَل بِغَيْرِهِمْ فَكَانَ مِلْكُهَا لِمَنْ أَحْرَزَهَا، وَإِنْ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ فَرُّوا مُتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ أَوْ مُتَحَرِّفِينَ لِلْقِتَال، فَلاَ شَيْءَ لَهُمْ أَيْضًا لِذَلِكَ، وَإِنْ فَرُّوا بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُمْ مِنْهَا؛ لأَِنَّهُمْ مَلَكُوا الْغَنِيمَةَ لِحِيَازَتِهَا فَلَمْ يَزُل مِلْكُهُمْ عَنْهَا بِفِرَارِهِمْ (1) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (غَنِيمَةٌ) . حُكْمُ التَّبْيِيتِ فِي الْقِتَال: 42 - صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ تَبْيِيتُ الْكُفَّارِ وَهُوَ كَبْسُهُمْ لَيْلاً وَقَتْلُهُمْ عَلَى غَفْلَةٍ، وَلَوْ قُتِل فِي هَذَا التَّبْيِيتِ مَنْ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنِ امْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ، وَغَيْرِهِمَا كَمَجْنُونٍ، وَشَيْخٍ فَانٍ إِذَا لَمْ يَقْصِدُوا (2) ، لِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَل عَنْ دِيَارِ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ فَقَال: هُمْ مِنْهُمْ (3) وَسَبَقَ تَفْصِيل أَحْكَامِ التَّبْيِيتِ فِي __________ (1) المغني 8 / 486. (2) البدائع 7 / 100، ونهاية المحتاج 8 / 64، والمغني 8 / 449، وكشاف القناع 3 / 47، والمدونة 2 / 24. (3) حديث الصعب بن جثامة: (هم منهم) . أخرجه البخاري (الفتح 6 / 146 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1364 - ط الحلبي) . الْقِتَال فِي مُصْطَلَحِ (تَبْيِيتٌ (1)) . وَكَذَا يَجُوزُ قَتْل الْكُفَّارِ فِي مَطْمُورَةٍ (2) إِذَا لَمْ يَقْصِدِ النِّسَاءَ، وَالصِّبْيَانَ وَنَحْوَهُمْ، وَيَجُوزُ قَطْعُ الْمِيَاهِ عَنْهُمْ وَقَطْعُ السَّابِلَةِ (3) وَإِنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَتْل الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ؛ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى التَّبْيِيتِ السَّابِقِ فِيهِ حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ وَلأَِنَّ الْقَصْدَ إِضْعَافُهُمْ وَإِرْهَابُهُمْ لِيُجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ، وَيَجُوزُ الإِْغَارَةُ عَلَى عَلاَّفِيهِمْ وَحَطَّابِيهِمْ وَنَحْوِهِمْ (4) . تَتَرُّسُ الْكُفَّارِ بِالذُّرِّيَّةِ وَالنِّسَاءِ: 43 - التُّرْسُ: بِضَمِّ التَّاءِ. مَا يُتَوَقَّى بِهِ فِي الْحَرْبِ. وَالتُّرْسُ كَذَلِكَ خَشَبَةٌ أَوْ حَدِيدَةٌ تُوضَعُ خَلْفَ الْبَابِ لإِِحْكَامِ إِغْلاَقِهِ، وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى التَّتَرُّسِ فِي الْحَرْبِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِل اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبَنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (5) ، فَقَدْ نَزَلَتْ فِيمَنِ احْتُجِزَ مِنَ __________ (1) الموسوعة 10 / 125، 126. (2) المطمورة: الحفرة تحت الأرض. (3) السابلة: الجماعة المختلفة في الطرقات، والمراد وضع ما يمنع المرور في الطريق. (4) المغني 8 / 44، وكشاف القناع 2 / 48، والمهذب 2 / 234، ونهاية المحتاج 8 / 64 - ط مصطفى الحلبي. (5) سورة الفتح / 25. الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَمِنْهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَنْدَل بْنُ سُهَيْلٍ، وَلَوْ تَمَيَّزَ الْكُفَّارُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ لَعَذَّبَ اللَّهُ الْكُفَّارَ عَذَابًا أَلِيمًا بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ خَارِجَ مَكَّةَ بِالرَّمْيِ وَالْقِتَال الشَّدِيدِ (1) . وَأَمَّا حُكْمُ التَّتَرُّسِ: فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ رَمْيُ الْكُفَّارِ إِذَا تَتَرَّسُوا بِالْمُسْلِمِينَ وَأُسَارَاهُمْ أَثْنَاءَ الْقِتَال، أَوْ حِصَارُهُمْ مِنْ قِبَل الْمُسْلِمِينَ إِذَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ فِي الْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِمُ انْهِزَامٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْخَوْفُ عَلَى اسْتِئْصَال قَاعِدَةِ الإِْسْلاَمِ، وَيُقْصَدُ بِالرَّمْيِ الْكُفَّارُ. وَلَكِنْ إِذَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إِلَى رَمْيِهِمْ، لِكَوْنِ الْحَرْبِ غَيْرَ قَائِمَةٍ، أَوْ لإِِمْكَانِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ بِدُونِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَقْوَالٍ (2) سَبَقَ ذِكْرُهَا فِي مُصْطَلَحِ " تَتَرُّسٌ (3) ". مَا يَنْتَهِي بِهِ الْقِتَال: 44 - يُقَاتَل أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ حَتَّى يُسْلِمُوا __________ (1) أحكام القرآن لابن العربي 4 / 176، وتفسير ابن كثير 4 / 192، وسيرة ابن هشام 2 / 322. (2) فتح القدير 5 / 198، وابن عابدين 3 / 223، والحطاب 3 / 351، وحاشية الدسوقي 2 / 178، وجواهر الإكليل 1 / 253، ونهاية المحتاج 8 / 65، والمغني 8 / 449، 450. (3) الموسوعة الفقهية 10 / 137، 138، ومصطلح: (تترس) . أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ عَلَى دِينِهِمْ بِالْجِزْيَةِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (1) فَإِنْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ عُقِدَتْ لَهُمُ الذِّمَّةُ، وَكَانَ لَهُمْ بِذَلِكَ الأَْمَانُ وَالْعِصْمَةُ لِدِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا (2) . وَيُقَاتَل مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ حَتَّى يُسْلِمُوا؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. . . (3) الْحَدِيثَ " وَالْكُفَّارُ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: (قِسْمٌ) أَهْل كِتَابٍ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَمَنِ اتَّخَذَ التَّوْرَاةَ وَالإِْنْجِيل كِتَابًا كَالسَّامِرَةِ وَالْفِرِنْجَةِ وَنَحْوِهِمْ، فَهَؤُلاَءِ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ وَيُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ إِذَا بَذَلُوهَا. وَ (قِسْمٌ) لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ وَهُمُ الْمَجُوسُ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْل الْكِتَابِ فِي قَبُول الْجِزْيَةِ __________ (1) سورة التوبة / 29. (2) فتح القدير 5 / 197، والمحلى 7 / 316. (3) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس. . . . " تقدم تخريجه ف / 5. وانظر صحيح البخاري 1 / 22، والمهذب 2 / 231، والمحلى 7 / 345. مِنْهُمْ وَإِقْرَارُهُمْ بِهَا، فَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَال: كَتَبَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَجُوسِ هَجَرَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الإِْسْلاَمَ، فَمَنْ أَسْلَمَ قَبِل مِنْهُ، وَمَنْ أَبَى ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، عَلَى أَنْ لاَ تُؤْكَل لَهُمْ ذَبِيحَةٌ، وَلاَ تُنْكَحَ لَهُمُ امْرَأَةٌ (1) . (وَقِسْمٌ) لاَ كِتَابَ لَهُمْ وَلاَ شُبْهَةَ كِتَابٍ، وَهُمْ مَنْ عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ، فَلاَ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، وَلاَ يُقْبَل مِنْهُمْ سِوَى الإِْسْلاَمِ. هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. أَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فَإِنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ إِلاَّ عَبَدَةَ الأَْوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ (2) ، لأَِنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ بِالاِسْتِرْقَاقِ، فَيُقَرُّونَ بِبَذْل الْجِزْيَةِ كَالْمَجُوسِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تُقْبَل مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ إِلاَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ (3) . وَتَفْصِيلُهُ فِي: (جِزْيَةٌ) . وَيَنْتَهِي الْقِتَال كَذَلِكَ بِالْهُدْنَةِ، إِذْ هِيَ لُغَةً __________ (1) حديث: " كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر. . . " أخرجه البيهقي (9 / 192 - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال: " هذا مرسل، وإجماع أكثر المسلمين عليه يؤكده ". (2) المهذب 2 / 231، ونهاية المحتاج 8 / 106، والمغني 8 / 363، 496 - 500، وكشاف القناع 3 / 117. (3) المراجع السابقة، وحاشية رد المحتار 4 / 129، وفتح القدير 5 / 196، والبدائع 7 / 108، والمدونة 2 / 46، وجواهر الإكليل 1 / 266، وحاشية الدسوقي 2 / 200، ونهاية المحتاج 8 / 100. الْمُصَالَحَةُ، وَشَرْعًا هِيَ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ مُصَالَحَةَ أَهْل الْحَرْبِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال مُدَّةً بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتُسَمَّى مُوَادَعَةً، وَمُسَالَمَةً، وَمُعَاهَدَةً وَمُهَادَنَةً، وَالأَْصْل فِيهَا قَبْل الإِْجْمَاعِ أَوَّل سُورَةٍ " بَرَاءَةٌ " {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} (1) ، وَمُهَادَنَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ (2) . وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ تَجُوزُ الْهُدْنَةُ لِلْمُدَّةِ الَّتِي يَرَى الإِْمَامُ فِيهَا الْمَصْلَحَةَ وَإِنْ زَادَتْ عَنْ عَشْرِ سِنِينَ، قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَنُدِبَ أَنْ لاَ تَزِيدَ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَجُوزُ مُهَادَنَةُ الْكُفَّارِ سَنَةً فَمَا زَادَ؛ لأَِنَّهَا مُدَّةٌ تَجِبُ فِيهَا الْجِزْيَةُ، فَلاَ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ فِيهَا مِنْ غَيْرِ جِزْيَةٍ، وَفِي جَوَازِ مُهَادَنَتِهِمْ فِيمَا زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَمَا دُونَ سَنَةٍ قَوْلاَنِ وَهَذَا فِي حَال قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ. أَمَّا فِي حَال ضَعْفِهِمْ فَيَجُوزُ عَقْدُهَا إِلَى عَشْرِ سِنِينَ. وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ أَنَّهَا لاَ تَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِمُصَالَحَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَشْرًا. كَمَا لاَ تَجُوزُ الْهُدْنَةُ إِلاَّ لِلنَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِهِمْ ضَعْفٌ عَنْ قِتَال الْكُفَّارِ، وَإِمَّا أَنْ __________ (1) سورة التوبة / 1. (2) فتح القدير 5 / 205، وجواهر الإكليل 1 / 269. يَطْمَعَ فِي إِسْلاَمِ الْكُفَّارِ بِهُدْنَتِهِمْ، أَوْ فِي أَدَائِهِمُ الْجِزْيَةَ وَالْتِزَامِهِمْ أَحْكَامَ الْمِلَّةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لاَ تَجُوزُ الْمُهَادَنَةُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ؛ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ (1) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (هُدْنَةٌ) . اسْتِعْمَال أَمْوَال الْعَدُوِّ وَسِلاَحِهِ وَأَحْكَامُ الْغَنَائِمِ: 45 - يَجُوزُ أَنْ يُذْبَحَ مِنَ الْغَنَائِمِ لِلأَْكْل مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ وَذَلِكَ لأَِنَّهُ كَسَائِرِ الطَّعَامِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْمَل مِنْ أُهُبِهَا حِذَاءً، وَلاَ سِقَاءً، وَلاَ دِلاَءً، وَلاَ فِرَاءً، فَإِنِ اتَّخَذَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ رَدُّهُ فِي الْمَغْنَمِ. وَإِنْ أَصَابُوا كَلْبًا، فَإِنْ كَانَ عَقُورًا قُتِل لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ دُفِعَ إِلَى مَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ مِنَ الْغَانِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْل الْخُمُسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ خُلِّيَ لأَِنَّ اقْتِنَاءَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مُحَرَّمٌ. وَمَا أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مَال الْكُفَّارِ وَخِيفَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْحَيَوَانِ أُتْلِفَ حَتَّى لاَ يَنْتَفِعُوا بِهِ وَيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا لَمْ يَجُزْ إِتْلاَفُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ (2) . __________ (1) المراجع السابقة، والمغني 8 / 459، 460، وكشاف القناع 3 / 111، 112، والمهذب 2 / 259. (2) المهذب 2 / 240 وما بعدها. وَمَنْ قَتَل قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ (1) إِذَا قَتَلَهُ حَال الْحَرْبِ لاَ قَبْلَهَا وَلاَ بَعْدَهَا، وَالسَّلَبُ مَا كَانَ عَلَى الْكَافِرِ مِنْ ثِيَابٍ وَحُلِيٍّ، وَعِمَامَةٍ، وَقَلَنْسُوَةٍ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سِلاَحٍ وَسَيْفٍ، وَرُمْحٍ، وَقَوْسٍ، وَهُوَ أَوْلَى بِالأَْخْذِ مِنَ الثِّيَابِ، لأَِنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي حَرْبِهِ، وَالدَّابَّةُ أَيْضًا يُسْتَعَانُ بِهَا فِي الْحَرْبِ كَالسِّلاَحِ، وَآلَتُهَا كَالسَّرْجِ وَاللِّجَامِ تَبَعٌ لَهَا (2) . __________ (1) حديث: " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 247 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1371 - ط الحلبي) من حديث أبي قتادة. (2) كشاف القناع 2 / 72، والمغني 8 / 394 وما بعدها، والمحلى 7 / 316، وحاشية الدسوقي 2 / 191. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
المبحث الرابع: الجهاد في سبيل الله
يباح الفطر للمجاهد في سبيل الله، وهو قول الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، ورواية عن أحمد (¬3)، وبه أفتى ابنُ تيمية العساكرَ الإسلامية لما لقوا العدو بظاهر دمشق، ونصره ابن القيم (¬4). الدليل: عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: ((سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة ونحن صيام، قال فنزلنا منزلاً فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: إنكم مُصبِّحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت عزمة، فأفطرنا، ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السفر)) أخرجه مسلم (¬5). (¬6). ¬_________ (¬1) ((حاشية رد المحتار لابن عابدين)) (2/ 421). (¬2) ((أحكام القرآن لابن العربي)) (1/ 151). (¬3) ((الفروع لابن مفلح)) (4/ 438)، قال البهوتي: ( عن القتال لدعاء الحاجة إليه) ((كشاف القناع)) (2/ 310 - 311). (¬4) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) (2/ 53). (¬5) رواه مسلم (1120). (¬6) وفي الحديث دليلٌ على أن الفطر لمن كان قريباً من العدو أولى؛ لمظنة ملاقاة العدو ووصولهم إليه ولهذا كان الإفطار أولى ولم يتحتم. وأما إذا كان لقاء العدو متحققاً فالإفطار عزيمة؛ لأن الصائم يضعف عن منازلة الأعداء وقتالهم. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
الجهاد في سبيل الله
• * المجاهد في سبيل الله:. • * حكمة مشروعية الجهاد:. • * حكم الجهاد في سبيل الله:. • * يجب الجهاد على كل مستطيع في الحالات الآتية:. • * فضل الجهاد في سبيل الله:. • * فضل من جهز غازياً أو خَلَفَهُ بخير:. • * عقوبة من ترك الجهاد في سبيل الله:. • * الرباط:. • * فضل الرباط في سبيل الله:. • * فضل الغدوة والروحة في سبيل الله:. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
الجهاد في سبيل الله
• * المجاهد في سبيل الله:. • * حكمة مشروعية الجهاد:. • * حكم الجهاد في سبيل الله:. • * يجب الجهاد على كل مستطيع في الحالات الآتية:. • * فضل الجهاد في سبيل الله:. • * فضل من جهز غازياً أو خَلَفَهُ بخير:. • * عقوبة من ترك الجهاد في سبيل الله:. • * الرباط:. • * فضل الرباط في سبيل الله:. • * فضل الغدوة والروحة في سبيل الله:. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* حكمة مشروعية الجهاد:
1 - شرع الله الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ونشر الإسلام، وإقامة العدل، ومنع الظلم والفساد، وحماية المسلمين، ورد كيد الأعداء وقمعهم. 2 - شرع الله الجهاد ابتلاء واختباراً لعباده؛ ليتبين الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، وليعلم المجاهد والصابر، وليس قتال الكفار لإلزامهم بالإسلام، ولكن لإلزامهم بالخضوع لأحكام الإسلام حتى يكون الدين كله لله. 3 - والجهاد في سبيل الله باب من أبواب الخير، يذهب الله به الهم والغم، وتنال به الدرجات العلى في الجنة. * الهدف من القتال في الإسلام إزالة الكفر والشرك، وإخراج الناس من ظلمات الكفر والشرك والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وقمع المعتدين، وإزالة الفتن، وإعلاء كلمة الله، وإبلاغ دين الله، وإزاحة من يقوم في وجه تبليغه ونشره، فإذا حصل ذلك بدون قتال لم يحتج إلى القتال، ولا يكون قتال من لم تبلغه الدعوة إلا بعد الدعوة إلى الإسلام، فإن أبوا أمرهم الإمام بدفع الجزية، فإن أبوا استعان بالله وقاتلهم. فإن كانوا قد بلغتهم الدعوة جاز قتالهم ابتداء، فالله خلق بني آدم لعبادته، فلا يجوز قتل أحد منهم إلا من عاند وأصر على الكفر، أو ارتد، أو ظلم، أو اعتدى، أو منع الناس من الدخول في الإسلام، أو آذى المسلمين، وما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً قط إلا دعاهم إلى الإسلام. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* حكم الجهاد في سبيل الله:
الجهاد في سبيل الله فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* يجب الجهاد على كل مستطيع في الحالات الآتية:
1 - إذا حضر صف القتال. 2 - إذا استنفر الإمام الناس استنفاراً عاماً. 3 - إذا حَصَر بلده عدو. 4 - إذا احتيج إليه نفسه في القتال كطبيب وطيار ونحوهما. قال الله تعالى: (انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (التوبة/41). * الجهاد في سبيل الله: تارة يكون واجباً بالنفس والمال في حال القادر مالياً وبدنياً، وتارة يكون واجباً بالنفس دون المال في حال من لا مال له، وتارة يكون واجباً بالمال دون النفس في حال من لا يقدر على الجهاد ببدنه. 1 - قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة/193). 2 - عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)). أخرجه أبو داود والنسائي (¬1). ¬_________ (¬1) صحيح/ أخرجه أبو داود برقم (2504)، وهذا لفظه، صحيح سنن أبي داود رقم (2186). وأخرجه النسائي برقم (3096)، صحيح سنن النسائي رقم (2900). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* فضل الجهاد في سبيل الله:
1 - قال الله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (التوبة/20 - 22). 2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مثل المجاهد في سبيل الله- والله أعلم بمن يجاهد في سبيله- كمثل الصائم القائم، وتوكَّل اللهُ للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالماً مع أجر أو غنيمة)). متفق عليه (¬1). 3 - عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي العمل أفضل؟ قال: ((الصلاة على ميقاتها))، قلت: ثم أي؟ قال: ((ثم بر الوالدين))، قلت: ثم أي؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله)). متفق عليه (¬2). ¬_________ (¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2787)، واللفظ له، ومسلم برقم (1876). (¬2) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2782)، واللفظ له، ومسلم برقم (85). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* عقوبة من ترك الجهاد في سبيل الله:
عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من لم يغز، أو يجهز غازياً، أو يخلُف غازياً في أهله بخير، أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة)). أخرجه أبو داود وابن ماجه (¬1). * شروط وجوب الجهاد في سبيل الله: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والذكورية، والسلامة من الضرر، كالمرض والعمى والعرج، ووجود النفقة. * لا يجاهد المسلم تطوعاً إلا بإذن والديه المسلمين؛ لأن الجهاد فرض كفاية إلا في حالات، وبر الوالدين فرض عين في كل حال، أما إذا وجب الجهاد فيجاهد بلا إذنهما. * كل تطوع فيه منفعة للإنسان ولا ضرر على والديه فيه فلا يحتاج إلى إذنهما فيه كقيام الليل، وصيام التطوع ونحوهما، فإن كان فيه ضرر على الوالدين، أو أحدهما فلهما منعه، وعليه أن يمتنع؛ لأن طاعة الوالدين واجبة، والتطوع ليس بواجب. ¬_________ (¬1) حسن / أخرجه أبو داود برقم (2503)، وهذا لفظه، صحيح سنن أبي داود رقم (2185). وأخرجه ابن ماجه برقم (2762)، صحيح سنن ابن ماجه رقم (2231). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* أقسام الجهاد أربعة:
1 - جهاد النفس: وهو جهاد النفس على تعلم الدين، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه. 2 - جهاد الشيطان: وهو جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشهوات. 3 - جهاد أصحاب الظلم والبدع والمنكرات: ويكون باليد إذا قدر، فإن عجز فباللسان، فإن عجز فبالقلب، حسب الحال والمصلحة. 4 - جهاد الكفار والمنافقين: ويكون بالقلب، واللسان، والمال، والنفس- وهو المقصود هنا-. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* أقسام الجهاد أربعة:
1 - جهاد النفس: وهو جهاد النفس على تعلم الدين، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه. 2 - جهاد الشيطان: وهو جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشهوات. 3 - جهاد أصحاب الظلم والبدع والمنكرات: ويكون باليد إذا قدر، فإن عجز فباللسان، فإن عجز فبالقلب، حسب الحال والمصلحة. 4 - جهاد الكفار والمنافقين: ويكون بالقلب، واللسان، والمال، والنفس- وهو المقصود هنا-. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* للجهاد في سبيل الله أربع حالات:
1 - جهاد ضد الكفار والمشركين: وهو أمر لازم لحفظ المسلمين من شرهم، ولنشر الإسلام بينهم، ويُخيرون فيه على الترتيب بين الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتال. 2 - جهاد ضد المرتدين عن الإسلام: ويُخيرون على الترتيب بين العودة إلى الإسلام، أو القتال. 3 - جهاد ضد البغاة: وهم الذين يخرجون على إمام المسلمين ويثيرون الفتنة، فإن رجعوا وإلا قُتلوا. 4 - جهاد ضد قطاع الطريق: ويُخير الإمام فيهم بين قتلهم، أو صلبهم، أو تقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو نفيهم من الأرض، وعقوبتهم حسب جريمتهم، حسب ما يراه الإمام. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
3 - آداب الجهاد في الإسلام
• * واجبات الإمام في الجهاد:. • * وقت القتال:. • * متى ينزل نصر الله؟. • * إذا التقى الجيشان فيحرم الفرار من الزحف إلا في حالتين:. • * فضل الشهادة في سبيل الله:. • * أسرى الحرب قسمان:. • * فضل الإنفاق في سبيل الله:. • * فضل الغبار والصيام في سبيل الله:. • * فضل من احتبس فرساً في سبيل الله:. • * قسمة الغنيمة:. • * الشهداء في سبيل الله:. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* واجبات الإمام في الجهاد:
يجب على الإمام أو من ينوب عنه أن يتفقد جيشه وأسلحته عند المسير إلى العدو، ويمنع المخذِّل والمرجف، وكل من لا يصلح للجهاد، ولا يستعين بكافر إلا لضرورة، ويُعد الزاد، ويسير بالجيش برفق، ويطلب لهم أحسن المنازل، ويمنع الجيش من الفساد والمعاصي، ويحدثهم بما يقوي نفوسهم ويرغبهم في الشهادة. ويأمرهم بالصبر والاحتساب، ويقسم الجيش، ويُعيّن عليهم العرفاء والحراس، ويبث العيون على العدو، ويُنفِّل من يرى من الجيش أو السرية كالربع بعد الخمس في الذهاب، والثلث بعد الخمس في الرجوع، ويشاور في أمر الجهاد أهل الدين والرأي. * يلزم الجيش طاعة الإمام أو نائبه في غير معصية الله، والصبر معه، ولا يجوز الغزو إلا بإذنه إلا أن يفاجئهم عدو يخافون شرَّه وأذاه فلهم أن يدافعوا عن أنفسهم، وإن دعا كافر إلى البراز استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة مبارزته بإذن الأمير، ومن خرج مجاهداً في سبيل الله فمات بسلاحه فله أجره مرتين. * إذا أراد الإمام غزو بلدة أو قبيلة في الشمال مثلاً أظهر أنه يريد جهة الجنوب مثلاً، فالحرب خدعة، وفي هذا فائدتان: الأولى: أن خسائر الأرواح والأموال تقل بين الطرفين فتحل الرحمة محل القسوة. والثانية: توفير طاقة جيش المسلمين من رجال وعتاد لمعركة لا تجدي فيها الخدعة. عن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلَّما يريد غزوة يغزوها إلا وَرَّى بغيرها. متفق عليه (¬1). ¬_________ (¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2948)، واللفظ له، ومسلم برقم (2769). |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
6 - الجهاد في سبيل الله
- أقسام الجهاد في سبيل الله: ينقسم الجهاد في سبيل الله إلى قسمين: الأول: جهاد باللسان: وهو بذل الجهد لإعلاء كلمة الله ونشرها بالدعوة إلى الله، وتعليم شرعه، وهذا القسم أعظم وأفضل أقسام الجهاد في سبيل الله، وهو جهاد جميع الأنبياء والرسل وأتباعهم. 1 - قال الله تعالى: {{وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)}} [الفرقان:51 - 52]. 2 - وقال الله تعالى: {{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)}} [الحج:78]. 3 - وقال الله تعالى: {{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)}} [العنكبوت:69]. الثاني: جهاد بالسيف: وهو القتال في سبيل الله ببذل النفس والمال لإعلاء كلمة الله، وصد عدوان المعتدين، وهو المقصود هنا. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
5 - فضائل الجهاد في سبيل الله
- فضل الجهاد في سبيل الله: 1 - قال الله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)}} [التوبة:111]. 2 - وقال الله تعالى: {{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)}} [الحُجُرات:15]. 3 - وقال الله تعالى: {{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)}} [النساء:95 - 96]. 4 - وقال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)}} [المائدة:54]. 5 - وقال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)}} [الصف:10 - 13]. |
موسوعة الفقه الإسلامي
موسوعة الفقه الإسلامي
|
الباب الثاني والعشرون
كتاب الجهاد في سبيل الله ويشتمل على ما يلي: 1 - معنى الجهاد وحكمه. 2 - فضائل الجهاد في سبيل الله. 3 - أقسام الجهاد في سبيل الله. 4 - أحكام الجهاد في سبيل الله. 5 - أحكام المجاهدين في سبيل الله. 6 - آداب الجهاد في سبيل الله. 7 - أحكام القتال في سبيل الله. 8 - أحكام الشهداء في سبيل الله. 9 - أحكام الأسرى والسبي. 10 - أحكام الغنائم والأنفال. 11 - انتهاء الحرب بالإسلام أوالمعاهدات. 12 - أحكام غير المسلمين: ويشمل: 1 - أهل الذمة. 2 - أهل الهدنة. 3 - أهل الأمان. 13 - أحكام الرجوع من الجهاد. 14 - فضل الحمد والشكر. 15 - فضل التوبة والاستغفار. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
1 - معنى الجهاد وحكمه
· الجهاد في سبيل الله: هو بذل الطاقة والوسْع في قتال الكفار، ابتغاء وجه الله. · حقيقة الجهاد في سبيل الله: الجهاد لا يسمى جهاداً حقيقياً إلا إذا قُصد به وجه الله، وأريد به إعلاء كلمة الله، وبذل النفس في مرضاة الله، ورفع راية الحق، ومطاردة الباطل. فإذا أراد به الإنسان شيئاً من حظوظ الدنيا، فإنه لا يسمى جهاداً شرعياً ينال به الأجر، فمن قاتل ليظفر بمغنم، أو يُظهر شجاعة، أو ينال شهرة، أو يحظى بمنصب، فإنه لا نصيب له في الأجر، ولا حظ له في الثواب. 1 - قال الله تعالى: {{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)}} [البينة: 5]. 2 - وَعَنْ أبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقال: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ». متفق عليه (¬1). · منزلة الجهاد في سبيل الله: الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام؛ لما فيه من المصالح العظيمة في حفظ الإسلام وأهله، ودفع عدوان المعتدين. ولمكانة الجهاد وعظيم منزلته تمنى أفضل المجاهدين في سبيل الله محمد ¬_________ (¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2810) , واللفظ له، ومسلم برقم (1904). |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
2 - فضائل الجهاد في سبيل الله
- فضل الجهاد في سبيل الله: 1 - قال الله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)}} ... [التوبة: 111]. 2 - وقال الله تعالى: {{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)}} [الصف: 4]. 3 - وقال الله تعالى: {{الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22)}} ... [التوبة: 20 - 22]. 4 - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَاللهُ أعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللهُ لِلمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأنْ يَتَوَفَّاهُ: أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أوْ يَرْجِعَهُ سَالِماً مَعَ أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ». متفق عليه (¬1). 5 - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ: أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قال: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». ¬_________ (¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2787) , واللفظ له، ومسلم برقم (1876). |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
3 - أقسام الجهاد في سبيل الله
- أقسام الجهاد في سبيل الله: ينقسم الجهاد في سبيل الله إلى قسمين: الأول: الجهاد بالنفس والمال واللسان، وهو جهاد الدعوة إلى الله بين الناس، حتى يكون الدين كله لله. وهذا أعظم أنواع الجهاد، وأعظم من قام به الأنبياء والرسل، وهو جهاد حسن لذاته، وهو مقصد بعثة الأنبياء والرسل، وبسببه يؤمن الناس، ويعبدون ربهم وحده لا شريك له. 1 - قال الله تعالى: {{وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)}} [الفرقان: 51 - 52]. 2 - وقال الله تعالى: {{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)}} ... [الحج: 78]. الثاني: القتال في سبيل الله، وهو بذل النفس والمال من أجل إعلاء كلمة الله، حتى لا تكون فتنة, ويكون الدين كله لله. ولم يُفرض هذا الجهاد على جميع الأنبياء، وإنما فُرض على بعضهم كداود وسليمان وموسى عليهم الصلاة والسلام. وأفضل من جاهد هذا الجهاد سيد الأنبياء والمرسلين محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
4 - أحكام الجهاد في سبيل الله
- الجهاد أفضل أنواع التطوع: الجهاد في سبيل الله أفضل أنواع التطوع، فهو أفضل من تطوع الحج والعمرة، ومن تطوع الصلاة والصيام؛ لما فيه من إعلاء كلمة الله، وحفظ الإسلام والمسلمين، وقمع المعتدين، وإزالة الفتن. وهو من أفضل العبادات؛ لِمَا فيه من رفعة الدرجات، ولِمَا فيه من الزهد في الدنيا، وهجر الرغبات، ومفارقة الأهل والدار، والتضحية بالنفس والمال. 1 - قال الله تعالى: {{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)}} ... [النساء: 95 - 96]. 2 - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنّ رَجُلاً أَتَى النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: أَيّ النّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ» قَالَ: ثُمّ مَنْ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشّعَابِ، يَعْبُد الله رَبّهُ، وَيَدَعُ النّاسَ مِنْ شَرّهِ». متفق عليه (¬1). 3 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قِيلَ لِلنّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: مَا يَعْدِلُ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزّ وَجَلّ؟ قَالَ: «لاَ تَسْتَطِيعُونَهُ» قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثاً، كُلّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لاَ تَسْتَطِيعُونَهُ»، وَقَالَ فِي الثّالِثَةِ: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ ¬_________ (¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2786) , ومسلم برقم (1888)، واللفظ له. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
6 - آداب الجهاد في سبيل الله
- آداب الجهاد في الإسلام: أهم آداب الجهاد في الإسلام: 1 - التوكل على الله، وحسن تقواه، وطلب النصر منه وحده. 2 - الدعاء والصبر والإخلاص لله في العمل، وذكر الله وتكبيره. 3 - اجتناب المعاصي، فهي أعظم سبب لتسلط الكفار على المسلمين. 4 - عرض الإسلام على الكفار الذين لم تبلغهم الدعوة، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا حل قتالهم. 5 - البعد عن الفخر والعجب والرياء. 6 - سؤال الله العافية، وعدم تمني لقاء العدو، والصدق في القتال. 7 - عدم تحريق الآدمي والحيوان بالنار. 8 - عدم الغدر، وعدم قتل النساء والأطفال والشيوخ الكبار والرهبان إذا لم يقاتلوا، وكل من اجتنب الحرب لا يحل قتله. فإن قاتلوا، أو حرَّضوا، أو كان لهم رأي وتدبير في الحرب قُتلوا. 1 - قال الله تعالى: {{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)}} [الأنفال: 9 - 10]. 2 - وقال الله تعالى: {{إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)}} ... [آل عمران: 160]. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
13 - أحكام الرجوع من الجهاد
- ما يقوله إذا قفل من الغزو: 1 - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أوْ حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأرْضِ ثَلاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: «لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ». متفق عليه (¬1). 2 - وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَقْفَلَهُ مِنْ عُسْفَانَ، وَرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَقَدْ أرْدَفَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَعَثَرَتْ نَاقَتُهُ فَصُرِعَا جَمِيعاً، فَاقْتَحَمَ أبُو طَلْحَةَ فَقال: يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قالَ: «عَلَيْكَ المَرْأةَ». فَقَلَبَ ثَوْباً عَلَى وَجْهِهِ وَأتَاهَا فَألْقَاهُ عَلَيْهَا، وَأصْلَحَ لَهُمَا مَرْكَبَهُمَا فَرَكِبَا، وَاكْتَنَفْنَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَلَمَّا أشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ، قالَ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ». فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ، حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ. متفق عليه (¬2). - ما يفعله عند القدوم من السفر: 1 - عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ لا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلا نَهَاراً فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأ بِالمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ. ¬_________ (¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (1797) , واللفظ له، ومسلم برقم (1344). (¬2) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3085) , واللفظ له، ومسلم برقم (1345). |