نتائج البحث عن (لولا) 50 نتيجة

لَوْلَا
:) ! لَوْلَا: قالَ الجَوْهري: مُرَكَّبةٌ مِن مَعْنى أَنْ ولَوْ، وَذَلِكَ أنَّ لَوْلَا تَمْنَعُ الثَّانِي مِن أَجْلِ وُجُودِ الأوَّلِ تقولُ: لَوْلَا زَيْدٌ لهَلكَ عَمْرو، أَي امْتَنَعَ وُقُوعُ الهَلاكِ مِن أجْلِ وُجُودِ زَيْد هُنَاكَ.
قَالَ ابنُ برِّي: ظاهِرُ كلامِ الجَوْهرِي يَقْضِي بأَنَّلَوْلَا مُركَّبَةٌ مِن أَن المَفْتوحَة وَلَو، لأَنَّ لَو للامْتِناعِ وأنْ للوُجُودِ، فجَعَلَ لَوْلَا حَرْفَ امْتِناعٍ لوُجُودٍ، انتَهَى.
وَقَالَ المبرِّدُ: لَوْلَا تَمْنَعُ الشيءَ مِن أَجْلِ وُقُوعِ غيرِهِ.
وَقَالَ ابنُ كَيْسان: المَكْنِيُّ بَعْدَ لَوْلا لَهُ وَجْهان: إنْ شِئْتَ جِئْتَ بمَكْني المَرْفوع فقلْتَ لَوْلا هُوَ {{ولَوْلا هُمْ ولَوْلا هِيَ ولَوْلا أَنْتَ، وإنْ شِئْتَ وصلْتَ المَكْنيَّ بهَا فَكَانَ كمَكْنِيِّ الخَفْضِ، والبَصْريّون يقولونَ: هُوَ خَفْض، والفرَّاء يقولُ. وَإِن كانَ فِي لَفْظِ الخَفْضِ فَهُوَ فِي مَوْضِعِ الرَّفْع، قالَ: وَهُوَ أَقْيَسُ القَوْلَيْن، تَقول:}} لَوْلاكَ مَا قُمْتُ {{ولَوْلايَ}} ولَوْلاهُ {{ولَوْلاهَا}} ولَوْلاهُم، والأجْودُ لَوْلا أَنْتَ كَمَا قَالَ، عزَّ وجلَّ: {{لَوْلَا أَنْتُم لكُنَّا مُؤْمِنِين}} ؛ وَقَالَ الشاعرُ:
ومَنْزلِةٍ لَوْلايَ طِحْتَ كَمَا هَوَى
بأَجْرامِه مِن قُنَّةِ النِّيقِ مُنْهَويوأَنْشَدَ الفرَّاء:
أَيَطْمَعُ فِينا مَنْ أَراقَ دِماءَنا
! ولَوْلاهُ لَمْ يَعْرِضْ لأَحْسابِنا حَسَنْورَوَى المُنْذري عَن ثَعْلب قالَ: لَوْلا إِذا وَلِيَتِ الأسْماء كانتْ جَزَاء وَإِذا وَلِيَتِ الأفْعالَ كانتْ اسْتِفْهاماً.
وَفِي البصائِرِ للمصنِّفِ: لَوْلا على أرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
(أَحَدُها:) أَن تَدْخُلَ على جملتين اسْمِيَّةٍ ففعْلِيَّةٍ لرَبْطِ امْتِناعِ الثَّانِيَةِبوُجُودِ الأُولى، نَحْو: لَوْلا زَيْد لأَكْرَمْتكَ، أَي لَوْلا زَيْدٌ مَوْجودٌ وأَمَّا الحديثُ: (لَوْلاَ أَنْ أَشقَّ على أُمَّتي لأَمَرْتَهم بالسّواكِ عنْدَ كلِّ صلاةٍ) ، فالتَّقْدير: لَوْلا مَخافَة أَنْ أَشقَّ لأَمَرْتَهم أَمْرَ إيجابٍ وإلاَّ لانْعَكَس مَعْناهُ إِذا المُمْتَنِع المَشَقَّة والمَوْجُودُ الأَمْر.
(الثَّاني:) تكونُ للتَّحْضيضِ والعَرض فتَخْتَص بالمُضارِعِ أَو مَا فِي تأْوِيلِه نَحْو: {{لَوْلا تَسْتَغْفرونَ الله}} ، و {{لَوْلا أَخَّرْتَني إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ}} ، والفَرْقُ بَيْنهما أنَّ التَّحْضِيضَ طَلَبٌ بِحَثَ والعَرْض طَلَبٌ برِفْقٍ وتأَدّبٍ.
(الثَّالث:) تكونُ للتَّوْبيخِ والتَّنْديدِ فتَخْتَص بالماضِي، كَقَوْلِه تَعَالَى: {{لَوْلا جاؤُوا عَلَيْهِ بأَرْبَعَةِ شُهداءٍ}} {{ {فلَوْلا نَصْرهم الَّذين اتَّخَذُوا مِن دُون الله قرْباناً آلِهَةً}} ؛ وَمِنْه: {} ولَوْلا إِذا سَمِعْتمُوه قُلْتُم} إلاَّ أنَّ الفِعْل أُخِّر؛ وقولُ جرير:
تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أَفْضَلَ مَجْدِكُم
بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعَاإلاَّ أنَّ الفِعْل أُضْمِر، أَي لَوْلا عَدَدْتُم أَو لَوْلا تَعُدُّونَ عَقْرَ الكَمِيّ المُقَنَّع مِن أَفْضَل مَجْدِكم، وَقد فُصلت مِن الفِعْل بإذوَإِذا مَعْمُولَيْن لَهُ، وبجُمْلَةِ شَرْطٍ مُعْتَرِضَةٍ، فالأوَّل نَحْو: {{ {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُموه قُلْتُم}} ؛ وَالثَّانِي والثَّالثِ: {} فلَوْلا إِذا بَلَغَت الحُلْقُوم} {{فلَوْلا إِن كُنْتُم غَيْر مدينين ترجعونها}} .
(الَّرابع:) الاسْتِفهامُ، نَحْو: {{لَوْلا أَخَّرْتَني إِلَى أَجَلٍ قرِيبٍ}} ، {{لَوْلا أنزلَ إِلَيْهِ ملك}} كَذَا مثلُوا والظاهِرُ أنَّ الأولى للعَرْضِ، والثانِيَة مِثْل {{ {لَوْلا جاؤُوا عَلَيْهِ بأَرْبَعةِ شُهداءِ}} .
وَالْخَامِس: أنْ تكونَ نافِيَةً بمعْنَى لم، عَن الفرَّاء، وَمثله بقوله تَعَالَى: {} فلَوْلا كانَ مِن القُرونِ مِن قَبْلكم أُولو بَقِية يَنْهونَ} ، قَالَ: لم يَكُنْ أَحدٌ كَذلكَ إلاَّ قَلِيلا، فإنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا يَنْهون فَنَجوا، وَهُوَ اسْتِثناءٌ على الانْقِطاع ممَّا قَبْله، كَمَا قَالَ، عزَّ وجلَّ: {{إلاَّ قَوْم يُونُس}} ، وَلَو كانَ رَفْعاً لكانَ صَواباً، هَذَا نَصّ الفرَّاء. ومَثَّله غيرُه بقوله تَعَالَى: {{فلَوْلا كَانَت قَرْيَة آمَنَتْ فنَفَعَها إيمانُها إلاَّ قَوْم يُونُس}} ، والظاهِرُ أَنَّ المَعْنى على التَّوْبيخ، أَي فهَلاَّ كانتْ قَرْيَة واحِدَة مِن القُرَى المُهْلَكَة تابَتْ عَن الكُفْر قَبْل مجيءِ العَذَابِ فنَفَعَها ذلكَ، هَكَذَا فَسَّره الأَخْفَش والكِسائي وعليُّ بنُ عِيسَى والنحَّاسُ، ويُؤَيّدُه قِراءَةُ أُبيَوعبدِ اللهِ {{فهَلاَّ}} ويَلْزَمُ مِن هَذَا المَعْنى النَّفْي لأنَّ التَّوْبيخَ يَقْتَضِي عَدَمُ الوُقُوعِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَري فِي قولهِ تَعَالَى: {{فلَوْلا إِذْ جاءَهُم بأْسُنا تَضَرَّعُوا}} ، جيءَ {{بلَوْلا ليُفادَ أَنَّهم لم يَكُنْ لهُم عذْرٌ فِي تَرْكِ التَّضرُّعِ إلاَّ عَنَادهم وقَسْوَة قُلُوبِهم وإعْجابهمبأَعْمالِهمالَّتِي زَيَّنها الشَّيْطانُ لَهُم؛ وقولُ الشاعرِ:أَلا زَعَمَتْ أَسْماء أَنْ لَا أُحبُّهافقُلْتُ: بَلَى لَوْلا يُنازَعني شغلِقيل: إنَّها الامُتِناعِيَّة والفِعْل بَعْدَها على إضْمارِ أَن، وَقيل: لَيْسَتْ مِن أَقْسام لَوْلا بل هُما كَلِمتانِ بمنْزِلَةِ قَوْلكَ لَو لم. قَالَ ابنُ سِيدَه: وأَمَّا قولُ الشاعرِ:}} لَلَوْلا حُصَيْنٌ عَيْبَهُ أَن أَسُوءَهوأَنَّ بَني سَعْدٍ صَديقٌ ووَالِدُفإنَّه أَكَّدَ الحَرْفَ باللاّم.
لولا: وأمّا (لولا) فجمعوا [فيها بين (لو) و (لا) ] في مَعْنَيَيْن، احدُهما: (لو لمْ يكُنْ) ، كقولك: لولا زيد لأكرمتك، معناه: لو لميكن. والآخر: (هلاّ) ، كقولك: لولا فعلت ذاك، في معنى: هلاّ فعلت، وقد تدخل (ما) في هذا الحد في موضع (لا) ، كقوله تعالى: لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ ، أي: هلاّ تأتينا، وكلّ شيء في القرآن فيه (لولا) يُفَسَّر على (هلاّ) غير الّتي في [سورة] الصّافّات: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ

أي: فلو لم يكن..

إما لا: وأمّا قولهم: إمّا لا فافعل كذا فإِنّما هو: إنْ لا تفعل ذاك فافعل ذا، ولكنّهم لمّا جمعوا هؤلاء الأحرف فصِرْنَ في مَجْرى اللّفظ مثقّلة، فصار (لا) في آخرها كأنّه عَجُزُ كَلِمةٍ فيها ضمير ما ذكرتُ لك في كلام طلبتَ فيه شيئاً فرُدَّ عليك أمرك، فقلت: إما لا فافعل ذا. وتقول: الق زيداً وإلاّ فلا، معناه: وإلاّ تلق زيداً فدَعْ، قال :

فطلِّقْها فلستَ لها بكُفْءٍ...وإلاّ يَعْلُ مَفْرِقَك الحُسامُ

فأضْمَر فيه: وإلاّ تُطَلِّقْها يَعْلُ، وغير البيان أحسن.
ل و ل ا: (لَوْلَا) مُرَكَّبَةٌ مِنْ مَعْنَى إِنْ وَلَوْ وَذَلِكَ أَنَّ لَوْلَا يَمْنَعُ الثَّانِيَ مِنْ أَجْلِ الْأَوَّلِ. تَقُولُ: لَوْلَا زَيْدٌ لَهَلَكْنَا أَيِ امْتَنَعَ وُقُوعُ الْهَلَاكِ مِنْ أَجْلِ وُجُودِ زَيْدٍ. وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى هَلَّا وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {{لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ}} [المنافقون: 10] .
لَوْلا [كلمة وظيفيَّة]:1 -حرف شرط يدلّ على امتناع شيء لوجود غيره، يدخل على جملتين: الأولى اسميّة والأخرى فعليّة لربط امتناع الثانية بوجود الأولى "لولا العدلُ لفسدت الرعيّة- {{وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ}} ".2 -حرف للتحضيض والحثّ على فعل شيء، يختص بالدخول على الجملة الفعليّة " {{لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}} - {{فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ}} ".3 -حرف غير عامل يفيد التَّوبيخ يخْتصّ بالماضي " {{لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ}} - {{فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةً}} ".4 -حرف للنفي بمعنى (ما) أو (لم) وذلك إذا وقع بعده (إلاّ) الاستثنائيَّة " {{فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ}}: فلم تكن- {{فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إلاَّ قَلِيلاً}}: ما كان".5 -حرف يفيد الاستفهام المضمّن معنى العرض "لولا سألتنا؟: اسألنا".
(الْولَايَة) الْقَرَابَة وَيُقَال الْقَوْم عَلَيْهِ ولَايَة يَد وَاحِدَة يَجْتَمعُونَ فِي الْخَيْر وَالشَّر

(الْولَايَة) الْقَرَابَة والخطة والإمارة وَالسُّلْطَان والبلاد الَّتِي يتسلط عَلَيْهَا الْوَالِي
(الْوَلَاء) الْملك والقرب والقرابة والنصرة والمحبة
(لَوْلَا)حرف يدل على امْتنَاع شَيْءلوُجُود غَيره وَتَأْتِي على ثَلَاثَة أوجه1 -أَن تدخل على جملتين اسمية ففعلية لربط امْتنَاع الثَّانِيَة بِوُجُود الأولى نَحْو لَوْلَا العلاج لهلك أَي لَوْلَا العلاج مَوْجُودوَإِذا ولى (لَوْلَا) مُضْمر فحقه أَن يكون ضمير رفع نَحْو {{لَوْلَا أَنْتُم لَكنا مُؤمنين}} وَسمع قَلِيلا لولاي ولولاك ولولاه2 -أَن تكون للتحضيض وَالْعرض فتختص بالمضارع أَو مَا فِي تَأْوِيله نَحْو {{لَوْلَا تستغفرون الله}} و {{لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب}}3 -أَن تكون للتوبيخ والتنديم فتختص بالماضي نَحْو {{لَوْلَا جاؤوا عَلَيْهِ بأَرْبعَة شُهَدَاء}}وأصل (لَوْلَا) لَو ركبت مَعَ لَا وَلَا بُد لَهَا من جَوَاب مَذْكُور أَو جَوَاب مُقَدّر إِذا دلّ عَلَيْهِ دَلِيل نَحْو {{وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته وَأَن الله تواب حَكِيم}} وتكثر اللَّام فِي جوابها إِلَّا إِذا كَانَ منفيا بلم فَيمْتَنع دُخُولهَا عَلَيْهِ أَو بِمَا فيقل دُخُولهَا عَلَيْهِ
(اللولاء)الضّر والشدة يُقَال وَقَعُوا فِي اللولاء
(الولاج) الْبَاب والوادي والغامض من الأَرْض والزقاق والناحية (ج) ولج

(الولاج) الْكثير الولوج يُقَال فلَان خراج ولاج كثير الطّواف وَالسَّعْي
(الولاس) مُبَالغَة ولس وَالذِّئْب
(الولاف) ضرب من الْعَدو تقع فِيهِ القوائم مَعًا وَيُقَال برق ولاف
الولاء:[في الانكليزية] Continuation ،continuous action in the ablutions [ في الفرنسية] Continuation ،action suivie dans les ablutions بالكسر لغة المتابعة. وشرعا متابعة فعل بفعل في التطهير بحيث لا يجفّ العضو الأول عند اعتدال الهواء، فلو جفّف الوجه أو اليد بالمنديل قبل غسل الرجل لم يترك الولاء. وفي الخزانة الولاء أن لا يشتغل بين أفعال الوضوء بغيرها وهو سنّة في الوضوء، هكذا في جامع الرموز.
الولاء:[في الانكليزية] Friendship ،loyalty ،allegiance [ في الفرنسية] Amitie ،loyaute ،allegeance بالفتح لغة النصرة والمحبة. وقيل هو من الولي بمعنى القرب كما في البرجندي. وشرعا قرابة حكمية حاصلة من العتق أو الموالاة كما في الدرر، والأولى أي القرابة الحاصلة من العتق يسمّى ولاء العتاقة وولاء النّعمة، والثانية أي القرابة الحاصلة من الموالاة يسمّى ولاء الموالاة، ويؤيّده ما في شرح أبي المكارم لمختصر الوقاية من أنّ الولاء شرعا نسبة حاصلة من العتق أو الموالاة مستلزمة لآثار مخصوصة من الإرث والعقل وولاية النكاح، فهو نوعان ولاء عتاقة ويسمّى ولاء نعمة وسببه العتق، والجمهور على أنّه الإعتاق وولاء موالاة وسببه العقد المعروف انتهى. وقد أطلقه أي الولاء الفقهاء على الميراث الذي يكون بسبب هذه الحالة. ولذا قال المصنّف هو ميراث يستحقّه المرء بسبب عتق شخص في ملكه أو بسبب عقد الموالاة، كذا في البرجندي. لكن في جامع الرموز إنّ الولاء لغة القرابة كما في الكافي.وشرعا التناصر ويسمّى بولاء العتاقة والنّعمة، ومن حكمه الإرث كما في النهاية. فتعريفه بميراث يستحقّه الخ تعريف بالحكم وهو غير عزيز.
جَلُولاء:
بالمدّ: طسوج من طساسيج السواد في طريق خراسان، بينها وبين خانقين سبعة فراسخ، وهو نهر عظيم يمتد إلى بعقوبا ويجري بين منازل أهل بعقوبا ويحمل السفن إلى باجسرا، وبها كانت الوقعة المشهورة على الفرس للمسلمين سنة 16، فاستباحهم المسلمون، فسمّيت جلولاء الوقيعة لما أوقع بهم المسلمون وقال سيف: قتل الله، عز وجل، من الفرس يوم جلولاء مائة ألف فجلّلت القتلى المجال ما بين يديه وما خلفه، فسميت جلولاء لما جلّلها من قتلاهم، فهي جلولاء الوقيعة قال القعقاع بن عمرو فقصرها مرّة ومدها أخرى:
ونحن قتلنا في جلولا أثابرا ... ومهران، إذ عزّت عليه المذاهب
ويوم جلولاء الوقيعة أفنيت ... بنو فارس، لمّا حوتها الكتائب
والشعر في ذكرها كثير. وجلولاء أيضا: مدينة مشهورة بإفريقية، بينها وبين القيروان أربعة وعشرون ميلا، وبها آثار وأبراج من أبنية الأول، وهي مدينة قديمة أزلية مبنية بالصخر، وبها عين ثرّة في وسطها، وهي كثيرة الأنهار والثمار، وأكثر رياحينها الياسمين، وبطيب عسلها يضرب المثل لكثرة ياسمينها، وبها يربّب أهل القيروان السمسم بالياسمين لدهن الزّنبق، وكان يحمل من فواكهها إلى القيروان في كل وقت ما لا يحصى وكان فتحها على يدي عبد الملك بن مروان، وكان مع معاوية بن حديج في جيشه فبعث إلى جلولاء ألف رجل لحصارها، فلم يصنعوا شيئا، فعادوا فلم يسيروا إلا قليلا حتى رأى ساقة الناس غبارا شديدا فظنوا أن العدوّ قد تبع الناس، فكرّ جماعة من المسلمين إلى الغبار، فإذا مدينة جلولاء قد تهدم سورها، فدخلها المسلمون، فانصرف عبد الملك بن مروان إلى معاوية بن حديج بالخبر، فأجلب الناس الغنيمة، فكان لكل رجل من المسلمين مائتا درهم، وحظ الفارس أربعمائة درهم.
مَعْلُولا:
إقليم من نواحي دمشق له قرى، عن أبي القاسم الحافظ.
  • لولا
لولا
صيغة تمليح لبعض الأسماء مثل ليلى ولطيفة ولمياء.
مَمْلُولا
صورة كتابية صوتية من مَمْلُولَة: مؤنث مملول.
اللَّوْلاءُ: الشِّدَّةُ والضُّر.ولالُ: جَدُّ والِدِ أحمدَ بنِ عليِ بنِ أحمدَ الفَقيهِ، ومَعْناهُ بالفارِسِيَّةِ: الأَخْرَسُ.

لَوْلَا الاعتبارات لبطلت الْحِكْمَة

دستور العلماء للأحمد نكري

لَوْلَا الاعتبارات لبطلت الْحِكْمَة: لِأَن الْحِكْمَة هِيَ معرفَة أَحْوَال الموجودات الْحَقِيقِيَّة وَهَذِه الْمعرفَة محتاجة إِلَى معرفَة المفهومات الاعتبارية وَبَيَان أحوالها لِأَن معرفَة الْحَقَائِق العينية وَتَعْلِيمهَا وتعلمها مَوْقُوفَة على معرفَة الْأَلْفَاظ والدلالات فَلَا بُد من معرفَة مَفْهُوم الِاسْم والكلمة والأداة وَمَفْهُوم الدّلَالَة وَمَفْهُوم أقسامها مثلا ومقومات هَذِه الْأُمُور اعتبارية وَلَا شكّ أَن بطلَان الْمُحْتَاج إِلَيْهِ يُوجب بطلَان الْمُحْتَاج وخرابه.

لَوْلَا الحمقاء لخربت الدُّنْيَا

دستور العلماء للأحمد نكري

لَوْلَا الحمقاء لخربت الدُّنْيَا: فَإِن الدُّنْيَا عبارَة عَن الْغَفْلَة عَن الله تَعَالَى وَلَا يغْفل عَنهُ تَعَالَى إِلَّا الأحمق فَلَو لم يُوجد غافل لم تُوجد الْغَفْلَة بل عدمت وَخَربَتْ.
الْولَايَة: الْقرْبَة وَالتَّصَرُّف والقرابة الْحَاصِلَة من الْعتْق. أَو من الموالات - وَعند أَرْبَاب السلوك مرتبَة علية لخواص الْمُؤمنِينَ المقربين فِي الحضرة الصمدية تحصل بالمواظبة على الطَّاعَات والاجتناب عَن السَّيِّئَات.
الْولَايَة: الْقرْبَة وَالتَّصَرُّف والقرابة الْحَاصِلَة من الْعتْق أَو من الموالات وَعند أَرْبَاب السلوك مرتبَة عالية لخواص الْمُؤمنِينَ المقربين فِي الحضرة الصمدية تحصل بالمواضبة على الطَّاعَات والإجتناب عَن السَّيِّئَات. وَقد قَالَ قدوة العارفين الْعَارِف النامي نور الدّين الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الجامي قدس سره السَّامِي فِي (نفحات الْإِنْس من حضرات الْقُدس) أَن الْولَايَة على قسمَيْنِ: ولَايَة عَامَّة وَولَايَة خَاصَّة. وَالْولَايَة الْعَامَّة مُشْتَركَة بَين جَمِيع الْمُؤمنِينَ. قَالَ الله تَعَالَى: {{الله ولي الَّذين آمنُوا يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور}} ، وَالْولَايَة الْخَاصَّة مَخْصُوصَة بالواصلين وأرباب السلوك. وَهِي عبارَة عَن فنَاء العَبْد فِي الْحق وبقاءه بِهِ _ فالولي هُوَ الفاني فِيهِ وَالْبَاقِي بِهِ _ والفناء عبارَة عَن نِهَايَة السّير إِلَى الله تَعَالَى، والبقاء عبارَة عَن بداية السّير فِي الله تَعَالَى، وَيَنْتَهِي السّير إِلَى الله بعد قطع بداية الْوُجُود بقدم الصدْق دفْعَة وَاحِدَة، وَالسير فِي الله يتَحَقَّق بعد فنَاء العَبْد الْمُطلق وَيُصْبِح وجوده وذاته مطهرا من لوث الْحدثَان الرخيصان حَتَّى يَتَّصِف فِي ذَلِك الْعَالم بالأوصاف الإلهية ويتخلق بالأخلاق الربانية ويرتقي. وَيَقُول أَبُو عَليّ الْجوزجَاني رَحْمَة الله عَلَيْهِ (الْوَلِيّ هُوَ الفاني من حَاله الْبَاقِي فِي مُشَاهدَة الْحق لم يكن لَهُ عَن أَخْبَار وَلَا مَعَ غير الله قَرَار) .قَالَ إِبْرَاهِيم بن أدهم رَحمَه الله لرجل، أَتُرِيدُ أَن تصبح وليا من أَوْلِيَاء الله، قَالَ بلَى أُرِيد، فَقَالَ: (لَا ترقب فِي شَيْء من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وأفرغ نَفسك لله تَعَالَى وَأَقْبل بِوَجْهِك عَلَيْهِ) فَإِذا وجدت هَذِه الْأَوْصَاف فِيك أَصبَحت وليا.وَفِي الرسَالَة القشيرية أَن الْوَلِيّ لَهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: فعيل بِمَعْنى مفعول وَهُوَ من يتَوَلَّى الله أمره (قَالَ الله تَعَالَى وَهُوَ يتَوَلَّى الصَّالِحين) فَلَا يكله إِلَى نَفسه لَحْظَة بل يتَوَلَّى الْحق سُبْحَانَهُ رعايته. وَالثَّانِي: فعيل مُبَالغَة من الْفَاعِل وَهُوَ الَّذِي يتَوَلَّى عبَادَة الله وطاعته، فعبادته تجْرِي عَلَيْهِ على التوالي من غير أَن يتخللها عصيان. وكلا الوصفين وَاجِب حَتَّى يكون الْوَلِيّ وليا يجب قِيَامه بِحُقُوق الله على الِاسْتِقْصَاء والاستيفاء ودوام حفظه الله إِيَّاه فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء. (وَمن شَرط الْوَلِيّ) أَن يكون مَحْفُوظًا كَمَا أَن من شَرط النَّبِي أَن يكون مَحْفُوظًا فَكل مَا كَانَ للشَّرْع عَلَيْهِ اعْتِرَاض فَهُوَ مغرور مخادع. (قصد أَبُو يزِيد البسطامي) قدس الله تَعَالَى روحه بعض من وصف بِالْولَايَةِ فَلَمَّا دنا مَسْجده قعد ينْتَظر خُرُوجه فَخرج الرجل وَرمى ببزاقه تجاه الْقبْلَة فَانْصَرف أَبُو يزِيد وَلم يسلم عَلَيْهِ، وَقَالَ هَذَا رجل غير مَأْمُون على أدب من آدَاب الشَّرِيعَة فَكيف يكون أَمينا على أسرار الْحق) . جَاءَ شخص إِلَى الشَّيْخ أَبُو سعيد أَبُو الْخَيْر قدس سره، فَدخل عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد بِرجلِهِ الْيُسْرَى أَولا، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ ارْجع، فَنحْن لَا نُكَلِّم من لَا يُرَاعِي الْآدَاب فِي منزل الحبيب (انْتهى) _ (السَّرَّاء) الرخَاء و (الضراء) الشدَّة.
الْوَلَاء: بِالْكَسْرِ لُغَة الْمُتَابَعَة. وَشرعا مُتَابعَة فعل بِفعل بِحَيْثُ لَا يجِف الْعُضْو الأول مثلا فِي الْوضُوء عِنْد اعْتِدَال الْهَوَاء. فَلَو جفف الْوَجْه وَالْيَد بالمنديل قبل غسل الرجل لم يتْرك الْوَلَاء. بِخِلَاف مَا فِي التُّحْفَة وَالِاخْتِيَار من أَن لَا يشْتَغل بَين الْأَفْعَال بِعبَادة أُخْرَى بغَيْرهَا. فَإِنَّهُ على هَذَا لَو جفف لترك الْوَلَاء. وَلذَا منع عَنهُ الْمَشَايِخ كَذَا فِي الزَّاهدِيّ. وَهُوَ سنة مُؤَكدَة فِي الْوضُوء.وَفِي بعض شُرُوح كنز الدقائق الْوَلَاء أَن يغسل الْأَعْضَاء على سَبِيل التَّعَاقُب بِحَيْثُ لَا يجِف الْعُضْو الأول. وبالفتح لُغَة الْقَرَابَة يُقَال بَينهمَا وَلَاء أَي قرَابَة حكمِيَّة حَاصِلَة من الْعتْق. وَقيل الْوَلَاء بِالْفَتْح النُّصْرَة والمحبة. وَفِي الْكِفَايَة الْوَلَاء من الْوَلِيّ بِمَعْنى الْقرب يُقَال بَينهمَا وَلَاء أَي قرَابَة. وَمِنْه قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَلَا يُورث ". أَي وصلَة كوصلة النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَلَا يُورث أَي بطرِيق الْفَرْضِيَّة - وَأما بطرِيق الْعُصُوبَة فيورث. وَفِي الشَّرْع هُوَ التناصر سَوَاء كَانَ وَلَاء عتاقة أَو وَلَاء مُوالَاة. فالتناصر يُوجب الْإِرْث أَو الْعقل. فَمَا وَقع فِي شرح الْوِقَايَة هُوَ مِيرَاث يسْتَحقّهُ الْمَرْء بِسَبَب عتق شخص فِي ملكه أَو بِسَبَب عقد الْمُوَالَاة بَيَان للمعنى الْعرفِيّ وَحكمه. فَالْمُرَاد بِالْوَلَاءِ فِي الحَدِيث الشريف الْمَذْكُور التناصر بالاعتاق من قبيل ذكر الْمُسَبّب وَإِرَادَة السَّبَب أَي الاعتاق وصلَة وقرابة كوصلة النّسَب وقرابته لَا يُبَاع أَي سَببه وَقس عَلَيْهِ.ثمَّ اعْلَم أَن الْوَلَاء نَوْعَانِ - الأول وَلَاء عتاقة وَيُسمى وَلَاء نعْمَة. وَسبب هَذَا الْوَلَاء الاعتاق عِنْد الْجُمْهُور. وَالأَصَح أَن سَببه الْعتْق على ملكه سَوَاء حصل بالاعتاق كَمَا هُوَ الظَّاهِر - أَو بِسَبَب الشِّرَاء كَمَا فِي شِرَاء ذِي رحم محرم مِنْهُ.وَالثَّانِي وَلَاء الْمُوَالَاة وَسَببه العقد الَّذِي يجْرِي بَين اثْنَيْنِ. وَصُورَة مولى الْمُوَالَاة شخص مَجْهُول النّسَب قَالَ لآخر أَنْت مولَايَ ترثني إِذا مت وتعقل عني إِذا جنيت وَقَالَ الآخر قبلت. فعندنا يَصح هَذَا العقد وَيصير الْقَائِل وَارِثا عَاقِلا وَيُسمى بِهِ كَمَا يُسمى أَيْضا بمولى الْمُوَالَاة. وَإِذا كَانَ الآخر أَيْضا مَجْهُول النّسَب وَقَالَ للْأولِ مثل ذَلِك وَقَبله ورث كل مِنْهُمَا صَاحبه وعقل عَنهُ. وللمجهول أَن يرجع عَن عقد الْمُوَالَاة مَا لم يعقل عَنهُ مَوْلَاهُ.وَكَانَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول: إِذا أسلم رجل على يَدي رجل ثمَّ وَالَاهُ صَحَّ - قَالَ شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ: لَيْسَ الْإِسْلَام على يَدَيْهِ شرطا فِي صِحَة الْمُوَالَاة - وَإِنَّمَا ذكره فِيهِ على سَبِيل الْعَادة - وَكَانَ الشّعبِيّ رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول لَا وَلَاء إِلَّا وَلَاء الْعتَاقَة. وَبِه أَخذ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى وَهُوَ مَذْهَب زيد بن ثَابت رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَمَا ذهب إِلَيْهِ الحنفيون مَذْهَب عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ.وَاعْلَم أَن الْعقل بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف الدِّيَة - فَإِن قيل مَا وَجه كَون الْعتْق سَبَب الْوَلَاء والقرابة كقرابة النّسَب - قُلْنَا إِن الْحُرِّيَّة حَيَاة للْإنْسَان إِذْ بهَا يثبت لَهُ صفة الْمَالِكِيَّة الَّتِي امتاز بهَا عَن سَائِر مَا عداهُ من الْحَيَوَانَات والجمادات والرقية تلف وهلاك -.أَلا ترى أَن الرَّقِيق لَا يملك شَيْئا وَلَا تقبل شَهَادَته ومحجور عَن التَّصَرُّفَات. فالمعتق بِالْكَسْرِ سَبَب إحْيَاء الْمُعْتق بِالْفَتْح. كَمَا أَن الْأَب سَبَب لإيجاد الْوَلَد فَكَمَا أَن الْوَلَد يصير مَنْسُوبا إِلَى أَبِيه بِالنّسَبِ وَإِلَى أقربائه بالتبعية. كَذَلِك الْمُعْتق بِالْفَتْح يصير مَنْسُوبا إِلَى مُعْتقه بِالْوَلَاءِ وَإِلَى عصبته بالتبعية. فَكَمَا يثبت الْإِرْث بِالنّسَبِ كَذَلِك يثبت بِالْوَلَاءِ وَيجوز إِعْطَاؤُهُ لبِنْت الْمُعْتق أَيْضا كَمَا مر فِي الْعصبَة من جِهَة السَّبَب.

الْولَايَة أفضل من النُّبُوَّة

دستور العلماء للأحمد نكري

الْولَايَة أفضل من النُّبُوَّة: قَول بعض الصُّوفِيَّة وَقيل حَدِيث نبوي وأفضليتها من النُّبُوَّة بِخَمْسَة وُجُوه: أَحدهَا: أَن الْولَايَة صفة الْخَالِق. والنبوة صفة الْمَخْلُوق. وَثَانِيها: أَن اشْتِغَال الْولَايَة إِلَى الْحق - واشتغال النُّبُوَّة إِلَى الْخلق. وَثَالِثهَا: أَن الْولَايَة أَمر بَاطِن - والنبوة أَمر ظَاهر. وَرَابِعهَا: أَن الْولَايَة أَمر خَاص - والنبوة أَمر عَام. وخامسها: أَن الْولَايَة لَا انْتِهَاء لَهَا - والنبوة لَهَا انْتِهَاء.وَفِي شرح الْمَقَاصِد حُكيَ عَن بعض الكرامية أَن الْوَلِيّ قد يبلغ دَرَجَة النَّبِي بل أَعلَى. وَعَن بعض الصُّوفِيَّة أَن الْولَايَة أفضل من النُّبُوَّة لِأَنَّهَا تنبئ عَن الْقرب والكرامة كَمَا هُوَ شَأْن خَواص الْملك المقربين مِنْهُ. والنبوة عَن الأنباء والتبليغ كَمَا هُوَ حَال من أرْسلهُ الْملك إِلَى الرعايا لتبليغ أَحْكَامه. إِلَّا أَن الْوَلِيّ لَا يبلغ دَرَجَة النَّبِي لِأَن النُّبُوَّة لَا تكون بِدُونِ الْولَايَة. وَفِي كَلَام بعض العرفاء إِن مَا قيل الْولَايَة أفضل من النُّبُوَّة لَا يَصح مُطلقًا. وَلَيْسَ من الْأَدَب إِطْلَاق القَوْل بِهِ بل لَا بُد من التَّقْيِيد وَهُوَ أَن ولَايَة النَّبِي أفضل من نبوته لِأَن النُّبُوَّة مُتَعَلقَة بمصلحة الْوَقْت وَالْولَايَة لَا تعلق لَهَا بِوَقْت دون وَقت بل قَامَ سلطانها إِلَى قيام السَّاعَة بِخِلَاف النُّبُوَّة فَإِنَّهَا بجناب أقدس مُحَمَّد الْمُصْطَفى صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَصَحبه وَسلم حَيْثُ ظَاهرهَا الَّذِي هُوَ الإنباء وَإِن كَانَت دائمة من حَيْثُ بَاطِنهَا الَّذِي هُوَ الْولَايَة أَعنِي التَّصَرُّف فِي الْخلق بِالْحَقِّ. فَإِن الْأَوْلِيَاء من أمة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُم تصرف فِي الْخلق بِالْحَقِّ إِلَى قيام السَّاعَة. وَلِهَذَا كَانَت علامتهم الْمُتَابَعَة إِذْ لَيْسَ الْوَلِيّ إِلَّا مظهر تصرف النَّبِي.وَعَن أهل الْإِبَاحَة والإلحاد أَن الْوَلِيّ إِذا بلغ الْغَايَة فِي الْمحبَّة وصفاء الْقلبوَكَمَال الْإِخْلَاص سقط عَنهُ الْأَمر وَالنَّهْي وَلم يضرّهُ الذَّنب وَلَا يدْخل النَّار بارتكاب الْكَبِيرَة. وَالْكل فَاسد بِإِجْمَاع الْمُسلمين ولعموم الخطابات. وَلِأَن أكمل النَّاس فِي الْمحبَّة وَالْإِخْلَاص هم الْأَنْبِيَاء سِيمَا حبب الله خَاتم رسل الله تَعَالَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مَعَ أَن التكاليف فِي حَقهم أتم وأكمل حَتَّى يعاتبون بِأَدْنَى زلَّة بل بترك الأولى وَالْأَفْضَل. نعم حُكيَ عَن بعض الْأَوْلِيَاء أَنه استعفى الله تَعَالَى عَن التكاليف وَسَأَلَهُ الاعتاق عَن ظواهر الْعِبَادَات فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك بِأَن سلبه الْعقل الَّذِي هُوَ منَاط التكاليف. وَمنع ذَلِك من علو الْمرتبَة على مَا كَانَ.
الولادة: وضع الوالدة ولدها الولد المولود، ويقال للواحد والجمع، والصغير والكبير وللمتبني.
الولاية: من الولي، وهو القرب، فهي قرابة حكمية حاصلة من العتق أو من الموالاة، ذكره الراغب. وقال الحرالي: هو القيام بالأمر عن وصلة واصلة. وقال بعضهم: الولاء ميراث يستحقه المرء بسبب عتق شخص في ملكه أو بسبب عقد الموالاة.
الولاية: عند الصوفية: قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه.

والولاية في الشرع: تنفيذ القول على الغير شاء الغير أم أبى.
الولاء: بالكسر، والتوالي: أن يحصل شيئان فأكثر حصولا ليس بينهما ما ليس منهما.
طَلْق الولادةالجذر: ط ل ق

مثال: جَاءها طَلْقُ الولادة ليلاًالرأي: مرفوضةالسبب: لشيوع الكلمة على ألسنة العامة. المعنى: وجع الولادة

الصواب والرتبة: -جاءها طَلْقُ الولادة ليلاً [فصيحة] التعليق: ورد في المعاجم القديمة كالقاموس والتاج: «طُلِقَت المرأة في المخاض طَلْقًا: أصابها وَجَع الولادة»، كما أوردتها المعاجم الحديثة بذات المعنى.
جَرُّ الوَلاء: قال السيد: صورةُ جرِّ معتَقٍ معتقهن الولاء أن امرأةً أعتقت عبداً فاشترى العبد المعتَقُ عبداً وزوَّجه بمُعتَقَهِ غَيْرِهِ فوُلد بينهما ولدٌ هو حر وولاؤه لمولى أمه، فإذا أعتق ذاك العبدُ المعتَقُ عبداً جرَّ بإعتاقه ولاء ولد مُعتقَهِ إلى نفسه ثم إلا مولاته.
الوَلاء: هو ميراث يستحقّه المرء بسبب عتق شخص في ملك أو بسبب عقد الموالاة، والوَلاَء في الوضوء: هي المتتابعةُ يعني غسل الأعضاء على سبيل التعاقب بحيث لا يجفَّ العضو الأول، والولاء: بالفتح المِلك والمحبة والقرابة.
الوَلاية: بالفتح ويكسر هي تنفيذ القول على الغير شاءَ الغير أوْ لا، ومن له الوَلاية وَلِيٌّ أيضاً يطلق على البلاد التي يتسلَّط عليها الوالي، وبالكسر الخِطة والإمارة، وأيضاً الولاية قرابةٌ حُكميّةٌ حاصلة من العتق أو من الموالاة، وعند الصوفية، الولايةُ عبارة عن فناء العبد في الحق وبقائه به، فالوليُّ عندهم هو الفاني به والباقي به والفَناء عندهم نسيانُ مَا سوى الحق سبحانه حيث لا يشتغل قلبه إلى غير الحق سبحانه وتعالى.

البدر الذي انجلى، في مسألة الولا

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

البدر الذي انجلى، في مسألة الولا
للشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
المتوفى: سنة إحدى عشرة وتسعمائة.
(بَاب الْولادَة)يُقالُ للْمَرْأَة (310) : قد وَلَدَتْ ووَضَعَتْ ونَفِسَتْ ونُفِسَت نِفاساً، وَهِي نُفَسَاءُ [ونَفَسَاءُ] ، ونِسْوةٌ نِفاسٌ ونُفُسٌ، والوَلَدُ مَنْفُوسٌ مَا دامَ صَغِيرا، وأَنْشَدَ (311) : رُبَّ شريبٍ لكَ ذِي حُسَاسِ عطشانَ يَمْشي مِشْيَةَ النِّفاسِ ويُقالُ لمِثْلِ ذلكَ من ذواتِ الحافِرِ: نَتَجْتُ الفَرَسَ أَنْتِجُها، ونَتَجَتْ هِيَ وأَنْتَجَتْ فهيَ نَتِيجٌ (312) ونُتِجَتْ فَهِيَ منتوجَةٌ. فَإِذا كانَ الوَلَدُ فِي بَطْنِها قِيلَ: هِيَ نَتُوجٌ، وهُنَّ نَتَائجُ. ويُقالُ لَهَا: فَرِيشٌ، والجمعُ: فرائِشْ، وَذَلِكَ فِي أيّامِ نتاجِها، وأَنشَدَ لذِي الرُّمَّةِ (313) : باتَتْ يُقَحِّمُها ذُو أَزْمَلٍ وَسقَتْ لَهُ الفرائِشُ والسُّلْبُ القَيادِيدُ وَهِي عائِدٌ وخَلِيفٌ. وأمَّا الشافعُ فكُلُّ (314) مَا مَعَها ولدُها.ويُقالُ (315) فِي مِثْلِ ذلكَ مِن ذَواتِ الخُفِّ: نَتَجَتْ الناقةُ (184) فَهِيَ نَتُوجٌ، وأَنْتَجَتْ فَهِيَ نَتِيجٌ، وانْتَتَجَتْ: إِذا أخَرَجَتْ وَحْدَها فَوَضَعَتْه فِي القَفْرِ. ويُقالُ لَهَا: عائِذٌ أَيْضا، كَمَا يُقالُ لذَواتِ الحافِرِ، والجَمْعُ: عوائذُ وعُوذٌ. وقالَ أَبُو ذُئَيْبٍ (316) : وإنَّ حَدِيثا مِنْكِ لَو تَبْذُلينَهُ جَنَى النَّحْلِ فِي أَلْبانِ عُوذٍ مطافِلِ فإنْ ماتَ ولدُها أَو ذُبِحَ سَاعَة تَضَعُ فَهِيَ سَلوبٌ. فإنْ عُطِفَتْ على ولدِ غيرِها فَرَئِمَتْهُ (317) فَهِيَ رائِمٌ. فإنْ لم تَرْأَمْهُ ولكنَّها تَشَمُّه (318) قِيلَ لَهَا: عَلُوقٌ. والصَّعُودُ: الَّتِي تُعْطَفُ على ولدِ غَيرهَا إِذا خَدَجَتْ (319) . والخَلِيَّةُ: الَّتِي تُعطَفُ على ولدٍ واحدٍ مِن غيرِ أنْ يكونَ لَهَا وَلَدٌ. [فإنْ عُطِفَتْ على وَلَدِ غيرِها وَلها وَلَدٌ] فهيَ بِسْطٌ. ويُقالُ لذواتِ الأَظلافِ: قد وَلَدَتِ الشاةُ والبقرةُ ووَضَعَتْ، وَهِي رُبَّى حينَ تَضَعُهُ (320) إِلَى خَمْسَةِ عَشَرَ يَوْمًا - وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: إِلَى شَهْرَيْنِ - مِن غَنَمٍ رُبابٍ، وجمعوها على فُعالٍ، كَمَا قَالُوا: رَخِلٌ ورُخالٌ، وظِئْرٌ وظُؤارٌ. وَهِي رُبَّى بَيِّنَةُ الرِّبابِ والرِّبَّةِ. يُقالُ: هِيَ فِي رِبابِها. وأَنْشَدَ (321) : حنينَ أُمِّ البَوِّ فِي رِبابِها والرِّبابُ: مَصْدَرٌ، [والرُبابُ: جَمْعٌ] (322) . ومنهُ حديثُ عُمَرَ، رَحِمَهُ اللهُ: (دَعِ الرُّبَّى والماخِضِ والأَكولةَ) (323) .وقالَ أَبُو زَيْدٍ (324) : ومِثْلُ الرُّبَّى من الضَّأْنِ الرَّغُوثُ. وقالَ طَرَفَةُ (325) : فَلَيْتَ لنا مكانَ المَلْكِ عَمْرٍ ورَغُوثاً حَوْلَ قُبَّتِنا تَخُورُ وَقَالُوا فِي السِّباعِ [كلِّها] : دَمَصَتْ ووَضَعَتْ وولَدَتْ مِثْل مَا يُقالُ للناسِ [والغَنَمِ] .

بَاب الْحمل والولادة

المخصص

أَبُو عُبَيْدَة، نُسٍئَتْ المرأةُ فَهِيَ نَسءٌ، بَدَأَ حَمْلُها، الْأَصْمَعِي، نُسِئَتْ نَسْأً قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: وَإِذا ذكرنَا أَبَا عَليّ فإياه نَعْنِي، وَبِهَذَا الْمصدر وصفت بِدلَالَة قَوْلهم نِسْوةٌ نَسْءٌ لأَنهم إِذا وصفوا بِالْمَصْدَرِ وَحدوه كَانَ الْمَوْصُوف بِهِ وَاحِدًا أَو جمعا وَذَلِكَ أَنهم إِذا قَالُوا قومٌ عَدْلٌ فَإِنَّمَا يُرِيدُونَ ذَوُو عَدْلٍ فاخْتَزَلوا المضافَ وَأَقَامُوا الْمُضَاف إِلَيْهِ مُقامه فَكَمَا أَنهم لَو صَرَّحوا بالمضاف لم يثنوا الْمُضَاف إِلَيْهِ وَلَا جَمَعُوهُ كَذَلِك لم يثنوه وَلَا جَمَعُوهُ حِين حذفوا الْمُضَاف إِلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي نِيَّة الْإِثْبَات، قَالَ وَحكى أَبُو زيد: امْرَأَة نَسْءٌ من نِسْوةٍ.

وَقد قَالَ الله سُبْحَانَهُ: (حَمَلتْه أُمُّه كُرْهاً) وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا جَازَ حَمَلتْ بِهِ لمّا كَانَ فِي معنى عَلقَتْ بِهِ وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى: (أُحلَّ لكم ليلةَ الصيامِ الرَّفثُ إِلَى نِسَائِكُم) لمّا كَانَ فِي معنى الْإِفْضَاء عُدّي بإلى، وَقَالَ صَاحب الْعين: الْحمل، مَا يُحْمَل فِي الْبُطُون من الْأَوْلَاد فِي جَمِيع الْحَيَوَان حَمَلَتْ تَحْمِل حَمْلاً، غير وَاحِد، امْرَأَة حُبْلَى، حامِلٌ، ابْن السّكيت، لَا يُقَال لشَيْء من الْحَيَوَان غير الْإِنْسَان حُبْلَى إِلَّا فِي حَدِيث وَاحِد نُهِيَ عَن بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلة وَذَلِكَ أَن تكون الْإِبِل حوامل فتبيع حَبَلَ ذَلِك الحَبَل، ثَابت، والحَبَلُ، الامتلاء يُقَال حَبِلَ الرجلُ من الشَّرَاب امْتَلَأَ وَرجل حَبْلان وَامْرَأَة حَبْلى فَكَأَنَّهُ مُشْتَقّ من ذَلِك، أَبُو عَليّ: امْرَأَة حَبْلانة على مِثَال قَوْلهم شَاة حَلْبانة وناقة رَكْبانة، قَالَ: وَأَخْبرنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن السّري عَن أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى عَن ابْن الْأَعرَابِي أَن فُتَيَّةً من بعض أَحيَاء الْعَرَب خرجت ترعى غُنَيْمةً لَهَا فَسَاوَرَهَا غلامٌ من عُقَيل فاقْتَضَّها فَلَمَّا أحَسَّتْ بالحَبَل وذَبَلتْ شَفَتُها وَغَارَتْ عينُها قَالَت لأمها: يَا أُمَّتَا أَجِدُ عَيْني هَجَّانة وشفتي ذَبَّانة وَأرَانِي حَبْلانة.

قَالَت لَهَا: وممّ ذَلِك، قَالَت: خرجتُ ذاتَ يومٍ بالغنم أرعاها فَوَاثَبَني غُلَام عُقَيْليّ فَمَا زَالَ يَحُدُّني وأَشْهَاهُ.

قَالَ أَبُو عَليّ: هَجَّانة: غائرةٌ يُقَال هجَّجتْ عينُه وشَفَةٌ ذَبَّانة ذابلةٌ صفراءُ ذَبَّتْ تَذِبُّ ذَبَاً وذَبَبَاً وذُبُوبا، ابْن السّكيت، نسْوَة حَبَالَى، ابْن الْأَعرَابِي، نسْوَة حبَالٌ وَقد حَبِلَت حَبَلاً فَهِيَ حابلةٌ من نسْوَة حَبَلة والمَحْبَل أوانُ الحَبَل، والمَحْبل موضعُ الحَبَل من الرَّحم والحَوَاصنُ من النِّسَاء الحَبَالَى وَاحِدهَا حاصنٌ وَأنْشد: تُبِيلُ الحَوَاصِنَ أحْبَالَها ثَابت، فَإِذا عَظُم مَا فِي بَطنهَا فَهِيَ مُثْقِلٌ ومُجِحٌّ وأصل المُجِحّ فِي السِباع وَمِنْه حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه مَرَّ بِامْرَأَة مُجِحّ فَقَالُوا هِيَ أَمَةٌ لفُلَان فَقَالَ أَيُلِمُّ بهَا ? فَقَالُوا: نعم، أَبُو زيد، أصل الاجْحاح الامتلاء جَحَمْت الْحَوْض

ملأته، ثَعْلَب، أَصله الانبساط وَمِنْه قيل للنبات اليقطيني كالحنظل والقثاء الجُحُّ وَسَيَأْتِي ذكر هَذَا مستقصىً إِن شَاءَ الله.

ثَابت، فَإِذا كَانَ حملهَا عِنْد مقبل الْحيض فَهُوَ، الوُضْع، وَبَعْضهمْ يَقُول: التُّضْع، وَهُوَ مَذْمُوم عِنْدهم وَأنْشد ابْن السّكيت.

تَقول والجُرْدانُ فِيهَا مُكْتَنِعْ أما تخَاف حَبَلاً على تُضُع أَبُو عَليّ، اخْتلفُوا فِي الوُضْع والتُّضْع فبعضهم يجعلهما لغتين وَبَعْضهمْ يَجْعَل التَّاء مبدلة من الْوَاو قَالَ وَلَيْسَ بِبَدَل اطرادي إِنَّمَا هُوَ كبدل الْهمزَة من الْوَاو الْمَفْتُوحَة فِي أَنه يقْتَصر على مَا سُمِع مِنْهُ وَمِمَّا يشْهد لمن زعم أَنَّهُمَا ليستا لغتين أَنه لم يسمع مِنْهُ فعل صُرّف كَمَا صُرّف فِي الوُضْع حِين قَالُوا وَضَعَتْ الْمَرْأَة أَي حملت فِي مُقْبَل الْحيض فَإِن لم يَقُولُوا تَضَعَتْ دَلِيل على أَن الْقلب فِي هَذِه اللَّفْظَة مَقْصُود، أَبُو عبيد، وَضَعتْ الْمَرْأَة وُضْعاً وتُضْعاً وَهِي وَاضع، ثَابت، قَالَت امْرَأَة تصف وَلَدهَا يُقَال إِنَّهَا أم تَأبَطَّ شَرَّاً مَا حَمَلْتُه وُضْعاً أَو تُضْعاً وَلَا ولَدَتُه يَتْنا وَلَا أرْضَعْتُه غَيْلاً وَلَا حَرَمْتُه قَيْلاً وَلَا أَبَتُّه على مَأْقة.

أَبُو عبيد وَلَا أَبَتُّه تَئِقا وَيُقَال مَئِقا وَهُوَ أَجود الْكَلَام فالوُضْع مَا تقدم من الحَمْل فِي مُقْبَل الْحيض وَحِينَئِذٍ يُقَال حَمَلتْ بِهِ أمه سَهْواً أَي على حيض واليَتْنُ أَن تخرج رِجْلَاهُ قبل يَدَيْهِ.

ابْن السّكيت، هُوَ اليَتْنُ والأَتْنُ والوَتْن وَهِي امْرَأَة موتِنٌ وَقد أَيْتَنَت، أَبُو عَليّ: وأَوْتَنَتَ وآتَنَت وأصل اليَتْن القَلْب وَالْعَكْس.

قَالَ وَقَالَ عِيسَى بن عمر: سَأَلت ذَا الرُّمَّة عَن مَسْأَلَة فَقَالَ: أتعرف اليَتْنَ ? قلت: نعم، قَالَ: فمسألتك هَذِه يَتْنٌ، أَبُو عَليّ، وَرُبمَا سمى الْوَلَد يَتْناً، ثَابت: النِّكْسُ اليَتْن، ابْن دُرَيْد: وَلَيْسَ بثبت.

أَبُو عبيد، والغَيْلُ أَن تُرضعه على حَبَل، ابْن السّكيت: امْرَأَة مُغْيِل ومُغيل إِذا سَقَتْ وَلَدهَا الغَيْل وَهُوَ اللَّبن على الحَمْل، ثَابت، أَغْيَلت الْمَرْأَة وَلَدهَا وأغالته، سِيبَوَيْهٍ، لم يَجِيء أَغْيَلت الْأَعْلَى الأَصْل كَمَا أَن استحوذ كَذَلِك وَكِلَاهُمَا نَادِر.

صَاحب الْعين، اسْم اللَّبن الغَيْل والغيلة وَفِي حَدِيث لقد هَمَمْت أَن أنهى عَن الغيلة ثمَّ أخْبرت أَن فَارس وَالروم تفعل ذَلِك فَلَا يَضيرهم، أَبُو عبيد، والمَئق من الْبكاء، ثَابت المَأْقة أَن يشْتَد بكاء الصَّبِي وَيَأْخُذهُ عَلَيْهِ نشيجٌ وَقد مَئِقَ مَأقَاً والتّئِق الممتلئ غَضبا وَفِي مثل من الْأَمْثَال، أَنْت تَئِق وَأَنا مَئِق فَمَتَى نَتَّفِق، يَقُول أَنْت ممتلئ غَضبا وَأَنا حَدِيدٌ سريع الْبكاء، أَبُو زيد، امْرَأَة مُرِدٌّ، إِذا كَانَت فِي مُعظم حملهَا، ثَابت، فَإِذا اشتهت الْمَرْأَة شَيْئا على حملهَا فَهِيَ وَحْمَى، سِيبَوَيْهٍ، الْجمع: وحِامٌ ووَحَامَى، ابْن السّكيت، امْرَأَة وَحْمَى مشتهية على الْحمل بيّنة الوحام والوَحام والوَحَم وَقد وَحِمَتْ وَحَماً ووَحَمّناها وَلَها يَعْنِي أعطيناها مَا تشهّتْه على ذَلِك، ثَابت، والوَحَمُ الشَّيْء الَّذِي تشتهيه وَأنْشد: أَزْمان لَيْلَى عَام لَيْلَى وَحَمِى يَقُول: ليلى هِيَ الَّتِي تشتهيها نَفسِي.

أَبُو عبيد، وَفِي الْمثل، وَحْمَى وَلَا حَبَل، ابْن دُرَيْد، امْرَأَة جامِعُ، فِي بَطنهَا ولد، أَبُو زيد، وقَصَره الْأَصْمَعِي على الأتان من الْوَحْش، ابْن السّكيت، مَاتَت الْمَرْأَة بِجِمْع وجُمْع

أَي وَوَلدهَا فِي بَطنهَا وَقيل إِذا مَاتَت بِكْراً وَقَالَ هِيَ مِنْهُ بِجِمْع وجُمْع إِذا كَانَت عذراء لم يَقْتَضَّها وَمِنْه قَول الدَّهْناء بنت مِسْحَل امْرَأَة العَجَّاج للوالي حِين نَشَزَتْ عَلَيْهِ: (أصلحك الله أَنا مِنْهُ بجُمْع) ، ثَابت، فَإِذا دنت وِلَادَتهَا قيل أَخذهَا المَخَاضُ وَقد مَخَضَتْ مَخَاضاً ومُخضَت، ابْن السّكيت، وتَمَخَّضت، أَبُو حَاتِم، وَهِي مَا خِضٌ، ابْن السّكيت، الطَّلْق وَجَعُ الْولادَة وَقد طُلِقَتْ طَلْقاً، ثَابت: المَخَاضُ للنَّاس والبهائم والطَّلْقُ للنَّاس.

ابْن الْأَعرَابِي، فَإِذا أَخذهَا الطَّلْق فَأَلْقَت بِنَفسِهَا على جنبيها قيل تَصَلَّقَتْ وَهِي مُتّصَلّق وَكَذَلِكَ كل ذِي ألم إِذا تَصَلّق على جَنْبَيْهِ، ثَابت، يُقَال للْمَرْأَة إِذا طُلِقَتْ تركتهَا تُوَحْوِحُ بَين القوابل بعنى صَحِيح، أَبُو زيد: الخَصُوف من النِّسَاء الَّتِي تَضَع فِي تاسعها وَلَا تدخل فِي عَاشرهَا وَقد خَصَفَت تَخْصِف خِصَافاً.

ثَابت، فَإِذا أَلْقَت وَلَدهَا لغير تَمام فَهُوَ سِقْط وسُقْط وسَقْط، ابْن الْأَعرَابِي، وَهِي امْرَأَة مُسْقِط فَإِذا كَانَ ذَلِك عَادَة لَهَا فَهِيَ مِسْقاط وَقد أَسَقْطَها الرَّوْعُ وسَقَط بهَا، أَبُو عبيد، مَا حَمَلت المرأةُ نُعَرَةً أَي مَلْقوحاً هَذِه عبْرَته وَلَيْسَ اللقَاح فِي الْإِنْسَان والعبْرةُ الصَّحِيحَة أَن تَقول جَنِيناً أَو غَيره.

ابْن السّكيت، وَكَذَلِكَ النَّاقة وَلَا تسْتَعْمل فِي غير الجَحْد إِلَّا أَن العَجّاج قَالَ: والشَّدَنيّات يُسَاقِطْنَ النُّعَرْ فَاسْتَعْملهُ فِي الْإِيجَاب، قَالَ أَبُو عَليّ: إِذا استحالت المُضْغة فِي الرَّحِم من أَي الْحَوَامِل كَانَ فَهِيَ نُعْرة وَقيل إِذا مَوَتت أَوْلَاد الْحَوَامِل فَهِيَ نُعَرة وللنُّعَرة مَوضِع آخر سنأتي عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله.

أَبُو عبيد، المُمْصل، الَّتِي تُلْقي وَلَدهَا وَهُوَ مُضْغة وَقد أَمْصَلت، صَاحب الْعين، امْرَأَة مُمْلِصٌ ومِمْلاص كَذَلِك وَقد أَمْلَصَتْ وَالْولد مَلِيصٌ، الْأَصْمَعِي، امْرَأَة سَلُوبٌ إِذا أَلْقَت لغير تَمام وأعرفه فِي الْإِبِل وَقد أَسْلَبَتْ فَهِيَ مُسْلب، النَّضر مَلَطَتْه تَمْلُطُه كَذَلِك، ثَابت، فَإِن أَسْقَطَت قبل تَمام شهوره وَالْولد تَامّ قيل أَخْدَجَتْ وَهِي مُخْدَج وَالْولد مُخْدَج وخَدِيجٌ والخِدَاج من أول خَلْق الْوَلَد إِلَى مَا قبل التَّمام يُقَال خَدَجَت الْمَرْأَة والناقة وَهِي خادج وَإِن كَانَ الْوَلَد تَاما فَإِن كَانَ نَاقص الْخلق قيل أَخْدَجَتْ وَإِن كَانَ لتَمام وَقت الْحمل، صَاحب الْعين، أَسْبَعَتْ الْمَرْأَة فَهِيَ مُسْبِع إِذا ولدت لسبعة أشهر، ثَابت: المُتمُّ الَّتِي ولدت لتَمام، أَبُو عُبَيْدَة: أتمّت الْمَرْأَة، إِذا دنا لَهَا أَن تضع وَكَذَلِكَ النَّاقة، ابْن السّكيت، وَلدته لتمَام وتَمَام.

أَبُو عَليّ، أَتَمَّت المرأةُ إِذا دنا لَهَا أَن تضع وَكَذَلِكَ النَّاقة، أَبُو عليّ: الْوَلَد مُتَمَّم وتَمِيمٌ وَمِنْه التَّمِيم وَهُوَ الصُّلْب الشَّديد من الرِّجَال وَالْخَيْل وَأنْشد، وصُلْب تَمِيم يَبْهَرُ اللِّبْدَ جَوْزُهُ، الشَّيْبَانِيّ، وَلدته لِتَتِمَّتِها وولدته تِمَّاً وتَمَّاً وتُمَّاً، أَبُو عبيد، امْرَأَة مُعْشرٌ مُتِمٌّ، على الِاسْتِعَارَة وَأَصله فِي العُشَرَاء من الْإِبِل وَهِي الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا من حملهَا عَشَرةُ أشهر، قَالَ أَبُو عَليّ: أَشْعَرَ الجنينُ وشَعَّر واسْتَشْعَر، نَبتَ عَلَيْهِ الشَّعرُ فِي بطن أمه وَلَا يُتكَلَّم بِهِ إِلَّا مزيداً وأُرَى قد حُكِي شَعَر، أَبُو عبيد، العَقيقةُ والعِقَّةُ، كلُّ شعر يكون على الْمَوْلُود حِين يُولد من النَّاس والبهائم وَقَالَ مرّة فِي النَّاس والحُمُرولم أسمعها فِي غَيرهمَا،

ثَابت، فَإِذا ولدت قيل وَضَعَتْ ثمَّ هِيَ نُفَسَاء، غَيره، الْجمع نُفَسَاواتٌ ونِفَاسٌ ونُفُسٌ ونُفَّسٌ، اللحياني: ونُفَّاس.

أَبُو عليّ، ونَوَافِس، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: أما فُعَلاء فَهِيَ بِمَنْزِلَة فُعَلة من الصِّفَات كَمَا كَانَ فُعْلَى بِمَنْزِلَة فُعْلة من الْأَسْمَاء وَذَلِكَ نُفَساء ونُفَساوات ونِفَاسٌ كَمَا تَقول رُبَعَة رُبَعات ورِبَاع شَبَّهوها بهَا لإن الْبناء وَاحِد وَلَإِنْ آخِره عَلامَة التَّأْنِيث وَمن الْعَرَب من يَقُول نُفَاس كَمَا قَالُوا رُبَاب، ابْن الْأَعرَابِي: نُفَساء ونَفَساء، اللحيانيّ، ونَفْساء، ابْن الْأَعرَابِي، وَقد نُفِست نِفَاساً ونَفِست نِفَاسة ونِفَاساً ونَفَساً، أَبُو عَليّ: وَأَصلهَا من التشقق والانصداع يُقَال تَنَفَّست القوسُ تشققت، وَيُسمى الدَّم الَّذِي يسيل من النُفَساء نَفْساً وَهُوَ مُذكّر.

ثَابت، وَالْولد منفوس مادام صَغِيرا.

صَاحب الْعين، الزَّرْم الوِلاد وَقد زَرَمَتْ بِهِ، النَّضر، مَرَطَت بِهِ أمُّه تَمْرُط مَرْطاً، وَلدته، أَبُو زيد، قبح الله أُمَّاً رَمَعَتْ بِهِ أَي وَلدته، ثَابت: فَإِذا نَشِب ولدُها فِي رَحمهَا وَقد خرج بعضه قيل طَرَّقَت وَهِي مُطَرِّق وَأنْشد: زَفِير المُتِمّ بالمُشَيِّا طَرَّقت بكاهله فَلَا يَرِيمُ المَلاقِيا المُشَيَّأ المختلِف الخَلْق وَأنْشد: فَطَيِّءٌ مَا طَيِّءٌ مَا طَيِّءُ شَيَّأَهُمْ إِذْ خَلَقَ المُشَيِّءُ فَإِذا اعتَرَض ولدُها فَعَسُرت وِلَادَتهَا قيل عَضَّلت وَهِي مُعَضِّل، أَبُو عبيد، أعْضلت وَهِي مُعْضل.

أَبُو عَليّ، وَقد يسْتَعْمل التطريق فِي غير الْمَرْأَة يُقَال: طَرَّقت القَطاةُ إِذا حَان خُرُوج بيضها وَأنْشد: وَقد تَخذَتْ رِجْلي إِلَى جَنْب غَرْزِها نَسِيفاً كأُفْحُوص القَطاةِ المُطَرِّق وأصل هَذِه الْكَلِمَة اللُّزوق والتَّنَشُّب وَمِنْه طِرَاق النَّعْل وَهُوَ مَا أُطْبِقت عَلَيْهِ فَسُمي المثالان طرَاقَيْن لتَضَامِّهما وَقَالُوا اطَّرَقَ جنَاحا الطَّائِر إِذا لَبِس الريشُ الْأَعْلَى الريشَ الأسفلَ طارَقَ الرجلُ بَين نَعْلَيْنِ وثوبين لَبِس أحدَهما على الآخر والطُّرْقة الْعَادة مِنْهُ لِأَنَّهُ تَقْفِيَةُ شَيْء بنظيره كالمُثُل قَالَ والتعضيل أَصله التَّضْيِيق وَالْمَنْع يُقَال عَضَل الْمَرْأَة يَعْضُلُها ويَعْضِلها إِذا حَبسهَا عَن النِّكَاح.

صَاحب الْعين، أَعْسَرت المرأةُ عَسُر ولادها وَإِذا دُعِي عَلَيْهَا قيل أَعْسَرت وآنَثَتْ، ثَابت: إِذا وَلدته سَهْلاً قيل وَلدته سُرُحاً، أَبُو عَليّ: وَمِنْه قيل افعلْ ذَلِك فِي سَرَاح ورَواح أَي سهولة وَقد سَرَّحت بِهِ أمُّه وولدته سُرُحاً وَمِنْه مِلاطٌ سُرُح وَهُوَ المُنْسرح للذهاب والمجيء، ثَابت: وَيُقَال: فِي هَذَا الْمَعْنى قد أَيْسَرْت ويَسَرت، صَاحب الْعين: وَإِذا دُعِي لَهَا قيل أَيْسَرت وأَذْكَرت، ثَابت: وَقد يَسَّرَتْه القوابلُ إِذا رَفَقْن بِهِ وبأمّه وأَحْسَنًّ ولايتَهما، أَبُو عَليّ: وَقد يسْتَعْمل يَسَّرت فِي الشَّاة وَلم يَقُولُوا أَيسَرت قَالَ وَأرى استعمالهم إِيَّاه فِي الشَّاة لَيْسَ على نَحْو استعمالهم إِيَّاه فِي الْمَرْأَة وَلكنه يُقَال يَسَرت الغنمُ إِذا كَثُر نسلها ولبنها قَالَ الشَّاعِر: هُمَا سَيِّدَانا يَزْعُمان وَإِنَّمَا يَسُودَانِنا أنْ يَسًّرَتْ غَنَماهُما ثَابت: وَرُبمَا لم تُيَسِّره القوابل فتَزْحَر بِهِ أمُّه فيختنق فَيَمُوت وَرُبمَا خَرُقت بِهِ فتنفتق السَّابِيَاءُ الَّتِي يكون

الْوَلَد فِيهَا فَيَغْرَق لِأَنَّهَا تسدّ أَنفه وفمه وَعَيْنَيْهِ فَيَمُوت فَيُقَال عِنْد ذَلِك غَرَّقته الْقَابِلَة وغَرِق هُوَ وَأنْشد: أَطَوْرَيْنِ فِي عامٍ غَزاة ورِحْلة أَلا لَيْتَ قَيْسَاً غرّقته القوابل أَبُو زيد، ذَحَجَت المرأةُ بِوَلَدِهَا، رَمَتْ بِهِ عِنْد الْولادَة، أَبُو زيد، زَكَبَت بِهِ زَكْباً كَذَلِك، صَاحب الْعين، وَكَذَلِكَ مَصَعَت بِهِ، أَبُو عبيد، قَبِلت القابلةُ الْمَرْأَة قِبالة، ابْن السّكيت، قَالُوا فِي الْقَابِلَة قَبُول وقَبِيل وَأنْشد: كصَرْخة حُبْلَى أسْلمتها قَبِيلُها أَبُو عَليّ، امْرَأَة مُنْهَكَّة، إِذا عَسُرت عَلَيْهَا الْولادَة، أَبُو عَليّ، أنْهَكَّ صَلا الْمَرْأَة، انفرج فِي الْولادَة، ثَابت، فَإِذا يَبِس الْوَلَد فِي بَطنهَا قيل أَحَشَّتْ وَهِي مُحِشٌّ وَلَدهَا حَشِيشٌ، ابْن دُرَيْد، خَرج الْوَلَد من بطن أمه حَشيشا وأُحْشُوشاً أَي يَابسا مَيِّتاً وَقد حّشَّ هُوَ نفسُه يَحِشُّ، والخِشْعة، الْوَلَد يُبْقَر عَنهُ بطنُ أمه إِذا مَاتَت وَهُوَ حيّ، أَبُو عبيد، سَطَوْتُ على الْمَرْأَة سَطْواً إِذا أخرجتَ الْوَلَد من رَحِمها قَالَ وَفِي حَدِيث الْحسن رَحمَه الله لَا بَأْس أَن يَسْطُوَ الرجل على الْمَرْأَة وَأعرف ذَلِك فِي الْإِبِل، الْأَصْمَعِي، خَوِيَت المرأةُ خُوَىً إِذا ولدت فَخَلا جوفُها، أَبُو عبيد، خَويَتْ خَوىً، إِذا لم تَأْكُل عِنْد الْولادَة وَاسم مَا تَأْكُله الخَوِيَّة وَقد خَوًّيْتُها عَمِلت لَهَا خَوِيَّةً تأكلها، ثَابت، فَإِذا اشتكت بعد الْولادَة فَهِيَ رَحُوم، ثَعْلَب، رَحُمَتْ رَحامةً ورَحِمت رَحَماً ورُحِمت رَحْماً وَكَذَلِكَ كل ذَات رَحِم وَخص أَبُو عبيد بِهِ الْإِبِل.

ثَابت، الحَسُّ الْأَلَم بعد الْولادَة فَإِذا ولدت ذكرا قيل أَذْكَرت وَهِي مُذْكِر وَإِن ولدت أُنْثَى فَهِيَ مُؤْنِث وَقد آنَثَتْ، ابْن السّكيت، فَإِن كَانَ ذَلِك لَهَا عَادَة فَهِيَ مِذْكار ومِئْناث، الْأَصْمَعِي، أجْزَأتِ المرأةُ ولدت الإناثَ لِأَنَّهُ من الجُزْأة وَهِي نِصاب السِّكِّين لدُخُول السِّيلان فِيهَا وَعَلِيهِ فسر بَعضهم قَوْله عز وَجل: (وَجعلُوا لَهُ من عباده جُزْأ) كَأَنَّهُ جمع جُزْأة ويقوّيه قَوْله تَعَالَى: (وَجعلُوا الْمَلَائِكَة الَّذين هم عِنْد الرَّحْمَن إِنَاثًا) ابْن جني، مثل هَذَا قَلِيل لِأَن هَذَا الضَّرْب من الْجمع الَّذِي يباينه واحده بِالْهَاءِ إِنَّمَا يكون من الْمَخْلُوق دون الْمَصْنُوع كتَمْرة وتَمْر وثَمَرة وثَمَروان كَانَ قد جَاءَ على هَذَا الضَّرْب من الْمَصْنُوع أَشْيَاء قَليلَة كسَفينة وسَفين وَسَيَأْتِي ذكر هَذِه الْأَشْيَاء الْآتِيَة على هَذَا الضَّرْب فِي موَاضعهَا إِلَّا أَن مثل هَذَا لَا يُقَاس عَلَيْهِ لذهابه فِي الْقلَّة، غَيره، فَإِن ولَدَتْ وَاحِدًا فَهِيَ مُوحِدٌ ومُفْرِد ومُفِذٌّ واستعملها أَبُو عبيد فِي الشَّاء قَالَ أَبُو عَليّ أصلُه فِي الْمَرْأَة، ابْن السّكيت، فَإِن ولدت اثْنَيْنِ فِي بطن فَهِيَ مُتْئِم، ثَابت، وَقد أَتْأَمَتْ، ابْن السّكيت، فَإِذا كَانَ ذَلِك من عَادَتهَا فَهِيَ متْآم وكل وَاحِد من الْوَلَدَيْنِ تَوْأَم وَالْأُنْثَى تَوْأَمَةٌ وَجمع التَّوْأَم تُؤاَمٌ وَهَذَا من الْجمع الْعَزِيز وَله نَظَائِر سنذكرها فِي موَاضعهَا إِن شَاءَ الله.

يُونُس، ولدت ثَلَاثًا فِي سَرَرٍ وَاحِد أَي بَعضهم فِي إِثْر بعض، أَبُو عبيد، وَلَدت ثَلَاثًا على غِرَار وَاحِد كَذَلِك، ابْن السّكيت، ساقٍ واحدةٍ مثلُه، أَبُو زيد، إِذا كَانَ نصفُ ولد الْمَرْأَة ذُكُورا ونصفُهم إِنَاثًا قيل هم شِطْرة وشَمِيط، أَبُو عُبَيْدَة، فَإِن ولدت الْمَرْأَة بَطنا وَاحِدًا فَهِيَ بِكْر وَالْجمع أبكار وَكَذَلِكَ النَّاقة وَأنْشد: وإنَّ حَدِيثا منكِ لَو تَبْذُلِينَهُ جَنَى النَّحُلِ فِي ألبان عُوذٍ مَطَافِل مَطَافيلَ أبكارٍ حديثٍ نِتاجُها تُشاب بِمَاء مِثْلِ مَاء المَفاصِل فَإِن ولدت اثْنَيْنِ فَهِيَ ثِنْيٌ وَقيل الثِّنْيُ الَّتِي ولدت وَاحِدًا، أَبُو زيد اعْتَاطَت الْمَرْأَة، إِذا لم تَحْمِل سِنِين من غير عُقْر، صَاحب الْعين، العائذُ كل أُنْثَى وَضَعت تُوصف بِهِ إِلَى سَبْعَة أَيَّام وَالْجمع عُوذٌ وَقد عاذت عَياذاً وأعاذَتْ وَهِي مُعِيذٌ وأعْوَذَتْ، أَبُو حَاتِم، تَعَلَّت المرأةُ من نِفاسها وتَعَالَّت خرجت مِنْهُ وطهرت وحَلَّ وَطْؤُهَا.

الجماعات اليهودية التحديث والثقافة - التحديث - رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم ما عدا الولايات المتحدة

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الرأسمالية اليهودية
‏Jewish Capitalism
«الرأسمالية اليهودية» مصطلح يفترض وجود تشكيل رأسمالي يهودي مستقل، وهو أمر مناف للواقع، ولذا فإننا نفضل استخدام مصطلح «الرأسماليون الأمريكيون اليهود» أو «الرأسماليون الأمريكيون من اليهود» أو «الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة» .
البورجوازية اليهودية
‏Jewish Bourgeoisie

«البورجوازية» كلمة مأخوذة بالنسب إلى كلمة «بورج» أي «المدينة» ، وهي كلمة موجودة في عدة لغات أوربية. وعبارة «البورجوازية اليهودية» تفترض وجود طبقة بورجوازية مستقلة عن البورجوازيات المختلفة وهو ما يعني أيضاً وجود «تاريخ يهودي مستقل» . وحيث إن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم لا يلعبون دوراً مستقلاًّ عن المجتمعات التي يوجدون فيها، فلا يمكن الحديث عن بورجوازية يهودية بشكل عام، وإنما يمكن الحديث عن «اليهود من أعضاء البورجوازية الإنجليزية» أو «اليهود من أعضاء البورجوازية الأمريكية» وهكذا. ومع هذا، فقد لعب أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب دوراً متميِّزاً نوعاً ما في نشوء الرأسمالية، وهي قضية ناقشها كل من ماركس وفيبر وسومبارت.
الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية
‏Jewish Capitalists
من المصطلحات الشائعة في الخطاب السياسي العربي والغربي مصطلح «الرأسمالية اليهودية» و «البورجوازية اليهودية» و «رأس المال اليهودي» . وهي مصطلحات، شأنها شأن مصطلحات مثل «الشخصية اليهودية» و «القومية اليهودية» ، تفترض أن ثمة وجوداً اقتصادياً يهودياً مستقلاًّ عن التشكيلات الاقتصادية المختلفة وتطوُّراً اقتصادياً يهودياً مستقلاً عن التطورات الاقتصادية العامة في المجتمعات التي عاش أعضاء الجماعات اليهودية في كنفها. وهذا افتراض غير دقيق ومقدرته التفسيرية والتصنيفية ضعيفة، ويؤدي في النهاية إلى عدم فهم حركيات التطور والتغيير بين أعضاء تلك الجماعات. ولذا، فإننا نفضل استخدام مصطلح «الرأسماليون الأمريكيون اليهود» أو «الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية» أو أي مصطلح مماثل يفيد عدم وجود رأسمالية يهودية مستقلة. فالرأسمالية الأمريكية، على سبيل المثال، تضم رأسماليين أمريكيين لهم انتماءات إثنية مختلفة، فالانتماء الإثني الخاص هو الفرع والجزء، والرأسمالية الأمريكية هي الأصل والكل.

ومما لا شك فيه أن أعضاء الجماعات اليهودية لعبوا دوراً فعالاً في نشوء وتطوُّر الرأسمالية في العالم الغربي، ولكن لا يمكن اعتبارهم مسئولين عن ظهورها. فتطوُّر الرأسمالية في الغرب مرتبط بظواهر لم يكن لليهود أي دور فيها، مثل: حركات الاكتشاف والقرصنة، ثم الاستعمار التجاري الاستيطاني في القرن السادس عشر، والإصلاح الديني، والترشيد والعلمنة. وقد تناول كلٌّ من ماركس وفيبر وسومبارت هذه القضية.
أما من ناحية تطوُّر اليهود كرأسماليين في إطار الحضارة الغربية، فهذا مرتبط بوضعهم كجماعة وظيفية تضطلع بوظائف مالية محددة، فقد كان منهم من اشتغل بالتجارة والربا، وكان منهم من اشتغل بالأعمال المالية الأخرى، مثل يهود الأرندا ويهود البلاط، ثم كان منهم أخيراً الرأسماليون المحدثون. وكان أعضاء الجماعة في وظائفهم المختلفة، حتى الانقلاب التجاري، تابعين للحاكم أو الطبقة الحاكمة وليس لهم أي استقلال اقتصادي عن النظم التي وجدوا فيها، فكانوا تابعين لها يعيشون على أطرافها وفي خدمتها. ومما لا شك فيه أن أعضاء الجماعات اليهودية استفادوا من العلاقات الدولية التي نشأت بينهم، فكان يهود البلاط يستوردون الحبوب من يهود الأرندا ويوفرون لبعضهم البعض نظاماً ائتمانياً يسهل عملية انتقال البضائع والأرباح، ولكنهم مع هذا ظلوا أساساً جزءاً من كل.
ويمكن تقسيم دور بعض أعضاء الجماعات اليهودية كرأسماليين داخل التشكيل الحضاري الغربي، إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ الرأسماليون من يهود اليديشية في شرق أوربا، خصوصاً روسيا. وبلغ بعضهم درجات عالية من الثراء وتخصَّصوا في بعض الصناعات والسلع مثل السكك الحديدية والغلال، كما حدث مع أسرة جونزبرج. ولكنهم كانوا قلة نادرة تعيش خارج منطقة الاستيطان بعيداً عن أية جماهير يهودية وكانت حريصة على الاندماج في المجتمع الروسي. أما داخل منطقة الاستيطان ذاتها، فكان يوجد صغار الرأسماليين الذين امتلكوا نحو نصف الصناعات داخل المنطقة. ولم يكن هؤلاء قوة سياسية حقيقية، فقد كانوا يعانون ـ شأنهم شأن بقية قطاعات المجتمع الروسي ـ من التناقض الأساسي في روسيا القيصرية بين الشكل السياسي المتكلس والوضع الاقتصادي المتطور. وكانوا يستأجرون عمالاً من أعضاء الجماعات اليهودية، ولكن كثيراً ما كانت تنشأ الصراعات الطبقية بين هؤلاء وأولئك فينظم العمال ضدهم الإضرابات، ويحاولون هم استئجار عمال غير يهود.
وقد قامت الثورة البلشفية بالقضاء على الرأسمالية الروسية بما في ذلك الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية. ومع هذا، استمر بعض التجار اليهود في ممارسة نشاطهم، بل ازدهروا في فترة النظام الاقتصادي الجديد (نيب) ، بل كانت هناك نسبة من اليهود بين تجار السوق السوداء في الستينيات. ولكننا في هذه الحالة لا نتحدث عن رأسماليين يمتلكون وسائل الإنتاج وإنما نتحدث عن صغار الانتهازيين وتجار العملة وما شابه ذلك. وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وظهور الاقتصاد الحر في روسيا وأوكرانيا وغيرهما من الجمهوريات التي تُوجَد بها جماعات يهودية كبيرة نسبية، نتوقع أن تشتغل أعداد كبيرة منهم في القطاع التجاري والصناعي الاستهلاكي (وهذا هو النمط السائد في الغرب) .

2 ـ في وسط أوربا، خصوصاً ألمانيا، برز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية الرأسماليين، وهؤلاء هم ورثة يهود البلاط ولعبوا دوراً مهماً في تطوُّر الرأسمالية والصناعة الألمانية. وقد تم القضاء على هؤلاء مع استيلاء هتلر على الحكم، فهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الولايات المتحدة وفلسطين بما تبقَّى من رؤوس أموالهم وصُودرت أموال الباقين.
3 ـ أما الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في بلاد غرب أوربا والولايات المتحدة، فلهم مكانة مختلفة إذ يُلاحَظ أن النُخَب الحاكمة في هذه البلاد، بعد أن ظهرت فيها ثورة تجارية، وبعد أن ظهرت فيها طبقة بورجوازية محلية، وجدت أن استيطان الجماعات اليهودية فيها سيساعدها على تحقيق كثير من طموحاتها وسيزودها بكثير من الخدمات. ومن هذا المنظور، تم توطين اليهود في هولندا وإنجلترا في القرن السابع عشر ثم في العالم الجديد. وقد ازدهر الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في هذه البلاد، ولكن نسبتهم ظلت صغيرة كما ظل رأس المال الذي يمتلكونه والصناعات التي يديرونها تتضاءل في الأهمية قياساً إلى المصانع ورؤوس الأموال الضخمة في هذه البلدان. وقد لاحظ كارل ماركس في المسألة اليهودية أن أصغر رأسمالي أمريكي يجعل روتشيلد يشعر وكأنه شحاذ.

ولعبت عائلة روتشيلد في إنجلترا وفرنسا، وعائلات مونتيفيوري وساسون ومونتاجو في إنجلترا، دوراً مهماً في القطاع المالي والمصرفي في بلدهم حيث ساهموا في تمويل الحكومات والحروب وفي تطوير الرأسمالية في أوربا وفي تمويل المشاريع الرأسمالية الإمبريالية خلال القرن التاسع عشر. كما تخصَّص الرأسماليون اليهود في إنجلترا مثل إسرائيل سيف وسيمون ماركس في القطاع التجاري، وبخاصة في مجال المتاجر المتكاملة متعددة الأقسام. وفي فرنسا، برز خلال القرن العشرين بعض رجال الصناعة المهمين من اليهود مثل مارسل داسو وأندريه سيتروين. ولكن رغم أهمية دورهم وحيويتهم فلم يكن لهم دور يهودي مستقل.
أما الرأسماليون من يهود الولايات المتحدة، فإن تجربتهم مختلفة إلى حدٍّ ما، فقد استقروا في مجتمع استيطاني يتسم بدرجات عالية من العلمنة والحركية، وقد استفاد المهاجرون اليهود من هذا الوضع وراكموا الثروات (انظر الأبواب المعنونة «فرنسا» ـ «إنجلترا» ـ «رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة» ) .
أما بالنسبة لدور أعضاء الجماعات اليهودي في تطوُّر الرأسمالية في العالم العربي، فلا تمكن دراسته إلا في سياق الغزو الاستعماري الغربي للمنطقة وتحويل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي إلى مادة استيطانية تدور في فلك المنظومة الإمبريالية الغربية.
وستتناول مداخل هذا الباب بعض الرأسماليين من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، نبدؤها بعائلة روتشيلد التي كان لها فروع مختلفة في أوربا ثم نتناول بعض الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية في فرنسا ثم إنجلترا وألمانيا وروسيا وجنوب أفريقيا وكندا. ثم ننتقل بعد ذلك إلى الشرق الأقصى، ونركز على الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية في مصر كدراسة حالة مُمثِّلة، وأخيراً بقية العالم العربي.
عائلة روتشيلد
‏The Rothschilds

عائلة من رجال المال ويهود البلاط الذين تحوَّلوا بالتدريج إلى رأسماليين من أعضاء الجماعات اليهودية، ويعود أصل العائلة إلى فرانكفورت في القرن السادس عشر. والاسم «روتشيلد» منقول من عبارة ألمانية تعني «الدرع الأحمر» وتشير كلمة «درع» هنا إلى ذلك الدرع الذي كان على واجهة منزل مؤسِّس العائلة إسحق أكانان. وقد حققت عائلة روتشيلد مكانة بارزة في عالم المال والبنوك في أوربا بدءاً من القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين. وتاريخ تطوُّر العائلة هو أيضاً تاريخ يهود البلاط واختفائهم وتحوُّلهم إلى مجرد أعضاء في الرأسمالية الغربية الرشيدة ثم التشكيل الإمبريالي الغربي (الذي كان يُخطِّط لاقتسام الدولة العثمانية والاستيلاء على ثروات الشرق) . ودعم الأسرة للمشروع الصهيوني في فلسطين، ليس تعبيراً عن وجود مصالح يهودية مستقلة وإنما تعبير عن معدلات الاندماج في الحضارة الغربية في تشكيلها القومي والإمبريالي.
وكان ماجيراشيل روتشيلد (1743 ـ 1812) تاجر العملات القديمة هو الذي وسَّع نطاق العائلة في مجال المال والبنوك، بعد أن حقق ثروة طائلة أثناء حروب الثورة الفرنسية من خلال عمله في بلاط الأمير الألماني وليام التاسع. وقد تفرَّق أبناؤه الخمسة وتوطنوا وأسسوا أفرعاً لبيت روتشيلد في خمسة بلاد أوربية هي: إنجلترا وفرنسا والنمسا وإيطاليا بالإضافة إلى ألمانيا. وبالتالي، فقد أقاموا شبكة من المؤسسات المالية المرتبطة ببعضها البعض.

أسس الابن الأكبر نيثان ماير روتشيلد (1777ـ 1836) فرع بيت روتشيلد في إنجلترا، وتزوج أخت زوجة موسى مونتفيوري الثري والمالي اليهودي وزعيم الجماعة اليهودية في إنجلترا. وأتاحت له هذه الزيجة دخول أوساط المجتمع اليهودي السفاردي في إنجلترا سريعاً. واكتسب نيثان ماير روتشيلد مكانة مرموقة في عالم المال أثناء الحروب النابليونية حيث ساهم في تمويل إنفاق الحكومة الإنجليزية على جيشها في أوربا، واستعان في ذلك بأخيه جيمس روتشيلد المقيم في فرنسا، كما ساهم في تمويل التحويلات البريطانية إلى حلفائها في أوربا. وقد استطاعت عائلة روتشيلد، خلال تلك الفترة، تدبير ما يقرب من 100 مليون جنيه إسترليني للحكومات الأوربية. وبعد الحرب، كانت هذه العائلة هي الأداة الرئيسية في تحويل التعويضات الفرنسية إلى الحلفاء وفي تمويل القروض والسندات الحكومية المخصصة لعمليات إعادة البناء. واكسبته هذه المعاملات المالية مكانة متميِّزة في جميع أنحاء أوربا ودعمت مركز مؤسسته كواحدة من أبرز المؤسسات المالية الأوربية في تلك الفترة.

وكان نيثان روتشيلد يتسم بالدهاء المالي والتجاري. فخلال فترة الحروب النابليونية، نجح هو وإخوته، من خلال عمليات تهريب السلع من إنجلترا إلى أوربا، في تحقيق مكاسب ضخمة. كما استغل إمكانياته في الحصول على المعلومات والأخبار بشكل سريع نسبياً، بفضل شبكة الاتصالات التي أسستها العائلة فيما بينها، لتحقيق أرباح طائلة لمؤسسته. وكان نيثان من أوائل من علموا بانتصار إنجلترا على قوات نابليون في معركة ووترلو. وكان ذلك يعني ارتفاع أسعار سندات الحكومة الإنجليزية. إلا أن نيثان أسرع ببيع حجم كبير من سنداته حتى يوهم الجميع بأن إنجلترا خسرت الحرب، وهو ما دفع الكثيرين إلى التخلص من السندات التي في حوزتهم، الأمر الذي أدَّى بدوره إلى انخفاض أسعار هذه السندات بشكل حاد. وهنا قام بشراء هذه السندات بثمن بخس مُحقِّقاً من وراء ذلك أرباحاً طائلة حيث قفزت أسعار السندات إلى أعلى، عقب إعلان خبر انتصار إنجلترا وهزيمة نابليون. وظل نيثان يستغل قدرته على الحصول على المعلومات والأخبار سواء الخاصة بالتطورات السياسية أو الخاصة بالأمور المالية في التلاعب من خلال عمليات البيع والشراء الواسعة النطاق في أسعار الأسهم والسندات مُحقِّقاً لنفسه ولمؤسسته مكاسب ضخمة.

وبعد وفاة نيثان ماير، تولَّى أكبر أبنائه ليونيل نيثان روتشيلد (1806ـ 1879) إدارة مصالح بيت روتشيلد في لندن. وكان ليونيل أول عضو يهودي في البرلمان الإنجليزي. وقد اشترك في عمليات مالية مهمة، من بينها تدبير قرض قيمته 16 مليون جنيه لتمويل حرب القرم. كما قدم ليونيل التمويل اللازم لدزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا، الذي كانت تربطه به صداقة وثيقة، لشراء نصيب مصر في أسهم قناة السويس عام 1875، وهي عملية تمت في كتمان وسرية تامة بعيداً عن الخزانة البريطانية، ولم يُبلَّغ البرلمان البريطاني بها إلا بعد إتمامها. ولا شك في أن مساهمة بيت روتشيلد في تقديم القروض للخديوي إسماعيل ولأعيان مصر، وما تبع ذلك من تَضخُّم المديونية المالية لمصر ثم ما جر ذلك وراءه من امتيازات أجنبية ثم تَدخُّل بريطاني في آخر الأمر بحجة الثورة العرابية، كل ذلك تم في إطار المصالح الإمبريالية الرأسمالية التي كانت تسعى لفصل أهم أجزاء الإمبراطورية العثمانية عنها تمهيداً لتحطيمها وتقسيمها.
وقد اشترك ليونيل روتشيلد أيضاً في إقامة السكك الحديدية في فرنسا والنمسا بالتعاون مع فروع بيت روتشيلد في البلدين. وقد بادر روتشيلد بإقامة هذه المشاريع بعد أن تبيَّن له مدى نجاح وأهمية السكك الحديدية في إنجلترا التي كانت أول دولة تطوِّرها، وهو ما يعكس تبادل فروع بيت روتشيلد للخبرات والتجارب فيما بينها. كما قامت مؤسسته بتمويل جهود الاستعماري سيسل رودس لإقامة إمبراطورية ضخمة لصناعة وتجارة الماس في جنوب أفريقيا.

ويُلاحَظ أن الزواج من داخل العائلة ظل النمط الغالب بين أعضائها، وهو تقليد كان يهدف إلى الحفاظ على الثروة داخل العائلة وتدعيم العلاقات فيما بينها. وقد تمسكت العائلة بقاعدة صارمة في زواج الأبناء. ففي حين كان يُسمَح لبنات روتشيلد بالزواج من غير اليهود، لم يُسمَح بذلك للذكور الذين كان يئول لهم النصيب الأكبر من ثروة العائلة وإدارة أعمالها. ومن الواضح أن المعيار المُستخدَم هنا معيار غير يهودي، وقد كان آل روتشيلد يحاولون بذلك الحفاظ على الثروة لا على الانتماء اليهودي. وقد كان اليهودي، حسب الشريعة، هو من يولد لأم يهودية، ولذا فإن زواج بنات روتشيلد من غير اليهود كان يعني أن أولادهم (اليهود الحقيقيين) سينشأون في بيوت غير يهودية وأن آباءهم من الأغيار.
وتزوج ليونيل روتشيلد من ابنة عمه كارل روتشيلد (الذي كان قد استقر في نابولي) . واهتمت الزوجة بالمشاريع الخيرية للعائلة، وبخاصة بناء المدارس اليهودية الحرة. ونالت هذه المدارس اهتماماً خاصاً من العائلة، وكانت هذه المدارس قد أقيمت أساساً لخدمة أبناء المهاجرين اليهود الأوائل من شرق أوربا الذين جاءوا بثقافتهم اليديشية وتقاليدهم الدينية، وهو ما كان يثير قلقاً بين أعضاء الجماعة اليهودية المندمجين في إنجلترا؛ لما قد يمثله ذلك من تهديد لمواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. وهذه المدارس بالتالي، كانت تهدف إلى استيعابهم ودمجهم وصبغهم بالثقافة الإنجليزية. وقد أصبح دعم عائلة روتشيلد للصهيونية (فيما بعد) أداة لإبعاد هذه الهجرة برمتها عن بلادهم بعد أن تزايد حجمها في نهاية القرن التاسع عشر، أي أنه كان دعماً صهيونياً توطينياً.

وقد تولَّى ناثانيل ماير روتشيلد (1840 ـ 1915) إدارة بيت روتشيلد بعد وفاة والده، وأصبح أول فرد في عائلة روتشيلد يحصل على لقب لورد. كما ورث البارونية من عمه سير أنتوني دي روتشيلد (1810 ـ 1876) . وقد كانت له علاقات صداقة مع ولي العهد البريطاني الذي أصبح فيما بعد الملك إدوارد السابع، ومع كلٍّ من بلفور ولويد جورج رئيس وزراء بريطانيا آنذاك. وقد اهتم ناثانيل روتشيلد بأوضاع الجماعات اليهودية في شرق أوربا التي تدهورت بسبب تعثُّر عملية التحديث وتعرُّض جميع الأقليات للاضطهاد. فرفض تدبير القروض للحكومة القيصرية احتجاجاً على ذلك رغم أن والده ظل يمثل الحكومة الروسية في المجالات المالية لمدة 20 عاماً. ورغم عدم تعاطفه مع الصهيونية، إلا أنه رحب بمشاريع هرتزل لتوطين اليهود.
أما ابنه الأكبر ليونيل والتر روتشيلد (1868 ـ 1937) ، فقد ترك عالم المال والبنوك وتخصَّص في علوم الأحياء والطبيعة. وتعود أهمية ليونيل والتر إلى أنه كان يمتلك حديقة حيوانات خاصة، كما أن وعد بلفور أخذ شكل خطاب موجه إليه. وقد أيد ليونيل منذ عام 1917 الجهود الدبلوماسية لكلٍّ من حاييم وايزمان (الذي أصبح أول رئيس لإسرائيل) وناحوم سوكولوف الرامية إلى إصدار تعهُّد بريطاني بشأن تأسيس «وطن قومي» لليهود. وكان ليونيل روتشيلد يرى أن الوجود الصهيوني في فلسطين لابد أن يأخذ شكل دولة لا شكل وطن قومي وحسب، وأن هذا يخدم مصالح الإمبراطورية البريطانية، ومن ثم مصالح عائلة روتشيلد. وعند إصدار وعد بلفور، كان روتشيلد رئيساً شرفياً للاتحاد الصهيوني لبريطانيا وأيرلندا. كما كان أثناء الحرب العالمية الأولى من مؤيدي إنشاء الفيلق اليهودي الذي دخل فلسطين مع الجيش البريطاني.

ومن الجدير بالذكر أن عائلة روتشيلد، مثلها مثل غيرها من عائلات أثرياء اليهود المندمجين في المجتمع البريطاني، كانت في البداية رافضة لصهيونية هرتزل السياسية بسبب تَخوُّفهم مما قد تثيره من ازدواج في الولاء، وهو ما يشكل تهديداً لمكانتهم ووضعهم الاجتماعي. وقد ساهمت العائلة في تأسيس «عصبة يهود بريطانيا League of British Jews» المناهضة للصهيونية. لكن هذا الموقف تبدَّل فيما بعد حيث تبيَّن أن وجود كيان صهيوني استيطاني في المشرق العربي يخدم مصالح الإمبراطورية البريطانية، وذلك إلى جانب أن الصهيونية كان يتم تقديمها في ذلك الوقت كحل عملي لتحويل هجرة يهود شرق أوربا إلى فلسطين بعيداً عن إنجلترا وغرب أوربا.
كما استقر في بريطانيا جيمس أرماند دي روتشيلد (1878 ـ 1957) ابن إدموند دي روتشيلد، والذي حصل على الجنسية البريطانية، وأصبح عضواً في البرلمان البريطاني وخدم في الجيش البريطاني في كلٍّ من فرنسا وفلسطين أثناء الحرب العالمية الأولى. وكان من بين مهامه تجنيد المتطوعين من بين المستوطنين اليهود في فلسطين للالتحاق بالفيلق اليهودي. كما أُلحق ضابطاً بمشاريع عديدة في فلسطين، وترأَّس هيئة الاستيطان اليهودي في فلسطين التي كانت تدير المستوطنات التي أسسها والده في فلسطين. وخصَّص في وصيته عند وفاته مبالغ كبيرة لإقامة مشاريع من أهمها إنشاء مبنى الكنيست في القدس.

وفي فرنسا، أسس جيمس ماير دي روتشيلد (1792 ـ 1868) فرع بيت روتشيلد في باريس عام 1812. وأصبح شخصية مالية احتفظت بنفوذها الواسع في عالم المال رغم تغيُّر الحكومات، فعمل على تدبير القروض لملوك البوربون، وكان مقرباً للملك لويس فيليب حيث تولى إدارة استثماراته المالية الخاصة، كما قدَّم قروضاً عديدة للدولة. كما شارك لفترة طويلة من عمره في رسم السياسة الخارجية الفرنسية. وفي أعقاب ثورة 1848، استمر بيت روتشيلد في تقديم خدماته المالية وقام بتدبير القروض لنابليون الثالث. وشهدت هذه الفترة منافسة شديدة بين بيت روتشيلد وبين المؤسسة المالية المملوكة للأخوين اليهوديين إسحق وإميل بيريير داخل فرنسا وخارجها. كما حصل جيمس ماير على امتياز بناء سكك حديد الشمال الفرنسية التي ظلت ملكاً لعائلة روتشيلد حتى عام 1940.
وقد ورثه خمسة أبناء من بينهم ماير ألفونس جيمس دي روتشيلد (1827 ـ 1905) والذي تولَّى من بعده إدارة بيت روتشيلد عام 1854، وترأَّس سكك حديد الشمال، كما أصبح أيضاً عضواً في مجلس إدارة بنك فرنسا. وبعد هزيمة فرنسا عام 1870 ـ 1871 في الحرب الفرنسية البروسية، أدار ماير ألفونس روتشيلد المفاوضات الخاصة بالتعويضات والديون الفرنسية الواجب سدادها للجانب البروسي.

ومن بين الأبناء الخمسة أيضاً، إدموند روتشيلد (1845 ـ 1934) الذي تعود أهميته إلى دعمه للنشاط الاستيطاني اليهودي في فلسطين (انظر: «إدموند روتشيلد» ) . وترأَّس حفيده إدموند (1926 ـ) رئاسة لجنة التضامن مع إسرائيل في عام 1967 التي ترأَّسها من قبله جي دي روتشيلد (1909 ـ) وهو حفيد ماير ألفونس. وقام إدموند خلال الخمسينيات والستينيات باستثمارات عديدة في إسرائيل، بخاصة في قطاعي السياحة والعقارات. كما ترأَّس جي النداء اليهودي الموحَّد. وعند وقوع فرنسا تحت الاحتلال الألماني عام 1940، تم الاستيلاء على ممتلكات العائلة وفرَّ أفرادها إلى إنجلترا والولايات المتحدة حيث ظلوا طوال فترة الحرب. واستعادت العائلة الجزء الأكبر من ممتلكاتها وثرواتها عقب انتهاء الحرب.
وفي النمسا، أسس سولومون ماير دي روتشيلد (1774 ـ 1855) آخر يهودي بلاط في أوربا فرع الأسرة في فيينا. وكان صديقاً لمترنيخ زعيم الرجعية الأوربية الذي ساعده في التغلب على أزمات مالية عديدة، وصدر قرار إمبراطوري بمنح سولومون وإخوته الأربعة البارونية وذلك عام 1822 بعد بضعة أيام من حصول حكومة مترنيخ على قرض ضخم من بيت روتشيلد. كما أن علاقة سولومون روتشيلد بأفراد أسرته المنتشرين في أرجاء أوربا أتاحت له أن يكون مصدر معلومات مهماً لمترنيخ حول التطورات السياسية الجارية على الساحة الأوربية. ويُقال إنه ساعد مترنيخ على الهرب أثناء ثورة 1848 وأخفاه في منزله. ومن أهم إنجازات سولومون روتشيلد بناء أول خط سكك حديدية في النمسا وتأسيس بنك كريديتا نستالت النمساوي الذي أصبح فيما بعد بنك الدولة النمساوية. وخلفه ابنه سولومون روتشيلد (1803 ـ 1872) الذي عُيِّن في البرلمان النمساوي.

وشهدت الأسرة تدهوراً حاداً في وضعها في ظل الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي شهدتها أوربا بعد الحرب العالمية الأولى والتي انتهت باستيلاء النظام النازي على مؤسستهم عام 1938 بعد ضم النمسا إلى ألمانيا النازية. وتمت تصفية فرع بيت روتشيلد في النمسا بعد رحيل لويس دي روتشيلد (1882 ـ 1955) إلى الولايات المتحدة.
وفى ألمانيا، واصل أمشل ماير فون روتشيلد (1773 ـ 1855) أعمال الأسرة في فرانكفورت، وقدَّم قروضاً كبيرة لعديد من الحكام الألمان. وكان أمشل أكبر مموِّلي الحركة اليهودية الأرثوذكسية. وخلفه ماير كارل (1820 ـ 1886) من نابلي، وكان رجعياً في آرائه ومؤيداً لبروسيا وبسمارك. وقد انقرض فرع الأسرة في فرانكفورت بموت وليام كارل (1828 ـ 1901) .
وقد أسس كارل ماير روتشيلد (1788 ـ 1855) فرع نابلي، وقدم خدمات مالية عديدة للدويلات الإيطالية، وخصوصاً الدولة البابوية، إلا أن هذا الفرع كان أقل الفروع أهمية، وقد أُغلق بعد عام 1861.
ويتضح مما سبق أن عائلة روتشيلد، كغيرها من العائلات اليهودية المالية الكبيرة في أوربا، كانت في البداية من يهود البلاط ثم أصبحت تشكل جزءاً من نسيج الرأسمالية الرشيدة الذي كان آخذاً في التشكُّل خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهي فترة اتسمت بتحولات عميقة داخل المجتمعات الأوربية وبتزايُد حدة الاضطرابات السياسية والصراعات العسكرية وبتنامي الأطماع الاستعمارية. فشارك بيت روتشيلد في تمويل الجيوش والحروب، وفي تسوية التعويضات والديون، وفي تمويل مشاريع إعادة بناء ما دمرته الحروب وفي تقديم القروض للعديد من الملوك والزعماء، وفي تمويل المشاريع والمخططات الاستعمارية والتي كان المشروع الصهيوني في فلسطين في نهاية الأمر يشكل جزءاً منها.

وقد تضاءلت أهمية عائلة روتشيلد مع نمو النظام المصرفي الرأسمالي الحديث القائم على العلاقات بين المؤسسات المالية المختلفة والذي حل محل نظام التجارة والربا القديمين. كما أن نمو حجم التعاملات المالية في العالم قلَّص حجم رأس المال المتوافر في يد الرأسماليين اليهود (من عائلة روتشيلد وغيرهم) قياساً إلى حجم رؤوس الأموال المُتداوَلة داخل النظام الرأسمالي العالمي، وذلك رغم ازدياده من الناحية المطلقة. ويُعَدُّ اسم روتشيلد، في الأدبيات اليهودية والصهيونية، رمزاً للثري اليهودي الخيِّر الذي يجزل العطاء لإخوانه في الدين ولا ينساهم البتة. أما في أدبيات العداء لليهود، فهو مثل للجشع والطمع وامتصاص الدماء والتآمر العالمي من جانب الصيارفة اليهود.
إميل (1800-1875) وإسحق (1806-1880) بريير
‏Emile and Isaac Pereire

أخوان فرنسيان يهوديان من رجال المال والاقتصاد والصحافة، ولدا في فرنسا لعائلة سفاردية من أصل برتغالي، وتأثرا بفكر سان سيمون الاشتراكي النزعة وانضما إلى دائرته، وكتبا عديداً من المقالات السياسية والاقتصادية في الصحف الفرنسية لاقت اهتماماً واسعاً. وفي عام 1832، قام إميل بريير بتحرير جريدة جلوب السان سيمونية ثم جريدة لي ناسيونال الصادرة عن الحزب الجمهوري في الفترة ما بين عامي 1832 و1835. وكان لاهتمام إميل بريير بالمشاريع الصناعية الحديثة، وخصوصاً السكك الحديدية، أن فتح باب التعاون في هذا المجال بين الأخوين بريير من جهة وبين عائلة روتشيلد من جهة أخرى، فاشتركا معاً في بناء خطوط السكك الحديدية المهمة في فرنسا. ولكن هذا التعاون لم يدم طويلاً إذ انتقل الأخوان بريير للتعاون مع واحد من أكبر منافسي عائلة روتشيلد وهو المالي اليهودي الثري آشيل فولد الذي عيَّنه نابليون الثالث (لويس بونابرت) وزيراً للمالية عام 1849 واشترك الطرفان معاً عام 1852 في تأسيس مصرف كريدي موبيليه وهو أول مصرف استثماري حديث في فرنسا نجح في جذب إيداعات آلاف المستثمرين الصغار. وأصبح هذا المصرف الذراع المالي للإمبراطورية الفرنسية، وساهم في إدخال تغييرات جذرية في سوق المال الفرنسي، كما نجح في الحصول على امتيازات بناء السكك الحديدية في فرنسا والنمسا وإسبانيا وروسيا.
وقد شكَّل الأخوان بريير، ومصرفهما الجديد، تهديداً مباشراً لنفوذ عائلة روتشيلد وقوتها المالية في أوربا، الأمر الذي دفعها لتعبئة جميع مواردها لمواجهة هذه المنافسة الخطيرة. وانتهى هذا الصراع الضاري، الذي امتدت أحداثه بين أوربا وأمريكا اللاتينية، بانهيار مصرف كريدي موبيليه عام 1867 وضياع أموال آلاف المودعين، الأمر الذي أفقد الأخوين بريير الكثير من مصداقيتهما ومكانتهما.

وقد كان الأخوان بريير عضوين في البرلمان الفرنسي خلال حقبة الستينيات من القرن التاسع عشر. كما أصدر إسحق، في الفترة ما بين عامي 1876 1880، جريدة لا ليبرتيه (الحرية) والتي سجَّل فيها آراءه الخاصة حول القضايا السياسية والاقتصادية والصناعية. ولعل الصراع الضاري الذي دار بين الأخوين بريير من جهة وعائلة روتشيلد من جهة أخرى يبين أن الحديث عن " رأسمالية يهودية مستقلة ذات مصالح مستقلة " لا أساس له من الصحة، وأنه تصوُّر صهيوني معاد لليهود في آن واحد. ومع هذا، فحينما اضطر إدموند درومون للاستقالة من جريدة لا ليبرتيه اتهم إسحق بريير بالعنصرية وكتب كتابه فرنسا اليهودية الذي يبين فيه مؤامرة الرأسمالية اليهودية ضد فرنسا وفقرائها.
أندريه سيتروين (1878-1935 (
‏Andre Citroen
من رجال الصناعة الفرنسيين. نجح بعد الحرب العالمية الأولى في تصميم وإنتاج سيارة السيتروين الصغيرة التي نالت إقبالاً شعبياً كبيراً. أما خلال الحرب العالمية الأولى، فقد لعب دوراً مهماً في مجال صناعة الذخيرة الفرنسية إذ أسس مصنعاً أنتج ملايين القنابل. وبعد الحرب، حوَّل سيتروين مصنعه إلى مصنع سيارات لإنتاج سيارات صغيرة، وقد نجح نجاحاً ساحقاً (وسُمِّي «هنري فورد الفرنسي» ) . وعند وفاته عام 1935، كان ثُلُث السيارات في فرنسا يحمل شعار «ماركة سيتروين» .
ومن أهم إسهاماته، مسابقة السيارات سيتروين عبر أفريقيا. وهي مسابقة أثبتت ثلاثة أشياء:
1 ـ أنه يمكن إقامة خط اتصال دائم وسريع بين الجزائر وغرب أفريقيا.
2 ـ أدَّى السباق إلى إنشاء محطات على الطريق الذي يربط المستعمرات الفرنسية.
3 ـ فتح السباق المجال أمام استخدام السيارات في حركة الاكتشافات.

ولعل هذا هو إسهام سيتروين الأساسي في خدمة التشكيل الاستعماري الغربي الفرنسي. ومن إسهاماته الأخرى أنه أول من وضع نظام إشارات مرور ضوئية في باريس، واستخدم برج إيفل في الإعلانات الضوئية. وكان أول من استخدم الأضواء الكاشفة المسلطة على قوس النصر في ميدان الكونكورد.
ورغم جهوده لتوسيع نشاط مؤسسته داخل وخارج فرنسا، إلا أنه اضطر إلى تصفية أعماله عام 1934 إثر مشاكل مالية مترتبة عن أزمة الكساد العالمي. وقد تم إعادة تنظيم المؤسسة بعد أن انتقلت ملكيتها لشركة ميشلن الفرنسية.
مارسل داسو (1892-1986 (
‏Marcel Dassault
مهندس فرنسي ومصمم ومنتج الطائرات. تنصَّر بعد عامين من إطلاق سراحه من معسكرات الاعتقال النازية، وعمل بالسياسة، وانتُخب في البرلمان الفرنسي. وصمَّم أول طائرة نقل تعمل بأربعة محركات، وطائرات المستير والميراج المقاتلة التي استخدمتها قوات الطيران الإسرائيلية. وقد صمَّمت الصناعات العسكرية الإسرائيلية طائرة الكفير بعد أن سربت تصميمات طائرات الميراج من شركة داسو.
عائلة جولدسميد
‏The Goldsmid Family

عائلة مالية بريطانية من يهود الإشكناز تعود جذورها إلى هارون جولدسميد، الذي تُوفي عام 1782، وكان قد استقر في لندن في منتصف القرن الثامن عشر قادماً من أمستردام. وأسَّس في لندن مع ابنه الأكبر جورج جولدسميد (1743 ـ 1812) مؤسسة تجارية باسم هارون جولدسميد وابنه والتي أصبحت فيما بعد تحمل اسم جولدسميد وإلياسون. أما ابنه الثاني أشر جولدسميد (1750 ـ 1822) ، فأسس مع يعقوب موكاتا مؤسسة موكاتا وجولدسميد للسمسرة في مجال بيع وشراء سبائك الذهب والفضة. وأصبح أخواه بنيامين جولدسميد (1755 ـ 1808) وأبراهام جولدسميد (1756 ـ 1810) من رجال المال المرموقين في لندن، وبخاصة خلال حروب الثورة الفرنسية، حيث أسسا معاً عام 1777 مؤسسة للسمسرة في الأوراق المالية، ونجحا خلال فترة الحرب في كسر احتكار المؤسسات المصرفية الكبيرة على القروض العامة وهو ما أتاح للحكومة شروطاً أفضل في هذا المجال. وقد كان الأخوان من المقربين إلى العائلة المالكة البريطانية. وكان لهذه العلاقة أثر في التمهيد لانعتاق اليهود في بريطانيا فيما بعد. وقد أسَّس بنيامين أول مؤسسة إشكنازية خيرية كبيرة في بريطانيا وأدَّى النشاط المالي المهم للعائلة وعلاقتها بصفوة المجتمع البريطاني إلى تآكُل هيمنة الأرستقراطية السفاردية على الجماعة اليهودية في لندن.
وقد انتحر بنيامين أثر أزمة نفسية، كما انتحر شقيقه أبراهام من بعده نتيجة أزمة مالية حادة تعرضت لها مؤسسة العائلة.
ومن أبرز أفراد العائلة:

ـ سير إسحق ليون جولدسميد (1778 ـ 1859) ابن أشر جولدسميد. وهو أول من حمل من بين أعضاء الجماعة اليهودية في بريطانيا لقب «البارونية» . وكان جولدسميد شريكاً في مؤسسة موكاتا وجولدسميد وحقَّق ثروة كبيرة من خلال تمويل عمليات بناء السكك الحديدية. وتركَّز نشاطه في البرتغال وتركيا والبرازيل ومنحه ملك البرتغال عام 1846 لقب بارون بالميرا تقديراً لجهوده في حل الخلافات المالية بين البرتغال والبرازيل.
وكان جولدسميد ممن دافعوا بقوة عن قضية إعتاق اليهود في إنجلترا، كما كان من مؤسسي كلية يونفيرستي كوليج في لندن والتي تُعَدُّ من أوليات مؤسسات التعليم العالي غير الطائفية في إنجلترا. وقد لعب جولدسميد دوراً بارزاً أيضاً في تأسيس المعبد الإصلاحي في إنجلترا.
ـ سير فرانسيس هنري جولدسميد (1808 ـ 1878) ابن إسحق ليون جولدسميد، والذي دافع مع والده عن قضية إعتاق يهود إنجلترا إلى أن تحقَّق ذلك بالفعل عام 1859. دخل البرلمان عام 1860 وظل عضواً به حتى وفاته، ودخل البرلمان معه أيضاً أخوه فريدريك ديفيد (1816 ـ 1866) . وقد كان جولدسميد أول يهودي يُسمَح له بالانضمام إلى سلك المحاماة البريطاني عام 1833. وقد اهتم جولدسميد بقضايا يهود شرق أوربا، وعُيِّن نائباً لرئيس الجمعية الأنجلو يهودية عام 1871.
ـ سير جوليان جولدسميد (1838 ـ 1896) ابن فريدريك ديفيد. وقد كان أيضاً عضواً في البرلمان، كما قاد الجمعية الإنجليزية اليهودية (ترأَّسها في الفترة 1886 ـ 1895) في مساعيها من أجل الدفاع عن حقوق الجماعات اليهودية خارج بريطانيا، كما ترأَّس اللجنة الروسية اليهودية (منذ تأسيسها عام 1882 وحتى عام 1894) التي أثارت قضية أوضاع الجماعات اليهودية في روسيا القيصرية.

وكان ألبرت إدوارد وليامسون جولدسميد من أبرز أفراد العائلة المؤيدين للصهيونية. وُلد في بومباي بالهند حيث كان والده هنري إدوارد جولدسميد (1812 ـ 1855) ، الذي كان ينتمي إلى فرع العائلة المتنصِّر، يشغل عدة مناصب مهمة في إدارة الاحتلال البريطاني للهند. وتخرَّج ألبرت من الكلية العسكرية الملكية عام 1866 واشترك في حرب البوير (1899 ـ 1902) في جنوب أفريقيا. وعاد ألبرت إلى العقيدة اليهودية واهتم بالشئون اليهودية، فساهم في مشاريع البارون دي هيرش لإعادة توطين يهود شرق أوربا في دول أمريكا اللاتينية، وسافر إلى الأرجنتين عام 1892 حيث مكث لمدة عام ساعد خلاله في توزيع الأراضي على المُستوطنين اليهود. وكان ألبرت من المتحمسين لهرتزل، وساعد عام 1898 في تأسيس الاتحاد الصهيوني الإنجليزي، كما اشترك عام 1903 في لجنة العريش التي شُكلَت لبحث إمكان توطين اليهود في شبه جزيرة سيناء.
عائلة ساسون
‏The Sassoon Family
عائلة يهودية سفاردية من التجار ورجال الصناعة والمال حقَّقت ثراءً كبيراً ومكانة مرموقة في بلاد الشرق، وهو ما دعا إلى وصفها بـ «روتشيلد الشرق» . كما ساهمت من خلال شبكاتها التجارية والمالية الواسعة في خدمة مصالح الرأسمالية والإمبريالية البريطانية وأطماعها المتنامية في تلك الفترة، وبخاصة في الهند والصين.

وتعود جذور العائلة إلى العراق حيث كان مؤسس العائلة الشيخ ساسون بن صالح (1749 ـ 1829) يعمل كبيراً للصيارفة لدى والي بغداد، كما ظل رئيساً للجماعة اليهودية في بغداد لمدة أربعين عاماً. وقد انتقل ابنه ديفيد ساسون (1793 ـ 1864) إلى الهند عام 1833 حيث استقر في بومباي التي كانت تُعتبَر آنذاك بوابة التجارة للهند والشرق الأقصى. واتسعت تجارته لتشمل العراق وإيران والصين ووسط آسيا واليابان وإنجلترا. واحتكر تجارة الغزل الهندي والمنسوجات الإنجليزية والأفيون (وهي ثلاث سلع ارتبطت بآليات الاستعمار البريطاني في الشرق) . واكتسب ساسون الجنسية البريطانية عام 1853 ووصل حجم ثروته عند وفاته إلى خمسة ملايين من الجنيهات.
وقد ورثه ثمانية أبناء، تولَّى أكبرهم عبد الله (ألبرت فيما بعد) ساسون (1817 ـ 1897) إدارة تجارة أبيه ومد نشاطها إلى قطاع الصناعة حيث افتتح أول مصنع كبير للنسيج في بومباي، كما أنشأ أول مرفأ بحري على ساحل الهند الغربي، الأمر الذي مهَّد لتحوُّل بومباي إلى ميناء حديث. وكانت بومباي، مثلها مثل غيرها من مدن الشرق، تشهد تحولاً اقتصادياً كبيراً في تلك الفترة نتيجة افتتاح قناة السويس عام 1869. كما اتسع نشاط شركة ساسون إلى مجال التأمين والبنوك والزراعة أيضاً. وانتقل عبد الله (ألبرت) إلى إنجلترا في أواسط السبعينيات من القرن التاسع عشر حيث أصبحت لندن المركز الرئيسي لشركة ساسون. وكان أول من انتقل من الإخوة إلى إنجلترا، عام 1858، هو ساسون ديفيد ساسون (1832 ـ 1867) حيث بدأت الدوائر التجارية في لندن التعرف من خلال نشاطه على قوة وإمكانيات بيت ساسون. ونجح ساسون في دفع مصالح الشركة في إنجلترا إلى الأمام من خلال نشاطه في سوق القطن أثناء الحرب الأهلية الأمريكية.

وحصل ألبرت (عبد الله) على البارونية عام 1890 تقديراً لجهوده ونشاطه في الهند. كما كانت له ولأخويه رءوبين (1853 ـ 1905) وآرثر (1840 ـ 1912) علاقة صداقة وطيدة مع ولي العهد البريطاني الذي أصبح فيما بعد الملك إدوارد السابع. وبانتقال مركز نشاط العائلة من الهند إلى إنجلترا، شهدت الأسرة تحولاً سريعاً من أسرة يهودية شرقية شديدة التدين إلى أسرة يهودية بريطانية زاد اندماج أعضائها في المجتمع الإنجليزي الغربي وزاد ارتباطهم بالطبقة البورجوازية الصناعية البريطانية التي كانت تشهد ازدهاراً وتدعيماً لثرائها وقوتها في تلك الفترة. وارتبطت عائلة ساسون بعائلة روتشيلد المالية الثرية، حينما تزوج إدوارد ساسون بن ألبرت ساسون (1856 ـ 1912) ابنة جوستاف روتشيلد في باريس عام 1887. وقد كان إدوارد أول فرد في عائلة ساسون يعمل في السياسة، حيث كان عضواً في البرلمان، وعمل من خلال هذا المنصب على تحسين الاتصالات التلغرافية بين الهند وإنجلترا.
واستمر سولومون ساسون (1841 ـ 1894) في متابعة أعمال الأسرة في الشرق، وكان والده قد أرسله في سن مبكرة إلى شنغهاي وهونج كونج لمتابعة تجارة الأسرة، فأصبح رئيس الجماعة اليهودية هناك. ثم عاد إلى الهند عام 1877 حيث تولَّى إدارة الشركة حتى تاريخ وفاته. كما ترأَّس بنك بومباي وغرفة التجارة. ومن بين الإخوة الثمانية، انفصل إلياس ساسون (1820 ـ 1880) عن الشركة الأم، وأسس هو وابنه يعقوب (1844 ـ 1916) شركة خاصة بهما ومنافسة للشركة الأم. واتسعت أعمالها لتشمل بلاد الشرق وأوربا وأفريقيا وأمريكا وحققت نجاحاً فاق نجاح الشركة الأم. وتولَّى يعقوب إدارة الشركة بعد وفاة أبيه، ووسع أعمالها في الهند، وأسَّس مصنعاً ضخماً للنسيج وأول مصنع للصباغة في بومباي. كما أسَّس البنك الشرقي المحدود (إيسترن بانك ليمتد) ومقره الرئيسي لندن.

وكان آخر كبار رجال المال والأعمال في عائلة ساسون هو فيكتور ساسون (1881 ـ 1961) ابن إدوارد إلياس ساسون والأخ الأصغر ليعقوب ساسون حيث ساهم في القطاع الصناعي في الهند وكان عضواً في البرلمان ورئيساً للجماعة اليهودية البريطانية في الهند. إلا أن التحولات التي كانت جارية في الهند في تلك الفترة، وكذلك تنامي حركة التحرر الوطني، أدَّتا إلى انكماش أعماله فيها. فاتجه إلى تأسيس مؤسسة مصرفية في هونج كونج عام 1930 ونقل أعماله من الهند إلى الصين حيث عُرف بأنه «الرجل الذي شيَّد شنغهاي الحديثة» . إلا أنه مع احتلال اليابان لشنغهاي خلال الحرب العالمية الثانية، ثم تولِّي الحكومة الشيوعية الحكم في الصين واستيلائها على مصالح الشركة، نقل فيكتور أعماله إلى جزر الباهاما عام 1948 ولم يترك ابناً يرثه بعد وفاته.
ويتضح، مما سبق، أن ثروة عائلة ساسون ونشاطها المالي والتجاري ارتبطا إلى حدٍّ كبير بمصالح الإمبراطورية البريطانية حيث نما مع نمو الاستعمار البريطاني ومصالحه الرأسمالية في الشرق، وأخذ يخبو مع أفول نجم الإمبراطورية البريطانية وتنامي حركات التحرر الوطني في الهند والصين وغيرهما من بلاد الشرق.
عائلة مونتاجو
‏The MontaguFamily
عائلة يهودية إنجليزية من رجال المال والسياسة، من أصل سفاردي. وفي عام 1853، أسَّس صمويل مونتاجو (1832 ـ1911) البنك التجاري: صمويل مونتاجو وشركاه، الذي ساهم من خلال نشاطه في مجال المبادلات المالية في تحويل لندن إلى المركز الرئيسي للمقاصة في سوق المال العالمي. وظلت الخزانة تستشيره في العديد من الشئون المالية. وحصل صمويل عام 1907 على لقب «بارون» ، كما أصبح عضواً في البرلمان.

واهتم مونتاجو بالشئون اليهودية، فسافر إلى فلسطين وروسيا والولايات المتحدة، إلا أنه ظل معارضاً بشدة للصهيونية. وكان ولداه الاثنان لويس صمويل مونتاجو (1869 ـ 1927) وإدوين صمويل مونتاجو (1879 ـ 1924) من معارضي الصهيونية أيضاً. حيث عارض إدوين، الذي احتل عدة مناصب سياسية مهمة، وعد بلفور. وساهمت ضغوطه على الوزارة البريطانية في تعديل النص الأصلي بحيث لا تصبح الدولة اليهودية المزمع إنشاؤها دولة كل يهود العالم وإنما دولة من يرغبون في الهجرة إليها. وقد أعرب عن أسفه لأن حكومته اتجهت إلى الاعتراف بشعب لا وجود له. كما أعرب أخوه عن أنه لا يعتبر اليهودية سوى ديانة. ويُعتبَر موقف عائلة مونتاجو من الحركة الصهيونية تعبيراً عن بعض الاتجاهات بين أعضاء الجماعات اليهودية المندمجين التي رفضت الصهيونية واعتبرتها تعبيراً عن عقلية الجيتو في خلطها بين الدين والقومية، كما رأت أن اليهود لا يشكلون سوى أقليات دينية يعتنق أعضاؤها الديانة اليهودية وينتمون مثلهم مثل غيرهم من المواطنين إلى دولتهم القومية التي هي مصدر ثقافتهم ومركز ولائهم. وقد رأى هؤلاء أن الصهيونية تشكل عقبة في طريق الاندماج السوي.
سامسون جدعون (1699-1762 (
‏Samson Gideon
من رجال المال الإنجليز. حقق ثروة كبيرة من خلال المضاربات، وكان من العناصر البارزة في تدبير القروض للحكومة البريطانية في منتصف القرن الثامن عشر. وساهمت استشارته المالية للحكومة البريطانية في الحفاظ على الاستقرار المالي للبلاد في فترات الحروب والقلاقل السياسية. وقد تزوج من امرأة غير يهودية، وتنصَّر أبناؤه.
هنري دي ورمز (1840-1903 (
‏Henry Deworms

تاجر ورجل دولة بريطاني يهودي. وُلد لعائلة يهودية تجارية ثرية ذات أصول ألمانية. درس القانون ثم التحق بتجارة والده. وفي عام 1880، دخل البرلمان عن حزب المحافظين واختير عام 1885 سكرتيراً برلمانياً لدى المجلس التجاري للحكومة البريطانية. وفي عام 1888، أصبح عضواً في المجلس الملكي الخاص (بالإنجليزية: بريفي كاونسيل Privy Council) ، وعُيِّن في العام نفسه وحتى عام 1892 وكيلاً لوزير الخارجية لشئون المستعمرات. وفي عام 1895، رُفع إلى مرتبة النبلاء.
وكان لورمز اهتمام بالشئون والقضايا اليهودية لا يختلف كثيراً عن اهتمامات الساسة الإنجليز من غير اليهود. فقد ناصر قضية يهود رومانيا داخل البرلمان البريطاني، واحتل منصب أمين صندوق ونائب رئيس المعبد الموحَّد، كما ترأَّس الجمعية الإنجليزية اليهودية في الفترة بين عامي 1872، 1886 إلا أنه أُرغم على الاستقالة بعد زاوج ابنته من مسيحي.
إرنست كاسل (1852-1921)
‏Ernest Cassel

مالي بريطاني وُلد في مدينة كولونيا بألمانيا ابناً لمصرفيّ ألماني يهودي. انتقل إلى إنجلترا وهو في السادسة عشرة، وعمل كاتباً لدى تاجر حبوب، ثم انضم فيما بعد إلى مؤسسة مصرفية مملوكة لعائلة يهودية، ونجح في تسوية بعض مشاكل المؤسسة في السويد وتركيا وأمريكا اللاتينية. وبعد أن حقَّق كاسل قدراً كبيراً من النجاح في هذه المؤسسة، اتجه إلى تأسيس مؤسسة مالية خاصة به وأصبح من الشخصيات المالية العالمية. إذ شملت عملياته المالية تمويل الحكومات الأجنبية، مثل حكومات الصين والمغرب، وحكومات أمريكا اللاتينية. كما ساهم في تمويل عملية تأسيس البنك الأهلي المصري وبناء خزان أسوان. ومُنح كاسل لقب «سير» تقديراً لخدماته للإمبراطورية البريطانية في مصر. وكان من المقربين للملك إدوارد السابع سواء باعتباره صديقاً أو باعتباره مستشاراً مالياً. وتحوَّل كاسل عن دينه واعتنق المسيحية الكاثوليكية، كما تزوجت حفيدته ووريثته إدوينا كاسل (1901 ـ 1960) من الإيرل ماونتباتن، عم ملكة بريطانيا.
سيمون ماركس (1888-1964)
‏Simon Marks
من رجال التجارة والصناعة في إنجلترا، وكذلك من مؤيدي الحركة الصهيونية، وهو صاحب مجموعة متاجر ماركس وسبنسر المتكاملة (متعددة الأقسام) . هاجر والده إلى إنجلترا قادماً من روسيا عام 1882، وبدأ عمله كبائع متجول وتدرَّج في تجارته حتى فتح العديد من المتاجر الصغيرة التي نمت وتطورت إلى أن أصبحت مجموعة ضخمة من المتاجر المتكاملة المعروفة باسم «ماركس وسبنسر» . وكان النمو الصناعي، الذي تزايدت وتيرته منذ منتصف القرن التاسع عشر، قد أفرز طبقة وسطى متنامية وفي حاجة إلى مثل هذه المتاجر. وكانت خبرات أعضاء الجماعات اليهودية، وكذلك تراثهم التجاري، تؤهلهم لاقتحام هذه المجالات التي كانت لا تزال في بدايتها، وبالتالي تتسم بقدر كبير من المخاطرة.

وقد تولَّى سيمون إدارة الشركة بعد وفاة أبيه، فحققت في ظل قيادته نجاحاً تجارياً ومالياً ضخماً. وقد شاركه في أعماله إسرائيل موسى سييف، زميل الدراسة وصهره (تزوج كلٌّ منهما أخت الآخر) . وقد كان ماركس وسييف من مؤيدي الصهيونية، وقد ساعدا حاييم وايزمان في مجهوداته للحصول على وعد بلفور. كما شارك ماركس في المفاوضات السياسية بين القيادات الصهيونية والحكومات البريطانية حتى قيام دولة إسرائيل. كما اشترك في البعثة الصهيونية لمؤتمر باريس للسلام. ساهم هو وسييف في تأسيس معهد دانيال سييف للبحوث عام 1934 في فلسطين، والذي تطوَّر عنه معهد حاييم وايزمان للعلوم عام 1949 بعد قيام دولة إسرائيل. وساهم ماركس في دعم التطور الاقتصادي لإسرائيل كما قدَّم ملايين الجنيهات كتبرعات لها.
وجاء تأييد ماركس للحركة الصهيونية، مثله مثل غيره من أثرياء اليهود المندمجين، باعتبارها حلاً لمشكلة يهود شرق أوربا الذين كانت هجرتهم إلى الغرب تهدد أوضاع ومكانة اليهود المندمجين. وكانت الحركة الصهيونية تعكس ارتباط مصالحه ومصالح غيره من أثرياء اليهود بمصالح الرأسمالية الإمبريالية البريطانية التي كانت تسعى إلى إقامة قاعدة لها في المشرق العربي.
وقد حصل ماركس على لقب «سير» عام 1944 تقديراً لخدماته خلال الحرب العالمية الثانية. كما حصل على لقب «بارون» عام 1961.
إسرائيل سييف (1889-1972 (
‏Israel Sief
من رجال التجارة والصناعة البريطانيين، وكذلك من مؤيدي الصهيونية. وُلد في إنجلترا لعائلة من أصل ليتواني هاجرت إلى إنجلترا حيث أسَّس والده تجارة ناجحة لاستيراد المنسوجات. والتحق سييف بتجارة أبيه ثم التحق عام 1915 بمؤسسة ماركس وسبنسر المملوكة لصديقه وصهره سيمون ماركس. ونجحا سوياً، خلال 50 عاماً من العمل المشترك، من تطوير الشركة وتحديث تجارة التجزئة. وقد تولَّى سييف رئاسة الشركة بعد وفاة سيمون ماركس عام 1964.

وكان سييف ومعه ماركس وصهره هاري ساخر من مؤيدي الصهيونية. وقد كان سييف سكرتيراً للجنة الصهيونية التي ذهبت إلى فلسطين عام 1918 برئاسة وايزمان.
أسس سييف عام 1934 معهد ديفيد سييف للبحوث في فلسطين والذي تطوَّر عنه معهد وايزمان للعلوم عام 1949 بعد قيام إسرائيل. وترأَّس سييف بعض المنظمات الصهيونية في بريطانيا، كما ساهمت زوجته ربيكا في تأسيس التنظيم النسائي للمنظمة الصهيونية العالمية.
وحماس سييف للحركة الصهيونية، مثله مثل غيره من أثرياء اليهود المندمجين في الغرب، يعود إلى أنها تشكِّل حلاًّ لمشكلة يهود شرق أوربا الذين هددت هجرتهم إلى الدول الغربية مكانة ومصالح اليهود المندمجين فيها. كما كانت مصالح أثرياء اليهود في بريطانيا مرتبطة بمصالح الرأسمالية والإمبريالية البريطانية التي كانت تسعى إلى إقامة قاعدة لها في المشرق العربي. وقد حصل سييف على لقب «بارون» عام 1966.
فيكتور جولانز (1893-1967 (
‏Victor Gollancz
ناشر إنجليزي ومؤلف، وُلد لعائلة يهودية أرثوذكسية مرموقة وتلقَّى دراسته في جامعة أكسفورد. وقد تمرَّد جولانز على أرثوذكسية أسرته وعلى القيم المحافظة للطبقات الوسطى بصفة عامة ومال إلى الاشتراكية وإلى الفكر السلمي فيما بعد، إلا أنه ظل شديد الشغف بالدين إلى درجة شبه صوفية. وتأثر أثناء دراسته باليهودية الليبرالية، إلا أنه اتجه أكثر نحو المسيحية. واعتبر أن رسالة النبي عيسى ليست إلا تتويجاً للتراث اليهودي، ولكنه مع هذا لم يعتنق المسيحية.

ودخل جولانز مجال النشر في العشرينيات. وفي عام 1927، أسَّس دار نشر خاصة به. ومع وصول النازية إلى السلطة في ألمانيا، وجه جولانز نشاطه نحو النشر السياسي، وأسَّس بالتعاون مع جون ستارشي وهارولد لاسكي نادي كُتَّاب اليسار الذي عمل على توفير الكتب السياسية بأسعار ضئيلة. وتحوَّل هذا النادي إلى حركة اجتماعية وسياسية واسعة النطاق، وضم في فترة الذروة 60.000 عضواً، إلا أن المعاهدة الألمانية السوفيتية لعام 1939 والتي اعتبرها جولانز خيانة لا تُغتفَر عجَّلت بنهاية النادي.
وخلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، نشط جولانز في مجال القضايا الإنسانية والسلمية، فساعد على غوث وإنقاذ ضحايا النازية، كما ساعد ضحايا الحرب من الألمان، ودعا إلى المصالحة مع ألمانيا وإلى إعادة بنائها، كما اشترك في أنشطة الجمعيات والمنظمات البريطانية العاملة لإلغاء عقوبة الإعدام. كما كان جولانز من أوائل من نادوا بنزع السلاح النووي وبتوحيد أوربا.
أما بشأن فلسطين، فقد أيد جولانز الوجود الصهيوني على أرضها، وحارب منذ عام 1945 سياسة الحكومة البريطانية تجاه الاستيطان اليهودي بها، وعمل على تأمين دخول اللاجئين من اليهود إلى فلسطين، وأيَّد إقامة دولة إسرائيل. إلا أنه أثار الجدل في الأوساط الصهيونية والإسرائيلية بسبب دعوته إلى ضرورة قيام اليهود بمساعدة وغوث الفلسطينيين بعد حرب 1948 (وفيما بعد في قطاع غزة) .
وقد ظل جولانز ينادي بالمصالحة بين اليهود والألمان وبين اليهود والعرب، وعارض محاكمة أيخمان في إسرائيل كما عارض عقوبة الإعدام الصادرة ضده، وأصدر عام 1961 كتاباً بعنوان قضية أدولف أيخمان ليعبِّر عن موقفه هذا. وكان عضواً في مجلس إدارة الجامعة العبرية في الفترة ما بين عامي 1952 و1964. وحصل على وسام الشرف من ألمانيا عام 1953، وهو أول شخص غير ألماني يحصل على مثل هذا الوسام، وحصل على لقب سير عام 1965.
سيجموند ووربورج (1902-1982 (

‏Sigmund Warburg
مالي بريطاني يهودي وُلد في ألمانيا لعائلة واربورج المالية الثرية، وتلقَّى تعليمه في المدارس الألمانية. وكان أول طالب يهودي يلتحق بواحدة من المدارس الألمانية البروتستانتية العريقة. تلقَّى تدريبه المالي والمصرفي في مؤسسة العائلة في هامبورج ثم في المؤسسة المالية لآل روتشيلد في لندن ثم في عدد من المؤسسات المالية الأمريكية من بينها مؤسسة كون لويب وشركاه التي كان اثنان من أفراد فرع عائلة ووربورج بالولايات المتحدة شريكين بها. وفي عام 1930، عاد إلى ألمانيا حيث أصبح شريكاً في مؤسسة ووربورج وأسَّس أول فرع لها في برلين. ومع مجئ النازي إلى الحكم، انتقل سيجموند ووربورج إلى إنجلترا (عام 1933) . وفي عام 1934، اشترك مع ماكس ووربورج ومجموعة من المصارف في إقامة مؤسسة مالية صغيرة في أمستردام هي دوتش انترناشيونال كوربوريشن مهمتها مساعدة يهود ألمانيا على إخراج أموالهم خارج البلاد وتحويلها إلى إنجلترا والولايات المتحدة وفلسطين. وفي إنجلترا، أقام ووربورج عام 1938 مؤسسته المالية الخاصة والتي أصبحت تعرف منذ عام 1946 باسم «إس. جي. ووربورج S.G. Warburg» . وقد اكتسب ووربورج المواطنة البريطانية عام 1939 وعمل مع المخابرات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية. وقد نمت مؤسسة ووربورج سريعاً وتحولت إلى واحدة من أهم المصارف الاستثمارية البريطانية وكان لها دور ريادي في تحديث هذا القطاع المصرفي في إنجلترا. وحقق ووربورج مكانة مرموقة في الدوائر المصرفية الدولية ومُنح لقب «سير» عام 1966.

ورغم أن ووربورج كان في البداية رافضاً للصهيونية إلا أنه ساهم في توطين المهاجرين اليهود في فلسطين خلال الثلاثينيات. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، توسَّط لديه حاييم وايزمان وديفيد بن جوريون ليضغط على الحكومة البريطانية حتى تفتح باب الهجرة أمام اليهود إلى فلسطين وحتى تُسرع بإقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين. وقدَّم ووربورج مساهمات مالية عديدة لإسرائيل، بخاصة لمعهد وايزمان للعلوم، وشارك في دفع عملية التقارب بين مصر وإسرائيل في أعقاب مبادرة الرئيس المصري أنور السادات عام 1977، وهو ما مهَّد الطريق أمام توقيع معاهدة السلام بين البلدين. كما طرح خطة اقتصادية شاملة أطلق عليها اسم «الاستثمار من أجل السلام» تهدف إلى تحقيق التنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط من خلال فتح المنطقة أمام الاستثمارات الأوربية والأمريكية، وهو الإطار الذي تدور فيه ما تُسمَّى محادثات السلام العربية الإسرائيلية.
جوزيف مندلسون (1770-1848 (
‏Joseph Mendelssohn
مالي يهودي ألماني، والابن الأكبر لموسى مندلسون (1729 ـ 1786) رائد حركة الاستنارة اليهودية. وأسَّس عام 1795 مؤسسة مصرفية أصبحت من أكبر المؤسسات المالية، وساهمت في تحويل برلين إلى مركز مالي دولي. وشاركت مؤسسته في تحويل التعويضات الفرنسية بعد هزيمة نابليون، كما نشطت في مجال تمويل بناء السكك الحديدية في ألمانيا وخارجها، وفي تدبير القروض لروسيا على وجه الخصوص.
وكان مندلسون وأخوه أبراهام مندلسون (1776 - 1835) ، الذي شاركه في أعماله المالية لفترة من الوقت، من اليهود المندمجين والمرتبطين بدوائر اليهود المؤمنين بفكر الاستنارة. وقد تنصَّر أحد أبناء جوزيف مندلسون كما تنصَّر أبراهام وزوجته وأبناؤه.
وتم ضم بنك مندلسون عام 1939 إلى بنك ألماني آخر بعد مجيء النازي للسلطة في ألمانيا.
إميل راتناو (1838-1915 (
‏Emil Rathenau

مهندس، ومن رجال الصناعة الألمان. وكان أول من أدخل نظام الهاتف في الخدمة البريدية في برلين. كما اهتم باختراعات أديسون في مجال الكهرباء، فأسَّس شركة للبحث والتطوير في هذا المجال وهي شركة ايه. إي. جي. AEG التي أصبحت، في ظل إدارته وإدارة ابنه وولتر من بعده، من أكبر المؤسسات الصناعية في أوربا، ومن أهمها في مجال المعدات الكهربائية.
وولتر راتناو (1867-1922 (
‏Walther Rathenau
رجل دولة وصناعة، ومفكر ألماني. ابن رجل الصناعة الألماني إميل راتناو (1838 - 1915) مؤسس شركة الكهرباء الألمانية العملاقة آيه. إي. جي. AEG وقد ترأَّس راتناو هذه الشركة بعد وفاة أبيه وعمل على توسيع وتنويع نشاطها بحيث أصبحت من أكبر المؤسسات الألمانية والأوربية.
وقد عمل بالسياسة، فالتحق خلال الحرب العالمية الأولى بوزارة الحربية الألمانية حيث أسَّس قسم المواد الخام، واستطاع من خلال هذا المنصب تطبيق نظرياته حول الاقتصاد الموجَّه والتخطيط المركزي. وبالفعل، يعود إليه الفضل، من خلال البرنامج الذي وضعه لتعبئة موارد البلاد، في أن تواصل ألمانيا الحرب لمدة أربعة أعوام برغم مصاعبها الاقتصادية الحادة. واشترك بعد الحرب في المفاوضات الخاصة بتعويضات الحرب، وعُيِّن عام 1922 وزيراً لخارجية ألمانيا (جمهورية وايمار) ووقَّع من خلال هذا المنصب اتفاقية رابالو مع الاتحاد السوفيتي. وتعرَّض راتناو لانتقادات حادة من المنظمات والتيارات اليمينية بسبب سياساته المتعلقة بدفع التعويضات للحلفاء والتصالح مع روسيا البلشفية. وساهمت العناصر المعادية لليهود في زيادة حدة هذه الاتهامات إلى أن اغتيل راتناو عام 1922 على أيدي عناصر يمينية متطرفة.

وظل موقف راتناو من عقيدته وهويته اليهودية مُبهماً، فأول عمل نشره هو مقال أشار فيه إلى اليهود باعتبارهم «شعب الخوف» (بالألمانية: فورخت فولك Furcht Volk) الذين طوروا ملكاتهم الفكرية للدفاع عن أنفسهم. وقد تراسل مع فيلهلم شواز (1863 ـ 1941) وهو من دعاة فكرة الفولك الألمانية وأحد المعادين لليهودية. واعتبره راتناو من أعز أصدقائه. وكتب راتناو عام 1909 في مجلة نيو فراي برس مقالاً يحتوي هذه العبارة: «يوجد ثلاثمائة شخص يعرف كل واحد منهم الآخر، هم الذين يتحكمون في المصير الاقتصادي لأوربا ويختارون حلفاءهم من هذه الحلقة» . وقد فُسِّرت هذه الجملة بأنها دليل على مدى صدق بروتوكولات حكماء صهيون.
وكان راتناو من اليهود المندمجين شديدي الاعتزاز بألمانيتهم. ومن ثم، عارض الصهيونية وظل يدعو إلى ضرورة اندماج أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع الألماني بل إلى انصهارهم، حتى اتُهم بأنه يهودي كاره لنفسه، خصوصاً أنه وجه انتقاداً عميقاً لما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» . ومع هذا، انتقد راتناو وبشدة اتجاه اليهود نحو التنصُّر حيث اعتبر ذلك شكلاً من أشكال الانتهازية التي لا تهدف إلا لتحقيق مكاسب اجتماعية واقتصادية.
وتأثر في مرحلة لاحقة من حياته بالأفكار الصوفية، وبدأ يُظهر تقديراً لما اعتبره مساهمات اليهود الفكرية والأخلاقية والاقتصادية للإنسانية. وانعكست هذه الاتجاهات في كتاباته وفي فلسفته الخاصة التي جمعت بين مسحة صوفية وبين رؤية واقعية للحياة. فأدان راتناو الإيمان المطلق بالتكنولوجيا وبكلٍّ من العقلانية والمادية، ودعا إلى العودة إلى القيم الروحية. ومن ناحية أخرى، دعا إلى إقامة مجتمع تعاوني واقتصاد قائم على الميكنة والتخطيط المركزي تقوده صفوة مثقفة. وأيَّد في الوقت نفسه الليبرالية السياسية والفردية الأخلاقية.
عائلة جونزبورج
‏The Guenzburg Family

عائلة روسية يهودية شهيرة تخصَّص أعضاؤها في أعمال الصيرفة، وكانوا قادة الجماعة اليهودية في روسيا لمدة ثلاثة أجيال، كما كانوا بمثابة الوسطاء (شتدلان) بين يهود روسيا والسلطات القيصرية. وقد بدأ ازدهار هذه الأسرة في العقود الأولى من القرن التاسع عشر حينما حصلوا على امتيازات مصانع لتقطير الخمور وعملوا كمتعهدين عسكريين. وزاد نطاق استثمارهم من خلال مصرف جونزبرج الذي أُسِّس في بطرسبرج عام 1859. واستثمروا أموالهم في السكك الحديدية ومناجم الذهب وحققوا مكاسب كثيرة. وكانت أسرة جونزبرج تمثل دوق هس ـ دارمستادت في روسيا، ومنحهم الدوق لقب بارون عام 1871 كما منحهم حق توارثه. وكان أعضاء أسرة جونزبرج من المدافعين عن مُثُل حركة التنوير والمحاولات الرامية إلى دمج اليهود، وكانوا من معارضي النشاطات الصهيونية. ومؤسس العائلة هو البارون جوزيف يوزيل (1812 ـ 1868) الذي ساهم في تأسيس جماعة نشر الثقافة بين يهود روسيا (1863) وتبرَّع من أجل تطوير التعليم اليهودي وكذلك لتشجيع اليهود على الاشتغال بالزراعة. وكان ابنه الثاني البارون هوراس (نفتالي هرز) (1833 ـ 1909) شريكاً في المصرف الذي كانت تمتلكه الأسرة ومستشاراً في الدولة وقنصلاً لدوق هس.
عائلة بولياكوف
‏The Poliakoff Family
عائلة يهودية روسية من رجال المال والصناعة كان لها دور مهم بقيادة الإخوة الثلاثة يعقوب وصمويل وإليعازر في تأسيس البنوك وبناء السكك الحديدية في روسيا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

اشترك يعقوب بولياكوف (1872 ـ 1909) في تأسيس العديد من البنوك الروسية، كما احتل منصب نائب رئيس هيئة الاستيطان اليهودية في روسيا. أما أخوه صمويل بولياكوف (1837 ـ 1888) ، فكان من أهم من ساهموا في بناء السكك الحديدية في روسيا والتي كانت ذات أهمية كبيرة في صادرات روسيا من الحبوب، كما ساهم في بناء السكك الحديدية الإستراتيجية في رومانيا خلال الحرب الروسية - التركية (1877ـ 1878) . واهتم صمويل بمجال التعدين، وأسس بعض البنوك العقارية المهمة في روسيا. كما اهتم بالتعليم المهني، فأسَّس مدرسة فنية لتعليم بناء السكك الحديدية وأخرى للتعدين، وبادر بتأسيس منظمة إعادة التأهيل والتدريب (أورت) التي كانت تهدف إلى إعادة تأهيل اليهود تأهيلاً مهنياً وإلى تعليمهم الحرف المختلفة، وهو ما قد يساعد على تحويلهم إلى عنصر اقتصادي منتج. أما أليعازر بولياكوف (1842 ـ 1914) ، فقد اشترك في بناء السكك الحديدية مع أخيه. وكان من أبرز رجال البنوك في موسكو، فأسَّس بنك بولياكوف عام 1877. كما ساهم في تطوير الصناعات في روسيا وإيران. وحصل كلٌّ من الإخوة الثلاثة على لقب «نبيل» .
وكان الإخوة بولياكوف يشكلون جزءاً من البورجوازية الروسية التي بدأ يدخلها مموِّلون من أعضاء الجماعة اليهودية في روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع بداية عملية التنمية والتحديث. وكانت هذه البورجوازية تشكل شريحة صغيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا وتتجه بحكم ارتباط مصالحها بالدولة الروسية نحو الاندماج في المجتمع الروسي والانفصال عن الجماهير اليهودية. ونظراً لأن المسألة اليهودية في روسيا كانت تُشكِّل خطراً بالنسبة لهذه الشريحة، فإننا نجد أن مساهمات الإخوة بولياكوف، مثلهم مثل غيرهم من أثرياء اليهود المُتروِّسين، كانت تأخذ اتجاهين:

1 ـ إعادة تأهيل أعضاء الجماعة اليهودية لكي يشكلوا عنصراً اقتصادياً منتجاً يسهل لهم عملية الاندماج في المجتمع الروسي، وهو ما كانت تسعى إليه أيضاً الدولة القيصرية.
2 ـ إعادة توطين الفائض البشري من أعضاء الجماعة اليهودية خارج روسيا من خلال نشاط هيئة الاستيطان اليهودية.
وهذه أيضاً هي أهداف ما نسميه «الصهيونية التوطينية» ، أي صهيونية يهود العالم الغربي المندمجين الذين يحاولون مساعدة البلاد التي يعيشون في كنفها على التخلص من الفائض البشري اليهودي.
بارنت بارناتو (1852-1897 (
‏Barnett Barnato
من رجال المال والتعدين. وُلد في إنجلترا، ثم هاجر إلى جنوب أفريقيا عام 1873 حيث التحق بشقيقه الذي كان يعمل في تجارة الماس. وقد بدءا معاً، هو وشقيقه، في شراء حقوق التنقيب عن الماس، ثم استطاعا في عام 1881 تأسيس شركة بارناتو للتعدين التي أصبحت المنافس الأكثر خطورة لشركة دي بيرز للتعدين المملوكة لسيسل رودس والتي كانت تهدف إلى السيطرة على صناعة الماس في جنوب أفريقيا. وانتهى التنافس بين الشركتين بفوز سيسل رودس ودمج الشركتين عام 1888 لتكونا معاً «مناجم دي بيرز الموحَّدة» التي أصبحت الشركة الرئيسية المسيطرة على سوق الماس العالمي حتى اليوم، وقد احتفظ بارناتو في هذه الشركة بمنصب المدير مدى الحياة.
واتجه بارناتو، بعد ذلك، إلى تطوير مناجم الذهب التي كانت قد اكتُشفت حديثاً، وأصبحت مجموعة شركات بارناتو من كبريات الشركات المنتجة للذهب. وتُوفي بارناتو منتحراً عام 1897 حيث ألقى بنفسه من السفينة التي كانت تقله إلى إنجلترا.
ليونيل فيلبس (1855-1936)
‏Lionel Philips

من رجال المال والتعدين في جنوب أفريقيا. وُلد في لندن ثم هاجر إلى جنوب أفريقيا بعد اكتشاف مناجم الماس هناك. ولعب دوراً مهماً في تنظيم صناعة الماس في جنوب أفريقيا وفي التنظيم المالي والتطوير الفني لمناجم الذهب، وترأَّس بعض الشركات التعدينية المهمة، كما كان رئيساً لغرفة المناجم. وحُكم عليه بالغرامة والنفي بعد تورُّطه في مؤامرة سياسية كانت تهدف إلى الإطاحة بالحكومة، إلا أنه عاد للبلاد بعد حرب البويرBoer
(1899 ـ 1902) وأصبح عضواً في البرلمان ومُنح البارونية عام 1912.
سولومون جول (1865-1931 (
‏Sololmon Joel
من رجال المال والتعدين في جنوب أفريقيا. وقد كان هو وأخواه أولاد أخى بارنيت بارناتو رجل المال والتعدين اليهودي الثري وورثته. وتعاون جول وشقيقاه مع عمهم في تطوير مناجم الذهب في جنوب أفريقيا. وبعد انتحار عمه ومقتل أحد أخويه، أصبح جول مدير إمبراطورية عمه المالية والتعدينية التي كانت تشمل نصيباً في شركة دي بيرز للماس وهي الشركة المسيطرة على سوق الماس العالمي حتى اليوم.
وقد تميَّز جول بإنفاقه الباذخ والاستعراضي، وهو ما كان يميِّز الجيل الجديد من أثرياء ومليونيرات جنوب أفريقيا في بدايات القرن العشرين.
إرنست أوبنهايمر (1880-1957 (
‏Ernest Oppenheimer

من رجال الصناعة والمال في جنوب أفريقيا. وُلد في ألمانيا والتحق في سن مبكرة بشركة لتجارة الماس في لندن وقد أرسلته عام 1902 إلى جنوب أفريقيا حيث حقق نجاحاً كبيراً في مجال تجارة الماس. وأسَّس عام 1917 المؤسسة الأنجلو ـ أمريكية التي أصبحت تسيطر على شبكة واسعة من المصالح الصناعية والمالية والتعدينية. وفي عام 1929، ترأَّس أوبنهايمر مجلس إدارة شركة دي بيرز العملاقة للماس، وبالتالي أصبح على رأس صناعة الماس في جنوب أفريقيا. وأصبحت هذه الشركة، في ظل إدارته، الشركة المسيطرة على تجارة الماس في العالم. كما كانت له مساهمات مهمة في اكتشاف وتطوير مناجم الذهب بعد الحرب العالمية الثانية.
وحصل أوبنهايمر على لقب «سير» عام 1921، وكان عضواً في البرلمان لمدة 14 عاماً. ورغم إنفاقه، هو وزوجته الأولى، بسخاء على المصالح والأعمال الخيرية اليهودية، إلا أنه تنصَّر عند زواجه الثاني من كاثوليكية، كما تنصَّر ابنه هاري فردريك (1908) الذي تولَّى إدارة إمبراطورية أبيه التعدينية والمالية والصناعية، كما ساهم في تطوير صناعة الماس في إسرائيل.
صمويل برونفمان (1891-1971 (
‏Samuel Bronfman
من رجال الصناعة الكنديين. التحق في سن مبكرة بتجارة أبيه في مجال الفندقة، ثم دخل مجال تجارة الخمور. ونجح، بعد فترة، في امتلاك أكبر معمل لتقطير الخمور في كندا والعالم. وأصبح برونفمان من أبرز الشخصيات العاملة في مجال تقطير الخمور في العالم.
ترأَّس برونفمان الفرع الكندي للمؤتمر اليهودي، كما احتل منصب نائب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، وشارك بشكل بارز في مجهودات المنظمات اليهودية للضغط على الأمم المتحدة عند تأسيسها عام 1945 لبحث وضع فلسطين وتأمين الوجود الصهيوني بها. وقد اتسع إنفاقه الخيري، وبخاصة في المجالات الاجتماعية والثقافية الخاصة بالجماعة اليهودية والخاصة بالنشاطات الصهيونية.

ويُعتبَر موقف برونفمان من الصهيونية مثل موقف غيره من اليهود المندمجين في المجتمعات الرأسمالية والذين يعتبرونها مصدراً للهوية الحضارية في ظل مجتمعات تآكلت فيها القيم الحضارية والأخلاقية، وتشكل هذه الهوية بالنسبة إليهم انتماءً حضارياً دينياً وليس انتماءً سياسياً قومياً. كما أن تأييدهم لإسرائيل ينبع من كونها مركزاً وقاعدة للحضارة والمصالح الغربية في الشرق.
دور الجماعات اليهودية الاقتصادي في مصر في العصر الحديث
‏Economic Role of the Jewish Communities in Egypt in Modern Times
ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، كان لعدد من العائلات والشخصيات اليهودية المصرية شأن كبير في أحوال مصر الاقتصادية وفي شئونها المالية والتجارية والصناعية. وكانت أغلب هذه العائلات من اليهود السفارد الذين وفدوا إلى مصر خلال القرن التاسع عشر وانضووا تحت الرعويات الأجنبية حتى يستفيدوا من الامتيازات القانونية والاقتصادية الممنوحة للأقليات الأجنبية في مصر خلال تلك الفترة، والتي أتاحت لهذه الأقليات، في ظل الوجود الاستعماري البريطاني، احتلال مكانة داخل الاقتصاد المصري لا تناسب حجمها الحقيقي. وقد قامت هذه العائلات اليهودية بتمثيل المصالح الأوربية المختلفة داخل مصر، سواء كانت فرنسية أو بريطانية أو إيطالية أو غيرها، وقامت بدور الوسيط لرأس المال الأوربي الباحث عن فرص الاستثمار داخل البلاد، أي أنها لعبت دور الجماعة الوظيفية المرتبطة بالاستعمار الغربي (ومما يجدر ملاحظته أن هذا الدور نفسه قامت به بعض الجماعات الأوربية وشبه الأوربية الأخرى، خصوصاً اليونانيين الذين حققوا قوة اقتصادية ومكانة اجتماعية مماثلة تقريباً لما حققته طبقة كبار الأثرياء من اليهود) .

وتركَّز نشاط هذه العائلات اليهودية في الأنشطة المالية الربوية والائتمانية والتجارية، واندمجت بيوتات المال اليهودية في علاقات ووساطة مع البنوك الأوربية وارتبط نشاطها بالدرجة الأولى باقتصاديات زراعة وتجارة القطن وخدمة المصالح الاقتصادية الاستعمارية البريطانية التي كانت تخطِّط لتحويل مصر إلى مزرعة للأقطان. ولعبت مجموعة عائلات قطاوي وسوارس ورولو ومنَسَّى وموصيري الدور الأكبر في هذا المجال وفي الاقتصاد المصري بشكل عام.
لقد ساهمت الجماعات المصرفية اليهودية في عملية التوسع الزراعي في مصر، واشتركت في عملية تصفية الدائرة السنية عام 1880 وبيعها لكبار الملاك الجدد ثم في تأسيس البنك العقاري المصري في العام نفسه بالتعاون مع رأس المال الفرنسي، للقيام بعمليات إقراض القطاع الزراعي الخاص الجديد وتمويل أعمال الزارعة وشراء الأقطان. وفي عام 1897، قامت هذه الجماعات المصرفية، بالتعاون مع رأس المال البريطاني، بتأسيس البنك الأهلي المصري بهدف تمويل المشروعات الخاصة بالتوسع الاقتصادي والاستعماري البريطاني في مصر مثل مشروع بناء خزان أسوان وقناطر أسيوط أو تنظيم شبكة الري في حوض النيل إلى جانب تمويل عمليات شراء ما تبقَّى من أراضي الدائرة السنية من قبل كبار الملاك.

واشتركت العائلات اليهودية أيضاً في تأسيس الشركات العقارية العديدة التي أقيمت في إطار مبيعات أراضي الدائرة السنية ثم في إطار الحجوزات العقارية بعد تَراكُم الديون على كبار وصغار الملاك المصريين نتيجة انخفاض الطلب على القطن المصري. وقد تأسَّس أكثر هذه الشركات في الفترة ما بين عامي 1880 و1905، وقامت بامتلاك الأراضي واستغلالها وبإقامة المشروعات العقارية والصناعية عليها وكذلك المضاربة فيها لتحقيق تَراكُم سريع لرأس المال. ومن أهم هذه الشركات شركة أراضي الشيخ فضل، وشركة وادي كوم أمبو. ومن أهم المشاريع الصناعية الزراعية التي أقامها اليهود على أراضي الدائرة السنية شركة عموم مصانع السكر والتكرير المصرية التي أُقيمت عام 1897 بالتعاون مع رأس المال الفرنسي واحتكرت لفترة طويلة إنتاج السكر في مصر.
وساهم أعضاء الجماعات اليهودية أيضاً في إقامة الهياكل الأساسية اللازمة للتوسع الزراعي، وخصوصاً اللازمة لنقل وتجارة القطن وغيرها من المحاصيل الزراعية، فاهتموا بإنشاء خطوط النقل الحديدية مثل شركة سكك حديد قنا ـ أسوان (1895) ، وشركة سكك حديد الدلتا المصرية المحدودة وهما أهم شركتين لنقل الأقطان والسكر من الأراضي ومعامل التكرير. كما ساهموا في تأسيس شركة ترام الإسكندرية (عام 1896) التي كانت تقوم بنقل الأقطان إلى البورصة، واشتركوا أيضاً في إدارة بعض الشركات الملاحية مثل شركة الملاحة الفرعونية التي سُجلت عام 1937 وكانت تحتكر تقريباً نقل البضائع المصرية بحرياً. وإلى جانب مساهمتهم في تأسيس كثير من شركات النقل البري والبحري، ساهم أعضاء الجماعات اليهودية في مصر في عملية التوسع العمراني التي صاحبت التوسع الزراعي. فساهموا، على سبيل المثال، في تأسيس حي سموحة بالإسكندرية وحي المعادي بالقاهرة، وفي إدارة العديد من شركات تقسيم وبيع الأراضي وشركات صناعة البناء.

كما لعب المموِّلون اليهود من أعضاء الجماعات اليهودية دوراً أساسياً في مجال تصدير القطن والمحاصيل الزراعية، وكان أكثر من 50%من الشركات المصدرة للقطن في الإسكندرية (قبل التأميم) مملوكة لهم. وكان أعضاء الجماعات اليهودية يحتلون مواقع إدارية مهمة في الشركات الأخرى، كما تركزوا في القطاعات الخاصة وفي تصدير بعض المحاصيل الزراعية المهمة مثل البصل والأرز. ونشطوا في عمليات استيراد السلع والوكالة التجارية للشركات الأجنبية، وبخاصة مع بداية العشرينيات، لاستغلال وفرة الأموال في أيدي أغنياء الحرب والرواج الذي جاء في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى. وقد قامت المحلات التجارية الكبيرة المملوكة للعائلات اليهودية، مثل محلات شيكوريل وشملا وبنزيون وعدس وغيرها، بتسويق هذه الواردات السلعية، خصوصاً المنسوجات البريطانية.
وقد ارتبطت العائلات اليهودية، سواء من خلال المؤسسات المالية والائتمانية أو من خلال المؤسسات التجارية التي كانت تمتلكها والتي كان أفرادها يحتلون فيها مواقع إدارية مهمة، بشبكة من علاقات العمل المتداخلة تدعمها علاقات المصاهرة.
ويمكن تقدير مدى مساهمة أعضاء الجماعات اليهودية في مصر في الشركات والقطاعات الاقتصادية المختلفة من خلال عضويتهم في مجالس إدارة الشركات المساهمة التي سيطرت على أهم قطاعات الأعمال في مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن اليهود احتلوا 15,4% من المناصب الرئاسية و16% من المناصب الإدارية عام 1943، وانخفضت هذه النسبة إلى 12,7% و12,6% عامي 1947 و1948، وإلى 8,9% و9,6% عام 1951. وتشير إحصاءات أخرى إلى أن نسبة اليهود في مجالس إدارة الشركات المساهمة كانت 18% عام 1951. والواقع أن هذه نسب مرتفعة إذا ما قورنت بنسبتهم لإجمالي السكان والتي بلغت عام 1950 نحو 0,4% فقط.

وكان معظم رأس المال اليهودي متمركزاً عام 1956، وقبل قرارات التأميم، في الشركات العقارية يليه قطاع حلج وغزل ونسج القطن ثم التأمين والبنوك. وكانت هذه القطاعات هي أكثر القطاعات ربحية في الاقتصاد المصري، وبخاصة خلال الفترة التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى بداية الخمسينيات.
وفي شأن دور أعضاء الجماعات اليهودية في اقتصاد مصر، منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى عمليات التأميم عام 1956، يمكننا أن نلاحظ ما يلي:
1 ـ لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً مهماً لا باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم أعضاء في التشكيل الاستعماري الغربي الذي أتوا معه (وقد جاءت معهم أيضاً الأقليات الغربية الأخرى مثل اليونانيين والإيطاليين والإنجليز ... إلخ) واستقروا ضمن إطار الامتيازات الأجنبية وأسسوا علاقات مع المجتمع هي في جوهرها علاقات استعمارية. ولذا، يُلاحَظ بشكل ملموس غياب يهود مصر المحليين، خصوصاً القرّائين، عن هذا القطاع الاقتصادي النشيط، فلم يكن عندهم رأس المال ولا الكفاءات ولا الاتصالات للاضطلاع بمثل هذا الدور.
2 ـ يُلاحَظ أن كبار المموِّلين من أعضاء الجماعات اليهودية لعبوا دور الجماعة الوظيفية الوسيطة بين الاقتصاد العالمي الغربي والاقتصاد المحلي. وقام أعضاء الجماعات اليهودية بدور ريادي نشيط في عدد من الصناعات والقطاعات الاقتصادية الجديدة التي يتطلب ارتيادها كفاءة غير عادية وجسارة، وهو الدور الذي يلعبه أعضاء الجماعات الوظيفية، وقد اشترك فيه معهم المموِّلون من أعضاء الجاليات الأجنبية الأخرى.
3 ـ تركَّز هؤلاء المموّلون في صناعات وقطاعات مالية قريبة من المستهلك (حلج القطن ـ المصارف ـ تسويق السلع ـ العقارات ... إلخ) وهي قطاعات بعيدة عن الصناعات الثقيلة. ويعزى نشاط أعضاء الجماعات اليهودية في قطاع الزراعة إلى نظام ملكية الأراضي في مصر الذي فتح الباب على مصراعيه للأجانب (اليهود وغيرهم (.

4 ـ ومع تزايُد فاعلية القوى الوطنية ونشاطها في القطاع الاقتصادي، بدأ نشاط الطوائف الأجنبية يتراجع بما في ذلك نشاط المموِّلين من أعضاء الجماعات اليهودية.
5 ـ وحينما تم التأميم عام 1956، كان ذلك تتويجاً لتصاعُد هذه الحركة واختزالاً لبقية المرحلة. وقد كان قرار التأميم موجَّهاً ضد المموِّلين الأجانب والمصريين ممن كان الحكم المصري يرى أن نشاطهم يربط الاقتصاد الوطني بعجلة الاستعمار الغربي ويعوق عمليات التنمية من خلال الدولة والتي تبناها هذا النظام الوطني. ولذا، فقد هاجر كثير من هؤلاء المموِّلين وغيرهم من المموِّلين الأجانب والمصريين.

لكل ما تقدَّم، يكون من الصعب جداً الحديث عن «رأسمالية يهودية في مصر» أو «مخطَّط يهودي للهيمنة والسيطرة على الاقتصاد الوطني في مصر» . فقدوم أعضاء الجماعات اليهودية إلى مصر ونشاطهم الاقتصادي فيها وخروجهم منها تم داخل إطار الاستعمار الغربي، ولم يكن هناك بُعد يهودي يعطي خصوصية يهودية لنشاط الجماعة اليهودية في مصر. وإذا كان هناك 10% من المناصب الإدارية الرئاسية في أيد يهودية، فإن نحو 90% من هذه المناصب تظل في أيد غير يهودية، ونسبة كبيرة منها في أيدي اليونانيين والإيطاليين وغيرهم. وإذا كان ثمة تعاطُف مع الحركة الصهيونية، فإنه لم يأخذ شكل ظاهرة عامة أو نمط متكرر وإنما كان اتجاهاً فردياً يمكن تفسيره هو الآخر في إطار انتماء المموِّلين من أعضاء الجماعات اليهودية إلى التشكيل الاستعماري الغربي. وتجب الإشارة إلى أن تأييد بعض الأثرياء اليهود للنشاط الصهيوني يمكن أن نضعه في إطار ما يُسمَّى «الصهيونية التوطينية» ، فقد شهدت مصر خلال أواخر القرن التاسع عشر هجرة أعداد من يهود شرق أوربا (الإشكناز) إليها، كان أغلبهم من الشباب الفقير وكانوا يختلفون ثقافياً وعقائدياً وطبقياً عن الأرستقراطية السفاردية المصرية. كما تورَّط كثير منهم في الأنشطة المشبوهة، خصوصاً الدعارة، وهو ما دفع السفارد لإطلاق لقب «شلخت» ، أي الأشرار، عليهم. وكان وجودهم يهدد بخلق أعباء مادية ومشاكل اجتماعية محرجة لأثرياء اليهود. ولذلك، فقد كان دعم بعض أعضاء الأرستقراطية السفاردية للأنشطة الصهيونية في مصر يهدف إلى تحويل هذه الهجرة إلى فلسطين بعيداً عن مصر. كما سعى بعضهم لدى السلطات المصرية لوقف الهجرة اليهودية القادمة إلى مصر كليةً.
هذا، ويمكن القول بأن وضع يهود مصر والدور الذي اضطلعوا به هو نمط متكرر بين أعضاء الجماعات اليهودية وأعضاء الجماعات الوظيفية الغربية الأخرى في العالم العربي ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر.
عائلة رولو

‏The RoloFamily
«رولو» اسم عائلة يهودية سفاردية جاءت إلى مصر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر واحتفظت بالجنسية البريطانية. وقد امتلك روبين رولو مؤسسة تجارية تخصَّصت أساساً في استيراد النيلة (صبغة) . وفي عام 1870، أسس ولداه جياكومو (يعقوب) (1847 ـ 1917) وسيمون، مع بعض الشركاء، مؤسسة مالية وتجارية باسم «روبين رولو وأولاده وشركاهم» . وتعاونت عائلة رولو من خلال هذه المؤسسة مع عائلتي قطاوي وسوارس في العديد من المشاريع التي أقاموها بالتعاون مع المالي البريطاني سير إرنست كاسل ـ خصوصاً مشاريع الدائرة السنية وإقامة سكك حديد حلوان وتأسيس البنك العقاري المصري والبنك الأهلي المصري. وخلال الأزمة الاقتصادية التي حدثت عام 1907، صفَّى جياكومو المؤسسة ثم أقام مع أبنائه الثلاثة مؤسسة رولو وشركاه والتي جمعت بين الأنشطة المصرفية والمالية وتجارة الجملة في القطن والسكر والأرز والفحم والبن، كما امتلكت حصصاً كبيرة في بعض الشركات العقارية الكبرى (مثل: شركة وادي كوم أمبو وشركة أراضي الشيخ فضل) وشركة مصانع السكر. وعند وفاته، ترك جياكومو رولو ثروة من العقارات تُقدَّر بنحو 70 ألف جنيه. أما ابنه الأكبر روبير جياكومو رولو (1876 ـ؟) ، فقد درس في بريطانيا، وانتُخب رئيساً للطائفة اليهودية في الإسكندرية في الفترة 1934 ـ 1948. وكان روبير جياكومو مناهضاً للصهيونية، واستقال من رئاسة الطائفة عام 1948 قبل اندلاع حرب فلسطين مباشرة بسبب خلافه مع حاخام الإسكندرية المؤيد للصهيونية.

أما روبير رولو (1869 ـ؟) ، فحقق مكانة مهمة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مصر، ودرس القانون في باريس ثم تولَّى رئاسة عدد من مجالس إدارة الشركات التي ساعد أباه في تأسيسها. وكان مستشاراً قانونياً للملك فؤاد الأول ومقرباً له فقام بدور الوسيط بين القصر ودار المندوب السامي البريطاني، وعملت زوجته وصيفة للملكة نازلي. وحصل هو على لقب «سير» عام 1938. وكان روبير جياكومو من كبار أعضاء الجماعة اليهودية في مصر، ولكنه لم يشارك في شئونها.
عائلة سوارس
‏The Suares Family

«سوارس» اسم عائلة سفاردية من أصل إسباني استقرت في مصر منذ أوائل القرن التاسع عشر، وحصلت على الجنسية الفرنسية. وقد أسَّس الإخوة الثلاثة، روفائيل (1846 ـ 1902) ويوسف (1837 ـ 1900) وفيلكس (1844 ـ 1906) ، مؤسسة سوارس عام 1875. وفي عام 1880، قام روفائيل سوارس، بالتعاون مع رأس المال الفرنسي ومع شركات رولو وقطاوي، بتأسيس البنك العقاري المصري، كما قام بالتعاون مع رأس المال البريطاني الذي مثَّله المالي البريطاني اليهودي سير إرنست كاسل بتأسيس البنك الأهلي المصري عام 1898 وتمويل بناء خزان أسوان. كما اشترك سوارس مع كاسل وعائلة قطاوي في شراء 300 لف فدان من أراضي الدائرة السنية وإعادة بيعها إلى كبار الملاك والشركات العقارية. كذلك اشترك سوارس مع رأس المال الفرنسي في تأسيس شركة عموم مصانع السكر والتكرير المصرية عام 1897 والتي ضمتها عام 1905 شركة وادي كوم أمبو المساهمة، وكانت من أكبر المشاريع المشتركة بين شركات قطاوي وسوارس ورولو ومنَسَّى، وكانت واحدة من أكبر الشركات الزراعية في مصر. وفي مجال النقل البري، أسست العائلة شركة «سوارس لعربات نقل الركاب» ، وتعاونت مع عائلة قطاوي في إقامة السكك الحديدية. كما امتلكت العائلة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وأراضي البناء في وسط القاهرة حيث سُمِّي أحد الميادين باسم «ميدان سوارس» (مصطفى كامل الآن) . وامتلكت عائلة سوارس حصصاً وأسهما في العديد من الشركات، واحتل كثير من أفرادها مواقع رئاسية وإدارية في كثير منها. فتولى ليون سوارس (ابن فليكس سوارس) إدارة شركة أراضي الشيخ فضل وإدارة شركة وادي كوم أمبو. وعند وفاة أبيه، ترك ليون مؤسسة سوارس ليخلف أباه في إدارة البنك الأهلي والبنك العقاري المصري. ولم تلعب عائلة سوارس دوراً كبيراً في شئون الجماعة اليهودية باستثناء إدجار سوارس الذي تولَّى رئاسة الجماعة في الإسكندرية في الفترة من 1914 ـ 1917.
عائلة شيكوريل

‏The Cicurel Family
عائلة يهودية سفاردية من أصل إيطالي. وقد جاء مورينو شيكوريل إلى مصر قادماً من تركيا واستقر فيها، وعمل بأحد محلات عائلة هانو اليهودية، ثم اشترى المحل عام 1887. وفي عام 1909، افتتح محلاًّ جديداً في ميدان الأوبرا والذي حوَّله أبناؤه سالومون ويوسف وسالفاتور إلى واحد من أكبر المحلات التجارية في مصر. وفي عام 1936، انضمت لهم عائلة يهودية أخرى، فأصبحوا يمتلكون معاً مجموعة محلات أركو.
وقد كان يوسف (بك) شيكوريل من مؤسسي بنك مصر (عام 1920) ، كما كان أخوه سلفاتور (بك) شيكوريل عضواً في مجالس إدارة العديد من الشركات وعضواً في مجلس إدارة الغرفة التجارية المصرية ثم رئيساً لها. وكان ضمن البعثة الاقتصادية المصرية التي سافرت إلى السودان بهدف تعميق العلاقات التجارية بين البلدين وفتح مجالات جديدة أمام رؤوس الأموال المصرية في السودان. وفي عام 1946، ترأَّس سلفاتور الطائفة الإسرائيلية خلفاً لرينيه قطاوي (وكان آخر رئيس لها) ، كما ترأَّس المنظمة الصهيونية بالقاهرة وكان من مؤسسي جماعة أصدقاء الجامعة العبرية.
عائلة قطاوي
‏The Cattaui Family

عائلة مصرية يهودية برز عدد من أفرادها في النشاط السياسي والاقتصادي في مصر في أواخر القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين، وترجع أصولها إلى قرية قطا شمالي القاهرة. بدأ دور هذه العائلة مع نزوح أليشع حيدر قطاوي إلى القاهرة في أواخر القرن الثامن عشر حيث حصل ابنه يعقوب (1801 ـ 1883) على امتيازات من الحكومة للقيام بأنشطة تجارية ومالية، وكان أول يهودي مصري يمنح لقب «بك» . كما حصل على لقب «بارون» من الإمبراطورية النمساوية المجرية التي حملت العائلة جنسيتها. وقد أوكلت إليه نظارة الخزانة في فترة حكم الخديوي عباس الأول (1849 ـ 1854) ، واحتفظ بهذا المنصب خلال حكم الوالي سعيد والخديوي إسماعيل، وتولَّى في أواخر أيامه رئاسة الجماعة اليهودية في القاهرة التي كانت تُسمَّى «الطائفة الإسرائيلية» . وبعد وفاته، خلفه ابنه موسى قطاوي (1850 ـ 1924) في رئاسة الطائفة، واختير عضواً في البرلمان المصري، كما مُنح لقب الباشوية. وكان موسى قطاوي من كبار رجال المال والبنوك، وتولَّى إدارة عدد من الشركات وساهم في تمويل مشاريع السكك الحديدية في صعيد مصر وشرق الدلتا ومشاريع النقل العام في القاهرة بالتعاون مع عائلات سوارس ورولو ومنَسَّى.

وبعد وفاة موسى، انتقلت رئاسة الطائفة إلى يوسف أصلان قطاوي (1816 ـ 1942) الذي درس الهندسة في باريس وعمل عند عودته موظفاً في وزارة الأشغال العامة. ثم سافر إلى إيطاليا لدراسة أصول صناعة السكر وعاد إلى مصر ليؤسس مصنعاً للسكر، واختير عضواً في العديد من المجالس الاستشارية للمؤسسات الصناعية والمالية واشترك عام 1920 بالتعاون مع طلعت حرب ويوسف شيكوريل في تأسيس بنك مصر. وفي عام 1915، كان يوسف قطاوي عضواً في الوفد المصري الساعي إلى التفاوض مع بريطانيا لنيل الاستقلال لمصر، كما اختير عام 1922 عضواً في اللجنة التي أُسندت إليها مهمة وضع دستور مصري جديد في أعقاب الثورة المصرية (1919) والتصريح البريطاني بمنح مصر استقلالها الشكلي (1923) . وقد عمل يوسف أصلان قطاوي وزيراً للمالية عام 1924 ثم وزيراً للمواصلات عام 1925، وانتُخب عام 1923 عضواً في مجلس النواب عن دائرة كوم أمبو، كما كان عضواً في مجلس الشيوخ في الفترة من 1927 وحتى 1936. ونشر عام 1935 دراسة بالفرنسية تدافع عن سياسة الخديوي إسماعيل الاقتصادية. وقد تزوج من عائلة سوارس اليهودية الثرية وكانت زوجته وصيفة للملكة نازلي.
وبعد وفاة يوسف أصلان، انتُخب ابنه أصلان ليشغل مقعد أبيه في مجلس الشيوخ عام 1938، كما عمل سكرتيراً عاماً لمصلحة الأملاك الأميرية التابعة لوزارة المالية ومندوباً عن الحكومة المصرية في شركة قناة السويس ومندوباً للحكومة في البنك الأهلي المصري. أما ابنه الثاني رينيه، فقد اختير عام 1943 رئيساً للجماعة اليهودية في القاهرة. وكان عضواً في البرلمان كما كان يدير عدة مشروعات اقتصادية، ونشر بين عامي 1931 و 1936 ثلاثة مجلدات تشكل تأريخاً لفترة حكم محمد علي. وكان يوسف قطاوي من مؤسسي جمعية مصر للدراسات التاريخية اليهودية. وفي عام 1957، غادر الأخوان رينيه وأصلان مصر واستقرا في أوربا.

أما آخر الشخصيات البارزة في عائلة قطاوي، وهو جورج قطاوي، فقد كانت اهتماماته أدبية في المقام الأول حيث نشر عدة دراسات عن الأدبين الإنجليزي والفرنسي، كما كان يكتب الشعر بالفرنسية. وقد اعتنق المذهب المسيحي الكاثوليكي مع العديد من المثقفين المصريين اليهود السفارد الذين تخلوا عن اليهودية.
وعلى عكس ما تدَّعي بعض المصادر الصهيونية، ليس ثمة ما يشير إلى تعاطُف الشخصيات الرئيسية في عائلة قطاوي مع المشروع الصهيوني من بعيد أو قريب، ولا إلى قيامهم بأية أنشطة من شأنها دعم هذا المشروع. بل عارض كلٌّ من يوسف أصلان قطاوي وابنه رينيه قطاوي الصهيونية، حينما تولَّى كلٌّ منهما رئاسة الطائفة اليهودية في مصر. وحذر رينيه قطاوي يلون كاسترو، زعيم الحركة الصهيونية في مصر، من الدعوة للهجرة إلى فلسطين باعتبار أن ذلك يمس علاقة الجماعة بالسلطات المصرية. كما دعت عائلة قطاوي إلى اندماج أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع المصري وشجع يوسف أصلان قطاوي تأسيس «جمعية الشبان اليهود المصريين» (1934/1935) وجريدة الشمس الأسبوعية الصادرة بالعربية، وقد كان هدفهما «تمصير» أعضاء الجماعة وتعميق انتمائهم للوطن المصري.
عائلة مِنَسَّى
‏The Menasce Family

«منَسَّى» أو «دي منَسَّى» أو «منَسَّه» ، لكن النطق الشائع في مصر هو «منشه» . ويُوجَد شارع في الإسكندرية يُسمَّى «شارع منشَّه» . ومنَسَّه عائلة يهودية سفاردية جاءت إلى مصر من إسبانيا، ويعود أول ذكر لوجودها في مصر إلى القرن الثامن عشر. بدأ يعقوب دي منَسَّى (1807 ـ 1887) حياته صرَّافاً في حارة اليهود، وتدرَّج في عمله حتى أصبح صراف باشا للخديوي إسماعيل. ثم أسس بالتعاون مع يعقوب قطاوي مؤسسة مالية وتجارية (بيت منَسَّى وأولاده) أصبح لها أفرع في مانشستر وليفربول ولندن وباريس ومارسيليا وإستانبول، كما اشترك بالتعاون مع الخديوي إسماعيل في تأسيس البنك التركي المصري، وارتبط نشاطه بكثير من شركات ومشاريع عائلتي قطاوي وسوارس.
وفي عام 72/1873، مُنح يعقوب دي منَسَّى الحماية النمساوية، وفي عام 1875 مُنح لقب البارونية والجنسية النمساوية المجرية تقديراً للخدمات التي قدمها للتجارة النمساوية المجرية ـ المصرية. وترأَّس يعقوب دي منَسَّى الطائفة اليهودية في القاهرة عام 1869، ثم انتقل عام 1871 إلى الإسكندرية حيث أسَّس معبد منَسَّى ومقابر منَسَّى ومدارس منَسَّى، وترأَّس ابنه ديفيد ليفي دي منَسَّى (1830ـ 1885) رئاسة الطائفة في الإسكندرية وخلفه في رئاستها ابنه جاك (1850 ـ 1916) الذي احتفظ بها حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى حينما اعتبرته السلطات البريطانية عدواً لأنه كان يحمل الجنسية النمساوية المجرية. وقد نقل جاك أعمال الأسرة من الأعمال المالية والمصرفية إلى تجارة القطن والسكر المربحة، واشترى مساحات واسعة من الأراضي في دلتا وصعيد مصر. ووصلت ثروته عند وفاته إلى ما بين 300 و500 ألف جنيه مصري.

أما الشقيق الأصغر فليكس يهودا (1865 ـ 1943) ، فدرس في فيينا وأسَّس فرع بيت منَسَّى في لندن وترأَّس الطائفة اليهودية في الإسكندرية في الفترة ما بين عامي 1926 و1933. وكان فليكس دي منَسَّى صديقاً لحاييم وايزمان، فأسَّس وترأَّس اللجنة المؤيدة لفلسطين عام 1918 كما مثَّل الحركة الصهيونية المصرية في لندن لدى المؤتمر الثاني عشر (1921) .
أما ابنه جان قطاوي دي منَسَّى (1896 ـ؟) فقد اعتنق الكاثوليكية وانضم إلى الرهبان الدومينيكان وقام بالدعوة إلى المسيحية في الإسكندرية (وهذا نمط متكرر بين اليهود السفارد الذين كانوا يعيشون في الشرق العربي) .
عائلة موصيري
‏The Mosseri Family
«موصيري» اسم عائلة يهودية سفاردية من أصل إيطالي استقرت في مصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وقد احتفظت العائلة بالجنسية الإيطالية. وحقَّق يوسف نسيم موصيري ثروته من التجارة. وبعد وفاته عام 1876، أسَّس أبناؤه الأربعة مؤسسة يوسف نسيم موصيري وأولاده. وتزوج الابن الأكبر نسيم (بك) موصيري (1848 ـ 1897) من ابنة يعقوب قطاوي، وأصبح نائب رئيس الطائفة الإسرائيلية في القاهرة وهو منصب توارثته العائلة من بعده. ولم تحقِّق عائلة موصيري انطلاقتها الحقيقية إلا في أوائل القرن العشرين (1904) عندما أسَّس إيلي موصيري (1879 ـ 1940) ابن نسيم (بك) ، بالتعاون مع إخوته الثلاثة يوسف (1869 ـ 1934) وجاك (1884 ـ 1934) وموريس، بنك موصيري. حقَّق إيلي موصيري مكانة مرموقة في عالم المال والأعمال في مصر، وكان قد درس الاقتصاد في إنجلترا وتزوج من ابنة فليكس سوارس. وكانت تربطه علاقات وثيقة بإسماعيل صدقي، كما كانت له مصالح عديدة في فرنسا وعلاقات وثيقة ببيوت المال الأوربية اليهودية مثل بيوت روتشيلد ولازار وسليجمان، كما كان يمثل المصالح الإيطالية في مصر.

ومن أفراد العائلة الآخرين جوزيف موصيري الذي أسَّس شركة «جوزي فيلم» للسينما عام 1915 والتي أقامت وأدارت دور السينما واستوديو للإنتاج السينمائي وتحوَّلت إلى واحدة من أكبر الشركات العاملة في صناعة السينما المصرية. أما فيكتور موصيري (1873ـ 1928) ، فكان مهندساً زراعياً مرموقاً وكانت له إسهامات مهمة في مجال زراعة القطن وصناعة السكر.
وقد ارتبط اثنان من أعضاء عائلة موصيري بالنشاط الصهيوني، فقد أسَّس جاك موصيري الذي درس في إنجلترا وحضر المؤتمر الصهيوني الحادي عشر (عام 1913) المنظمة الصهيونية في مصر (عام 1917) . أما ألبير موصيري (1867 ـ 1933) ، فدرس الطب في فرنسا حيث تعرَّف إلى هرتزل ونوردو، وبدأ في إصدار جريدة صهيونية باسم «قديماه» وخدم في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى كطبيب. وبعد الحرب، ترك الطب وبدأ (عام 1919) في إصدار جريدة أسبوعية في القاهرة بعنوان إسرائيل صدرت في البداية بالعبرية فقط ثم بالعربية والفرنسية بعد ذلك. وقد استمرت زوجته في إصدار الجريدة بعد وفاته وحتى عام 1939 حينما هاجرت إلى فلسطين. وقد خدم ابنهما مكابي موصيري (1914 ـ 1948) كضابط في البالماخ وقُتل في إحدى العمليات العسكرية أثناء حرب 1948.
فيكتور هراري (1857-1945 (
‏Victor Harari

مموِّل مصري يهودي سفاردي اسمه (سير) فيكتور. جاء والده إلى مصر في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر قادماً من بيروت. وقد أكمل هراري دراسته في إنجلترا وفرنسا، ثم عمل موظفاً في وزارة المالية المصرية وأصبح مدير الحسابات المركزية ثم مدير الخزانة، كما كان مندوب الحكومة المصرية في لجنة إصلاح ميزانية الأوقاف. وفي عام 1905، بدأ نشاطه الخاص وأصبح مُمثِّلاً للمالي البريطاني اليهودي سير إرنست كاسل، وترأَّس عدداً من الشركات التي أُقيمت بالتعاون بين كاسل ومجموعة قطاوي ـ سوارس ـ منَسَّى ـ رولو، وانتخب عام 1929 عضواً بمجلس إدارة البنك الأهلي المصري. وحصل على لقب سير عام 1928 تقديراً للخدمات التي قدَّمها للحكومة البريطانية.
يوسف بتشوتو (1857-1945)
‏Joseph Betshoto
اقتصادي مصري يهودي وُلد في الإسكندرية لعائلة سفاردية ذات أصول إيطالية قدمت إلى مصر من حلب. وقد بدأ حياته موظفاً في مؤسسة تجارية، وأسَّس عام 1896 تجارته الخاصة فأقام عام 1917 شركة لاستيراد المنسوجات القطنية. واكتسب بتشوتو سمعة طيبة كخبير اقتصادي، كما كان عضواً في مجالس إدارة عدد من الشركات وعضواً بالغرفة التجارية بالإسكندرية. وعُيِّن عام 1922 عضواً بالمجلس الاقتصادي للحكومة المصرية. وكان بتشوتو متعاطفاً مع الحركة الوطنية المصرية، فانضم إلى حزب الوفد وانتُخب عضواً بمجلس النواب ثم دخل مجلس الشيوخ عام 1924. كما كان نائباً لرئيس اللجنة المؤيدة لفلسطين والتي تأسست عام 1918 ورئيساً للبناي بريت (أبناء العهد) في الإسكندرية.

الجماعات اليهودية تواريخ - تواريخ الجماعات اليهودية في بلدان العالم الغربي خصوصا فى العصر الحديث - الولايات المتحدة حتى منتصف القرن التاسع عشر

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الولايات المتحدة: مقدمة عامة
‏United States: General Introduction
يمكن القول بأن تاريخ الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة، التي صارت جماعة واحدة فيما بعد، جزء لا يتجزأ من التاريخ الغربي بشكل عام والتاريخ الأمريكي بشكل خاص، ذلك أن أصولها تعود إلى هجرة الشعوب الأوربية إلى العالم الجديد. وتعكس تجربة أعضاء الجماعة في الولايات المتحدة كل الإيجابيات والسلبيات التي تسم تجربة الإنسان الأمريكي.

ويُعدُّ وصول الإنسان الغربي إلى الأمريكتين (فيما يُسمَّى «اكتشاف العالم الجديد» ) من أهم الأحداث التي أثرت في تاريخ الإنسان في العصر الحديث إذ فتح مجالات جديدة للاستثمار أمام الإنسان الغربي وزاد ثروته بشكل مذهل بعد أن كان الغرب من أفقر مناطق العالم. ومن هنا، اتجه الفائض السكاني الغربي (كما كان يشار إلى الأفراد الذين لم يحققوا شيئاً من الحراك الاجتماعي ولم يتمكنوا من تحقيق هوياتهم الدينية والثقافية) إلى العالم الجديد ليحقق أعضاؤه من خلال التشكيلات الاستعمارية الغربية ما فشلوا في تحقيقه داخل التشكيلات القومية الغربية. ولكن كل عملية هجرة لها قطبان: أحدهما إيجابي هو عنصر الجذب إلى الوطن الجديد، والآخر سلبي هو عنصر الطرد من الوطن القديم. وقد ذكرنا بعض عناصر الطرد الخاصة بالمجتمع الغربي ككل حينما تحدثنا عن الفائض السكاني، وهي تنطبق على أعضاء الجماعات اليهودية انطباقها على الآخرين. ولكن عملية الهجرة إلى العالم الجديد تزامنت مع عدة عناصر طاردة خاصة بالجماعات اليهودية وحدها جعلت نسبة اليهود المهاجرين أعلى من نسب الجماعات الأخرى (ربما باستثناء الأيرلنديين) . ونوجز هذه العناصر فيما يلي:
1 ـ طرد اليهود السفارد من إسبانيا، ثم استيطانهم في أنحاء العالم الغربي والدولة العثمانية.
2 ـ هجمات شميلنكي في منتصف القرن السابع عشر في بولندا والتي كانت تضم الجزء الأكبر من يهود العالم.
3 ـ تقسيم بولندا في نهاية القرن الثامن عشر بما نتج عنه من توزيع اليهود فيها على روسيا وألمانيا والنمسا، وما نجم عن ذلك من قلقلة وعدم استقرار.

4 ـ تعثُّر التحديث في شرق أوربا، ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر، وكان يضم آنذاك يهود اليديشية وهم أغلبية يهود العالم الساحقة، بل ووصول عملية التحديث إلى طريق مسدود في نهاية الأمر. وترك ذلك أثراً عميقاً في أعضاء الجماعات اليهودية إذ خلق لديهم إحساساً عميقاً بالإحباط، وخصوصاً أعضاء الطبقة الوسطى.
5 ـ لكن من أهم الأسباب التي تهم اليهود، أكثر من أية جماعة أوربية أخرى، أن المجتمع الأمريكي مجتمع علماني تماماً. ومع أن الديباجات والرموز الدينية المسيحية كانت منتشرة في المراحل الأولى، إلا أن كل هذه الأشياء ضمرت سريعاً وهيمنت الرؤية البرجماتية المادية النفعية حيث أصبح الحكم على كل شيء في الواقع، وضمن ذلك الإنسان، يَصدُر عن منظور مدى نفعه (المادي) . وينطلق دستور الولايات المتحدة من أطروحات الاستنارة والإيمان بالمساواة بين البشر ومن أن هدف الحياة هو البحث عن السعادة أو المتعة. وفي عام 1840، اعترض المواطنون على حاكم جنوب كارولينا لأنه أشار إلى الثالوث المسيحي في دعاء عيد الشكر. وكان هذا الحادث من أهم الوقائع التي تدل على تراجع المسيحية حتى على مستوى الرموز العامة، وهو أمر يشكل جاذبية خاصة للمهاجر اليهودي.
6 ـ يجب أن نتذكر أن المجتمع الأمريكي مجتمع استيطاني، وأن أسطورة الاستيطان الغربية أسطورة عبرانية. فالولايات المتحدة كان يُنظر إليها باعتبارها صهيون الجديدة (والمستوطنون البيوريتان هم العبرانيون) ،أما السكان المحليون أو الأصليون فهم الكنعانيون والعماليق من أجداد العرب. بل قُدِّم اقتراح بأن تكون العبرية لغة البلد الجديد بدلاً من الألمانية أو الإنجليزية. وهذا جزء من ميراث الإصلاح الديني في الغرب حيث زاد الاهتمام بالعهد القديم وحوادثه التاريخية. ومن المؤكد أن هذا خلق تعاطفاً كامناً مع المهاجرين اليهود وجعل الولايات المتحدة ذات جاذبية خاصة لهم إذ أن النسق الرمزي لا يستبعدهم.

7 ـ المجتمع الأمريكي مجتمع استيطاني بناؤه الطبقي في حالة سيولة وانفتاح شديدين ولا يضع أية عقبات أمام المهاجر اليهودي.
8 ـ ساهم أعضاء الجماعة اليهودية، مع غيرهم من الجماعات المهاجرة، في صياغة رؤية أمريكا لنفسها كمجتمع تعددي، وفي تشكيل الواقع الأمريكي كواقع لا تتحكم فيه مؤسسات وسيطة (قبائل أو كنيسة مركزية) .
لكل هذا أصبحت الولايات المتحدة «الجولدن مدينا» بحق أي «البلد الذهبي» وملجأ الغالبية الساحقة من يهود العالم ووطنهم.
لكل هذه الأسباب، سواء الجاذبة أم الطاردة، لم يكن من الغريب انتقال الكتلة البشرية اليهودية من شرق أوربا إلى الولايات المتحدة أساساً أو إلى غيرها من المجتمعات الاستيطانية الجديدة مثل أستراليا وكندا وجنوب أفريقيا والأرجنتين، إذ أن الهجرة اليهودية هي في نهاية الأمر جزء لا يتجزأ من الهجرة الاستيطانية الغربية.
ويمكن تقسيم تاريخ الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى المراحل التالية:
1 ـ المرحلة الكولونيالية: السفارد وبداية وصول الإشكناز الألمان.
أ) الفترة الهولندية: السفارد (1654 ـ 1764) .
ب) الفترة الإنجليزية: بداية وصول الإشكناز الألمان (1664 ـ 1776) .
2 - المرحلة الألمانية:
أ) الفترة الأولى (1776 ـ 1820) .
ب) الفترة الثانية (1820 ـ 1880) .
3 ـ بداية المرحلة اليديشية أو مرحلة الهجرة اليديشية الكبرى (1880 ـ 1929) .
4 ـ نهاية المرحلة اليديشية (1929ـ 1945) ، وظهور اليهود الأمريكيين.
5 ـ اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود (من بعد الحرب العالمية الثانية حتى عام 1970) .
6 ـ اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود (1971 - حتى الوقت الحاضر) .

وإن تكن هناك وحدة ما في تاريخ الجماعة اليهودية فهي وحدة أمريكية خاصة وليست يهودية عامة، ولا يمكن فهم هذا التاريخ إلا في هذا الإطار إذ أننا لو اكتفينا بالإطار اليهودي فسنلاحظ اختلافات حادة وعميقة. وقد حاول السفارد إيقاف هجرة الإشكناز الألمان الذين حاولوا بدورهم استصدار تشريعات لوقف هجرة يهود اليديشية. وقد نشبت الصراعات الدينية العميقة بين الأرثوذكس من جهة والفرق الدينية الأخرى مثل المحافظين والإصلاحيين والتجديديين من جهة أخرى، وبين الصهاينة الاستيطانيين والصهاينة التوطينيين. ولو نظرنا إلى هذه الخلافات بمعزل عن التاريخ الأمريكي وداخل إطار التاريخ اليهودي لتحوَّلت إلى مجموعة من الأحداث المتناقضة التي لا يحكمها أي منطق داخلي. ولكن، في ضوء مسار التاريخ الأمريكي، يمكن النظر إلى أعضاء الجماعة اليهودية باعتبارهم مجموعات من المهاجرين أتوا من بلاد مختلفة، لهم انتماءات حضارية ودينية غير متجانسة وتمت أمركتهم ثم دمجهم تماماً في المجتمع مع توقُّف الهجرة من الخارج. ويمكن فهم هيمنة الصهيونية عليهم واحتجاجهم عليها، ورفضهم لها أحياناً ومحاولتهم التملص منها أحياناً أخرى في ذلك الإطار نفسه.

وتجب الإشارة إلى أن تجربة المهاجرين اليهود مع الولايات المتحدة كانت تجربة فريدة بالنسبة لهم (ولغيرهم من المهاجرين) إذ فتحت الأبواب أمامهم وأتاحت لكل منهم تحقيق قدر من الحراك الاجتماعي يتناسب مع كفاءته وشراسته. ومع أن المهاجرين باعتبارهم أعضاء في جماعات وظيفية حملوا معهم ميراثهم الاقتصادي الذي حد من الوظائف التي يمكنهم شغلها، كما أن كونهم مهاجرين كان يفرض حدوداً معينة عليهم، فإنهم مع هذا لم يضطروا إلى لعب دور الجماعة الوظيفية الوسيطة وهو الدور الذي اضطروا إلى الاضطلاع به في المجتمعات الغربية قبل الثورة الفرنسية. ولذا، فلا غرو أن الولايات المتحدة تضم أكبر تجمُّع يهودي في العالم بل في التاريخ، فالعبرانيون في فلسطين لم يتجاوز عددهم مليونين. ورغم أن عدد يهود روسيا القيصرية كان يصل أحياناً إلى سبعة ملايين، إلا أنهم كانوا موزعين بين تشكيلات حضارية وسياسية وجغرافية مختلفة داخل الإمبراطورية. أما يهود بولندا، وهم أهم الجماعات اليهودية طراً، فلم يزد عددهم قط عن 3.300.000، كما أنهم لم يتمتعوا بحقوق يهود الولايات المتحدة أو قوتهم. وفيما يلي جدول يبيِّن تعداد يهود الولايات المتحدة في الفترة من 1650 حتى 1989.
السنة / العدد / النسبة المئوية إلى عدد السكان
1650 /244 / ــــ
1790 / 2.500 / ــــ
1818 / 3.000 / ــــ
1826 / 6.000 / ــــ
1830 / 10.000 / ــــ
1840 / 15.000 / ــــ
1850 / 50.000 / 0.5
1877 / 230.000 / 0.2
1887 / 400.000 / 1.3
1897 / 938.000 / 0.7
1907 / 1.777.000 / 3.2
1919 / 3.389.000 / 3.7
1927 / 4.228.000 / 3.1
1937 / 4.771.000 / 2.0
1947 / 5.000.000 / 2.8
1957 / 5.200.000 / 3.7
1967 / 5.800.000 / 3.5
1970 / 6.000.000 / 2.5
1980 / 5.800.000 / 2.9
1989 / 5.920.000

وحسبما جاء في الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي لعام 1992، يبلغ تعداد يهود الولايات المتحدة 5.515.000 فقط، من مجموع السكان البالغ عددهم 247.341.000، أي أنهم حوالي 2.23%.
المرحلة الكولونيالية
‏The Colonial Era
أ) الفترة الهولندية: السفارد (1654 ـ 1664) :
يعود تاريخ استقرار أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى عام 1654 حين استقر في مدينة نيو أمستردام (نيويورك فيما بعد) مجموعة من اليهود السفارد (المارانو) يبلغ عددهم ثلاثة وعشرين يهودياً هاربين من محاكم التفتيش البرتغالية في البرازيل. وكان هؤلاء يعملون بالتجارة، فاستمروا في مهنتهم دون أية عوائق. وقد ساد آنذاك في الأوساط الهولندية فكر تجاري يغلِّب المصلحة المادية على الانتماءات الدينية، الأمر الذي هيأ الجو لأن يحصل اليهود على حقوقهم، كعناصر نافعة، ويمارسوا نشاطهم التجاري دون قيود. ولكن الجماعة اليهودية اختفت بعد قليل نظراً لظهور فرص أعظم في أجزاء أخرى من الأطلنطي، وخصوصاً في جزر الهند الغربية.
ب) الفترة الإنجليزية: بداية وصول الإشكناز الألمان (1664 ـ 1776) :

بعد أن استولى الإنجليز على نيو أمستردام وأصبحت تُسمَّى نيويورك (عام 1664) ، وبعد تصفيتهم للجيب الهولندي في شمال أمريكا، ازداد النشاط التجاري في هذا الجزء من العالم وبدأ اليهود يتجهون نحوه بشكل متزايد. ولم يحل عام 1700 إلا وكان هناك ما بين مائتي وثلاثمائة يهودي، ثم بلغ عددهم 2500 عام 1776. وكان معظم المستوطنين من الأثرياء. وقد ظل العنصر السفاردي (من إسبانيا والبرتغال) هو الغالب حتى عام 1720 حيث بدأ العنصر الإشكنازي (الألماني أساساً) يصبح غالباً. وهذا هو النمط الأساسي للاستيطان اليهودي في الغرب بعد القرن الخامس عشر إذ كان السفارد يشكِّلون دائماً النواة الأولى ثم يتبعهم الإشكناز حتى يصبحوا العنصر الغالب بكثافتهم البشرية. وقد تكونت جماعات يهودية في نيوبورت وفيلادلفيا ونيويورك وتشارلستون (في ساوث كارولينا) وأتلانتا (في جورجيا) .

وكان أعضاء الجماعة اليهودية يعملون أساساً بالتجارة، فكان هناك الأرستقراطية الثرية التي كانت تتاجر في المنتجات الزراعية وتُصدِّرها إلى الخارج. وكان منهم مُلاَّك السفن والمتعهدون العسكريون الذين كانوا يزودون الجيش البريطاني بما يحتاج إليه من مؤن وتموينات. وكان هناك عامة اليهود من تجار متجولين يتاجرون مع الهنود وغيرهم. وكان منهم بعض الحرفيين من إسكافيين ومقطري خمور وصانعي لفائف التبغ والصابون وسروج الخيل والحقائب الجلدية والمشتغلين في سك الفضة وتصنيعها. واشتغل بعض كبار المموِّلين من أعضاء الجماعة اليهودية بأهم تجارة آنذاك وهي تجارة الرقيق، حيث كانت نسبة اليهود المركزين في هذه التجارة عالية. وكان من بين التجار حاخام (رئيس الجماعة اليهودية في مدينته) وهو ما يعني القبول الاجتماعي لهذه التجارة. واليهود في هذا لا يختلفون عن كل الأمريكيين الذين استفادوا من استيراد العبيد وتشغيلهم. أما الأعمال الزراعية وأعمال الري، فقد اقتصرت على عدد قليل جداً من اليهود. وكل هذا يبيِّن أن أعضاء الجماعة حملوا معهم إلى العالم الجديد ميراثهم الاقتصادي (الوظيفي والمهني) الأوربي. ومع هذا، لا يمكن القول بأنهم كانوا جماعة وظيفية وسيطة، وهو أمر غير وارد في المجتمعات الرأسمالية التي يُعَد النشاط التجاري والمالي فيها نشاطاً أساسياً. وقد استمر هذا الوضع حتى الأربعينيات من القرن العشرين، مع توقُّف تدفق الهجرة من أوربا، وأصبح أعضاء الجماعة اليهودية أمريكيين خاضعين لحركيات المجتمع الأمريكي والغربي المتاحة لهم.

وقد تم تأسيس أول جماعة دينية في نيويورك عام 1658 (الأبرشية اليهودية) وتبعتها جماعات دينية أخرى. ويُلاحَظ أن الأشخاص العاديين، الذين لم يتلقوا أيَّ تعليم حاخامي تلمودي كانوا هم المتحكمين في المعبد اليهودي، على عكس الوضع في أوربا حيث نجد أن الحاخام هو الشخصية الأساسية. وقد استأجرت أول أبرشية يهودية حاخاماً عام 1840 وكانت صلاحياته دينية وحسب، إذ لم تكن هناك أية محاكم دينية لها صلاحيات قضائية. وظل هذا أحد ثوابت وضع اليهود في العالم الجديد. وكانت الأطر التنظيمية اليهودية الأخرى مسألة اختيارية طوعية، على خلاف القهال في شرق أوربا حيث كان على اليهود أن ينضموا إليه ويمارسوا حقوقهم وواجباتهم من خلاله. وكانت جهود الجماعة تتجه نحو رعاية فقراء اليهود من بين المهاجرين الجدد والعجزة والعجائز، كما كانت تتجه إلى مساعدة المدارس اليهودية.
وقد حصل اليهود على جميع الحقوق التي حصل عليها غيرهم من المستوطنين، فكانوا يقومون بالخدمة في الميليشيا ويتمتعون بحق الملكية والسفر والسكنى في أي مكان. ففي هذا المجتمع التجاري الجديد، لم تكن للقيم التقليدية الدينية فعالية كبيرة إذ سادت القيم النفعية والعملية.

وفي هذا الإطار، كان يُنظر إلى العنصر اليهودي باعتباره عنصراً نافعاً يساهم في تطوير المستعمرات الجديدة. ولم يكن هناك قطاع اقتصادي يهودي مستقل عن القطاع المسيحي، كما لم تكن هناك حرف أو وظائف يهودية رغم أن الموروث الاقتصادي الأوربي لليهود وخبراتهم السابقة كانت تحدِّد اختياراتهم الاقتصادية في كثير من الأحيان وتحدُّ منها في بعض الأحيان. ولم يكن هناك نظام تعليمي يهودي مستقل، باستثناء بضع مدارس لتعليم اليهود الذين يضطلعون بوظائف المؤسسة الدينية أو لتعليم أطفال اليهود تعاليم دينهم أو تدريبهم على احتفالات بلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه) التي أصبحت من أهم ملامح الحياة اليهودية في الولايات المتحدة. وكانت المدارس العلمانية مفتوحة على مصراعيها أمامهم، فكان أبناء أثرياء اليهود يلتحقون بها. ولكن لم تُبد أغلبية أعضاء الجماعة اليهودية آنذاك اهتماماً كبيراً بالتعليم العالي بسبب توجُّههم الاقتصادي. ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يتميزون بأزياء أو لغة خاصة بهم، بل كانوا يسلكون سلوك بقية أعضاء المجتمع. وأدَّى كل هذا إلى اختفاء كثير من القيم التقليدية اليهودية التي حملها المهاجرون معهم من أوطانهم الأصلية، بل كان أبناؤهم يسخرون منها تماماً. كما أن كثيراً من الشعائر الدينية أخذ يطويها النسيان والإهمال، ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يشعرون بأن وطنهم الجديد هو المنفى (جالوت) الذي تتحدث عنه الكتب الدينية، بل اعتبروه وطنهم النهائي والقومي والوحيد (تماماً كما فعل أعضاء الجماعة في بابل من قبل) .
ويمكن القول بأن الملامح الأساسية للجماعة اليهودية، وكذلك ثوابت تاريخها، تحدَّدت في تلك المرحلة بحيث وسمت تطورها اللاحق بميسمها. ولم تشهد مراحل التطور اللاحقة سوى تعديل بعض السمات وتعميق البعض الآخر.

وقد أدَّى هذا المناخ الجديد إلى اندماج اليهود سريعاً، بل وإلى انصهارهم. وعلى سبيل المثال، تزوج كل وجهاء اليهود في ولاية كونتيكت من غير اليهود، وكان الزواج المُختلَط أمراً مألوفاً في المدن الكبيرة بكل ما ينتج عنه من انصهار كامل.
المرحلة الألمانية الأولى (1776-1820)
(The First German Era (1776-1820
عند إعلان استقلال الولايات المتحدة، لم يكن عدد أعضاء الجماعة اليهودية يزيد على ألفين أو ثلاثة آلاف، ولكن عددهم وصل إلى أربعة آلاف عام 1820. وقد تحدَّدت مواقفهم حسب مواقف الجماعات غير اليهودية التي كانوا يعيشون بين ظهرانيها أو الطبقة التي كانوا ينتمون إليها. ولما كانت أغلبيتهم من التجار الذين لا تربطهم علاقة كبيرة بالوطن الأم (إنجلترا)
، فقد كانوا من مؤيدي إعلان الاستقلال. ومع هذا، كانت هناك أقلية ضمن الحزب الموالي لإنجلترا. وقد أكد إعلان استقلال أمريكا، وكذلك دستورها، المساواة الكاملة بين الأفراد، فأُلغي كل ما تبقَّى من تفرقة، مثل فرض القَسَم المسيحي على أيّ طالب وظيفة. ولم يكن اليهود مجموعة من الناس الذين يتم التسامح معهم أو استبعادهم كما كان الحال في أوربا، وإنما كانوا مواطنين لهم جميع الحقوق وعليهم جميع الواجبات، ولم يكونوا أيضاً جماعة وظيفية وسيطة. وقد نص التعديل الأول للدستور الأمريكي على الفصل الفوري للدين عن الدولة. ولكن يُلاحَظ أن بعض الولايات الأمريكية لم تطبق الدستور، الأمر الذي كان يعني التفاوت في وضع أعضاء الجماعة اليهودية من ولاية إلى أخرى. ولكن الوضع، بشكل عام، كان يتسم بالمساواة وبتطبيق مُثُل الاستنارة والانعتاق.

وأدَّى التوسع في زراعة القطن إلى أن أصبح بعض أعضاء الجماعة اليهودية من أصحاب الأراضي وكبار التجار. كما اتجه بعضهم إلى الاشتغال في مجال النشاطات المالية والعقارية، فأنشأوا شركات تأمين، وعملوا في أسواق الأسهم والسندات وفي قطاع الصناعة، وفتحوا المصارف. كذلك دخل بعض أعضاء الجماعة اليهودية (عام 1820) مهناً جديدة، مثل: القانون والطب والهندسة والتربية والصحافة. وكان اليهود موزعين على معظم مدن الولايات المتحدة.
أما من ناحية تنظيم الجماعة اليهودية، فيُلاحَظ أن الهيمنة كانت ولا تزال للعناصر غير الدينية. ولم يكن المعبد اليهودي والحاخام سوى جزء من كلٍّ يدار حسب القيم العامة للمجتمع الأمريكي وليس حسب القيم الدينية أو التقليدية اليهودية الخاصة. ومن الناحية الثقافية، لم يكن إسهام أعضاء الجماعة اليهودية الثقافي في الحضارة الأمريكية إسهاماً ذا بال. وعلى كلٍّ، فقد كانت التقاليد الثقافية الأمريكية نفسها لا تزال آنذاك تابعة لأوربا، ولم يكن هناك بعد إبداع أمريكي مستقل.
لقد كان أعضاء الجماعة اليهودية بشكل عام مندمجين في مجتمعهم الأمريكي، ولم تكن لهم ثقافة مستقلة. وكان انتماؤهم إلى ثقافتهم اليهودية (الدينية أو الإثنية) مسألة شكلية وحسب. وفي هذه الفترة، أصبح العنصر الإشكنازي الألماني العنصر الغالب تماماً.
المرحلة الألمانية الثانية (1820-1880)
(The Second German Era (1820-1880

لا شك في أن التطور الأساسي الذي طرأ على أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة هو ازدياد عددهم وتحوُّل الجماعة من أقلية صغيرة إلى واحدة من أكبر الجماعات اليهودية خارج شرق أوربا. وعند بداية هذه المرحلة، كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية نحو أربعة آلاف، زاد إلى ستة آلاف عام 1826 ثم إلى 15 ألفاً عام 1840. وقُدِّر عدد اليهود بمائة وخمسين ألفاً عام 1860، ويُقال إنه وصل إلى مائتين وثمانين ألفاً مع نهاية هذه الفترة (عام 1880)
. وكان المهاجرون، أساساً، من أصل ألماني، وخصوصاً من منطقة بافاريا وبوزنان بعد ضمها من بولندا، أو كانوا من اليهود الألمان أو من بوهيميا والمجر جاءوا مع موجة الهجرة الألمانية إذ هاجر خمسة ملايين ألماني من بينهم مائتا ألف يهودي (1825 ـ 1890) . وكانت أغلبية المهاجرين من الفلاحين الألمان الذين اضطروا إلى الهجرة، فهاجر معهم صغار التجار اليهود الذين كانوا مرتبطين اقتصادياً بهم واستوطنوا على مقربة منهم في الولايات المتحدة. وقد وصلت الهجرة إلى ذروتها بعد إخفاق ثورات 1848 ـ 1849 في أوربا وبعد الكساد الاقتصادي. وقد كان يهود ألمانيا ألمانيين، تماماً مثلما كان السفارد إسبانيين وبرتغاليين.
وقد استقر أكبر عدد من أعضاء الجماعة اليهودية في نيويورك، فبلغوا أربعين ألفاً عام 1860، وتجئ بعدها مدن أخرى مثل فيلادلفيا وبالتيمور. كما تمركزوا في المراكز التجارية بالداخل، على الأنهار وعلى ضفاف البحيرات الكبيرة، واتجهوا نحو الغرب في سيراكيوز وبفالو وكليفلاند وشيكاغو وديترويت، وفي سينسناتي ومنيابوليس وسانت لويس ونيو أورليانز. وتدافعت أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية إلى كاليفورنيا في الأعوام 1849 ـ 1852 مع حُمَّى الاندفاع نحو الذهب، إذ بلغ عدد أعضاء الجماعة اليهودية الذين استوطنوا سان فرانسيسكو وحدها عشرة آلاف.

وقد عمل أعضاء الجماعة اليهودية موردين لحاجات الباحثين عن الذهب في كاليفورنيا، ولم يعمل منهم في الزراعة سوى قلة نادرة. وكانت نسبة العاملين في مهن مثل الطب والقانون صغيرة، إذ كانت الأغلبية العظمى تعمل بالتجارة. ورغم أن كثيراً من المهاجرين عملوا حرفيين في أوربا، فإنهم فضلوا أن يعملوا تجاراً متجولين بسبب ارتفاع الأرباح التي كان بوسعهم تحقيقها. ومع هذا، قد يكون من الأدق أن نذكر أنهم كانوا حرفيين يعملون تجاراً متجولين أيضاً إذ أن بعض السلع التي كان يسوِّقها هؤلاء، مثل الملابس والأحذية، كانت من صنعهم. وقد بدأ التجار من أعضاء الجماعة اليهودية في عملية التسويق سيراً على الأقدام، فتحولوا إلى تجار يتجولون بعرباتهم التي تجرها الخيول، ثم إلى تجار يفتحون دكاكين صغيرة على مفارق الطرق، ثم إلى تجار كبار. واستمر هذا الاتجاه حتى العصر الحديث حيث نجد أن تجارة التجزئة والمتاجر الكبرى ذات الأقسام المتعددة (بالإنجليزية: دبارتمنت ستورز department stores) يمتلكها بعض أعضاء الجماعة اليهودية. كما قاموا بالبيع من خلال الكتالوج، وهو البديل الحديث للبائع المتجول. بل إن الصناعات التي تركز فيها أعضاء الجماعة اليهودية هي الصناعات الخفيفة التي يلتقي فيها التاجر بالصانع. ومن أهم الباعة الجائلين الذين تحولوا إلى تجار كبار أبراهام شتراوس وجمبل، وهما من أصحاب المحال التجارية الشهيرة. وقد حقق أعضاء الجماعة اليهودية معدلاً عالياً من الاندماج في معظم مناطق الولايات المتحدة، ولكن يُلاحَظ أن اندماجهم في مجتمع الجنوب كان أعلى بكثير منه في الشمال. ويعود هذا إلى أن معيار التضامن في الجنوب كان اللون وحسب. ومن هذا المنظور، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون جزءاً لا يتجزأ من الجماعة البيضاء المهيمنة. وذلك على عكس الشمال حيث كان الدين واللون هما الأساس، ومن ثم كانت النخبة من المسيحيين البروتستانت البيض من أصل أنجلو

ساكسوني (الذين يقال لهم الواسب) .
وقد تبنَّى أعضاء الجماعة اليهودية أزياء أعضاء النخبة الجنوبية البيضاء ولغتهم وعاداتهم ومهنهم، وامتلكوا العبيد وتاجروا فيهم، وكان هناك عدد من كبار تجار العبيد من اليهود. ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن اليهود لم يلعبوا دوراً أساسياً في تأسيس مؤسسة الرقيق ولا يختلف وضعهم هذا عن وضعهم في الولايات المتحدة حتى الوقت الحاضر، فهم قد يوجدون في أهم المؤسسات وأكثرها حيوية، مثل المصارف، مع بقاء دورهم تابعاً مهما زاد عددهم ونفوذهم.
وقد شهدت هذه الفترة اندلاع الحرب الأهلية (1861 ـ 1865) . ومن المعروف أن أعضاء الجماعة اليهودية ظلوا بمنأى عن الحوار الذي دار حول مؤسسة الرقيق باستثناء حالات فردية، الأمر الذي أثار حنق الأوساط الليبرالية ضدهم. ويُلاحَظ أن الحاخام إسحق وايز، أهم شخصية يهودية آنذاك، قد لزم الصمت تماماً بشأن هذه القضية. ولعله كان، في موقفه هذا، لا يختلف كثيراً عن موقف بقية المواطنين في مدينة سينسناتي، وهي مدينة تقع على الحدود بين الفريقين المتصارعين في الشمال والجنوب. ولابد أن نذكر هنا أن أعضاء الجماعة اليهودية ككل لم يكن لهم موقف «يهودي» مستقل، وإنما تحددت ولاءاتهم بحسب موقعهم الجغرافي، فكان يوجد سبعة آلاف جندي يهودي في جيوش الشمال وثلاثة آلاف في جيوش الجنوب، الأمر الذي يعكس اندماجهم في المجتمع وتقبُّلهم المواقف السياسية السائدة فيه.

وبعد الحرب الأهلية وإلغاء الرقيق، فُتح الجنوب الأمريكي للاستثمارات التجارية والصناعية. واستفاد كثير من التجار من أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني من النشاط الاقتصادي والتوسع الصناعي، وحققوا ثروات كبيرة في مجال التجارة والمصارف وصنع الملابس، فلقد قامت أعداد كبيرة من المتعهدين العسكريين اليهود بتزويد الجيوش المتحاربة بالأزياء العسكرية التي تطلبها، وحققوا أرباحاً طائلة. كما استفادوا من وصول يهود اليديشية، فاستغلوا هذه العمالة اليهودية الرخيصة في مؤسساتهم التجارية والصناعية، وهو ما دعم مكانتهم وأكد قيادتهم للجماعة اليهودية. وبلغ المهاجرون اليهود الألمان ذروة مكانتهم في هذه المرحلة.

وقد حاول أعضاء الجماعة اليهودية أن يضعوا إطاراً تنظيمياً لوجودهم في الولايات المتحدة، فشُكِّلت هيئة المفوَّضين الإسرائيليين الأمريكيين (ويُلاحَظ عدم استخدام مصطلح «يهودي» لأنه كان يحمل إيحاءات سلبية في تصورهم) ، وكذلك أُسِّست جماعة أبناء العهد (بناي بريت) عام 1843 وجمعية الشباب العبريين عام 1874، وكلها مؤسسات تقع خارج نطاق أي تحكم حاخامي أو أي إطار ديني، بل إن المؤسسات الدينية نفسها كانت تعتمد عليها لبقائها واستمرارها. وقد عبَّرت الهوية اليهودية الدينية عن نفسها، وخصوصاً بين الألمان، من خلال اليهودية الإصلاحية، وهي صيغة دينية تسمح لليهودي بالتكيف مع وطنه الجديد في الولايات المتحدة. وقد أعلنت اليهودية الإصلاحية عن مبادئها الدينية في مؤتمر بتسبرج الإصلاحي عام 1885، وتم تأسيس اتحاد الأبراشيات العبرية الأمريكية عام 1873، وكلية الاتحاد العبري عام 1875، وهي أهم المؤسسات اليهودية الإصلاحية التربوية. ومع هذا، لم تكن هناك سلطة دينية مركزية، نظراً للتنوع الإثني لليهود، وبسبب الطبيعة الفيدرالية للمجتمع الأمريكي. والواقع أن المهاجر اليهودي الألماني لم يكن يجد أن ثمة علاقة كبيرة مع المهاجر اليهودي البولندي مثلاً، فقد كانت كل جماعة تحتفظ بشعائرها الدينية وتؤسس معابد يهودية مختلفة باختلاف الأصول الإثنية اليهودية. وكان معظم يهود شرق أوربا يتبعون اليهودية الأرثوذكسية. وشهدت هذه الفترة حركة بناء للمعابد اليهودية الضخمة التي تشبه الكاتدرائيات.

ورغم أن الحضارة الأمريكية قد دخلت، في هذه المرحلة، مرحلة إبداعية في الآداب والفنون، فإن إسهام أعضاء الجماعة اليهودية فيها كان ضعيفاً، وذلك لكونهم جماعة مهاجرة لم يمتلك أعضاؤها ناصية اللغة الإنجليزية أو مُصطلَحات الحضارة الجديدة. ولذا، لم يكن هناك كُتَّاب يهود في عصر ويتمان وملفيل ومارك توين سوى إيما لازاروس (1849 ـ 1887) وهي شاعرة ليست لها أهمية كبيرة. ويُلاحَظ تَزايُد اندماج أعضاء الجماعة اليهودية في جميع قطاعات المجتمع الأمريكي الذي كان يعبِّر عن هويته العرْقية عن طريق التعصب ضد السود والصينيين وعن هويته الدينية البروتستانتية عن طريق التعصب ضد الكاثوليك والمهاجرين الأيرلنديين وليس عن طريق معاداة اليهود على الطريقة الأوربية. وقد شهدت هذه الفترة ظهور واحد من أهم مظاهر معاداة اليهود في الولايات المتحدة وهو رفض عضويتهم في النوادي الأرستقراطية والنوادي الاجتماعية. وهو شيء سطحي تافه يدل على سطحية ظاهرة العداء لليهود في الولايات المتحدة وعدم تجذُّرها في المجتمع الأمريكي (ولذا فهو شكل من أشكال التحامل على اليهود، لا العداء ضدهم) . فبينما كانت بعض النوادي الاجتماعية تمارس التفرقة ضد أعضاء الجماعة اليهودية، كانت المدن الأمريكية لا تمانع في هذه الفترة نفسها أن تنتخب عُمداً ينتمون إلى هذه الجماعة. كما كانت كثير من هذه المدن لا تزال تمارس التفرقة ضد السود بكل ضراوة، وتنكر عليهم أبسط الحقوق، مثل الالتحاق بالجامعات أو الجلوس على المقاعد الأمامية في الحافلات.

الجماعات اليهودية تواريخ - تواريخ الجماعات اليهودية في بلدان العالم الغربي خصوصا فى العصر الحديث - الولايات المتحدة منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى عام 1971

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

بداية المرحلة اليديشية (1880-1922)
‏The Beginning of the Yiddish Era 1880-1922
أ) الفترة الأولى: الهجرة الكبرى (1880 - 1929) :
تغيَّرت السمات الأساسية للجماعة اليهودية في الولايات المتحدة لسببين: أحدهما خاص بحركيات المجتمع الأمريكي، والثاني خاص بالجماعة نفسها. فبعد المرحلة التجارية الأولى من تاريخ الولايات المتحدة، وبعد أن حصلت الولايات المتحدة على استقلالها السياسي، وبعد أن نجحت جيوش الشمال في توحيد السوق القومية في الولايات المتحدة وفتح الجنوب الزراعي للنشاط التجاري والاستثمارات الصناعية، تزايدت حركة التصنيع فأقيمت في هذه الفترة شبكة المواصلات السريعة، من البواخر والقطارات والطرق، التي قربت بين أجزاء القارة الأمريكية كما قربت بينها وبين بقية العالم، الأمر الذي سهَّل عملية الانتقال والهجرة. ويُلاحَظ أن حركة الريادة والاستيطان نحو الغرب كانت قد وصلت إلى نهايتها، وهو ما يعني أن المناطق المتاخمة المفتوحة التي كانت مجالاً مفتوحاً للحراك الاجتماعي أصبحت مغلقة. وقد أدَّى اتساع السوق إلى أن الحرفيين لم يعودوا قادرين على إنتاج السلع التي تفي بحاجات المستهلكين المتزايدة، وبالتالي حلت المصانع الكبيرة محل الحرفيين في كثير من الصناعات القديمة. كما ظهرت صناعات جديدة مثل صناعة الصلب والسيارات وهي الصناعات التي غيَّرت وجه الولايات المتحدة. وأدَّى كل هذا إلى ازدياد الحاجة إلى عمال صناعيين، كما فتحت الأبواب للمهاجرين، ومنهم يهود اليديشية الذين جاءوا بالألوف من روسيا وبولندا وغيرهما من بلاد شرق أوربا، فانخرط المهاجرون اليهود في صفوف الطبقة العاملة.....

ثم شهدت هذه الفترة (بعد عام 1918) تحوُّل الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى أهم تجمُّع يهودي في العالم على الإطلاق وثاني أكبر تجمُّع، بعد التجمُّع اليهودي في شرق أوربا. وقد زاد عدد اليهود من 280 ألفاً من مجموع سكان تعداده 50.155.000 عام 1880 إلى 4.500.000 من مجموع سكان تعداده 115.000.000عام 1925. وبلغ عدد المهاجرين 2.378.000 بين عامي 1880 و1925، وكانت أعوام الذروة هي أعوام 1904 ـ 1908 حينما وصل 642 ألف يهودي معظمهم من شرق أوربا. وقد أثبتت الولايات المتحدة أنها أكثر جاذبية من فلسطين بالنسبة لليهود. ولذا، فهي بحق البلد الذهبي (باليديشية: جولدن مدينا) الذي يهرول إليه المهاجرون بدلاً من إرتس يسرائيل وأرض الميعاد.
وكانت نسبة العائدين إلى أوربا من أعضاء الجماعة هي النسبة الأقل بين مجموعات المهاجرين، باستثناء الأيرلنديين. ففي عام 1880، بلغت النسبة 25%، وانخفضت إلى 8% عام 1908، ثم وصلت إلى الصفر تقريباً عام 1919. وكان عمر المهاجرين بين 15 و40 سنة، أي أن معظمهم كان قادراً على العمل والإنجاب، كما أن نسبة الرجال إلى النساء كانت متعادلة وهو ما يدل على أن المهاجرين قد هاجروا بنية الاستقرار وليس لتحقيق ثروة صغيرة يعودون بعدها إلى أوطانهم الأصلية.
وقد استقر المهاجرون في كل المدن، في معظم الولايات والمناطق، فبلغ عدد المهاجرين اليهود في ولاية نيويورك عام 1918 نحو 1.603.923، وفي ولاية ماساشوسيتس 189.671 نسمة، وفي ولاية نيوجرسي 149.476نسمة، وفي ولاية بنسلفانيا 322.406 نسمة، وفي ولاية أوهايو 166.361نسمة، وفي ولاية كاليفورنيا 63.562 نسمة.

وشهدت هذه الفترة تحوُّل بعض أعضاء الأرستقراطية الألمانية اليهودية من التجارة إلى المهن، فاشتغلوا بالقضاء والسياسة والأعمال المصرفية والمالية (مثل عائلتي كون ووربرج) والنشر والطب والوظائف المتصلة بالبحوث العلمية والأدب والمهن الأكاديمية. وكان هذا التحول يعني تحرر أعضاء الجماعة اليهودية تدريجياً من ميراثهم الاقتصادي الأوربي وتَزايُد اندماجهم في المجتمع الأمريكي. وظهر بينهم رعاة للفنون مثل أسرة جوجينهايم. ويُلاحَظ أنه لم يكن يوجد سوى عدد قليل من اليهود في الشركات الكبرى التي سيطرت على الصناعات الثقيلة إذ تركَّز اليهود في صناعات استهلاكية هامشية مثل صناعة السينما التي سيطر عليها وليام فوكس ولويس ماير والإخوة وارنر.

وفيما يتصل بالمهاجرين من شرق أوربا، وهم الذين نطلق عليهم «يهود اليديشية» ، فقد انضموا إلى صفوف الطبقة العاملة، وخصوصاً في مصانع الملابس الصغيرة التي كانت تُسمَّى «ورش العرق» ، والتي كانت تُقام في مكان ضيق قذر توضع فيه بعض ماكينات الخياطة البدائية ويقطن فيه صاحب المصنع وزوجته. وكان أصحاب هذه الورش من يهود شرق أوربا، نظراً لأنها لا تحتاج إلى رأسمال كبير ولا إلى خبرة غير عادية. كما كان بوسع أصحاب العمل استغلال العمالة اليهودية المهاجرة الرخيصة فيها، وخصوصاً أن يهود شرق أوربا كانوا مركزين أساساً في حرفة الخياطة في بلادهم الأصلية. وقد كان عدد العمال في كل ورشة لا يزيد في بعض الأحيان على خمسة يعملون مدة ست عشرة ساعة يومياً. وكان المموِّلون من أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني يمتلكون أيضاً ورش العرق، وخصوصاً بعد أن حققوا ثروات ضخمة من الحرب الأهلية. وقد ظلوا أغلبية الملاك حتى عام 1914 حين زاد عدد صغار المموِّلين من شرق أوربا على عددهم من الألمان. وبلغ عدد العاملين في هذه الصناعة عام 1913 ثلاثمائة ألف يهودي. وقد نظمت هذه الطبقة العمالية نفسها على هيئة نقابات عمال في الفترة 1909 ـ 1916، وهي الفترة التي شهدت تحوُّل الورش إلى مصانع كبيرة وظهور الوعي العمالي والحركة النقابية في الولايات المتحدة. وقد عمل كثير من يهود شرق أوربا في صناعة الإبر ولف التبغ وصناعة البناء (نجارين ونقاشين) ، وعملوا تجاراً صغاراً وبقَّالين. وكل هذا يدل على أن ميراثهم الاقتصادي الأوربي كان لا يزال يحدد اختياراتهم وأن عملية الأمركة كانت لا تزال في بداية الطريق بالنسبة إليهم. ولكن يجب أن نشير إلى أنه لم تكن تُوجَد أية قوانين في الولايات المتحدة ترغم أعضاء الجماعة اليهودية على الاضطلاع بوظائف معينة، فقد كان اليهود يتركزون في صناعات دون غيرها، وفي مهن أو حرف دون أخرى، لا بسبب أي قسر خارجي وإنما بسبب طبيعة الخبرات

التي حملوها من بلادهم ومقدار رأس المال الذي جلبوه معهم، ونوعية الكفاءات والخبرات التي يحتاج إليها المجتمع الجديد. كما يُلاحَظ أن ميراثهم الاقتصادي كان يثقل كاهل المهاجرين الجدد من شرق أوربا وحسب. أما أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني، فقد اغتنموا كل الفرص التي أتاحها لهم المجتمع الأمريكي ووصلوا إلى أعلى شرائحه واشتغلوا بجميع المهن. وقد لحق بهم أبناء يهود شرق أوربا بعد جيلين حين انتهت فعالية الميراث الاقتصادي مع انتهاء موجات الهجرة.
أما من الناحية الثقافية، فيُلاحَظ أن اليديشية كانت لغة الشارع الروسي البولندي ثم صارت لغة المهاجرين في الشارع الأمريكي، ومن هنا كان استمرارها. ولذا، ظهرت ثقافة يديشية علمانية شجعتها الحركة العمالية، وظهر أدب يديشي وجرائد يديشية توزِّع نحو 500 ـ 600 ألف نسخة في اليوم، وكذلك العديد من المجلات، كما ظهرت سينما يديشية. ووصلت الثقافة اليديشية الذروة في أوائل القرن واستمرت حتى بداية العشرينيات، تماماً كما كان الأمر في الاتحاد السوفيتي. فكان يوجد مسرح يديشي في نيويورك وسبعة عشر خارجها قدمت خمساً وثمانين مسرحية خلال شهر واحد (عام 1927) . ووصل نظام التعليم اليديشي إلى ذروته أيضاً إذ كان عدد الطلبة المسجلين فيه اثنى عشر ألفاً. ولكن إسحق بشيفس سنجر، أكبر كُتَّاب اليديشية، لاحظ أن لغة يهود شرق أوربا أصبحت في الولايات المتحدة دون جذور، ولذا فقد كُتب عليها أن تموت.

وكان تَوجُّه الجيب اليديشي معادياً للصهيونية، كما أن ولاءه كان للثقافة اليديشية وليس للدين اليهودي أو اللغة العبرية. وكان هذا الجيب يضم ملحدين وثوريين ومفكرين وفوضويين، كما كان يضم بعض المتدينين. ويُلاحَظ أن العلاقات بين القيادة الألمانية الأرستقراطية والجماهير اليديشية لم تكن حميمة، كما أن العمال اليهود ذوي الأصل الأمريكي، المتركزين في صناعات معيَّنة مثل صناعة السيجار، وكذلك الخياطين المهرة، كانوا يبدون عداءً واضحاً للمهاجرين، نظراً لما كانوا يعتبرونه انعزالية وتخلُّفاً وثورية. وقد نحت اليهود الألمان كلمة «كايك» العنصرية وكذا كلمة «شيني» ، للإشارة إلى يهود شرق أوربا، كما كانوا يتهمونهم بأنهم «آسيويون» (وهو الاتهام الآري التقليدي الذي كان يوجَّه لليهود) وأنهم يضمون في صفوفهم عدداً كبيراً من الثوريين والفوضويين، وأن لغتهم لغة الخنازير (وهو ما يدل على أن أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني كانوا ألماناً حتى النخاع) .
وتَجمَّع أعضاء الجماعة من المهاجرين على هيئة جماعات صغيرة تعيش في حي واحد داخل المدن، شأنها في هذا شأن مختلف جماعات المهاجرين، وكان الحي الشرقي الأسفل «لوار إيست سايد Lower East Side» في نيويورك أكبر هذه الأحياء وكان يضم ثلاثمائة وخمسين ألف يهودي عام 1915 في مساحة لا تتجاوز ميلين مربعين، فانتشرت بينهم الجريمة وبخاصة بغاء الفتيات. كما ظهرت مافيا يهودية ازدهرت في الثلاثينيات، لم يُقض عليها إلا في أواخر الأربعينيات، وتخصَّصت في عمليات الاغتيال لحساب العصابات الأخرى. وعندما كانت أحوال اليهودي المالية تتحسن، فإنه عادةً ما كان يترك مثل هذه الأحياء وينتقل إلى أحياء أكثر جاذبية.

ومن أهم الأطر التنظيمية ما يُعرَف باسم «روابط المهاجرين» (اللاندز مانشافتين) التي كانت تضم اليهود الذين جاءوا من بلد أو موطن واحد، حيث لعبت دور المؤسسة الاجتماعية الوسيطة التي وفرت للمهاجرين شيئاً من الطمأنينة والدفء في المجتمع الرأسمالي الجديد، والتي قدمت لهم خدمات أخرى مثل إجراءات الدفن والمساهمة في نفقات الجنازات وغيرها من الطوارئ. وكانت هذه الجماعات مرتبطة عادة بدوائر العمال (أربيتر رنج) التي ترعى مصالحهم الاجتماعية. وكان 74% من المهاجرين اليهود يعرفون القراءة والكتابة، مقابل 64% من البولنديين و46% من الإيطاليين، الأمر الذي جعلهم واعين بأهمية التعليم باعتباره واحداً من أهم وسائل الحراك الاجتماعي في العصر الحديث، فأرسلوا أولادهم إلى المدارس، وهو ما سارع بعملية اندماجهم في المجتمع.
ولكن تكوين المهاجرين الثقافي كان، مع هذا، ضحلاً. فمعظمهم كانوا من أبناء الطبقة الوسطى الصغيرة، أو العمال الذين لم يتلقوا أي تعليم ديني أو علماني. وقد كانوا يعرفون قدراً ما من شعائر الدين اليهودي وبعض التحريمات. ولكنهم لم يكن لديهم لا الوقت ولا الرغبة في ارتياد المدارس الدينية أو ممارسة الشعائر الدينية المختلفة، فتخلوا عن إقامة شعائر دينهم. ومع هذا، كان الاحتفال ببلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه) يُعَد أمراً مهماً جداً بالنسبة لهم، وهو ما كان يدل على أن اليهودية بدأت تتحول، بالنسبة لعدد كبير منهم، من انتماء ديني إلى انتماء إثني. وكانت أعداد كبيرة من اليهود تعيش منعزلة في مناطق تخومية تجعل الحياة الأرثوذكسية أمراً صعباً للغاية لأن الحصول على الطعام الشرعي كان شبه مستحيل. وكثيراً ما كان اليهودي يحصل على طعامه من الحيوانات التي يصيدها غير اليهود ودون أن يذبحوها على الطريقة الشرعية.

وأخذت اليهودية الإصلاحية في الانتشار بين أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني، فأُسِّس المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين عام 1889. أما المهاجرون من شرق أوربا، فقد أحضروا اليهودية الأرثوذكسية معهم رغم عدم اهتمامهم بالدين. وكانت الأرثوذكسية منتشرة بين الحرفيين اليهود، وخصوصاً الخياطين. وتأسست مؤسسات اليهودية الأرثوذكسية في هذه الفترة، من بينها اتحاد الأبرشيات الأرثوذكسية عام 1898، واتحاد الحاخامات الأرثوذكس اليهودية في الولايات المتحدة وكندا عام 1902، ومجلس أمريكا الحاخامي عام 1913. وبدأ يظهر قطاع جديد من المهاجرين الذين تمت علمنتهم، وبالتالي صَعُب عليهم الاستمرار في الشعائر الأرثوذكسية. ولكن الصبغة الإصلاحية كانت صبغة متطرفة من وجهة نظرهم. ولسد حاجة هؤلاء، ظهرت اليهودية المحافظة كمحطة في منتصف الطريق احتفظت بالمطلقية الدينية وخلعتها على الإثنية اليهودية، كما احتفظت بكثير من الرموز الإثنية.
وقد تم تأسيس أهم المؤسسات اليهودية المحافظة التعليمية في هذه الفترة أيضاً، من بينها الكلية اللاهوتية اليهودية عام 1886، وجمعية الحاخامات الأمريكيين عام 1900، ومعبد أمريكا الموحَّد عام 1913 (وهو يضم الأبرشيات المحافظة) . وتبدَّى الصراع الإثني بين الألمان ويهود شرق أوربا في شكل صراع ديني بين الأرثوذكسية من جهة واليهودية الإصلاحية ثم المحافظة من جهة أخرى.
وفي السنين الأخيرة من هذه الفترة، بدأت تظهر علامات الكساد الاقتصادي، فألقت جماهير العاطلين باللوم على القوى الخارجية، وسادت النظريات والمواقف العرْقية تجاه السود، والمهاجرين الآسيويين واليهود بدرجة أقل.

ولكن، يُلاحَظ أن نمط حياة المهاجرين كان يخضع لتطورات عميقة إذ أن أسلوب حياة أبنائهم كان يختلف بشكل جوهري عن حياتهم هم أنفسهم، لأنهم حققوا معدلات عالية من الاندماج الاقتصادي والثقافي بسبب تزايد فرص التعليم أمامهم في المدارس الأمريكية العامة. ولكل هذا، انخفضت عضوية اتحادات النقابات اليهودية إلى النصف في العشرينيات، كما اضمحلت الصحافة اليديشية والمسرح والأدب اليديشيان لأن الأبناء كانوا يتحدثون الإنجليزية ولا يعرفون اليديشية أو يعرفونها ولا يتحدثون بها، كما أنهم كانوا لا يكترثون البتة بروابط المهاجرين، ولم يُكتب لعالم المهاجرين البقاء حتى منتصف العشرينيات إلا بسبب وصول أفواج المهاجرين الجدد. ولذا، فمع فرض نظام النصاب على الهجرة (قانون جونسون) عام 1925، بدأ هذا العالم في الاختفاء بحيث تحوَّل إلى مجرد أثر وذكرى عام 1940. وقد ساهم القانون آنف الذكر في التعجيل بتحويل أعضاء الجماعة اليهودية من جماعة أغلب أعضائها من المهاجرين إلى جماعة معظم أعضائها وُلدوا في أمريكا وتشربوا ثقافتها. واقتصر التعليم اليهودي تقريباً على مدارس الأحد، وأخذت مدارس اليديشية في الاختفاء التدريجي. ولذا، يُلاحَظ أنه، مع نهاية الفترة، ظهرت بعض التحولات الراديكالية في البناء الوظيفي وأسلوب الحياة الخاص بأعضاء الجماعة، فبدأت أعداد كبيرة منهم تترك أحياء المهاجرين لتستوطن في أحياء حضرية أكثر ثراء، وبدأوا يتحوَّلون عن وظائف المهاجرين إلى وظائف تجارية وكتابية ومهنية

وبدأ أبناء المهاجرين الذين تخرجوا في المدارس الحكومية والكليات يعملون في مهن القانون والطب البشري وطب الأسنان والتدريس. وكان الاتجاه الأكبر نحو الأعمال الصغيرة المستقلة والوظائف الكتابية الإدارية، وظائف الياقة البيضاء. وتناقص عدد أعضاء الجماعة اليهودية فيما يُسمَّى «الحرف اليهودية» ، وخصوصاً صناعة الملابس. ومع حلول عام 1930، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون خمسي نقابات عمال صناعات الملابس وحسب بعد أن كانوا يشكلون الأغلبية العظمى من أعضائها، أي أن المهاجرين اليهود نفضوا عن كاهلهم ميراثهم الاقتصادي والوظيفي الأوربي بحيث تحوَّلوا من مجرد يهود متأمركين إلى أمريكيين يهود ومن أعضاء في جماعة وظيفية يهودية إلى أعضاء في الطبقة المتوسطة الأمريكية.
وظل إسهام يهود أمريكا الثقافي والفكري ضعيفاً في بداية هذه الفترة. ولكن، مع نهايتها، ومع تزايد معدلات الاندماج والأمركة، بدأ يظهر أدباء أمريكيون أحرزوا شهرة محلية وعالمية، مثل جرترود شتاين، وناشرون مثل نوبف، وكثير من المخرجين السينمائيين.
ولم تكن الجماعة اليهودية متجانسة حضارياً أو دينياً أو سياسياً. لذا، كانت تتنازعها عدة أيديولوجيات وانتماءات. وقد أشرنا من قبل إلى الصراع الديني بين الأرثوذكس وغيرهم، ثم كان هناك الصراع بين أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني ويهود اليديشية، والصراع بين الأقلية الصهيونية والأغلبية المعادية للصهيونية أو غير المكترثة بها، والصراع بين دعاة الاندماج والذوبان ودعاة قومية الدياسبورا (أي الاستقلال الثقافي للجماعات اليهودية) ، والصراع بين الاشتراكيين من بقايا البوند والشيوعيين والفوضويين من جهة ودعاة الفلسفات السياسية الليبرالية المحافظة من جهة أخرى. هذا غير عشرات الصراعات الجانبية الأخرى.

وشهدت هذه الفترة بداية ظهور الهيكل التنظيمي لأعضاء الجماعة اليهودية، وكان أولها لجان مساعدة المهاجرين وغوثهم مثل منظمة هياس (جمعية مساعدة المهاجرين العبريين) عام 1884، وهادساه (المجلس القومي للنساء اليهوديات) عام 1893. وقد تم تأسيس المنظمة الصهيونية في الولايات المتحدة عام 1897، ولكنها كانت منظمة صغيرة لا تمثل سوى أعضائها الذين كان معظمهم من أصول شرق أوربية، بينما ساد التيار الاندماجي بين اليهود الألمان، كما ظهر تيار صهيوني قوي ذو ديباجة مسيحية في صفوف أعضاء الكنائس البروتستانتية المتطرفة.
كما أن التوسع الإمبريالي للولايات المتحدة، وبداية تطلُّعها لدور عالمي، مع الحرب العالمية الأولى، صاحبه ظهور نزعات صهيونية بين أعضاء النخبة، ومن هنا كان تأييد حكومة الولايات المتحدة لوعد بلفور رغم هزال المنظمة الصهيونية. وقد انعكس الصراع بين اليهود من أصل ألماني واليهود من أصل شرق أوربي في داخل الهيكل التنظيمي لأعضاء الجماعة. فأسست القيادة اليهودية الألمانية عام 1906 اللجنة اليهودية الأمريكية التي ضمت بعض أعضاء النخبة الألمانية من رجال البنوك وكبار التجار والمحامين، وأعضاء من القيادة السياسية. وبطبيعة الحال لم تكن عضوية اللجنة مفتوحة، للجميع. ورداً على تأسيس اللجنة، قامت العناصر الشرق أوربية بتأسيس المؤتمر الأمريكي اليهودي عام 1917. وإلى جانب ذلك، تم تأسيس جمعيات أخرى مثل لجنة التوزيع المشتركة عام 1914.
نهاية المرحلة اليديشية وظهور اليهود الأمريكيين (1929-1945)
(The End of the Yiddish Era and the Emergence of American Jews (1929-1945

كانت الولايات المتحدة، حتى ذلك التاريخ، حبيسة وضعها الجغرافي منغلقة على نفسها (وإن كان نفوذها قد امتد إلى أمريكا اللاتينية والفلبين)
، ولذا لم تكن قد أدركت بعد دورها كقائد للعالم الغربي وللتشكيل الإمبريالي الغربي. ولكنها كانت مرحلة حضانة أخيرة للرأسمالية الأمريكية، خرجت بعدها عملاقاً اكتسح الجميع.
بدأت هذه المرحلة بالكساد الأمريكي الذي غيَّر حياة كثير من الأمريكيين، وأثَّر في بنية المجتمع الأمريكي إذ تعطَّل كثير من العمال وأفلس ألوف من صغار رجال الأعمال. وقد تغيَّر الهيكل الوظيفي لأعضاء الجماعة اليهودية بشكل واضح، فلم يَعُد هناك أي يهود تقريباً يعملون في الزراعة أو الحرف اليدوية، ولم تكن تُوجَد سوى أعداد قليلة من اليهود في الصناعات الثقيلة سواء بين أصحاب العمل أو العمال. وتركَّز الأثرياء من أعضاء الجماعة اليهودية أساساً كسماسرة في البورصة والسينما، وفي أشكال الترفيه الأخرى، وفي بيع العقارات وتجارة التجزئة. أما الطبقة الوسطى اليهودية، فازداد تركُّزها في المهن والأعمال التجارية الصغيرة ووظائف الياقات البيضاء. ويذهب بعض الدارسين إلى أن هذا يعني أن الجماعة اليهودية بدأت تلعب مرة أخرى دور الجماعة الوظيفية الوسيطة، وإن كان السياق قد اختلف، وإلى أن اختلاف الشكل مجرد تعبير عن اختلاف السياق.

تزايد عدد الشباب من أعضاء الجماعة اليهودية الذي يذهب إلى الجامعات الحكومية أو الخاصة. ففي نيويورك، كان 49% من مجموع طلبة الجامعات يهوداً، وبلغ عدد الطلبة اليهود في مختلف الجامعات الأمريكية مائة وخمسة آلاف، أي 9% من عدد الطلبة. ويُعَدُّ توجُّه الطلبة عند تخرُّجهم نحو الأعمال التجارية والمهن مؤشراً جيداً على التحولات التي بدأت تحدث في هذه المرحلة والتي بدأت تصوغ الهيكل الوظيفي لليهود بما يتفق مع وضعهم في المجتمع الأمريكي. وتراجعت اللغة اليديشية حتى اختفت تقريباً فاختفت الصحافة اليديشية اليومية وبقيت ثلاث مجلات أسبوعية لا يزيد توزيعها على اثنين وعشرين ألف نسخة معظم قرائها من كبار السن. وبدلاً من كونها لغة الشارع اليهودي الأمريكي، أصبحت لغة الشارع في وليامزبرج وهو الحي اليهودي الأرثوذكسي، حيث كانت لغة ثانية إلى جانب الإنجليزية. واختفى الأدب اليديشي، بل إن بعض أدباء اليديشية بدأ يكتب بالإنجليزية ويترجم أعماله إليها.
وفي العشرينيات، كانت أبواب الهجرة موصدة دون اليهود وغيرهم من المهاجرين ثم أُقفل بابها تماماً عام 1924. ولذلك، لم يزد عدد المهاجرين، من عام 1933 حتى عام 1937، على ثلاثة وثلاثين ألفاً. ومع تدهور الموقف في ألمانيا، ارتفع العدد إلى 124 ألفاً في الفترة بين 1938 و1941. وكان مجموع المهاجرين في الفترة من 1933 إلى 1945، أي مدة اثنى عشر عاماً، نحو 174.678 فقط معظمهم من ألمانيا والأراضي التي احتلتها. كان خُمس هؤلاء من المهاجرين المهنيين ونصفهم من الرأسماليين، وكان عدد كبير منهم من الشخصيات البارزة ثقافياً، مثل أينشتاين وحنا أرندت وأوبنهايمر، وقد لعبوا دوراً ملحوظاً في الحركات السياسية اليسارية والثورية وكذلك في البحوث العلمية.

وبدأ أعضاء الجماعة اليهودية في هذه المرحلة يفقدون كثيراً من تنوعهم، ويكتسبون شيئاً من التجانس، إذ أصبح أعضاء الجماعة اليهودية مواطنين أمريكيين اكتسبوا هوية أمريكية واضحة يتحدث معظمهم الإنجليزية ويذهب أولادهم إلى معاهد تعليم أمريكية يستوعبون فيها القيم الأمريكية. بل يبدو أن الجماعة اليهودية المهاجرة كانت أسرع الجماعات المهاجرة تخلياً عن تراثها الثقافي ومنه اللغة، وفي التأمرك، وفي تبنِّي لغة المجتمع الجديد. وكان المدرسون من أعضاء الجماعة اليهودية من أنشط دعاة تعليم الإنجليزية للمهاجرين. وبدأت تنظيمات المهاجرين تتحول إلى بقايا أثرية. ولهذا، نجد أن أعضاء الجماعة اليهودية بدأوا يلعبون دوراً في الحياة السياسية. وقد وجدوا أن الحزب الديموقراطي هو الإطار الأمثل للتعبير عن مصالحهم، شأنهم في هذا شأن معظم المهاجرين والأقليات، فانضموا إليه بأعداد كبيرة. وهذه سمة جديدة ظلت لصيقة بالسلوك السياسي لأعضاء الجماعة اليهودية حتى الوقت الحالي. فقد أعطى ما بين 85 و90% من اليهود أصواتهم لروزفلت في الفترة 1933 ـ 1945. وبدأ أعضاء الجماعة يحققون بروزاً في الحياة الأمريكية، فكان منهم أحد الوزراء وثلاثة قضاة في المحكمة العليا، وأربعة حكام ولايات ومئات من كبار الموظفين الموجودين على مقربة من صانع القرار.
ويُلاحَظ أيضاً أن عدداً كبيراً من أعضاء الجماعة اليهودية كان يوجد في صفوف الأحزاب الثورية. وكما قيل، فإن 50% من أعضاء الحزب الشيوعي كانوا من اليهود، كما أن كثيراً من أعضاء المؤسسة الثقافية اليسارية كانوا، في فترة الثلاثينيات، من اليهود. وهذه سمة استمرت أيضاً لصيقة باليهود حتى الستينيات، وأخذت بعدها في الاختفاء.

ومع تزايد معدلات الاندماج، زاد ابتعاد أعضاء الجماعة عن العقيدة اليهودية ومؤسساتها، فتناقص عدد اليهود الذين يذهبون إلى المعبد. وتزايد نفوذ اليهودية الإصلاحية والمحافظة، وتراجع نفوذ الأرثوذكس مع ضعف مؤسسات المهاجرين وانخراطهم في صفوف المجتمع الأمريكي. وشهدت هذه المرحلة ظهوراً متزايداً للمنظمات التي تقوم بجمع التبرعات من اليهود بشكل منتظم لصالح الجماعة اليهودية ثم لصالح إسرائيل. ومن أهم هذه التنظيمات جماعة النداء اليهودي الموحَّد عام 1939، وتأسَّس مجلس يهودي عام لمنظمات الدفاع اليهودية الذي أصبح اسمه (عام 1941) المجلس القومي الاستشاري لعلاقات الجماعة اليهودية (بالإنجليزية: ناشيونال كوميونتي ريلشنز أدفيسوري كاونسيل National Community Relations Advisory Council) . وقد بلغ عدد أعضاء الجماعة اليهودية في هذه المرحلة خمسة ملايين حسب بعض التقديرات، المُبالغ فيها، من مجموع السكان البالغ مائة وأربعين مليوناً، وقد ترك الكساد أثره العميق في الأطر التنظيمية لليهود إذ أن الضائقة المالية تركت كثيراً من مؤسسات الرفاه الاجتماعي اليهودي دون ميزانيات كافية. وظهر عجز المنظمات أيضاً وفشلها في أن تقوم بدور فعال لمساعدة يهود ألمانيا أو حتى فتح باب الهجرة أمامهم.
ويمكن القول بأن حرب أعضاء الجماعة اليهودية في أمريكا ضد النازية لم تكن حرباً يهودية خاصة، فقد ظلوا بمعزل عن الأحداث ولم يساهموا كثيراً في مقاطعة البضائع الألمانية، بل إن أحد زعماء الجماعة، ستيفن وايز، ساهم في إفشال الجهود الرامية إلى تنظيم المقاطعة بإيعاز من الصهاينة. ولكن إسهام اليهود الأمريكيين (بوصفهم أمريكيين) في جهود الحرب كان كبيراً، فقد فَقَدَ 10.500 منهم حياتهم وجرح 24 ألفاً وحصل 36 ألفاً على نياشين، وهو ما يدل على أنه لا يوجد مصير يهودي مستقل، وأن مصير أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة مرتبط تماماً بالمصير الأمريكي.

وقد احتدم الصراع بين الأقلية الصهيونية التي كانت تتزايد عدداً والأغلبية الاندماجية، وخصوصاً أن المنظمة الصهيونية قرَّرت أن تنقل مركز نشاطها من لندن إلى واشنطن مع انتقال مركز الإمبريالية الغربية. ولذا، فقد عُقد مؤتمر بلتيمور الذي اتخذ قرار بلتيمور عام 1942 في الولايات المتحدة. وفي مقابل هذا، تم تأسيس المجلس الأمريكي لليهودية الذي كان يضم كبار رجال الأعمال (من اليهود الإصلاحيين أساساً) الذين حققوا معدلات عالية من الاندماج، والذين كانوا معادين للصهيونية. وربما تكمن المفارقة الكبرى في أنهم اتخذوا موقفاً رافضاً للصهيونية باعتبارهم أمريكيين في الوقت الذي بدأت فيه المؤسسة الحاكمة الأمريكية نفسها تأخذ موقفاً ممالئاً تماماً للصهيونية وترى فيها تحقيقاً لإستراتيجيتها في العالم. ولذا، كان محكوماً على المجلس الأمريكي لليهودية بالإخفاق.
اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود (1945-1970)
(Neo-Jews or Jewish Americans (1945-1970
تخلت الولايات المتحدة في هذه المرحلة تماماً عن سياستها الانعزالية وأصبحت قائد العالم الغربي بلا منازع. وازداد المجتمع الأمريكي علمانية وازدادت العلمانية شمولاً، وتم فصل الدين عن الدولة تماماً إذ وضعت المحكمة الدستورية العليا عام 1947 أسس هذا الفصل الحاد، فقد أعلنت المحكمة أن الحكومة الفيدرالية أو المحلية ليس بإمكانها أن تصدر قوانين من شأنها مساعدة أيٍّ من الديانات، ولا أن تُفضِّل ديانة على الديانات الأخرى. وترسخت فكرة الحقوق المدنية، وبدأت الأقلية السوداء تطالب بحقوقها مع أوائل الستينيات، وظهرت حركة الحقوق المدنية. وتُسمَّى هذه الفترة «فترة الوفرة» التي اتسمت بضعف الأواصر الاجتماعية والقيم الدينية، وتزايد معدلات العلمنة، وتوجُّه المجتمع الأمريكي، بشكل حاد وبدون أي تردد، نحو اللذة والمنفعة.

وقد تحوَّلت الجماعة اليهودية إلى جماعة أمريكية تماماً، المولودون فيها أكثر من المهاجرين إليها، وأصبحوا أساساً أعضاء في الطبقة الوسطى الأمريكية التي تسكن الضواحي، وذابت كل علامات التميز الحضاري. ويرى علماء الاجتماع أن ثمة تقسيماً ثلاثياً يحكم المجتمع الأمريكي وهو أنه مجتمع تحكمه ديانات ثلاث، هي: البروتستانتية والكاثوليكية واليهودية، وهو ما يعني عمق قبول اليهودية.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، استمرت الحكومة في رفض السماح لأيٍّ من المهاجرين الجدد بدخول الولايات المتحدة. ومع هذا، صدر تشريع يسمح لبعض المُرحَّلين اليهود بالاستقرار. ودخل بالفعل ثلاثة وستون ألف يهودي، وكانت مجموعة غير متجانسة صغيرة العدد. ولذا، فإنها لم تُغيِّر الطابع العام الذي اتسمت به الجماعة اليهودية التي كانت قد تحدَّدت سماتها الأساسية واستقرت. وكان مجموع المهاجرين في الفترة من 1944 حتى 1959 لا يزيد على 191.693 إلى أن تم إلغاء القوانين التي تحد من الهجرة عام 1965. وبلغ عدد المهاجرين في الفترة من 1960 إلى 1968 نحو 73 ألف مهاجر يهودي، معظمهم جاء من إسرائيل بعد عام 1957، ومن الشرق الأوسط وكوبا، وإن كان الجميع ينتمون لأصل أوربي.
ارتفع عدد أعضاء الجماعة اليهودية إلى 5.200.000 عام 1957، ووصل إلى 6.000.000 عام 1970، وهذا يعني أن عدد أعضاء الجماعة اليهودية كان آخذاً في التناقص بالنسبة لعدد السكان، وأن زيادتهم الطبيعية في الفترة من 1945 حتى عام 1969، أي خلال نحو خمسة وعشرين عاماً، لم تزد عن نحو 700 ألف (وذلك بطرح عدد المهاجرين)
. وتسبب هذه الاتجاهات السكانية، التي أصبحت اتجاهات ثابتة، كثيراً من القلق في الأوساط اليهودية، وخصوصاً إذا تمت رؤيتها في سياق معدلات الاندماج المتزايدة والزواج المُختلَط.

وتوجد معظم الجماعات اليهودية في المدن الكبرى، ذلك أن أربعين بالمائة من كل اليهود يعيشون في نيويورك وحولها كما كان الحال منذ عام 1900. وبلغ عدد اليهود الذين يعيشون في نيويورك العظمى أي في نيويورك والضواحي المحيطة بها وشمال شرق نيوجرسي، وفي المدن التسع الكبرى (لوس أنجلوس ـ شيكاغو ـ فيلادلفيا ـ بوسطن ـ ميامي ـ واشنطن ـ كليفلاند ـ بلتيمور ـ ديترويت) نحو 75% من كل أعضاء الجماعة اليهودية.
ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية لا يسكنون المدن نفسها وإنما يقطنون خارجها في الضواحي، وهذا من علامات الثراء المتوسط إذ لا يسكن المدن الكبرى سوى الفقراء (من السود والبورتوريكيين) أو كبار الأثرياء من المليونيرات. ولا توجد ضواح مقصورة على اليهود فما يحدد موقع السكنى في الوقت الحاضر مقياسان ماديان أحدهما الدخل والآخر لون الجلد، ولم يَعُد الانتماء الديني أساساً للتصنيف. والواقع أن أعضاء الجماعة اليهودية يُصنَّفون ضمن الأقليات البيضاء في الولايات المتحدة، وتنتمي أغلبيتهم إلى شريحة عليا من الطبقة الوسطى.
ومن الاتجاهات الجديدة التي شهدتها هذه الفترة زيادة عدد أعضاء الجماعة اليهودية في لوس أنجلوس، ففي عام 1945 كان عددهم يبلغ 150 ألفاً، زاد إلى 510 آلاف عام 1968. والشيء نفسه ينطبق على ميامي إذ زاد العدد من 7500 عام 1937 إلى 40 ألفاً عام 1948 و150 ألفاً عام 1970، وإن كان معظم اليهود هناك من العجائز. وحركة أعضاء الجماعة اليهودية إلى كاليفورنيا وميامي ليست مقصورة علىهم وإنما كانت جزءاً من اتجاه قومي أمريكي عام، حيث هاجر الكثيرون من وسط القارة الأمريكية إلى السواحل. ولذلك، نجد أن يهود شيكاغو قد انخفض عددهم من 333 ألفاً عام 1946 إلى 285 ألفاً عام 1969.

وفيما يخص الهيكل الوظيفي والمهني لأعضاء الجماعة اليهودية، فقد شهدت الفترة بعد عام 1945 تَعمُّق الاتجاهات التي شاهدنا ظهورها في المرحلة السابقة، إذ زاد عدد اليهود المشتغلين بالمهن في الطب والتدريس بالجامعات وداخل البيروقراطية الحكومية في جهاز الموظفين وتناقص عدد العمال المهرة وغير المهرة بنسبة كبيرة بحيث لا يكاد يوجد أي يهود بين عمال النقل وعمال المناجم. كما لا يوجد يهود في صناعة الأخشاب والتعدين والنقل كما كان الحال في الماضي، وتناقص عدد الفلاحين اليهود بحيث كاد ينعدم، كما تناقص عددهم في صناعة الملابس، أي أن ميراثهم الاقتصادي الأوربي اختفى تماماً. ويمكن القول بأن ظهور المهني اليهودي هو السمة الأساسية لهذه الفترة. فعلى سبيل المثال، زاد عدد المهنيين في إحدى المدن الأمريكية (تشارلستون) أربعة أضعاف بين منتصف الثلاثينيات وعام 1948، وزاد عدد المهنيين في لوس أنجلوس في الفترة من 1941 إلى 1959 من 11% إلى 25%. ويظهر هذا في بروز شخصيات يهودية في مجالات التربية والعلوم والقضاء والمحاسبة، وفي زيادة عددهم في مجالات الترفيه والإعلام والنشر. وزاد عدد أعضاء الجماعة اليهودية الذين يعملون كوسطاء في مجالات تجارة القطاعي والبناء والعقارات في المدن الكبرى والترفيه وعالم المال والأسهم والسندات والصناعة وقطاع الإعلام والسينما والمسرح (نشر ـ معاهد موسيقية ـ مراكز ثقافية) . وبينهم عدد من كبار أصحاب المزارع والمصانع في قطاع الصناعة الزراعية. ويُلاحَظ تركُّز الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية في الخدمات الاستهلاكية وفي الصناعات الخفيفة وصناعات القطاع الوسط (صناعة الملابس وصناعة الفراء والمجوهرات والمشروبات الروحية وصناعة السينما) . وهذا يدل على أن ميراثهم الاقتصادي اليديشي ووضعهم كمهاجرين لا يزال له أثر في نمط حراكهم. و «يسيطر» الرأسماليون من أعضاء الجماعة اليهودية على بعض هذه الصناعات. ولكن إلى

جانب هذا يُلاحَظ غياب الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية عن الصناعات الثقيلة، إذ تظل هذه الأخيرة (الفحم والفولاذ والمصارف والنفط والسيارات والسفن ووسائل المواصلات) في أيدي الواسب، أي البروتستانت البيض، وهم أعضاء النخبة الاقتصادية والسياسية الذين يتحكمون في العصب الأساسي للاقتصاد الأمريكي الذي يشكل مصدر النفوذ السياسي الحقيقي. وقد يكون من المفيد أن نذكر، في هذا المضمار، أن المصارف الكبرى في الولايات المتحدة، وعددها خمسة وأربعون، لا يشغل اليهود المناصب العليا فيها إلا في خمسة مصارف. ويظل أغلبية اليهود ميسوري الحال أعضاء في الطبقة الوسطى من أصحاب الياقات البيضاء ممن يسكنون المدن أو ضواحيها، وهو ما يعني بروزهم ولمعانهم دون أن تكون لهم قوة اقتصادية حقيقية.
ويمكن القول بأن الهرم الوظيفي بالنسبة ليهود أمريكا مختلف عن الهرم الوظيفي القومي الأمريكي. ففي عام 1960، بلغ عدد المهنيين بين اليهود 25% (مقابل 23% بين الأمريكيين ككل) وبلغ عدد الملاك والمديرين وأصحاب العمل 30% (مقابل 10.7% بين الأمريكيين ككل) ، و25% كانوا يعملون في الوظائف الكتابية وعمليات البيع. أما الـ 20% الباقية، فثلاثة أرباعهم كانوا عمالاً مهرة وغير مهرة وحرفيين. ويُلاحَظ زيادة عدد المهنيين اليهود، وهو ما يعني زيادة اقتراب الجماعة اليهودية من السلطة ومن صانع القرار، إذ نجد عدداً كبيراً منهم في واشنطن مستشارين للحكومة ولأعضاء الكونجرس وفي عديد من اللجان والوظائف. ويبدو أن متوسط دخل الفرد اليهودي أعلى من متوسط دخل أعضاء المجموعات الدينية والإثنية الأخرى.

ولكن أعضاء الجماعة اليهودية بغض النظر عن مدى فقرهم أو ثرائهم أو تميُّزهم الوظيفي أو مدى صهيونيتهم أو عدمها، أصبحوا جزءاً عضوياً من الاقتصاد الأمريكي. فالرأسماليون الأمريكيون اليهود لا يشكلون رأسمالية يهودية لها حركية مستقلة، وهم ليسوا رأسماليين يهوداً وإنما هم رأسماليون أمريكيون يهود (أو رأسماليون أمريكيون من أعضاء الجماعة اليهودية) ويشكلون جزءاً من الاقتصاد الأمريكي وينحصر ولاؤهم في رأس المال، وهذا الولاء هو الذي يحدد سلوكهم. وما يحدِّد حركية رأس المال الذي يملكه اليهود ليس تطلعاتهم الدينية أو الصهيونية وإنما حركية الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي العامة والمنظومة القيمية المادية النفعية.
وكذلك أيضاً المهني اليهودي، فمما لا شك فيه، كما بيَّنا، أن زيادة عدد المهنيين من أعضاء الجماعة اليهودية يعني في واقع الأمر ازدياد أعضاء الجماعة اقتراباً من السلطة وصانع القرار وتأثيراً فيها. ولكنهم، مع هذا، يظلون أقلية عددية صغيرة، وهو ما يعني أن هيمنتهم تظل محدودة. وحينما يصل أحد أعضاء الجماعة اليهودية إلى القمة، فإن الطريق يكون مفتوحاً أمامه وهو يمارس نفوذه في دولة لها إستراتيجيتها العامة ولها مؤسساتها الثابتة وقوانينها المستقرة وأجهزتها التنفيذية ذات السطوة، وهو ما يعني أنه سيظل أساساً جزءاً من الكل الأمريكي حتى في مكانه القيادي. وهو سيحقق البروز وسيصل إلى مكانة قيادية بمقدار ما يخدم مصالح المؤسسة. إن الرأسمالي اليهودي، مثل المهني اليهودي، يشكل كل منهما نقطة في مجتمع يشبه البحر الضخم المتلاطم ذا الحركية المستقلة الواضحة. ومن الصعب على أعضاء أية أقلية، أياً ما بلغ نفوذها وقوتها، الهيمنة عليه وتوظيفه لخدمة مصالحها، وخصوصاً إن تعارضت هذه المصالح مع الاتجاه العام. لكن هذا لا يعني انعدام المقدرة على التأثير، وخصوصاً فيما يخص التفاصيل، وهو أمر يختلف عن التوظيف الكامل وتغيير الاتجاه.

وقد طُرحت قضية الصهيونية على الجماعة اليهودية المندمجة وتم حسمها بعد عام 1948 لصالح الصهيونية، وحسب شروط يهود أمريكا الجدد الذين اعتنقت أغلبيتهم الصهيونية، ولكنها لم تكن على أية حال الصهيونية الاستيطانية ذات الجذور الشرق أوربية التي تطلب من اليهود التخلي عن وطنهم والهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها. إنها صهيونية توطينية تترجم نفسها إلى دعم مالي وسياسي للمُستوطَن الصهيوني، وتكتفي بممارسة الضغط السياسي على الحكومة الأمريكية لصالح دولة إسرائيل (وإن كانت المسألة لا تستدعي ضغطاً كبيراً) . وقد سارعت الحكومة الأمريكية إلى تأييد قرار التقسيم ثم الاعتراف بالدولة، وهي تراها الآن حليفاً إستراتيجياً وتدفع معونات ضخمة لها. ولا تترجم هذه الصهيونية نفسها إلى هجرة أو استيطان إلا في القليل النادر، فهي تترجم نفسها إلى رموز إثنية تشبه من بعض الوجوه الرموز الإثنية لأعضاء الأقليات الأخرى.
وقد شبَّه آرثر هرتزبرج علاقة يهود الولايات المتحدة بإسرائيل بعلاقة الرجل بعشيقته، فهو لا يراها إلا لفترات متباعدة، ولذا فإنها تظل بعيدة مشبعة بالرومانسية ومزينة، وهو يغدق عليها الأموال ولكنه يحتفظ بمسافة بينه وبينها، وحينما تحين لحظة الاختيار فإنه يختار زوجته وأولاده وأسرته.

ومن ناحية الأطر التنظيمية، يُلاحَظ بدايات محاولة الوصول إلى إطار تنظيمي يضم سائر المنظمات المختلفة على أن تحتفظ كل منظمة أو جماعة باستقلالها. والواقع أن محاولة التنظيم هي تعبير عن تَزايُد التجانس بين أعضاء الجماعة اليهودية. أما طريقة التنظيم نفسها، فهي انعكاس للطريقة الفيدرالية الأمريكية في التنظيم. ولقد تأسَّست لجان قومية مهمتها التنسيق بين المعابد اليهودية أو بين اللجان الصهيونية المختلفة أو لجان الدفاع المختلفة أو الجباية. وكما أسلفنا، أُسِّست جماعة النداء اليهودي الموحَّد عام 1939، وسندات إسرائيل عام 1950، والنداء الإسرائيلي الموحَّد عام 1950. كما أن هناك، في كل جماعة يهودية كبيرة، ممثِّلين لمختلف المنظمات اليهودية التي تسيطر عليها الصهيونية، أكثر التنظيمات اليهودية تنظيماً.

ومن أهم القضايا التي أثيرت في هذه المرحلة قضية علاقة الدين بالتعليم إذ أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يقفون وراء المطالبة بعدم تقديم العون للمدارس الدينية بحجة أن هذا خرق للدستور الأمريكي الذي يفصل بين الدين والدولة. ولكن معظم هذه المدارس كان الملجأ الوحيد لأبناء الأسر الكاثوليكية المهاجرة الفقيرة، الأيرلنديين والإيطاليين والبورتوريكيين، حيث يمكنهم أن يتلقوا تعليماً جيداً، فالقيم الأخلاقية في نظام التعليم العام الأمريكي قد ضعفت وبحدة، كما أن طريقة تمويل المدارس من الضرائب المحلية تجعل مستوى المدارس في الأحياء الغنية التي يوجد فيها اليهود مرتفعاً إذ يستطيع أهل الحي أو المدينة أن يموِّلوا جميع النشاطات المدرسية. أما في الأحياء الفقيرة، فلا تتاح هذه الفرصة. ولذا، فقد اكتسبت قضية الدعم الحكومي للمدارس نبرات إثنية، وخصوصاً أن معظم أعضاء الجماعة اليهودية يقفون أيضاً ضد تدريس القيم الأخلاقية والروحية للأطفال باعتبار أن هذا قد يُستخدَم ستاراً لتدريس القيم الدينية. ولا تزال هذه القضية مصدراً أساسياً للتوتر في العلاقات بين أعضاء الجماعة اليهودية وأغلبية سكان الولايات المتحدة.
ومما يجدر ذكره أن اليهود الأرثوذكس يتخذون موقفاً مشابهاً لموقف الكاثوليك، فهم يودون الحفاظ على نظام التعليم اليهودي الخاص بهم، الأمر الذي يجعلهم في حاجة إلى دعم حكومي.
ويبدو أن الهوية الدينية اليهودية في الولايات المتحدة ضَعُفت بشكل سريع جداً. ففي إحدى الإحصاءات (عام 1945) ، جاء أن 18% من اليهود يرتادون دور العبادة الخاصة بهم مرة واحدة على الأقل في الشهر مقابل 65% من البروتستانت و83% من الكاثوليك، وهو ما يدل على أنهم من أكثر القطاعات علمنة في المجتمع الأمريكي. واستمرت النسبة كما هي عليه عام 1958 ولكنها انخفضت قياساً إلى بقية المجتمع، فأصبحت 40% من البروتستانت و74% بالنسبة إلى الكاثوليك.

ولكن نسبة 18% قد يكون مُبالغاً فيها إذ أن الكثير من يهود أمريكا يلصقون بأنفسهم صفة «يهودي» دون أية ممارسات دينية. وقد بيَّنت إحدى الإحصاءات أن نحو 10% أو 20% فقط من اليهود يقيمون الشعائر الخاصة بالاحتفال بالسبت والطعام الشرعي والصلوات اليومية. ويظهر ضعف المؤسسات الدينية في أن المعبد اليهودي أصبح ذا دور ثانوي تماماً بالنسبة لدور النادي الاجتماعي اليهودي. ويمكن القول بأنه، مع ضعف الهوية الدينية، يتمسك اليهود ببعض المظاهر الإثنية للحفاظ على الهوية المتميِّزة. ومن هنا تزايدت قوة الصهيونية، فالصهيونية هي اليهودية الإثنية بعد تجريدها من أي مضمون ديني.
ومن دلائل الاندماج المتزايد، اختفاء العبرية كأداة للتعبير الأدبي، وكذلك اتجاه اليديشية نحو الاختفاء الكامل. ويمكن اعتبار تزايد الزواج المختلط (بمعدلاته المرتفعة التي تصل في بعض الولايات إلى ما يزيد على 60%) مؤشراً آخر. ويظهر الاندماج أيضاً في غربة الأجيال اليهودية الجديدة عن أسرها البورجوازية، فقد انخرطت أعداد كبيرة منهم في صفوف حركة الحقوق المدنية وحركة اليسار الجديد في الستينيات. ولكن يمكن القول بأن أعضاء الجماعة اليهودية، باعتبارهم أقلية مهاجرة في المدينة تدين بالولاء للحزب الديموقراطي، كان لهم دائماً اتجاه ليبرالي وكانوا يطالبون بقدر من التدخل من جانب الحكومة ضد الاحتكارات ومن أجل الرفاه الاجتماعي.

ومن الظواهر المهمة في هذه المرحلة، استمرار بروز أعضاء الجماعة اليهودية وتميُّزهم في المجتمع الأمريكي، وخصوصاً في الحياة الثقافية والأدبية. ويتضح بروز أعضاء الجماعة أيضاً في تزايد عدد اليهود من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات (10% من مجموع الأساتذة يهود) موزعين في جميع التخصصات، وخصوصاً الفيزياء وعلم الاجتماع وعلم النفس. كما يُلاحَظ بروزهم من خلال العدد الكبير من الكتاب والنقاد الأمريكيين اليهود، مثل: سول بلو، وفيليب روث، وبرنارد مالامود، وليونيل ترلنج، وإرفنج هاو، ولسلي فيدلر، ووليام فيلبس. ولكن من الملاحَظ أن كثيراً من هؤلاء المثقفين لم تكن هويتهم يهودية بشكل محدَّد ولم يهتموا بالقضايا الإثنية أو الدينية اليهودية إذ أن انتماءهم كان أمريكياً بالدرجة الأولى.

  • 5 - 1:مصر فى عصر الولاة
الجزء الخامس مصر والشام والجزيرة العربية تأليف: أ.
د.
عبد المقصود عبد الحميد باشا أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر الفصل الأول *مصر فى عصر الولاة [21 - 254 هـ = 642 - 868 م] .
.
أصبحت «مصر» بعد الفتح الإسلامى سنة (21هـ = 642م) ولاية تابعة للخلافة الإسلامية فى «المدينة المنورة»، ثم فى «دمشق»، ومن بعدهما «بغداد» فترة قرنين وربع القرن تقريبًا، ثم حكمها الطولونيون فأصبحت دولة مستقلة فى الفترة من سنة (254هـ = 868م] إلى سنة [292هـ = 905م].
أشهر ولاة مصر فى ذلك العصر: -1عمرو بن العاص: هو فاتح «مصر»، وأول والٍ عليها من قِبل الخليفة «عمر بن الخطاب»، وكان واليًا عادلا، عمل على نشر الأمن والأمان فى ربوع «مصر»، ومنح الأقباط الحرية الدينية التى افتقدوها قبل الفتح الإسلامى، وأعاد البطريق «بنيامين» من منفاه فى «وادى النطرون» إلى «كنيسة الإسكندرية»، لذلك أحبه المصريون.
قام «عمرو بن العاص» بالإصلاحات المالية والإدارية فى «مصر»، واعتمد فيها على الأقباط من أهلها، فنعم المصريون -جميعًا- فى ولايته بالحرية الدينية والحياة الكريمة.
تأسيس الفسطاط: لم يقتصر دور «عمرو بن العاص» على الإصلاحات المالية والإدارية، بل أسس مدينة «الفسطاط» (مصر القديمة حاليا)
؛ لتكون عاصمة لمصر الإسلامية بأمر من الخليفة «عمر بن الخطاب»، ثم أسس مسجده - الذى لايزال يحمل اسمه حتى الآن - فى وسط تلك المدينة.
وهو أول مسجد فى قارة إفريقيا.
ومن أهم أعمال «عمرو بن العاص» حفر قناة تصل «النيل» بالبحر الأحمر، بأمر من الخليفة «عمر بن الخطاب»، لتسهيل السفر والتجارة بين «مصر» والجزيرة العربية، وكان اسم هذه القناة: «خليج أمير المؤمنين».
وقد تولى «عمرو بن العاص» ولاية «مصر» مرتين، كانت الثانية من سنة (38هـ = 658م) حتى سنة (43هـ = 663م).
2 - مسلمة بن مخلد الأنصارى [47 - 62هـ = 667 - 681م]: والى «مصر» من قِبل الخليفة «معاوية بن أبى سفيان»، وكان من خيرة الولاة فى حسن السياسة ونشر العدل، كما كان متسامحًا مع
الفصل الثاني *عصر الولاة - الولاة فى العصر الأموى: تعد فترة تبعية المغرب للخلافة (عصر الولاة) - والتى تمتد من سنة (96هـ = 715م) إلى سنة (184هـ =800م) - من أهم الفترات وأخطرها فى تاريخ المغرب الإسلامى، وقد اختلفت هذه الفترة عن سابقاتها، لأن فترة الفتح كان يغلب عليها النشاط العسكرى، واتسمت بالامتداد والانحسار، والخوف والاضطراب، ولم يعرف المسلمون شيئًا من الاستقرار بالمغرب إلا بعد تأسيس مدينة «القيروان» على يد «عقبة بن نافع»، ثم تمَّ لهم الاستقرار بفضل جهود: «زهير بن قيس»، و «حسان بن النعمان»، و «موسى بن نصير».
وقد اتسم عصر الولاة بسمات وصفات معينة؛ فهو عصر الاستقرار العربى على أرض «المغرب»، ووضح فيه موقف الخلافة من المنطقة، وما ترتب على ذلك من علاقة بين الخلافة والولاة، فضلا عن علاقة الولاة بسكان هذه البلاد، يضاف إلى ذلك الأوضاع السياسية المختلفة التى ترتبت على هذه العلاقات؛ حيث ثار «المغرب الأقصى» وانفصل عن «الخلافة الأموية»، ثم انتقلت عدوى الثورة إلى المغربين الأوسط والأدنى، وبذلت «الخلافة العباسية» جهودًا كبيرة، وأموالا طائلة، ورجالا كثيرين، فى سبيل الحفاظ على هذه الأقاليم، ولكن الأمور أسفرت عن مجرد سلطة اسمية للخلافة العباسية على «المغرب الأدنى» مُمثَّلة فى قيام «دولة الأغالبة»، وقامت دويلات مستقلة بالمغربين الأوسط والأقصى.
وسوف نعرض تاريخ هذا العصر، ونستعرض تاريخ ولاته، وهم: - محمد بن يزيد: استشار الخليفة «سليمان بن عبدالملك» فيمن يصلح لولاية إقليم المغرب، فأشار عليه المحيطون به بمحمد بن يزيد مولى قريش، لما يتمتع به من صفات الفضل والحزم، فوقع عليه اختيار الخليفة «سليمان بن عبد الملك»، ومنحه ولاية «المغرب» وأوصاه بقوله: «يا محمد بن يزيد اتق الله وحده لاشريك له، وقم فيمن وليتك بالحق والعدل.
اللهم اشهد عليه»
، فعمل «محمد» بهذه الوصية منذ تولى
الفصل الثاني *عهد الولاة بالأندلس [97 - 138 هـ = 715 - 755 م].
يقصد بالولاة حكام الأندلس الذين عينتهم الحكومة الأموية فى دمشق، أو والى الشمال الإفريقى الذى كانت الأندلس تابعة له أحيانًا، وقد تولى على الأندلس خلال هذه الفترة (22) واليًا، حكم اثنان منهم مرتين، وهذا يعنى أن متوسط فترة حكم الوالى تقل عن سنتين، وهذا يعنى أن عدم الاستقرار هو السمة الغالبة على هذه الفترة، ويعود ذلك إلى اضطراب السياسة العامة بعد وفاة «الوليد بن عبدالملك» وانتشار العصبيات القبلية والشخصية، ونزاع العرب مع البربر.
أيوب بن حبيب البلخى: قتل «عبدالعزيز بن موسى بن نصير» والى الأندلس عندما وثب عليه جماعة من الجند على رأسهم وزيره «زياد بن عذرة البلوى» أثناء صلاته بأحد مساجد «إشبيلية»، وذلك فى (رجب 97هـ = فبراير 716م)، لتبدأ فترة عهد الولاة.
وقد آل أمر الأندلس إلى «أيوب بن حبيب البلخى» ابن أخت «موسى بن نصير»، وهو من العرب الذين اشتركوا فى فتح هذه البلاد، ثم استقروا بها، ورأوا أنهم أولى من غيرهم بحكم الأندلس، ولم تزد ولاية «أيوب» على ستة أشهر لم يفعل فيها شيئًا يذكر سوى نقله العاصمة من «إشبيلية» إلى «قرطبة» لأن موقعها أوسط وأقرب إلى منازل جماعات العرب فى الشرق، والجنوب، والجنوب الشرقى.
الحر بن عبدالرحمن الثقفى: لم تجر الأمور على النحو الذى أراده «أيوب»؛ إذ قام والى إفريقية الذى تتبعه الأندلس بتعيين «الحر بن عبدالرحمن» واليًا عليها، ودام حكمه سنتين وثمانية أشهر، بدأت فى (ذى الحجة 98هـ = يوليو 717م)، واستطاع خلالها أن يقمع المنازعات التى كانت بين العرب والبربر، ويصلح الجيش، وينظم الإدارة، ويوطد الأمن.
وينسب إلى «الحر» إقامته دار الإمارة فى «قرطبة» فى مواجهة «قنطرة الوادى»، وكانت من قبل مقرا للحاكم القوطى، فاعتنى بها «الحر» وسمى القصر والأرض الواسعة أمامه على ضفة النهر «بلاط الحر».
لهذينِ الحَرفَين استعمالان:
أحَدُهُما: أَن يدُلا على امتِناع جَوابِهِما لوُجود تَاليهما فَيَخْتَصَّان بالجُملِ الاسمية، نحو: {{لَولاَ أَنتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ}} (الآية "31" من سورة سبأ "34") ، وقول الشاعر:
لَولا الإصاخَة للوشاةِ لكانَ لي ... من بعدِ سُخطِكَ في الرِّضاءِ رَجاءُ
والاسمُ المبتَدأ بعدَ "لولا" الامتناعية يَجِبُ حذفُ خَبَرِهِ، لأنه مَعْلومٌ بمُقتضى مَعنى "لولا".
(راجع: الخبر "14").
والمَدْلُولُ على امْتِناعِه هو الجَوابُ، والمَدلُولُ على ثُبوته هو المُبْتدأ، وقد يُحذَفُ جَوابُ "لَولا" للتَّعْظيم وذلكَ في قوله تعالى: {{ولَوْلاَ فَضْلُ اللَّه عَلَيكُم ورحمتُه وأنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكيم}} (الآية "10" من سورة النور "24").
الثّاني: أنْ يَدُلاَّ على التَّحضِيضِ فَيَخْتَصَّان بالفِعْلِيَّة نحو {{لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْنَا المَلائِكَةُ}} (الآية "21" من سورة الفرقان "25") ، {{لَوْمْا تَأتِينَا بِالملاَئِكَةِ}} (الآية "7" من سورة الحجر "15").
ويُسَاوِيهِما في التَّحضِيضِ والاخْتِصَاص بالأفْعال "هَلاَّ وأَلاَّ وَأَلا". وقَدْ يَلي حَرفَ التَّحْضِيضِ اسمٌ مَعْمولٌ لِفعلٍ: إمَّا مُضْمَرٌٍ كالحديث: "فَهَلاَّ بِكراً تُلاَعِبُها وتُلاَعِبُك". أي فَهَلاَّ تَزَوَّجْتَ بِكراً.
وإمَّا مُظْهَر مُؤَخَّر نحو {{وَلَولاَ إذ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم}} (الآية "7" من سورة النور "24") أي هَلاَّ قُلْتُم إذ سَمِعْتُمُوهُ.
ولو قُلتَ بالتَّحضِيض "لَولا زَيداً" على إضمار الفِعل، ولا تَذْكُره، جَازَ، أي لَوْلا زَيداً ضَرَبتَهُ، على قَولِ سيبويه.
ومَا ذَكَرناهُ هو أشهرُ استِعمالات هذه الأدوات.
وقَد تُسْتَعمَلُ في غير ذلكَ للتَّوبيخِ والتَّنْديم فتَخْتَصَّ بالمَاضي أو مَا في تأوِيلِه ظَاهِراً أو مُضمَراً نحو: {{لَولا جَاؤوا عَلَيهِ بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ}} (الآية "13" من سورة النور "24"). ونحو قوله:
أُتِيتُ بعَبدِ اللهِ في القِدِّ مُوثقَاً ... فَهَلاَّ سَعِيداً ذا الخِيانَةِ والغَدْرِ
أي فَهَلاَّ أسَرتَ سعيداً. قد يَقَعُ بَعْدَ حَرْفِ التَّحضِيضِ مُبتدأ خَبَر، فيُقدَّر المُضْمَر "كان" الشَّأْنِيَّة كقوله:
وثُبِّبُ لَيلَى أرْسَلَتْ بشفاعة ... أي فهلا كان نفسُ ليلى شفيعها.

لَوْلاكَ وَلَوْلاي

معجم القواعد العربية

عِندَ سيبويه: لولا تَخْفِض المُضْمَر، ويَرْتَفعُ بعدها الظَّاهِر بالابْتداء. - إن كان ثَمةَ ظاهِرٌ - قال يزيدُ بنُ الحَكَم الثقفي:
وكَمْ مَوْطنٍ لَوْلاي طِحْتَ كما هَوَى ... بأجْرَامهِ من قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي
وعِنْد الأَخْفش: وَافَق ضميرُ الخَفْض ضَمير الرَّفْع في "لَوْلاي" ويَرُدُّ المُبَرِّدُ عَلَى الرَّأيَيْن ونَرَى أنَّ الصَّواب فيها: "لَوْلا أَنْتَ" و "لوْلاَ أنا" كما قال تعالى: {{لَوْلاَ أَنْتُم لكُنا مُؤْمِنين}} وعِند الجميع أن هذَا أجود (انظر المقتضب 3/73، ورغبة الأمل في شرع الكامل 8/48 - 49).

أما ولولا ولوما

ألفية ابن مالك

أمّا ولولا ولوما:
أمّا كمهما يك من شيءٍ وفا ... لتلو تلوها وجوباً ألفا
وحذف ذي الفا قلَّ في نثر ٍ إذا ... لم يك قول ّ معها قد نُبِذا
لولا ولوما يلزمان الابتدا ... إذا امتناعاً بوجودٍ عقدا

الْوِلاَيَةُ عَلَى الْمَال

الموسوعة الفقهية الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - سَبَقَ تَعْرِيفُ الْوِلاَيَةِ فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ، فِي مُصْطَلَحِ (الْوِلاَيَةِ) .
وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْوِلاَيَةَ عَلَى الْمَال عِنْدَهُمْ هِيَ: قُدْرَةُ الشَّخْصِ شَرْعًا عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ أَوْ مَال الْغَيْرِ. (1)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْوِلاَيَةُ عَلَى النَّفْسِ:
2 - الْمُرَادُ بِالْوِلاَيَةِ عَلَى النَّفْسِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: قُدْرَةُ الشَّخْصِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الشُّئُونِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِشَخْصِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَنَفْسِهِ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوِلاَيَةِ عَلَى الْمَال وَالْوِلاَيَةِ عَلَى النَّفْسِ أَنَّ كِلْتَيْهِمَا تَشْتَرِكَانِ فِي تَنْفِيذِ الْقَوْل عَلَى الْغَيْرِ.
سَبَبُ الْوِلاَيَةِ عَلَى الْمَال:
3 - يَقُول الْكَاسَانِيُّ: سَبَبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ
الْوِلاَيَةِ فِي التَّحْقِيقِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: الأُْبُوَّةُ، وَالثَّانِي: الْقَضَاءُ، لأَِنَّ الْجَدَّ مِنْ قِبَل الأَْبِ أَبٌ لَكِنْ بِوَاسِطَةٍ، وَوَصِيُّ الأَْبِ وَالْجَدِّ اسْتَفَادَ الْوِلاَيَةَ مِنْهُمَا فَكَانَ ذَلِكَ وِلاَيَةَ الأُْبُوَّةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَوَصِيُّ الْقَاضِي يَسْتَفِيدُ الْوِلاَيَةَ مِنَ الْقَاضِي فَكَانَ ذَلِكَ وِلاَيَةَ الْقَضَاءِ. (2)
وَلِلتَّفْصِيل فِي مَنْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْوِلاَيَةِ، وَتَرْتِيبِ الأَْوْلِيَاءِ، وَتَصَرُّفَاتِ الْوَلِيِّ فِي مَال الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَسَائِرِ الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَوْضُوعِ.
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (وِلاَيَة، وَوِصَايَة، وَإِيصَاء ف 9 16، وَنِيَابَة)
__________
(1) حاشية الدسوقي 2 321.
(2) بدائع الصنائع 5 152.

الولاية على الطفل نوعان

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* الولاية على الطفل نوعان:
نوع يقدم فيه الأب على الأم، وهي ولاية المال والنكاح.
ونوع تقدم فيه الأم على الأب، وهي ولاية الحضانة والرضاع.

اجتناب الولايات، خاصة لمن كان فيه ضعف عن القيام بحقوقها

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* اجتناب الولايات، خاصة لمن كان فيه ضعف عن القيام بحقوقها:
عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: ((يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)). أخرجه مسلم (¬1).
¬_________
(¬1) أخرجه مسلم برقم (1825).

لزوم الصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* لزوم الصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم:
1 - عن أسيد بن حُضير رضي الله عنه أن رجلاً من الأنصار خلا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تستعملُني كما استعملت فلاناً؟ فقال: ((إنكم ستلقون بعدي أثرةً فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)). متفق عليه (¬1).
2 - عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية)). متفق عليه (¬2).
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3792)، ومسلم برقم (1845)، واللفظ له.
(¬2) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (7053)، واللفظ له، ومسلم برقم (1849).

2 - اختيار الأكفاء للمناصب والولايات.

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

2 - اختيار الأكفاء للمناصب والولايات.
قال الله تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) (القصص/26).
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت