نتائج البحث عن (وَدِيع) 50 نتيجة

(الْوَدِيعَة) مَا استودع (ج) ودائع
(الْوَدِيع) ذُو الدعة وَمن الْخَيل المستريح الصائر إِلَى الدعة والسكون والمقبرة والعهد (ج) ودائع
الوديعة: هي أمانة تركت عند الغير للحفظ قصدًا. واحترز بالقيد الأخير من الأمانة، وهي ما وقع في يده من غير قصد، كإلقاء الريح ثوبًا في حجر غيره، وكالعبد الآبق في يد آخذه، واللقطة في يد واجدها، وغير ذلك، والفرق بينهما بالعموم والخصوص، فالوديعة خاصة والأمانة عامة، وحمل العام على الخاص صحيح دون عكسه، ويبرأ في الوديعة عن الضمان إذا عاد إلى الوفاق، ولا يبرأ في الأمانة.
الوديعة:[في الانكليزية] Deposit ،trust ،consignment [ في الفرنسية] Depot ،chose deposee ،chose consignee بالفتح وكسر الدال على وزن فعيلة وهي في اللغة الترك. وعند أهل الشرع ترك الأعيان مع من هو أهل للتصرّف في الحفظ مع بقائها على ملك المالك. والفرق بينها وبين الأمانة أنّ الوديعة هي الاستحفاظ قصدا والأمانة هي الشيء الذي وقع في يده من غير قصد بأن ألقت الريح ثوبا في حجره، والحكم فيها أنّه يبرأ من الضمان إذا عاد إلى الوفاق، وفي الأمانة لا يبرأ إلّا بالأداء إلى صاحبها، كذا في الجوهرة النيرة. وفي جامع الرموز الوديعة ترك أمانة ودفعها ليحفظها، فخرج العارية لأنّها للانتفاع.فالأمانة مصدر أمن بالضم أي صار آمنا ثم سمّي بها ما يؤمن عليه فهي أعمّ من الوديعة لاشتراط الحفظ بخلاف الأمانة كما إذا أوقع الريح ثوب أحد في حجر أحد ويبرأ عن الضمان بالوفاق فيها بخلاف الوديعة إلّا إذا أنكرها كما في شروح الهداية، لكن الأمانة عين والوديعة معنى، فيكونان متباينين كما لا يخفى انتهى.
وديعة الله
مركب من وديعة من (و د ع) الشيء يدفع به إلى شخص آخر ليحفظه ويصونه، ومن لفظ الجلالة الله، فيكون المعنى الذي يحفظه الله.
وَدِيعَة
من (و د ع) مؤنث وديعة، والوديعة: دفع الشيء إلى الشخص ليكون أمانة عنده.
وَدِيع
من (و د ع) المستقر، والمترفه المستريح، والصائر إلى السكون.
بَلْوَدِيع
صورة كتابية صوتية من "أبا" الوديع الغني الذي اتسع عيشه، والساكن الهادئ المستقر.
الْوَدِيعَة: فِي اللُّغَة فعيلة بِمَعْنى الْمَفْعُول من الودع وَهُوَ التّرْك. وَمِنْه التوديع عِنْد السّفر وَالِاسْم الْوَدَاع بِالْفَتْح - وَللَّه در الشَّاعِر.(بكذار تا بكريم جون ابر نو بهاران...كز سنكك كريه خيزد وَقت وداع ياران)وَمن المصائب الْعَظِيمَة فِي الدُّنْيَا مهاجرة الأحباب ووداع الْأَطْفَال وخلص الْأَصْحَاب. يَا جَامع المتفرقين احفظني وَسَائِر ذَوي الْحَيَاة من هَذَا الْبلَاء - نعم مَا قَالَ الصائب.(جدائي مُشكل است ازدشمن جَان سوز اكرباشد...)(سبند جون دور از اتش شود ازوى صدا خيزد...)والوديعة فِي الشَّرِيعَة أَمَانَة دفعت إِلَى الْغَيْر للْحِفْظ - وَالْأَمَانَة جنس يعم الْوَدِيعَة وَغَيرهَا لاعْتِبَار الاستحفاظ فِي الْوَدِيعَة دون الْأَمَانَة. فَلَو ألْقى الرّيح ثوب وَاحِد فِي حجر آخر فَهُوَ أَمَانَة دون وَدِيعَة - وَقَوْلهمْ دفعت إِلَى الْغَيْر للْحِفْظ احْتِرَازًا عَن مثل ذَلِك. فالوديعة أخص من الْأَمَانَة فَكل وَدِيعَة أَمَانَة دون الْعَكْس كَيفَ فَإِن الْوَدِيعَة تسليط الْغَيْر على حفظ مَاله.وَالْأَمَانَة حفظ المَال بِلَا تصرف فِيهِ سَوَاء كَانَ مَاله أَو مَال غَيره سَوَاء سلطه عَلَيْهِ أَو لَا.
الوديعة: لغة: من الإيداع، وهو استنابة في الحفظ. وشرعا: استحفاظ جائز التصرف متمولا أو ما في معناه تحت يد مثله.
الوَدِيعة: المالُ المتروكُ عند إنسان يحفظه وهي شرعاً: عقدُ أمانة تُركت عند الغير لحفظ قصداً، واحترز بالقيد الأخير من الأمانة: وهي ما وقع في يده من غير قصد كإلقاء الرياح ثوباً في حِجْر غيرِه، وبينهما عمومٌ وخصوصٌ فالوديعةُ خاصّةُ والأمانةُ عامّةٌ، ودائعُ الشرك: العهودُ مع المشركين.

ثابت بن يزيد الأنصاري وهو ثابت بن يزيد بن وديعة سكن الكوفة. . . . .

معجم الصحابة للبغوي

ثابت بن يزيد الأنصاري
وهو ثابت بن يزيد بن وديعة سكن الكوفة. . . . .
257 - حدثني جدي [أسد] بن عمرو [القابي] // 58 // عن [زيد بن وهب] [عن ثابت بن يزيد] الأنصاري قال: أصبنا يوم خيبر حمرا أهلية فطبخوها فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقدور تغلي فقال: " اكفوها " قال: وأصبنا ضبابا فشوينا منها ضبا فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأكله ولم ينه عنه.

553- ثابت بن زيد بن وديعة

أسد الغابة في معرفة الصحابة

553- ثابت بن زيد بن وديعة
ثابت بْن زيد بْن وديعة وقيل: ابن يزيد بْن وديعة.
ويرد ذكره في ثابت بْن وديعة، وثابت بْن يَزِيدَ.
ذكره أَبُو عمر في ترجمة ثابت بْن وديعة.
580- ثابت بن وديعة
ب د: ثابت بْن وديعة بْن جذام أحد بني أمية بْن زيد بْن مالك من بني عمرو بْن عوف.
من الأنصار، ثم من أوس، يكنى: أبا سَعِيد، وكان أبوه من المنافقين، عداده في أهل المدينة، قاله ابن منده، عن مُحَمَّدِ بْنِ سعد كاتب الواقدي.
وقال أَبُو نعيم: ثابت بْن يَزِيدَ بْن وديعة عَلَى ما نذكره بعد هذه الترجمة.
وقال أَبُو عمر: ثابت بْن وديعة، نسب إِلَى جده وهو: ثابت بْن يَزِيدَ بْن وديعة بْن عمرو بْن قيس بْن جزي بْن عدي بْن مالك بْن سالم، وهو الحبلي، ابن عوف بْن عمرو بْن الخزرج الأكبر الأنصاري، قال الواقدي: يكنى: أبا سعد، والبراء بْن عازب حديثه في الضب، يختلفون فيه اختلافًا كثيرًا، وأما حديثه في الحمر الأهلية يَوْم فتح خيبر فصحيح.
(173) أخبرنا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ الصُّوفِيُّ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ، قَالَ: حدثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أخبرنا خَالِدٌ، عن حُصَيْنٍ، عن زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عن ثَابِتِ بْنِ وَدِيعَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَيْشٍ فَأَصَبْنَا ضِبَابًا، فَشَوَيْتُ مِنْهَا ضَبًّا، فَأَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضْعُتُه بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَأَخَذَ عُودًا بِأَصَابِعِه، وَقَالَ: إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابَّ، وَإِنِّي لا أَدْرِي أَيُّ الدَّوَابِّ هِيَ؟ فَلَمْ يَأْكُلْ، وَلَمْ يَنْهَ.
وَرُوِيَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ، كُلُّهُا عن ثَابِتِ بْنِ وَدِيعَةَ.
وَرَوَاهُ وَرْقَاءُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ فِي جَمَاعَةٍ، عن حُصَيْنٍ، عن زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عن ثَابِتِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ.
وَرَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، عن عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عن زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عن حُذَيْفَةَ.
وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عن حُصَيْنٍ، عن زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عن حُذَيْفَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ، وَأَبُو عُمَرَ وديعة: بفتح الواو، وكسر الدال.

582- ثابت بن يزيد بن وديعة

أسد الغابة في معرفة الصحابة

582- ثابت بن يزيد بن وديعة
د ع: ثابت بْن يَزِيدَ بْن وديعة وقيل: ابن زيد بْن وديعة، يكنى: أبا سعد.
له صحبة، نزل الكوفة، روى عنه: البراء بْن عازب، وزيد بْن وهب، وعامر بْن ربيعة البجلي، قاله أَبُو نعيم، وذكر فيه حديث الضب الذي تقدم في ثابت بْن وديعة، وجعل هذا، وثابت بْن وديعة واحدًا، وكذلك أَبُو عمر، وأما ابن منده، فإنه جعلهما اثنين، وجعل لهما ترجمتين، ومع هذا فجعل الراوي عنهما في الترجمتين البراء، وزيدًا وسامرًا، والمتن واحد، وهو الضب، فلا أدري لم جعلهما اثنين؟ وقد تقدم الكلام عنهما في ثابت بْن وديعة، ولو نسب ابن منده هذا لظهر له الحق، والله أعلم.
أخرجه ههنا ابن منده، وَأَبُو نعيم.
وأخرجه في ثابت بْن وديعة ابن منده، وَأَبُو عمر.
614- ثعلبة بن وديعة
د ع: ثعلبة بْن وديعة الأنصاري أحد النفر الذين تخلفوا عن تبوك، فربطوا أنفسهم إِلَى السواري حتى تاب اللَّه عليهم.
وروى الأعمش، عن أَبِي سفيان، عن جابر قال: كان فيمن تخلف عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ستة: أَبُو لبابة، وأوس بْن خذام، وثعلبة بْن وديعة، وكعب بْن مالك، ومرارة، وهلال بْن أمية، فجاء أَبُو لبابة، وأوس بْن خذام، وثعلبة فربطوا أنفسهم، وجاءوا بأموالهم، فقالوا: يا رَسُول اللَّهِ، خذها، هذا الذي حبسنا عنك، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا أحلهم حتى يكون قتال.
فأنزل اللَّه تعالى: {{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا}} الآية.
أخرجه ابن منده، وَأَبُو نعيم.
وقد قيل في أمر أَبِي لبابة غير هذا، وهو مذكور عند اسمه.
1427- خذام بن وديعة
ب د ع: خذام بْن وديعة الأنصاري من الأوس.
ذكره أَبُو عمر، وقيل: خذام بْن خَالِد.
قاله أَبُو عمر أيضًا، وابن منده.
وقال أَبُو نعيم: كنيته أَبُو وديعة، من بني عمرو بْن عوف بْن الخزرج، فجعل أَبُو وديعة كنية له، وجعله أَبُو عمر أباه، وهو والد خنساء بنت خذام، قيل: إن عثمان بْن عفان رضي اللَّه عنه، نزل عَلَى خذام هذا لما هاجر، وقيل: نزل عَلَى غيره.
(389) أخبرنا أَبُو الْمَكَارِمِ فِتْيَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ سَمْنِيَّةَ بِإِسْنَادِهِ، عن الْقَعْنَبِيِّ، عن مَالِكٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّعٍ ابْنَيْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ الأَنْصَارِيِّ، عن خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الأَنْصَارِيَّةِ: " أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ نِكَاحَهُ " وروى الثوري، عن عبد لرحمن بْن الْقَاسِم، عن عَبْد اللَّهِ بْن وديعة، عن خنساء.
وروى مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، عن حجاج بْن السائب، عن أبيه، عن جدته خنساء بنت خذام بْن خَالِد، قال: وكانت قد أيمت من رجل، فزوجها أبوها رجلًا من بني عوف، قال: فحطت إِلَى أَبِي لبابة بْن عبد المنذر، وارتفع شأنهما إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أباها أن يلحقها بهواها، فتزوجت أبا لبابة، فولدت له السائب بْن أَبِي لبابة، فسميت خنساء أم السائب.
أخرجه الثلاثة.
1878- زيد بن وديعة
ب د ع: زيد بْن وديعة بْن عمرو بْن قيس ابن جزي بْن عدي بْن مالك بْن سالم الحبلي بْن غنم بْن عوف بْن الخزرج الأنصاري الخزرجي قال عروة، وابن شهاب، وابن إِسْحَاق: إنه شهد بدرًا وأحدًا، وقال ابن الكلبي: إنه عقبي بدري، قتل يَوْم أحد.
أخرجه الثلاثة.

3241- عبد الله بن وديعة

أسد الغابة في معرفة الصحابة

3241- عبد الله بن وديعة
د ع: عَبْد اللَّه بْن وديعة بْن حرام الْأَنْصَارِيّ لَهُ صحبة، أَخْرَجَهُ أَبُو حاتم الرازي فِي الصحابة روى أَبُو معشر، عَنْ سَعِيد المقبري، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْد اللَّه بْن وديعة صاحب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من اغتسل يَوْم الجمعة كغسله من الجنابة ...
"
، وذكر الحديث.
ورواه ابْنُ عجلان، عَنِ المقبري، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ وديعة، عَنْ أَبِي ذر، ورواه ابْنُ أَبِي ذئب، عَنْ سَعِيد، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ وديعة، عَنْ سلمان الفارسي، وهو الصواب.
أَخْرَجَهُ ابْنُ منده وَأَبُو نعيم.
6340- أبو وديعة
س: أبو وديعة أورده جعفر المستغفري والأرغياني في الصحابة، وقال جعفر: هو خذام بن خالد، والد خنساء، أو غيره.
روى أبو معشر، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي وديعة صاحب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من اغتسل يوم الجمعة كغسله من الجنابة، ومس من طيب، أو دهن، كان عنده، ولبس أحسن ما كان عنده من الثياب، ثم لم يفرق بين اثنين، وأنصت إلى الإمام، غفر له ما بين الجمعتين ".
أخرجه أبو موسى.

الشاعر المهجري = وديع ديب

تكملة معجم المؤلفين

الشاعر المدني = قيصر سليم الخوري
الشاعر المهجري = وديع ديب
شاكر مصطفى سليم
(1338 - 1404 هـ) (1919 - 1984 م)
أديب، كاتب.
ولد في بغداد، وفيها نشأ وتعلم، ثم انتقل إلى بريطانيا، وتخصص في الأنثروبولوجيا الاجتماعية ودارساً لها، وقد تركت رسالته التي كتبها عن (قرية الجباش) باللغة الإنجليزية أثراً في توجه الدراسات الأنثروبولوجية في الوطن العربي وأقسام البحوث، ومراكز الدراسات الاجتماعية في العالم، وترجمت الدراسة وطبعت مرتين.
شغل وظيفة مدرس، فأستاذ مساعد في كلية آداب جامعة بغداد (قسم الاجتماع).

من مؤلفاته:
- " ساكني [هكذا] الأهوار في دلتا الفرات"،
المؤسسة الأهلية للطباعة والنشر، د. ت.
- ذكريات 1917 - 1977، تقديم إيتيل عدنان. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1982 (مذكرات).
- مناهل المقدسي. بيروت (¬1).

وديع أمين ديب
(1328 - 1415 هـ) (1910 - 1995 م)
شاعر، كاتب.
يلقب بالشاعر المهجري.
ولد ببلدة الخيام في جنوب لبنان، وتخرج في الجامعة الأمريكية ببيروت، وعمل بالتدريس، ونال درجة الماجستير من الجامعة الأمريكية عن أطروحة عنوانها: "الشعر العربي في المهجر الأمريكي".

قدم للمكتبة مجموعة من المؤلفات، منها:
¬__________
(¬1) مصادر الأدب النسائي في العالم العربي الحديث ص 242 - 243.

وديع جميل تلحوق

تكملة معجم المؤلفين

نساء وأفاع (مسرحية شعرية)، وديوان قلب يغني، وديوان غيوم ظامئة.
كما شارك بكتاباته في العديد من الصحف والمجلات (¬2).

وديع جميل تلحوق
(1333 - 1405 هـ) (1914 - 1984 م)
كاتب، معلِّم.
ولد في عيتات من قرى الشوف في لبنان، وتَخرَّج في الجامعة الأميركية في بيروت حاملاً "بكالوريوس علوم" في فرع التاريخ سنة 1934. دخل الصحافة في دمشق إلى جانب التدريس في بعض المدارس الثانوية، ثم عين مفتشاً للمعارف في جبل الدروز. درَّس في العراق، وعاد إلى الصحافة في دمشق.
عين سنة 1958 م مستشاراً لجامعة الدول العربية، إلى جانب كونه أحد الأعضاء البارزين في مجلس اتحاد الكتاب العرب.
¬__________
(¬2) الفيصل ع 223 (محرم 1416 هـ) ص 124.

وديع رشيد الخوري

تكملة معجم المؤلفين

كتبه المطبوعة:
فلسطين العربية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، 1945.
والصليبية الجديدة في فلسطين، 1948. سايكس بيكو دعامة الاستعمار الأوروبي في بلاد العرب.
قضية فلسطين قبل الفتح العربي. منها تدريس المسألة الفلسطينية في وزارة المعارف السورية، 1948.
إسرائيل: أيها العربي اعرف عدوك، 1950. تاريخ المسألة الفلسطينية: ثلاثة كتب مدرسية لصفوف الشهادات الثلاث الابتدائية والتكميلية والبكالوريا السورية، 1953.
وله مقالات كثيرة في مختلف الصحف والمجلات (¬3).

وديع رشيد الخوري
(1316 - 1397 هـ) (1898 - 1977 م)
شاعر بارع، كاتب عصامي.
¬__________
(¬3) معجم أعلام الدروز 1/ 261 - 262.

وديع يوسف ملاعب

تكملة معجم المؤلفين

لم تسمح له الظروف بإتمام دراسته، فسعى إلى صقل ملكاته بنفسه، إلى أن أضحى شاعراً مرموقاً.
وهو من المسيحيين الذين أولعوا بالقرآن الكريم، مع التعمق في دراسة التاريخ الإسلامي ونهج البلاغة، وأحاط بجانب من الحديث والتفسير.
وكان معجباً بالشاعر إيليا أبو ماضي.
من مؤلفاته: ظهور وتطور الأدب العربي في المهجر الأمريكي (¬1).

وديع يوسف ملاعب
(1333 - 1405 هـ) (1914 - 1984 م)
صحفي، سياسي.
ولد في بيصور بلبنان، واشترك مع علي ناصر الدين في تأسيس "عصبة العمل القومي" ثم انتمى إلى الحزب التقدمي الاشتراكي.
¬__________
(¬1) هكذا عرفتهم 7/ 55 - 71.
بن خذام [ (1) ] ، أحد بني أمية بن زيد بن مالك.
ذكره ابن سعد، وقال: كان أبوه من المنافقين. وفرق بينه وبين ثابت بن يزيد والمعروف بن وديعة. وردّه ابن الأثير.
والّذي يظهر لي أنهما اثنان، لاختلاف نسبهما [ (2) ] ، ولأن الظاهر أن وديعة والد هذا.
وأما ذاك فسيأتي في وديعة اسم أمه.

ز ثعلبة بن وديعة الأنصاريّ

الإصابة في تمييز الصحابة

أحد من تخلّف عن تبوك. تقدم ذكره في ترجمة أوس بن خدام.
بن عمرو بن قيس بن جزيّ بن عديّ بن مالك بن سالم بن الحبلي بن غنم بن عوف بن الخزرج الأنصاريّ.
ذكره موسى بن عقبة، عن ابن شهاب فيمن شهد بدرا، وكذا ذكره أبو الأسود، عن عروة وابن إسحاق والكلبيّ وغيرهما.

عبد اللَّه بن وديعة

الإصابة في تمييز الصحابة

بن حرام الأنصاري.
له صحبة، قاله ابن مندة،
قال: وأخرجه أبو حاتم الرازيّ، ثم أخرج من طريق أبي حاتم، ثم «2» من طريق أبي معشر عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن وديعة صاحب النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم، قال: قال النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم: «من اغتسل يوم الجمعة كغسله من الجنابة ... »
الحديث.
اختلف فيه على سعيد، فقال محمد بن عجلان، عنه، عن أبيه، عن ابن وديعة عن أبي ذر.
وقال ابن أبي ذئب: عن سلمان بدل أبي ذرّ: قال ابن مندة: وهو الصواب.
قلت: هو عند البخاري من حديث سلمان، وعن سعيد فيه رواية رابعة «1» ، قيل: عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وقد أشبعت القول فيه في المقدمة.
وقرأت بخط مغلطاي: إنما ذكره أبو حاتم فيما نقله ابنه عنه في التابعين، وسمى جدّه خداما، بكسر المعجمة ثم دال، وهو كما قال: لكن عمدة ابن مندة ما وقع في سياق سنده حيث وصف بأنه صاحبه، وكون الأصح في الحديث المذكور أنه من روايته عن سلمان لا يدع صحبته، إلا أن أبا معشر ضعيف، وهو مع ذلك على الاحتمال.
وقد أثبت ذكره من أجل ذلك ابن فتحون، وذكره في الصحابة أيضا الباوردي، لكنه لم يسمّ جدّه.
وأخرج من طريق القاسم بن حبان أنه سأل عبد اللَّه بن وديعة عن صلاة الخوف ...
الحديث- موقوف. قال مغلطاي: وذكره في التابعين البخاري، وابن حبان، والدارقطنيّ، وابن خلفون.
بن خذام [ (1) ] ، أحد بني أمية بن زيد بن مالك.
ذكره ابن سعد، وقال: كان أبوه من المنافقين. وفرق بينه وبين ثابت بن يزيد والمعروف بن وديعة. وردّه ابن الأثير.
والّذي يظهر لي أنهما اثنان، لاختلاف نسبهما [ (2) ] ، ولأن الظاهر أن وديعة والد هذا.
وأما ذاك فسيأتي في وديعة اسم أمه.

ز ثعلبة بن وديعة الأنصاريّ

الإصابة في تمييز الصحابة

أحد من تخلّف عن تبوك. تقدم ذكره في ترجمة أوس بن خدام.
بن عمرو بن قيس بن جزيّ بن عديّ بن مالك بن سالم بن الحبلي بن غنم بن عوف بن الخزرج الأنصاريّ.
ذكره موسى بن عقبة، عن ابن شهاب فيمن شهد بدرا، وكذا ذكره أبو الأسود، عن عروة وابن إسحاق والكلبيّ وغيرهما.

عبد اللَّه بن وديعة

الإصابة في تمييز الصحابة

بن حرام الأنصاري.
له صحبة، قاله ابن مندة،
قال: وأخرجه أبو حاتم الرازيّ، ثم أخرج من طريق أبي حاتم، ثم «2» من طريق أبي معشر عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن وديعة صاحب النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم، قال: قال النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم: «من اغتسل يوم الجمعة كغسله من الجنابة ... »
الحديث.
اختلف فيه على سعيد، فقال محمد بن عجلان، عنه، عن أبيه، عن ابن وديعة عن أبي ذر.
وقال ابن أبي ذئب: عن سلمان بدل أبي ذرّ: قال ابن مندة: وهو الصواب.
قلت: هو عند البخاري من حديث سلمان، وعن سعيد فيه رواية رابعة «1» ، قيل: عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وقد أشبعت القول فيه في المقدمة.
وقرأت بخط مغلطاي: إنما ذكره أبو حاتم فيما نقله ابنه عنه في التابعين، وسمى جدّه خداما، بكسر المعجمة ثم دال، وهو كما قال: لكن عمدة ابن مندة ما وقع في سياق سنده حيث وصف بأنه صاحبه، وكون الأصح في الحديث المذكور أنه من روايته عن سلمان لا يدع صحبته، إلا أن أبا معشر ضعيف، وهو مع ذلك على الاحتمال.
وقد أثبت ذكره من أجل ذلك ابن فتحون، وذكره في الصحابة أيضا الباوردي، لكنه لم يسمّ جدّه.
وأخرج من طريق القاسم بن حبان أنه سأل عبد اللَّه بن وديعة عن صلاة الخوف ...
الحديث- موقوف. قال مغلطاي: وذكره في التابعين البخاري، وابن حبان، والدارقطنيّ، وابن خلفون.
بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سوادة بن مالك [بن غنّم بن مالك] «2» بن النجار الأنصاري النجاري.
ويقال هو قيس بن وهرز الفارسيّ الأنباري، حليف الأنصار، ذكره الحاكم، وأخرج عن محمد بن العباس الضبي، عن محمد بن عبد اللَّه القيسي، أنبأنا محمد بن عبد اللَّه بن إبراهيم بن عيسى بن قيس بن أبي وديعة إلى آخر النسب، قال: وحدثنا محمد بن العباس، قال: سمعت أبا إسحاق أحمد بن محمد يقول: سمعت أحمد بن محمد بن داود بن مقرن بن قيس بن أبي وديعة يقول: سمعت أبي وعمّي يحدّثان عن جدّي، أخبرني أبي، عن أبيه قيس بن أبي وديعة- أنه قدم مع العاقب من نجران في الوفد، فدعاهم إلى الإسلام فلم يسلم العاقب، ورجع، فأما قيس بن أبي وديعة فمرض فأقام بالمدينة نازلا على سعد بن عبادة، فعرض عليه الإسلام فأسلم، ورجع إلى حضر موت، وشهد قتال الأسود العنسيّ، ثم انصرف إلى المدينة بعد موت النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلم، وعداده في الأحرار الذين قاتلوا الحبشة مع سيف بن ذي يزن، وكان اسم والده وهرز وأبو وديعة كنيته، قال: وقدم خراسان مع
الحكم بن عمرو الغفاريّ، ثم رجع، ثم قدمها مع المهلّب، ثم استوطن بلخ، وله بها أعقاب، وكذلك بهران وكان من المعمّرين.
. تقدم في خذام بن وديعة، قال البخاريّ في «تاريخه» : حدّثنا عبيد بن يعيش، حدّثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن عبد اللَّه بن أبي بكر، عن عبد اللَّه بن وديعة بن خذام:
أتى إلى عمر بن الخطّاب بميراث سالم مولى أبي حذيفة، فدعا وديعة، فقال: أنتم أحقّ
بولاء سالم. قال: كانت صاحبتنا أعتقته سائبة لا نريده، فجعله عمر رضي اللَّه عنه. في بيت المال.
بن جراد بن يربوع بن طحيل بن عديّ بن الربعة بن رشدان «2» بن قيس بن جهينة الجهنيّ، حليف بني سواد بن مالك بن غنم.
ذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق فيمن شهد بدرا. وقال ابن الكلبيّ: شهد بدرا، وهو حليف لبني النجار.
قال ابن حبّان: يقال: له صحبة. ويحتمل أن يكون الّذي قبله، والّذي يظهر أنه غيره.
الواو بعدها الراء
غير منسوب.
استدركه أبو موسى، وقال:
أورده محمّد بن المسيّب، وجعفر المستغفريّ في الصحابة، وأخرج من طريقهما من رواية بشر بن الوليد، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي وديعة صاحب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم: «من اغتسل يوم الجمعة كغسله من الجنابة ومسّ من طيب أو من دهن كان عنده، ولبس أحسن ما كان عنده من الثّياب، ثمّ لم يفرّق بين اثنين، وأنصت إلى الإمام إذا جاء- غفر له ما بين الجمعتين» «1» .
قلت: وقول الراويّ في السند صاحب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم وهم، فإن أبا وديعة هذا تابعيّ معروف، واسمه عبد اللَّه بن وديعة، أخرج حديثه البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن سلمان، وقد رواه يحيى بن القطان، عن محمد بن عجلان، عن سعيد، فقال: عن أبي ذر- بدل سلمان. أخرجه ابن ماجة، وقد أقره ابن الأثير، فلم يتنبه لعلته، وأعجب منه الذهبي فإنه قال في التجريد: أورده المستغفري في الصحابة بإسناد مقارب بيّن، يعني ما أخرجه موسى.
قلت: وأبو معشر هو نجيح المدني ضعيف، وسنده مقارب، كما قال لو لم يخالف، لكن مع المخالفة إنما يقال له إنه منكر، وقد غلط في إسقاط الصحابي وتبقية وصفه. واللَّه المستعان.

‏<br> ثابت بن وديعة،

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


ينسب إلى جده، وهو ثابت بن يزيد بن وديعة ابن عمرو بن قيس بن جزي بن عدي بن مالك بن سالم وهو الحبلي بن عوف

في ى: زيد. والمثبت من م.



ابن عمرو بن الخزرج الأكبر الأنصاري.

قَالَ الواقدي: يكنى أبا سعيد ، وأمه أم ثابت بن عمرو بن جبلة ابن سنان، يعد في الكوفيين.

روى عنه زيد بن وهب وعامر بن سعد، وقد روى عنه البراء ابن عازب حديثه في الضب. يختلفون فيه اختلافًا كثيرًا، وأما حديثه في الحمر الأهليه يوم خيبر فصحيح.

‏<br> خذام بن وديعة الأنصاري،

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


من الأوس. وقيل: خذام بن خالد، هو والد خنساء بنت خذام التي أنكحها أبوها كارهة، فرد رَسُول اللَّهِ ﷺ نكاحها، واختلف فيها هل كانت بكرا أو ثيبا، على ما ذكرناه في بابها، واختلف في نزول عثمان بن عفان على خذام هذا في حين هجرة عثمان إلى المدينة.

‏<br> زيد بن وديعة بن عمرو بن قيس بن جزي بن عدي بن مالك بن سالم الحبلي،

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


ذكره موسى بن عقبة فيمن شهد بدرا من بني عوف بن الخزرج، وذكره غيره فيمن شهد بدرا، وأحدا.

‏<br> عبد العزيز بْن بدر بْن زَيْد بْن مُعَاوِيَة بْن خشان بْن سعد ابن وديعة بْن مبذول بْن عدي بْن عثم بْن الربعة الربعي القضاعي.

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


وفد على النَّبِيّ ﷺ فقال له: ما اسمك؟ قَالَ: عبد العزى، فغير عَلَيْهِ السلام اسمه، وسماه عَبْد الْعَزِيزِ، وذكره ابْن الكلبي فِي نسب قضاعة.

) عبد عَمْرو بْن كَعْب بْن عبادة،

يعرف بالأصم، ذكره ابْن الكلبي فيمن وفد إِلَى النَّبِيّ ﷺ من بني البكاء مع مُعَاوِيَة بْن ثور وابنه بشر.

‏<br> خنساء بنت خدام بْن وديعة الأنصارية،

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


وهي من الأوس، أنكحها أبوها، وهي كارهة، فرد رَسُول اللَّهِ ﷺ نكاحها. واختلفت الأحاديث فِي حالها فِي ذلك الوقت، ففي نقل مالك، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن القاسم، عَنْ أبيه، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ ومجمع ابْني يزيد بْن جارية، عَنْ خنساء- أنها كانت ثيبًا، وذكر ابْن المبارك، عَنِ الثوري، عَنْ عَبْد الرحمن ابن القاسم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن يَزِيد بْن وديعة، عَنْ خنساء بنت خدام أنها كانت يومئذ بكرًا. والصحيح نقل مالك فِي ذلك إن شاء اللَّه تعالى.

وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدَّتِهِ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِدَامِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: وَكَانَتْ أَيِّمًا مِنْ رَجُلٍ، فَزَوَّجَهَا أَبُوهَا رَجُلا مِنْ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّهَا خُطِبَتْ إِلَى أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، فَارْتَفَعَ شَأْنُهُمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ رسول الله ﷺ أباها أَنْ يُلْحِقَهَا بِهَوَاهَا، فَتَزَوَّجَتْ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ. رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ وغيره، عن ابن إسحاق.

ليس في أ.

بالخاء المعجمة المكسورة والدال المهملة. (التقريب) . وفي أسد الغابة: خذام.

في أسد الغابة: بن وديعة بن خالد الأنصارية.

ليس في أ

أ: فخطبت.

التَّعْرِيفُ: 1 ـ الْوَدِيعَةُ فِي اللُّغَةِ: مَا اسْتُودِعَ، وَهِيَ وَاحِدَةُ الْوَدَائِعِ، يُقَال: أَوْدَعَهُ مَالاً أَيْ دَفَعَهُ إِلَيْهِ لِيَكُونَ وَدِيعَةً عِنْدَهُ، وَأَوْدَعَهُ مَالاً أَيْضًا: قَبِلَهُ مِنْهُ، وَهُوَ مِنَ الأَْضْدَادِ.
وَيُقَال: أَوْدَعْتُ زَيْدًا مَالاً وَاسْتَوْدَعْتُهُ إِيَّاهُ إِذَا دَفَعْتَهُ إِلَيْهِ لِيَكُونَ عِنْدَهُ، فَأَنَا مُودِعٌ وَمُسْتَوْدِعٌ، وَزَيْدٌ مُودَعٌ وَمُسْتَوْدَعٌ، وَالْمَال أَيْضًا مُودَعٌ وَمُسْتَوْدَعٌ، أَيْ وَدِيعَةٌ. (1)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ الْمَال الْمَوْضُوعُ عِنْدَ الْغَيْرِ لِيَحْفَظَهُ، وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: بِلاَ عِوَضٍ.
وَالإِْيدَاعُ: تَسْلِيطُ الْغَيْرِ عَلَى حِفْظِ مَالِهِ، وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ " تَبَرُّعًا ". (2)
__________
(1) الْمِصْبَاحُ الْمُنِيرُ، مُخْتَارُ الصِّحَاحِ، الْمُعْجَمُ الْوَسِيطُ، مُعْجَمُ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ 6 / 96.
(2) تَكْمِلَةُ فَتْحِ الْقَدِيرِ 7 / 88 الطَّبْعَةُ الأَْمِيرِيَّةُ، الْفَوَاكِهُ الدَّوَانِي 2 / 185، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 324، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 166.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أـ الأَْمَانَةُ:
2 ـ الأَْمَانَةُ فِي اللُّغَةِ: ضِدُّ الْخِيَانَةِ، مَصْدَرُ أَمِنَ، يُقَال: أَمِنَ أَمَانَةً فَهُوَ أَمِينٌ، ثُمَّ اسْتُعْمِل الْمَصْدَرُ فِي الأَْعْيَانِ مَجَازًا فَقِيل الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ. (1)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ هِيَ الشَّيْءُ الَّذِي يُوجَدُ عِنْدَ الأَْمِينِ، سَوَاءٌ أَكَانَ أَمَانَةً بِعَقْدِ الاِسْتِحْفَاظِ كَالْوَدِيعَةِ، أَوْ كَانَ أَمَانَةً مِنْ ضِمْنِ عَقْدٍ آخَرَ، كَالْمَأْجُورِ وَالْمُسْتَعَارِ، أَوْ دَخَل بِطَرِيقِ الأَْمَانَةِ فِي يَدِ شَخْصٍ بِدُونِ عَقْدٍ وَلاَ قَصْدٍ، كَمَا لَوْ أَلْقَتِ الرِّيحُ فِي دَارِ أَحَدٍ مَال جَارِهِ، فَحَيْثُ كَانَ ذَلِكَ بِدُونِ عَقْدٍ لاَ يَكُونُ وَدِيعَةً، بَل أَمَانَةً فَقَطْ (2) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالأَْمَانَةِ أَنَّ الأَْمَانَةَ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنَ الْوَدِيعَةِ؛ لأَِنَّ الْوَدِيعَةَ نَوْعٌ مِنَ الأَْمَانَةِ.

ب ـ الإِْعَارَةُ:
3 ـ الإِْعَارَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ التَّعَاوُرِ، وَهُوَ التَّدَاوُل وَالتَّنَاوُبُ مَعَ الرَّدِّ، وَهِيَ مَصْدَرُ أَعَارَ، وَالاِسْمُ مِنْهُ: الْعَارِيَةُ. (3)
__________
(1) الْمَغْرِبُ، وَالْمِصْبَاحُ الْمُنِيرِ، وَالْقَامُوسُ الْمُحِيطُ.
(2) مَجَلَّةُ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ مَادَّةُ 762.
(3) تَاجُ الْعَرُوسِ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: إِبَاحَةُ الاِنْتِفَاعِ بِمَا يَحِل الاِنْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ (1) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالإِْعَارَةِ أَنَّ الْيَدَ فِي كُلٍّ مِنَ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَةِ يَدُ أَمَانَةٍ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ.

ج ـ اللُّقَطَةُ:
4 ـ اللُّقْطَةُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي تَجِدُهُ مُلْقًى فَتَأْخُذُهُ. (2)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ الْمَال الضَّائِعُ مِنْ رَبِّهِ، يَلْتَقِطُهُ غَيْرُهُ (3) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ يَدَ الْمُلْتَقِطِ أَثْنَاءَ الْحَوْل يَدُ أَمَانَةٍ، وَإِنْ تَلَفَتْ عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ أَثْنَاءَ الْحَوْل بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ أَوْ نَقَصَتْ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ كَالْوَدِيعَةِ، وَإِنْ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ ضَمِنَ.

د ـ الْغَصْبُ:
5 ـ الْغَصْبُ فِي اللُّغَةِ: أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا وَقَهْرًا. (4)
وَاصْطِلاَحًا: الاِسْتِيلاَءُ عَلَى حَقِّ
__________
(1) مُغْنِي الْمُحْتَاجِ 2 / 263.
(2) الْمِصْبَاحُ الْمُنِيرُ.
(3) الْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ 6 / 318.
(4) الْمِصْبَاحُ الْمُنِيرُ.

الْغَيْرِ عُدْوَانًا (1) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالْغَصْبِ: التَّضَادُّ.

مَشْرُوعِيَّةُ الْوَدِيعَةِ:
6 ـ اسْتَدَل الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَدِيعَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول.
أَمَّا الْكِتَابُ: فَبِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ( {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} ) (2) ، حَيْثُ أَمَرَ سُبْحَانَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالتَّعَاهُدِ وَالتَّسَاعُدِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَدِيعَةُ، قَال فِي النَّظْمِ الْمُسْتَعْذَبِ: إِذِ الْبَرُّ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ كُلِّهِ، وَالتَّقْوَى مِنَ الْوِقَايَةِ، أَيْ مَا يَقِي الإِْنْسَانَ مِنَ الأَْذَى فِي الدُّنْيَا وَمِنَ الْعَذَابِ فِي الآْخِرَةِ. (3)
وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ( {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} ) . (4)
فَالآْيَةُ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الأَْمَانَاتِ؛ لأَِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لاَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَبِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَدِّ الأَْمَانَةَ
__________
(1) مُغْنِي الْمُحْتَاجِ 2 / 275.
(2) سُورَةُ الْمَائِدَةِ / 2.
(3) النَّظْمُ الْمُسْتَعْذَبُ لاِبْنِ بَطَّالٍ الرُّكْبِيِّ 1 / 366، وَرَوْضَةُ الْقُضَاةِ لِلسِّمْنَانِيِّ 2 / 608.
(4) سُورَةُ النِّسَاءِ / 58.

إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ " (1) .
وَبِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ،. . وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ " (2) .
وَلاَ شَكَّ أَنَّ مِنْ عَوْنِ الْمُسْلِمِ لأَِخِيهِ قَبُول وَدِيعَتِهِ لِيَحْفَظَهَا لَهُ عِنْدَ احْتِيَاجِهِ إِلَى إِيدَاعِهَا عِنْدَهُ.
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: وَأَمَرَ ـ تَعْنِي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ بِمَكَّةَ حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ " (3) .
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدَ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الْوَدِيعَةِ فِي الْجُمْلَةِ (4) .
__________
(1) حَدِيثُ: " أَدِّ الأَْمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ. . ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (3 / 555 ـ ط الْحَلَبِيِّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
(2) حَدِيثُ: " مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً. . " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (4 / 2074 ـ ط الْحَلَبِيِّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(3) حَدِيثُ عَائِشَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَتَخَلَّفَ. . . " أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى (6 / 289 ـ ط دَائِرَةُ الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ) .
(4) مَجْمَعُ الأَْنْهُرِ 2 / 338، وَكِفَايَةُ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ، وَحَاشِيَةُ الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ 2 / 253، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 79، وَشَرْحُ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 449.

وَأَمَّا الْمَعْقُول: فَلأَِنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً بَل ضَرُورَةً إِلَيْهَا (1) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
7 ـ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لِلْوَدِيعَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
أـ فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: قَبُول الْوَدِيعَةِ مُسْتَحَبٌّ، لأَِنَّهَا مِنْ بَابِ الإِْعَانَةِ، وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ (2) لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ( {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} ) (3) ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ " (4) .
قَال السِّمْنَانِيُّ: وَعِنْدَنَا لاَ يَجِبُ قَبُول الْوَدِيعَةِ بِحَالٍ. (5)
ب ـ وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ قَبُولَهَا مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ ثِقَةٌ قَادِرٌ عَلَى حِفْظِهَا، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ؛ لأَِنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِصَاحِبِهَا، إِلاَّ أَنْ يَرْضَى رَبُّهَا بَعْدَ إِعْلاَمِهِ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ لاَ يَعْلَمُهُ،
__________
(1) مُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 79.
(2) الدُّرُّ الْمُخْتَارُ 4 / 494، وَمَجْمَعُ الأَْنْهُرِ 2 / 338، وَالْكِفَايَةُ عَلَى الْهِدَايَةِ 7 / 452، وَالْبَحْرُ الرَّائِقُ 7 / 273، وَعُقُودُ الْجَوَاهِرِ الْمُنِيفَةِ لِلزُّبَيْدِيِّ 2 / 78، وَالْمَبْسُوطُ لِلسَّرَخْسِيِّ 11 / 109.
(3) سُورَةُ الْمَائِدَةِ / 2.
(4) حَدِيثُ: " وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ. . . " (سَبَقَ تَخْرِيجُهُ ف6) .
(5) رَوْضَةُ الْقُضَاةِ لِلسِّمْنَانِيِّ 2 / 613.

لاِنْتِفَاءِ التَّغْرِيرِ. (1)
ج ـ وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: حُكْمُ الْوَدِيعَةِ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهَا: الإِْبَاحَةُ فِي حَقِّ الْفَاعِل وَالْقَابِل عَلَى السَّوَاءِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ وُجُوبُهَا فِي حَقِّ الْفَاعِل إِذَا خُشِيَ ضَيَاعُهَا أَوْ هَلاَكُهَا إِنْ لَمْ يُودِعْهَا، مَعَ وُجُودِ قَابِلٍ لَهَا قَادِرٍ عَلَى حِفْظِهَا.
وَحُرْمَتُهَا إِذَا كَانَ الْمَال مَغْصُوبًا أَوْ مَسْرُوقًا، لِوُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى رَدِّهِ لِمَالِكِهِ.
كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْقَابِل قَدْ يَعْرِضُ لَهَا الْوُجُوبُ، كَمَا إِذَا خَافَ رَبُّهَا عَلَيْهَا عِنْدَهُ مِنْ ظَالِمٍ، وَلَمْ يَجِدْ صَاحِبُهَا مَنْ يَسْتَوْدِعُهَا غَيْرَهُ، فَيَلْزَمُهُ عِنْدَئِذٍ الْقَبُول قِيَاسًا عَلَى مَنْ دُعِيَ إِلَى أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةٍ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَشْهَدُ سِوَاهُ. وَالتَّحْرِيمُ، كَالْمَال الْمَغْصُوبِ يَحْرُمُ قَبُولُهُ؛ لأَِنَّ فِي إِمْسَاكِهِ إِعَانَةً عَلَى عَدَمِ رَدِّهِ لِمَالِكِهِ. وَالنَّدْبُ، إِذَا خَشِيَ مَا يُوجِبُهَا دُونَ تَحَقُّقِهِ. وَالْكَرَاهَةُ، إِذَا خَشِيَ مَا يُحَرِّمُهَا دُونَ تَحَقُّقِهِ. (2)
__________
(1) كَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 185، وَشَرْحُ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 450، وَالْمُبْدِعُ 5 / 233.
(2) كِفَايَةُ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ وَحَاشِيَةُ الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ 2 / 220، ط الْحَلَبِيِّ وَالْمُقْدِّمَاتُ الْمُمَهِّدَاتُ 2 / 465، وَالْبُنَانِيِّ عَلَى شَرْحِ الزُّرْقَانِيِّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 114، وَمَوَاهِبُ الْجَلِيل 5 / 251، وَالتَّاجُ وَالإِْكْلِيل 5 / 266.

د ـ وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى حِفْظِ الْوَدِيعَةِ وَأَدَاءِ الأَْمَانَةِ فِيهَا أَنْ يَقْبَلَهَا؛ لأَِنَّهُ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ غَيْرُهُ، وَخَافَ إِنْ لَمْ يَقْبَل أَنْ تَهْلَكَ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَصْل قَبُولِهَا، أَيْ لَزِمَهُ بِعَيْنِهِ؛ لأَِنَّ حُرْمَةَ مَال الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ، وَلَكِنْ دُونُ أَنْ يُتْلِفَ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ وَحِرْزِهِ فِي الْحِفْظِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، كَمَا فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِالأُْجْرَةِ، قَال النَّوَوِيُّ: وَلَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُول وَدِيعَةٍ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا وَتَلَفَتْ فَهُوَ عَاصٍ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمِ الْحِفْظَ (1) .
أَمَّا إِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ حِفْظِهَا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبُولُهَا؛ لأَِنَّهُ يُغَرِّرُ بِهَا وَيُعَرِّضُهَا لِلْهَلاَكِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهَا.
قَال ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَمَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ الْمَالِكُ، فَإِنْ عَلِمَ الْمَالِكُ بِحَالِهِ فَلاَ يَحْرُمُ.
وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: الأَْوْجَهُ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِمَا، أَمَّا عَلَى الْمَالِكِ فَلإِِضَاعَتِهِ مَالِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْمُودِعِ فَلإِِعَانَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَعِلْمُ الْمَالِكِ بِعَجْزِهِ لاَ يُبِيحُ لَهُ الْقَبُول.
وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، لَكِنَّهُ لاَ يَثِقُ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ، أَيْ لاَ يَأْمَنُ أَنْ يَخُونَ فِيهَا،
__________
(1) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 353.

فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا الْحُرْمَةُ، وَالثَّانِي الْكَرَاهَةُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. (1)
حَقِيقَةُ الْوَدِيعَةِ:
8 ـ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِيقَةِ الْوَدِيعَةِ، هَل هِيَ عَقَدٌ أَمْ مُجَرَّدُ إِذْنٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: (2)
الأَْوَّل: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الأَْصَحِّ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَنَّهَا عَقْدُ تَوْكِيلٍ مِنْ جِهَةِ الْمُوْدِعِ، وَتَوَكُّلٍ مِنْ جِهَةِ الْوَدِيعِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْوَكَالَةَ مِنْ نَوْعٍ خَاصٍّ؛ لأَِنَّهَا إِقَامَةُ الْغَيْرِ مَقَامَ النَّفْسِ فِي الْحِفْظِ دُونَ التَّصَرُّفِ، بِخِلاَفِ الْوَكَالَةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي هِيَ إِقَامَةُ الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ مَمْلُوكٍ لَهُ.
وَعَبَّرَ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ حَقِيقَةِ الْوَدِيعَةِ بِأَنَّهَا عَقْدٌ وَهِيَ تَسْلِيطُ الْغَيْرِ عَلَى حِفْظِ مَالِهِ صَرِيحًا أَوْ دَلاَلَةً.

الثَّانِي: لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْوَدِيعَةَ
__________
(1) الْمُهَذَّبُ 1 / 365، تُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ وَحَوَاشِيهِ 7 / 99، وَكِفَايَةُ الأَْخْيَارِ 2 / 7، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 324، وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 74.
(2) رَوْضَةُ الْقُضَاةِ 2 / 616، الْمُبْدِعُ 5 / 233، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 113، وَتُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 98، وَالْمُهَذَّبُ 1 / 366، وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 75، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 326.

مُجَرَّدُ إِذَنٍ وَتَرْخِيصٍ مِنَ الْمَالِكِ لِغَيْرِهِ بِحِفْظِ مَالِهِ، أَشْبَهَ بِالضِّيَافَةِ. فَكَمَا أَنَّ الضِّيَافَةَ تَرْخِيصٌ وَإِذْنٌ مِنَ الْمَالِكِ لِلضَّيْفِ بِاسْتِهْلاَكِ الطَّعَامِ الْمُقَدَّمِ لَهُ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا عَقْدٌ أَوْ تَمْلِيكٌ، فَكَذَلِكَ الْوَدِيعَةُ مُجَرَّدُ إِذْنٍ مِنَ الْمَالِكِ لِلْوَدِيعِ فِي حِفْظِ مَالِهِ، وَلَيْسَتْ بِعَقْدٍ. (1)
وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلاَفِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ـ كَمَا حَكَى النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ ـ فِي الْفُرُوعِ التَّالِيَةِ:
أـ إِذَا أَوْدَعَ رَجُلٌ مَالاً عِنْدَ صَبِيٍّ فَأَتْلَفَهُ، فَفِي ضَمَانِهِ قَوْلاَنِ بِنَاءً عَلَى الْخِلاَفِ فِي الْوَدِيعَةِ هَل هِيَ عَقْدٌ بِرَأْسِهِ أَمْ مُجَرَّدُ إِذْنٍ؟ فَإِنْ قِيل: هِيَ عَقْدٌ، لَمْ يَضْمَنْهُ الصَّبِيُّ، وَإِنْ قِيل: إِذْنٌ، ضَمِنَهُ.
ب ـ نِتَاجُ الْبَهِيمَةِ الْمُودَعَةِ، هَل تُعْتَبَرُ فِيهِ أَحْكَامُ الْوَدِيعَةِ أَمْ لاَ؟ قَوْلاَنِ. فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْوَدِيعَةَ عَقْدٌ، فَالْوَلَدُ وَدِيعَةٌ كَالأُْمِّ، وَإِنْ قُلْنَا:
__________
(1) شَرْحُ مَيَّارَةِ عَلَى تُحْفَةِ ابْنِ عَاصِمٍ 2 / 188، وَمَوَاهِبُ الْجَلِيل 5 / 250، وَحَاشِيَةُ الْبُنَانِيِّ عَلَى شَرْحِ الزُّرْقَانِيِّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 113، وَالتَّاجُ وَالإِْكْلِيل لِلْمَوَّاقِ 5 / 250، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 326، 327، وَانْظُرْ تُحْفَةَ الْمُحْتَاجِ 7 / 103، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 79، وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 75، 76، وَالْمُهَذَّبُ 1 / 366، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 167، وَالْبَدَائِعُ 6 / 207، وَحَاشِيَةُ ابْنِ عَابِدِينَ، وَالدَّرُّ الْمُخْتَارُ 4 / 493، وَالْمَجَلَّةُ مَادَّةَ (773) .

إِذْنٌ، فَلَيْسَ بِوَدِيعَةٍ، بَل هُوَ أَمَانَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي يَدِهِ، وَعَلَيْهِ رَدُّهَا فِي الْحَال، حَتَّى لَوْ لَمْ يُؤَدِّ مَعَ التَّمَكُّنِ ضَمِنَ.
ج ـ إِذَا عَزَل الْمُودِعُ نَفْسَهُ، فَفِي انْعِزَالِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَدِيعَةَ إِذْنٌ أَمْ عَقْدٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: إِذْنٌ، فَالْعَزْل لَغْوٌ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لِلضِّيفَانِ فِي أَكْل طَعَامِهِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: عَزَلْتُ نَفْسِي، يَلْغُو قَوْلُهُ، وَلَهُ الأَْكْل بِالإِْذْنِ السَّابِقِ، فَعَلَى هَذَا تَبْقَى الْوَدِيعَةُ بِحَالِهَا وَلاَ تَنْفَسِخُ، وَإِنْ قُلْنَا: عَقْدٌ، انْفَسَخَتْ، وَبَقِيَ الْمَال فِي يَدِهِ أَمَانَةً شَرْعِيَّةً، كَثَوْبِ الْغَيْرِ الَّذِي طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ إِلَى دَارِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ عِنْدَ التَّمَكُّنِ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ صَاحِبُهُ عَلَى الأَْصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل ضَمِنَ. (1)

خَصَائِصُ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ:
9 ـ يَتَّضِحُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ خَصَائِصَ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ ثَلاَثٌ:
(إِحْدَاهَا) أَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، أَيْ غَيْرُ لاَزِمٍ فِي حَقِّ أَيٍّ مِنْهُمَا، فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُبَادِرَ لِفَسْخِهِ وَالتَّحَلُّل مِنْهُ مَتَى شَاءَ، دُونَ
__________
(1) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 326، 327، وَانْظُرْ تُحْفَةَ الْمُحْتَاجِ 7 / 103، وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 75 ـ 76.

تَوَقُّفٍ عَلَى رِضَا الطَّرَفِ الآْخَرِ أَوْ مُوَافَقَتِهِ، (1) وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا أَوْ جُنُونِهِ أَوْ إِغْمَائِهِ.
وَعَلَى ذَلِكَ، فَمَتَى أَرَادَ الْمُودِعُ اسْتِرْدَادَ وَدِيعَتِهِ، لَزِمَ الْوَدِيعُ رَدَّهَا إِلَيْهِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ( {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} ) (2) ، وَمَتَى أَرَادَ الْوَدِيعُ رَدَّهَا لِصَاحِبِهَا لَزِمَهُ أَخْذُهَا مِنْهُ؛ لأَِنَّ الأَْصْل فِي الْمُسْتَوْدَعِ أَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِإِمْسَاكِهَا وَحِفْظِهَا، فَلاَ يَلْزَمُهُ التَّبَرُّعُ فِي الْمُسْتَقْبَل (3) . وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (774) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: " لِكُلٍّ مِنَ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَوْدِعِ فَسْخُ عَقْدِ الإِْيدَاعِ مَتَى شَاءَ ".
غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ اسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا الأَْصْل حَالَةَ لُحُوقِ الضَّرَرِ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ نَتِيجَةَ فَسْخِ الآْخَرِ عَقْدَ الْوَدِيعَةِ بِدُونِ رِضَاهُ، فَقَال الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ: " الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ إِذَا اقْتَضَى فَسْخُهَا
__________
(1) الْمُغْنِي لاِبْنِ قُدَامَةَ 9 / 256ط هَجَرَ، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 185، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 326، وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 76، الزُّرْقَانِيُّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 125، الْقَوَانِينُ الْفِقْهِيَّةُ ص 397، دُرَرُ الْحُكَّامِ لِعَلِي حَيْدَرْ 2 / 228، وَشَرْحُ الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 240، وَانْظُرِ الْمَادَّةَ (831) مِنْ مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ وَالْمَادَّةَ (1326) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ.
(2) سُورَةُ النِّسَاءِ / 58.
(3) دُرَرُ الْحُكَّامِ 2 / 228، وَفَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ ص 217.

ضَرَرًا عَلَى الآْخَرِ امْتَنَعَ، وَصَارَتْ لاَزِمَةً. وَلِهَذَا قَال النَّوَوِيُّ: لِلْوَصِيِّ عَزْل نَفْسِهِ إِلاَّ أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ تَلَفُ الْمَال بِاسْتِيلاَءِ ظَالِمٍ مِنْ قَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ. قُلْتُ: وَيَجْرِي مَثَلُهُ فِي الشَّرِيكِ وَالْمُقَارِضِ (1) .
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا مِنَ الْقَوْل بِجَوَازِ رَدِّهَا فِي حَقِّ الْوَدِيعِ مَتَى شَاءَ حَالَةَ مَا إِذَا كَانَ قَبُولُهَا وَاجِبًا عَلَيْهِ أَوْ مَنْدُوبًا إِذَا لَمْ يَرْضَ مَالِكُهَا بِرَدِّهَا إِلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْقَوْل بِجَوَازِ رَدِّهَا حِينَئِذٍ فِي حَقِّ الْوَدِيعِ مُنَافٍ لِلْقَوْل بِوُجُوبِ حِفْظِهَا عَلَيْهِ حَيْثُ وَجَبَ، أَوْ بِنَدْبِهِ حَيْثُ نُدِبَ، فَجَاءَ فِي تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ: وَلَهُمَا، يَعْنِي: لِلْمَالِكِ الاِسْتِرْدَادُ، وَلِلْوَدِيعِ الرَّدُّ فِي كُل وَقْتٍ، لِجَوَازِهَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ، نَعَمْ، يَحْرُمُ الرَّدُّ حَيْثُ وَجَبَ الْقَبُول، وَيَكُونُ خِلاَفَ الأَْوْلَى حَيْثُ نُدِبَ، وَلَمْ يَرْضَهُ الْمَالِكُ. (2) وَقَال الرَّمْلِيُّ: " وَلَوْ طَالَبَ الْمُودِعَ الْمَالِكَ بِأَخْذِ وَدِيعَتِهِ، لَزِمَهُ أَخْذُهَا؛ لأَِنَّ قَبُول الْوَدِيعَةِ لاَ يَجِبُ، فَكَذَا اسْتِدَامَةُ حِفْظِهَا، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي حَالَةٍ يَجِبُ فِيهَا الْقَبُول، يَجُوزُ لِلْمَالِكِ الاِمْتِنَاعُ. (3)
(وَالثَّانِيَةُ) أَنَّهُ عَقْدُ أَمَانَةٍ. وَعُقُودُ الأَْمَانَةِ هِيَ
__________
(1) حَاشِيَةُ الرَّمْلِيِّ عَلَى أَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 76.
(2) تُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ لاِبْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ 7 / 105.
(3) حَاشِيَةُ الرَّمْلِيِّ عَلَى أَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 84.

الْعُقُودُ الَّتِي يَكُونُ الْمَال الْمَقْبُوضُ فِي تَنْفِيذِهَا أَمَانَةً فِي يَدِ قَابِضِهِ لِحِسَابِ صَاحِبِهِ، فَلاَ يَكُونُ الْقَابِضُ مَسْئُولاً عَمَّا يُصِيبُهُ مِنْ تَلَفٍ فَمَا دُونَهُ إِلاَّ إِذَا تَعَدَّى عَلَيْهِ أَوْ قَصَّرَ فِي حِفْظِهِ، كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالإِْجَارَةِ وَالْوِصَايَةِ.
وَإِنَّمَا كَانَتِ الْوَدِيعَةُ كَذَلِكَ؛ لأَِنَّ الأَْصْل فِيهَا أَنَّهَا مَعْرُوفٌ وَإِحْسَانٌ مِنَ الْوَدِيعِ، فَلَوْ ضَمِنَ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ أَوْ تَفْرِيطٍ، لاَمْتَنَعَ النَّاسُ عَنْ قَبُول الْوَدَائِعِ، وَذَلِكَ مُضِرٌّ بِهِمْ، إِذْ كَثِيرًا مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا أَوْ يَضْطَرُّونَ.
وَقَدْ نَبَّهَ الْفُقَهَاءُ إِلَى تَمَيُّزِ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ وَاخْتِصَاصِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ عُقُودِ الأَْمَانَةِ بِأَنَّ مَوْضُوعَهُ وَمَقْصِدَهُ الأَْسَاسَ: الاِئْتِمَانُ عَلَى الْحِفْظِ دُونَ أَيِّ غَرَضٍ آخَرَ كَالتَّصَرُّفِ أَوِ الاِنْتِفَاعِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِتَمْحُّضِهِ وَتَجَرُّدِهِ لِلْحِفْظِ فَقَطْ، بِخِلاَفِ عُقُودِ الأَْمَانَةِ الأُْخْرَى، فَإِنَّ الاِئْتِمَانَ عَلَى الْحِفْظِ فِيهَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ أَصَالَةً، بَل ضِمْنًا، فَفِي الإِْجَارَةِ مَثَلاً، يُلاَحَظُ أَنَّ غَرَضَ الْعَقْدِ وَغَايَتَهُ الأَْصْلِيَّةَ إِنَّمَا هِيَ تَمْلِيكُ مَنَافِعِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ بِعِوَضٍ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَأَنَّ الاِئْتِمَانَ عَلَى الْحِفْظِ أَمْرٌ ضِمْنِيٌّ تَابِعٌ لِذَلِكَ الْمَقْصِدِ. وَفِي الْوِلاَيَةِ عَلَى الْمَال وَالْوِصَايَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ يَبْرُزُ غَرَضُ الْعَقْدِ وَهَدَفُهُ الأَْسَاسُ: أَنَّهُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَال فِي الْحُدُودِ الَّتِي

رَسَمَهَا الشَّارِعُ أَوْ فَوَّضَ فِيهَا الْمُوَكِّل أَوِ الشَّرِيكُ، وَالْحِفْظُ فِيهَا ضِمْنِيٌّ. وَفِي الرَّهْنِ ـ عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهُ مِنْ عُقُودِ الأَْمَانَةِ ـ يُعْتَبَرُ مَوْضُوعُ الْعَقْدِ وَمَقْصِدُهُ تَوْثِيقُ الدَّيْنِ، وَالاِئْتِمَانُ عَلَى الْحِفْظِ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ غَرَضٍ ضِمْنِيٍّ تَابِعٍ لِلْمَقْصِدِ الأَْسَاسِ. (1)
وَتَصْنِيفُ الْوَدِيعَةِ مِنْ عُقُودِ الأَْمَانَةِ لاَ مِنْ عُقُودِ الضَّمَانِ هُوَ رَأْيُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَأَهْل الْعِلْمِ، بِاسْتِثْنَاءِ رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ ذَكَرَ فِيهَا اعْتِبَارَ الْوَدِيعَةِ مَضْمُونَةً فِي يَدِ الْوَدِيعِ إِذَا هَلَكَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ. (2)
(وَالثَّالِثَةُ) أَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ. إِذْ لاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الأَْصْل فِي الْوَدِيعَةِ أَنَّهَا مِنْ عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى أَسَاسِ الرِّفْقِ وَالْمَعُونَةِ وَتَنْفِيسِ الْكُرْبَةِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ، فَلاَ تَسْتَوْجِبُ مِنَ الْمُودِعِ بَدَلاً عَنْ حِفْظِ الْوَدِيعَةِ، خِلاَفًا
__________
(1) دُرَرُ الْحُكَّامِ 2 / 195.
(2) الْبَحْرُ الرَّائِقُ 7 / 273، وَمَجْمَعُ الأَْنْهُرِ 2 / 338، وَالدَّرُّ الْمُخْتَارُ 4 / 494، وَرَوْضَةُ الْقُضَاةِ لِلسِّمْنَانِيِّ 2 / 617، وَالْمُغْنِي 9 / 257، وَالْمُبْدِعُ 5 / 233، وَأَسْنَى الْمَطَالِبُ 3 / 76، وَالْمُهَذَّبُ 1 / 366، وَالْقَوَانِينُ الْفِقْهِيَّةُ ص 379، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 114، وَانْظُرِ الْمَادَّةَ (777) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ، وَالْمَادَّةَ (817) ، (118) مِنْ مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ، وَالْمَادَّةَ (1359) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ.

لِعُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَالِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى أَسَاسِ إِنْشَاءِ حُقُوقٍ وَالْتِزَامَاتٍ مَالِيَّةٍ مُتَقَابِلَةٍ بَيْنَ الْعَاقِدِينَ.
غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَشْرُوعِيَّةِ اشْتِرَاطِ عِوَضٍ فِيهَا لِلْوَدِيعِ مُقَابِل حِفْظِهِ لِلْوَدِيعَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أ) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَدِيعِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَجْرًا عَلَى حِفْظِ الْوَدِيعَةِ، وَاعْتَبَرُوا شَرْطَهُ صَحِيحًا مُلْزَمًا. (1) وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (814) مِنْ مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ: لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةً عَلَى حِفْظِ الْوَدِيعَةِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ. بَل إِنَّ الشَّافِعِيَّةَ نَصُّوا عَلَى حَقِّ الْوَدِيعِ فِي أَخْذِ الأُْجْرَةِ عَلَى الْحِفْظِ وَالْحِرْزِ حَيْثُ يَكُونُ قَبُول الْوَدِيعَةِ وَاجِبًا عَلَى الْوَدِيعِ لِتَعَيُّنِهُ، قَالُوا: لأَِنَّ الأَْصَحَّ جَوَازُ أَخْذِ الأُْجْرَةِ عَلَى الْوَاجِبِ الْعَيْنِيِّ، كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَتَعْلِيمِ الْفَاتِحَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (2) .
ب) وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَفَرَّقُوا بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أُجْرَةُ الْحِرْزِ الَّذِي تَشْغَلُهُ الْوَدِيعَةُ، وَأُجْرَةُ الْحِفْظِ. وَقَالُوا: إِنَّ الْمُسْتَوْدَعَ يَسْتَحِقُّ
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةُ 4 / 342، وَرَدُّ الْمُحْتَارِ لاِبْنِ عَابِدِينَ 4 / 494، وَحَاشِيَةُ الرَّمْلِيِّ عَلَى أَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 76.
(2) تُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ لِلْهَيْتَمِيِّ 7 / 100.

أُجْرَةً مَوْضِعَ الْحِفْظِ أَيِ الْحِرْزِ، إِذْ لاَ يَلْزَمُهُ بَذْل مَنْفَعَةِ حِرْزِهِ بِدُونِ عِوَضٍ. (1) أَمَّا حِفْظُ الْوَدِيعَةِ، فَلاَ أُجْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَأْخُذْهَا مِثْلَهُ، أَوْ يَشْتَرِطْهَا فِي الْعَقْدِ، أَوْ يَجْرِ بِهَا عُرْفٌ، وَذَلِكَ لاِطِّرَادِ الْعَادَةِ بِاطِّرَاحِهَا، وَأَنَّ الْوَدِيعَ لاَ يَطْلُبُ أَجْرًا عَلَى ذَلِكَ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى أُجْرَةِ الْحِفْظِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ ـ لأَِنَّ الْمَذْهَبَ جَوَازُ الأُْجْرَةِ عَلَى الْحِرَاسَةِ ـ أَوْ جَرَتْ بِذَلِكَ الْعَادَةُ أَوْ كَانَ طَالِبُهَا مِمَّنْ يَكْرِي نَفْسَهُ لِلْحِرَاسَةِ وَيَأْخُذُ أَجْرًا عَلَى حِفْظِ الْوَدَائِعِ؛ لأَِنَّ الْمَعْرُوفَ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ شَرْطًا (2) .
ج) وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْعِوَضِ لِلْوَدِيعِ، وَقَالُوا: إِنَّ الأَْجْرَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الإِْجَارَةِ عَلَى الْحِفْظِ دُونَ الْوَدِيعَةِ. (3)

أَرْكَانُ الْوَدِيعَةِ:
10 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ أَرْكَانَ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ هِيَ:
__________
(1) التَّاجُ وَالإِْكْلِيل لِلْمَوَّاقِ 5 / 266.
(2) الزُّرْقَانِيِّ عَلَى خَلِيلٍ وَحَاشِيَةُ الْبُنَانِيِّ عَلَيْهِ 6 / 125، وَالْمُقَدِّمَاتُ الْمُمَهِّدَاتُ 2 / 467، الْقَوَانِينُ الْفِقْهِيَّةُ لاِبْنِ جَزِّي 380، وَبِدَايَةُ الْمُجْتَهِدِ وَنِهَايَةُ الْمُقْتَصِدِ 2 / 312.
(3) كَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 185، وَشَرْحُ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 449.

1) الصِّيغَةُ (وَهِيَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول) .
2) الْعَاقِدَانِ (وَهُمَا الْمُودِعُ وَالْمُسْتَوْدَعُ) .
3) الْمَحَل (وَهُوَ الْعَيْنُ الْمُودَعَةُ (1)) .
وَخَالَفَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ التَّقْسِيمِ، إِذِ اعْتَبَرُوا رُكْنَ الْوَدِيعَةِ الصِّيغَةَ الْمُؤَلَّفَةَ مِنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول الدَّالَّيْنِ عَلَى التَّرَاضِي.

أَوَّلاً: الصِّيغَةُ (الإِْيجَابُ وَالْقَبُول)
11 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الأَْصْل فِي الْعُقُودِ هُوَ التَّرَاضِي وَطِيبُ النَّفْسِ، وَأَنَّ الْوَدِيعَةَ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ بِالْمُرَاضَاةِ، وَإِلاَّ كَانَتْ قَسْرًا عَلَى الْحِفْظِ أَوْ غَصْبًا لِلْمَال.
وَالصِّيغَةُ، هِيَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول كَأَنْ يَقُول لِغَيْرِهِ: أَوْدَعْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ، أَوِ احْفَظْ هَذَا الشَّيْءَ، أَوْ خُذْ هَذَا الشَّيْءَ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، وَيَقْبَل الآْخَرُ. فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّ عَقْدُ الْوَدِيعَةِ. (2)
غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول مُنْحَصِرًا بِلَفْظِهِمَا وَحْدَهُ، بَيْنَ مُشْتَرِطٍ لِذَلِكَ
__________
(1) مَوَاهِبُ الْجَلِيل 5 / 252، وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 75، وَكِفَايَةُ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ وَحَاشِيَةُ الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ 2 / 253، تُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 98، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 186، وَبِدَايَةُ الْمُجْتَهِدِ 2 / 302.
(2) بَدَائِعُ الصَّنَائِعِ 6 / 207.

وَغَيْرِ مُشْتَرِطٍ لِذَلِكَ، أَوْ بِمَا يَدُل عَلَى رِضَا الْعَاقِدِينَ مِنْ قَوْلٍ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ أَوْ فِعْلٍ.
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَدَمَ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ. (1)
قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَرُكْنُهَا الإِْيجَابُ قَوْلاً صَرِيحًا أَوْ كِنَايَةً أَوْ فِعْلاً، وَالْقَبُول مِنَ الْمُودَعِ صَرِيحًا أَوْ دَلاَلَةً فِي حَقِّ وُجُوبِ الْحِفْظِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا " صَرِيحًا أَوْ كِنَايَةً " لِيَشْمَل مَا لَوْ قَال لِرَجُلٍ: أَعْطِنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَوْ قَال لِرَجُلٍ فِي يَدِهِ ثَوْبٌ: أَعْطِنِيهِ، فَقَال: أَعْطَيْتُكَ، فَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْوَدِيعَةِ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُحِيطِ، لأَِنَّ الإِْعْطَاءَ يَحْتَمِل الْهِبَةَ وَالْوَدِيعَةَ، وَالْوَدِيعَةُ أَدْنَى، وَهُوَ مُتَيَقِّنٌ، فَصَارَ كِنَايَةً، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي الإِْيجَابِ: " أَوْ فِعْلاً " لِيَشْمَل مَا لَوْ وَضَعَ ثَوْبَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَجُلٍ، وَلَمْ يَقُل شَيْئًا، فَهُوَ إِيدَاعٌ. وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي الْقَبُول: " أَوْ دَلاَلَةً " لِيَشْمَل سُكُوتَهُ عِنْدَ وَضْعِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ قَبُول دَلاَلَةٍ، حَتَّى لَوْ قَال: لاَ أَقْبَل، لاَ يَكُونُ مُودِعًا؛ لأََنَّ الدَّلاَلَةَ لَمْ تُوجَدْ (2) .
__________
(1) الدَّرُّ الْمُخْتَارُ مَعَ رَدِّ الْمُحْتَارِ 4 / 494، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةُ 4 / 338، وَمَجْمَعُ الأَْنْهُرِ 2 / 337، وَرَوْضَةُ الْقُضَاةِ 2 / 616، دُرَرُ الْحُكَّامِ 2 / 224 وَمَا بَعْدَهَا، وَانْظُرِ الْمَادَّةَ (812) مِنْ مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ، وَمَوَاهِبُ الْجَلِيل 5 / 252 وَشَرْحُ الزُّرْقَانِيِّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 114.
(2) الْبَحْرُ الرَّائِقُ 7 / 273.

قَال الْمَالِكِيَّةُ: الصِّيغَةُ هِيَ كُل مَا يُفْهَمُ مِنْهُ طَلَبُ الْحِفْظِ، وَلَوْ بِقَرَائِنِ الأَْحْوَال، وَلاَ تَتَوَقَّفُ عَلَى إِيجَابٍ وَقَبُولٍ بِاللَّفْظِ. (1)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإِْيدَاعِ الإِْيجَابُ مِنَ الْمُودِعِ لَفْظًا. (2) فَجَاءَ فِي أَسْنَى الْمَطَالِبِ: لاَ بُدَّ مِنْ صِيغَةٍ دَالَّةٍ عَلَى الاِسْتِحْفَاظِ، كَ ـ: أَوْدَعْتُكَ هَذَا الْمَال، وَاحْفَظْهُ، وَنَحْوِهِ كَ ـ: اسْتَحْفَظْتُكَ وَأَنَبْتُكَ فِي حِفْظِهِ، وَهُوَ وَدِيعَةٌ عِنْدَكَ لأَِنَّهَا عَقْدُ وِكَالَةٍ، لاَ إِذَنٌ مُجَرَّدٌ فِي الْحِفْظِ (3) .
وَأَمَّا الْقَبُول، فَيَصِحُّ بِكُل لَفْظٍ أَوْ فِعْلٍ دَالٍّ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (4) جَاءَ فِي تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ: وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْقَبُول مِنَ الْوَدِيعِ لِصِيغَةِ الْعَقْدِ أَوِ الأَْمْرِ لَفْظًا، وَيَكْفِي مَعَ عَدَمِ اللَّفْظِ وَالرَّدِّ مِنْهُ الْقَبْضُ وَلَوْ عَلَى التَّرَاخِي، كَمَا فِي الْوَكَالَةِ. وَقَال فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: وَيَكْفِي الْقَبْضُ قَبُولاً لِلْوَدِيعَةِ، كَالْوَكَالَةِ (5) .
__________
(1) حَاشِيَةُ الْعَدَوِيّ عَلَى كِفَايَةِ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ 2 / 253.
(2) الْمُهَذَّبُ 1 / 266، وَتُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 101، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 324.
(3) أَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 75.
(4) أَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 75، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 324 ـ 325، وَالْمُهَذَّبُ 1 / 366، وَالْمَادَّةُ (1321) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
(5) تُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 107، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 185.

ثَانِيًا: الْعَاقِدَانِ (الْمُودِعُ وَالْمُسْتَوْدَعُ)
يُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ مِنَ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَوْدَعِ مَا يَلِي:

(أ) شُرُوطُ الْمُودِعِ:
12 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُودِعِ أَنْ يَكُونَ جَائِزَ التَّصَرُّفِ. (1) وَهُوَ الْعَاقِل الْمُمَيِّزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْبَالِغُ الْعَاقِل الرَّشِيدُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَعَلَى ذَلِكَ، فَلَوْ أَوْدَعَ طِفْلٌ أَوْ مَجْنُونٌ إِنْسَانًا مَالاً، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ قَبُول وَدِيعَتِهِ. فَإِنْ أَخَذَهَا مِنْهُ ضَمِنَهَا، وَلاَ يَبْرَأُ مِنَ الضَّمَانِ إِلاَّ بِالتَّسْلِيمِ إِلَى النَّاظِرِ فِي مَالِهِ. قَال السِّمْنَانِيُّ: لأَِنَّهُ قَبِل مَالاً مِمَّنْ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، كَمَا لَوْ غَصَبَ الْمُودِعُ وَعَلِمَ الْمُسْتَوْدَعُ بِالْغَصْبِ، وَقَبِل الْوَدِيعَةَ، (2) وَقَال الشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: لأَِنَّهُ مُقَصِّرٌ بِالأَْخْذِ مِمَّنْ لَيْسَ أَهْلاً
__________
(1) بَدَائِعُ الصَّنَائِعِ 6 / 207، وَتُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 103، وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 75، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 325، وَشَرْحُ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 450، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 197، وَالْمُغْنِي 9 / 279، وَرَوْضَةُ الْقُضَاةِ 2 / 614، وَكِفَايَةُ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ وَحَاشِيَةُ الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ 2 / 253، وَالْمُهَذَّبُ 1 / 366.
(2) رَوْضَةُ الْقُضَاةِ 2 / 614.

لِلإِْيدَاعِ (1) . وَعَلَّل ذَلِكَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: لأَِنَّهُ أَخَذَ مَال غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ شَرْعِيٍّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَهُ (2) .
وَقَدِ اسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ مَا لَوْ خَشِيَ الْوَدِيعُ هَلاَكَهَا فِي يَدِ الْمَحْجُورِ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ حِسْبَةً، رَأْفَةً عَلَى الْمَال وَصَوْنًا لَهُ عَنِ الضَّيَاعِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، (3) وَقَدْ قَاسَ الْحَنَابِلَةُ ذَلِكَ عَلَى الْمَال الضَّائِعِ، وَالْمَوْجُودِ فِي مَفَازَةٍ ـ مَهْلَكَةٍ ـ إِذَا أَخَذَهُ شَخْصٌ لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ، وَتَلِفَ قَبْل التَّمَكُّنِ مِنْ رَدِّهِ، وَعَلَى مَا لَوْ أَخَذَ إِنْسَانٌ الْمَال الْمَغْصُوبَ مِنَ الْغَاصِبِ تَخْلِيصًا لَهُ، لِيَرُدَّهُ إِلَى مَالِكِهِ، فَتَلِفَ قَبْل التَّمَكُّنِ، فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُهُ؛ لأَِنَّهُ مُحْسِنٌ، وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ. (4) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: هُوَ كَمَا لَوْ خَلَّصَ الْمُحْرِمُ طَائِرًا مِنْ جَارِحَةٍ، فَأَمْسَكَهُ لِيَحْفَظَهُ وَيَتَعَهَّدَهُ فَتَلِفَ، فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُهُ. (5)
أَمَّا ابْنُ عَرَفَةَ فَقَدْ قَال: وَالأَْظْهَرُ أَنَّ شَرْطَ
__________
(1) أَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 75.
(2) كَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 197.
(3) كَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 177 ـ 178، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 325، وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 75 وَمَوَاهِبُ الْجَلِيل 5 / 252.
(4) كَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 177 ـ 178.
(5) أَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 75.

الْوَدِيعَةِ بِاعْتِبَارِ جَوَازِ فِعْلِهَا وَقَبُولِهَا حَاجَةُ الْفَاعِل، وَظَنُّ صَوْنِهَا مِنَ الْقَابِل؛ وَلِهَذَا تَجُوزُ مِنَ الصَّبِيِّ الْخَائِفِ عَلَيْهَا إِنْ بَقِيَتْ بِيَدِهِ. (1)
أَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ إِيدَاعِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ ـ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَحَكَى عَلَيْهِ الاِتِّفَاقَ ـ وَهُوَ صِحَّةُ إِيدَاعِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ إِذَا كَانَ مَأْذُونًا لَهُ. (2)
وَقَال الْكَاسَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: وَأَمَّا بُلُوغُهُ، فَلَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَنَا، حَتَّى يَصِحَّ الإِْيدَاعُ مِنَ الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ التَّاجِرُ، فَكَانَ مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ، فَيَمْلِكُهُ الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ كَمَا يَمْلِكُ التِّجَارَةَ.
أَمَّا الصَّبِيُّ غَيْرُ الْمَأْذُونِ فَلاَ يَصِحُّ قَبُول الْوَدِيعَةِ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحْفَظُ الْمَال عَادَةً (3) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا، صَحَّ إِيدَاعُهُ لِمَا أُذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ
__________
(1) حَاشِيَةُ الْبُنَانِيِّ عَلَى شَرْحِ الزُّرْقَانِيِّ لِمُخْتَصَرِ خَلِيلٍ 6 / 113، وَمَوَاهِبُ الْجَلِيل 5 / 252.
(2) كَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 177، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةُ 4 / 338، دُرَرُ الْحُكَّامِ 2 / 229. الْمَادَّةُ (776) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ، وَالْمَادَّةُ (1322) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
(3) الْبَدَائِعُ 6 / 207.

كَالْبَالِغِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ (1) . (وَالثَّانِي) : لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ وَهُوَ عَدَمُ صِحَّةِ إِيدَاعِهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، مَأْذُونًا لَهُ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ وَأَلْحَقُوا إِيدَاعَهُ بِالْعَدَمِ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: فَإِنْ قَبِلَهُ ضَمِنَهُ بِأَقْصَى الْقِيَمِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ شَرْطَ الْمُودِعِ كَالْمُوَكَّل، فَمَنْ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يُوكِّل غَيْرَهُ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يُودِعَ غَيْرَهُ، قَال الْعَدَوِيّ: وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالسَّفِيهُ، فَلاَ يُودِعَانِ وَلاَ يُسْتَوْدَعَانِ، لَكِنْ إِنْ أَوْدَعَاكَ شَيْئًا، وَجَبَ عَلَيْكَ يَا رَشِيدُ حِفْظُهُ. (2)
(ب) شُرُوطُ الْمُسْتَوْدَعِ:
يُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَوْدَعِ شَرْطَانِ:

الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ جَائِزَ التَّصَرُّفِ:
13 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَكُونَ جَائِزَ التَّصَرُّفِ. (3) غَيْرَ
__________
(1) الْمُغْنِي 9 / 279.
(2) تُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 103، كِفَايَةُ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ، وَحَاشِيَةُ الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ 2 / 253.
(3) الْمُهَذَّبُ 1 / 366، وَرَوْضَةُ الْقُضَاةِ 2 / 615، وَشَرْحُ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 450، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 325، وَكِفَايَةُ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ وَحَاشِيَةُ الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ 2 / 253، وَمَيَّارَة عَلَى تُحْفَةِ ابْنِ عَاصِمٍ 2 / 189، تُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 104، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 186.

أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذَا الْوَصْفُ عَلَى قَوْلَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ أَنَّ جَائِزَ التَّصَرُّفِ هُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِل الرَّشِيدُ، (1) (وَالثَّانِي) لِلْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً، وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ. (2)
وَعَلَى كِلاَ الْقَوْلَيْنِ لاَ يَصِحُّ قَبُول الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يَعْقِل الْوَدِيعَةَ؛ لأَِنَّ حُكْمَ هَذَا الْعَقْدِ لُزُومُ الْحِفْظِ، وَمَنْ لاَ عَقْل لَهُ لاَ يَكُونُ مِنْ أَهْل الْحِفْظِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ اسْتِيدَاعِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:

(الأَْوَّل) : لأَِكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمُعْتَمَدِ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ اسْتِيدَاعُ الصَّبِيِّ، مُمَيِّزًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ مِنَ الإِْيدَاعِ الْحِفْظُ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.
وَعَلَى ذَلِكَ، فَلَوْ أَوْدَعَ أَحَدٌ وَدِيعَةً عِنْدَ صَبِيٍّ فَتَلِفَتْ عِنْدَهُ، لَمْ يَضْمَنْهَا، سَوَاءٌ حَفِظَهَا أَمْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا، وَذَلِكَ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْتِزَامِهِ
__________
(1) الْمَرَاجِعُ السَّابِقَةُ.
(2) بَدَائِعُ الصَّنَائِعِ 6 / 207، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةُ 4 / 338، وَدُرَرُ الْحُكَّامِ 2 / 229، وَالْمَادَّةُ (776) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ.

الْحِفْظَ، فَصَارَ كَمَا لَوْ تَرَكَهَا عِنْدَ بَالِغٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْفَاظٍ، فَتَلِفَتْ (1) .
أَمَّا إِذَا أَتْلَفَهَا الصَّبِيُّ الْمُسْتَوْدَعُ بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى رَأْيَيْنِ:
فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي الْمَذْهَبِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ إِلَى أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. (2) وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَالِكَ سَلَّطَهُ عَلَيْهَا، فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ أَوْ أَقْرَضَهُ شَيْئًا وَأَقْبَضَهُ إِيَّاهُ فَأَتْلَفَهُ، فَلاَ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ.
وَبِأَنَّ صَاحِبَ السِّلْعَةِ قَدْ سَلَّطَ عَلَيْهَا مَنْ هُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ ضَمِنَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ الْحَجْرِ. غَيْرَ أَنَّ اللَّخْمِيَّ وَغَيْرَهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ اسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ أَنْفَقَ الصَّبِيُّ
__________
(1) كَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 197، وَشَرْحُ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 450، وَالْمُغْنِي 9 / 279، وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 75، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 125، وَالتَّاجُ وَالإِْكْلِيل 5 / 267، وَالْمُهَذَّبُ 1 / 366، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 325، وَمَيَّارَة عَلَى التُّحْفَةِ وَحَاشِيَةُ الْحَسَنِ بْنِ رَحَّالٍ عَلَيْهِ 2 / 189، وَكِفَايَةُ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ وَحَاشِيَةُ الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ 2 / 253، الْمَادَّةُ (1372) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ أَحَمَدَ.
(2) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 325، وَمَيَّارَة عَلَى التُّحْفَةِ 2 / 189، وَالإِْشْرَافُ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْل الْعِلْمِ لاِبْنِ الْمُنْذِرِ 1 / 265، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 197، وَالْمُغْنِي 9 / 279، وَانْظُرِ الْمَادَّةَ (1372) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ.

الْوَدِيعَةَ فِيمَا لاَ غِنَى لَهُ عَنْهُ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَلَهُ مَالٌ، وَقَالُوا: يُرْجَعُ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ بِالأَْقَل مِمَّا أَتْلَفَهُ أَوْ مِمَّا صُونَ بِهِ مَالُهُ. (1)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى تَضْمِينِ الصَّبِيِّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ الاِعْتِدَادِ بِاسْتِيدَاعِهِ، وَكَوْنِهِ مِنْ أَهْل الضَّمَانِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالاً لِغَيْرِهِ بِلاَ اسْتِيدَاعٍ وَلاَ تَسْلِيطٍ عَلَى الإِْتْلاَفِ (2) . وَعَلَّل ابْنُ قُدَامَةَ ذَلِكَ بِأَنَّ مَا ضَمِنَهُ بِإِتْلاَفِهِ قَبْل الإِْيدَاعِ، ضَمِنَهُ بَعْدَ الإِْيدَاعِ كَالْبَالِغِ، وَأَنَّ الْمُودِعَ مَا سَلَّطَهُ عَلَى إِتْلاَفِ الْوَدِيعَةِ، وَإِنَّمَا اسْتَحْفَظَهُ إِيَّاهَا. (3)
وَقَدْ بَيَّنَ السُّيُوطِيُّ فِي الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ أَسَاسَ الْفَرْقِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ التَّلَفِ وَالإِْتْلاَفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَال: قَاعِدَةٌ: كُل مَنْ ضَمِنَ الْوَدِيعَةَ بِالإِْتْلاَفِ ضَمِنَهَا بِالتَّفْرِيطِ إِلاَّ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِالإِْتْلاَفِ عَلَى الأَْظْهَرِ، وَلاَ يَضْمَنُهَا بِالتَّفْرِيطِ قَطْعًا؛ لأَِنَّ الْمُفَرِّطَ هُوَ الَّذِي أَوْدَعَهُ (4) .
__________
(1) مَيَّارَة عَلَى التُّحْفَةِ 2 / 189، وَالتَّاجُ وَالإِْكْلِيل 5 / 267، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 125.
(2) تُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 104، وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 75، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 325، وَالإِْنْصَافُ 6 / 336.
(3) الْمُغْنِي 9 / 279، وَالإِْنْصَافُ 6 / 336 ـ 337.
(4) الأَْشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ لِلسُّيُوطِيِّ ص 468.

(الثَّانِي) لِلْحَنَفِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ إِذَا كَانَ مَأْذُونًا بِالتِّجَارَةِ، فَيَصِحُّ قَبُولُهُ الْوَدِيعَةَ، لأَِنَّهُ مِنْ أَهْل الْحِفْظِ (1) . قَال الْكَاسَانِيُّ: أَلاَ تَرَى أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْحِفْظِ، لَكَانَ الإِْذْنُ لَهُ سَفَهًا. وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ، فَلاَ يَصِحُّ قَبُول الْوَدِيعَةِ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحْفَظُ الْمَال عَادَةً، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ مُنِعَ مِنْهُ مَالُهُ. (2)
وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (776) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ: وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ الْمَأْذُونُ فَيَصِحُّ إِيدَاعُهُ وَقَبُولُهُ الْوَدِيعَةَ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَوْ قَبِل الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ الْوَدِيعَةَ، فَهَلَكَتْ فِي يَدِهِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. أَمَّا إِذَا اسْتَهْلَكَهَا، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَوْلُهُمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يَضْمَنُ. (3)
وَجْهُ قَوْل أَبِي يُوسُفَ أَنَّ إِيدَاعَهُ لَوْ صَحَّ، فَاسْتِهْلاَكُ الْوَدِيعَةِ يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ جُعِل كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، فَصَارَ الْحَال بَعْدَ الْعَقْدِ كَالْحَال قَبْلَهُ، وَلَوِ اسْتَهْلَكَهَا قَبْل الْعَقْدِ
__________
(1) بَدَائِعُ الصَّنَائِعِ 6 / 207 وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةُ 4 / 338، وَشَرْحُ الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 241.
(2) الْبَدَائِعُ 6 / 207.
(3) مَجْمَعُ الأَْنْهُرِ 2 / 338، وَدُرَرُ الْحُكَّامِ 2 / 229، وَشَرْحُ الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 242.

لَوَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ.
وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا: أَنَّ إِيدَاعَ الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ إِهْلاَكٌ لِلْمَال مَعْنًى، فَكَانَ فِعْل الصَّبِيِّ إِهْلاَكَ مَالٍ قَائِمٍ صُورَةً لاَ مَعْنًى، فَلاَ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَدَلاَلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَضَعَ الْمَال فِي يَدِهِ، فَقَدَ وَضَعَهُ فِي يَدِ مَنْ لاَ يَحْفَظُهُ عَادَةً، وَلاَ يَلْزَمُهُ الْحِفْظُ شَرْعًا، وَلاَ شَكَّ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُ الْوَدِيعَةِ شَرْعًا؛ لأَِنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْل وُجُوبِ الشَّرَائِعِ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ الْوَدِيعَةَ عَادَةً، أَنَّهُ مُنِعَ عَنْهُ مَالُهُ، وَلَوْ كَانَ يَحْفَظُ الْمَال عَادَةً لَدُفِعَ إِلَيْهِ، قَال تَعَالَى: ( {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} ) (1) ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْمَأْذُونَ؛ لأَِنَّهُ يَحْفَظُ الْمَال عَادَةً، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ دُفِعَ إِلَيْهِ مَالُهُ، وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْحِفْظُ عَادَةً لَكَانَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ سَفَهًا. (2)

(الثَّالِثُ) لاِبْنِ رُشْدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ يَصِحُّ أَنْ يَتَوَكَّل، فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا لِغَيْرِهِ فِي حِفْظِ الْوَدِيعَةِ (3) .

(الرَّابِعُ) لاِبْنِ عَرَفَةَ الْمَالِكِيِّ، وَهُوَ أَنَّ شَرْطَ
__________
(1) سُورَةُ النِّسَاءِ / 6.
(2) الْبَدَائِعُ 6 / 207، وَإِيثَارُ الإِْنْصَافِ فِي آثَارِ الْخِلاَفِ لِسِبْطِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ ص 265.
(3) حَاشِيَةُ الْعَدَوِيّ عَلَى كِفَايَةِ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ 2 / 253.

الْوَدِيعَةِ بِاعْتِبَارِ جَوَازِ فِعْلِهَا وَقَبُولِهَا حَاجَةُ الْفَاعِل، وَظَنُّ صَوْنِهَا مِنَ الْقَابِل، فَيَجُوزُ أَنْ يُودَعَ الصَّبِيَّ مَا خِيفَ تَلَفُهُ بِيَدِ مَالِكِهِ، كَمَا يَحْصُل عِنْدَ نُزُول بَعْضِ الظَّلَمَةِ بِبَعْضِ الْبِلاَدِ، وَلِقَاءِ الأَْعْرَابِ الْقَوَافِل وَنَحْوِ ذَلِكَ. . إِنْ ظَنَّ الْمُودِعُ صَوْنَهُ بِيَدِ الصَّبِيِّ الْمُسْتَوْدَعِ. (1)

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا:
14 - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ أَنْ يَكُونَ الْوَدِيعُ مُعَيَّنًا وَقْتَ الإِْيجَابِ، فَلَوْ قَال صَاحِبُ الْعَيْنِ لِجَمَاعَةٍ: أَوْدَعْتُ أَحَدَكُمْ هَذِهِ الْعَيْنَ، أَوْ: لِيَحْفَظْ لِي أَحَدُكُمْ هَذِهِ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ. (2)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، (3) جَاءَ فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ لاِبْنِ نُجَيْمٍ نَقْلاً عَنِ الْخُلاَصَةِ: لَوْ وَضَعَ كِتَابَهُ عِنْدَ قَوْمٍ، فَذَهَبُوا وَتَرَكُوهُ، ضَمِنُوا إِذَا ضَاعَ، وَإِنْ قَامُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، ضَمِنَ الأَْخِيرُ؛ لأَِنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْحِفْظِ،
__________
(1) حَاشِيَةُ الْبُنَانِيِّ عَلَى الزُّرْقَانِيِّ شَرْحُ خَلِيلٍ 6 / 113، وَمَوَاهِبُ الْجَلِيل 5 / 252.
(2) شَرْحُ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 450، وَانْظُرِ الْمَادَّةَ (1323) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
(3) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةُ 4 / 338، وَمَجْمَعُ الأَْنْهُرِ 2 / 337، وَرَدُّ الْمُحْتَارِ 4 / 494.

فَتَعَيَّنَ لِلضَّمَانِ (1) .
وَقَدْ أَكَّدَتِ الْمَجَلَّةُ الْعَدْلِيَّةُ هَذَا الْمَعْنَى، فَجَاءَ فِي الْمَادَّةِ (773) : إِذَا وَضَعَ رَجُلٌ مَالَهُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ عَلَى سَبِيل الْوَدِيعَةِ وَانْصَرَفَ، وَهُمْ يَرَوْنَهُ، وَبَقُوا سَاكِتِينَ، صَارَ ذَلِكَ الْمَال وَدِيعَةً عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، فَإِذَا قَامُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَانْصَرَفُوا عَنْ ذَلِكَ الْمَال، فَبِمَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ الْحِفْظُ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ آخِرًا، يَصِيرُ الْمَال وَدِيعَةً عِنْدَ الأَْخِيرِ فَقَطْ.
فَالْحَنَفِيَّةُ اعْتَبَرُوا الإِْيدَاعَ مُنْعَقِدًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول دَلاَلَةً فِعْلِيَّةً، وَبِذَلِكَ صَارَ ذَلِكَ الْمَال فِيهَا وَدِيعَةً عِنْدَهُمْ جَمِيعًا، فَإِذَا غَادَرُوا جَمِيعُهُمْ ذَلِكَ الْمَكَانَ مَعًا، ضَمِنُوا كُلُّهُمْ بِالاِشْتِرَاكِ، أَيْ إِنَّ بَدَل الضَّمَانِ يَنْقَسِمُ عَلَى عَدَدِ الَّذِينَ قَامُوا وَذَهَبُوا بِالتَّسَاوِي. أَمَّا إِذَا غَادَرَ أُولَئِكَ الأَْشْخَاصُ الْوَاحِدُ تِلْوَ الآْخَرِ ذَلِكَ الْمَحَل بَعْدَ أَنْ رَأَوُا الْمَال الْمُودَعَ وَسَكَتُوا، فَمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ فِي الآْخِرِ يَكُونُ قَدْ تَعَيَّنَ لِلْحِفْظِ، وَيَصِيرُ ذَلِكَ الْمَال وَدِيعَةً عِنْدَهُ فَقَطْ. فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ الأَْخِيرُ الْمَكَانَ، وَفُقِدَ ذَلِكَ الْمَال، لَزِمَهُ وَحْدَهُ الضَّمَانُ. (2)
__________
(1) الْبَحْرُ الرَّائِقُ 7 / 273.
(2) دُرَرُ الْحُكَّامِ 2 / 227 وَمَا بَعْدَهَا.

ثَالِثًا: الْعَيْنُ الْمُودَعَةُ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَيْنِ الْمُودَعَةِ:

أَنْ تَكُونَ مَالاً:
15 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْعَيْنِ الْمُودَعَةِ مَالاً، فَمَا لَيْسَ بِمَالٍ ـ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَنَحْوِهِمَا ـ لاَ يَصِحُّ وُرُودُ عَقْدِ الإِْيدَاعِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ عَدَمَ مَالِيَّتِهِ يَتَنَافَى مَعَ تَشْرِيعِ حِمَايَتِهِ لِصَاحِبِهِ بِعَقْدِ الْوَدِيعَةِ، وَاعْتِبَارِهِ أَمَانَةً شَرْعِيَّةً وَاجِبَةَ الْحِفْظِ وَالصَّوْنِ لِصَاحِبِهَا فِي يَدِ الْوَدِيعِ. (1)
ثُمَّ قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَشَرْطُ الْوَدِيعَةِ كَوْنُ الْمَال قَابِلاً لإِِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، حَتَّى لَوْ أَوْدَعَ الْبَعِيرَ الشَّارِدَ، وَالطَّيْرَ فِي الْهَوَاءِ، وَالْمَال السَّاقِطَ فِي الْبَحْرِ وَنَحْوَهَا، فَلاَ يَصِحُّ إِيدَاعُهُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (775) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ: يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْوَدِيعَةِ قَابِلَةً لِوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهَا وَصَالِحَةً لِلْقَبْضِ.
__________
(1) الْبَحْرُ الرَّائِقِ 7 / 273، وَفَتْحُ الْقَدِيرِ (الْمَيْمَنِيَّةُ) 7 / 451، وَالدَّرُّ الْمُخْتَارُ 4 / 493، وَالزُّرْقَانِيُّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 114، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةُ 4 / 338، وَالتَّاجُ وَالإِْكْلِيل 5 / 250، وَحَاشِيَةُ الْعَدَوِيّ عَلَى كِفَايَةِ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ 2 / 252، وَانْظُرِ الْمَادَّةَ 763، 764 مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ.

وَقَدْ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ الإِْيدَاعَ عَقْدُ اسْتِحْفَاظٍ، وَحِفْظُ الشَّيْءِ بِدُونِ إِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ مُحَالٌ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ الْتِزَامُ الْوَدِيعِ بِحِفْظِهِ، لِعَدَمِ إِمْكَانِ إِحْرَازِهِ وَحَوْزِهِ، امْتَنَعَ تَكْلِيفُهُ شَرْعًا بِهِ فِي عَقْدِ الْوَدِيعَةِ لِعُسْرِهِ أَوِ اسْتِحَالَتِهِ فِي حَقِّهِ، إِذْ لاَ تَكْلِيفَ بِمَا لاَ يُطَاقُ، وَلاَ اعْتِبَارَ لِعَقْدٍ لاَ يُتَصَوَّرُ تَنْفِيذُهُ (1) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَاشْتَرَطُوا لِصِحَّةِ الْعَقْدِ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ الْمُودَعَةُ مَالاً أَوْ مُخْتَصًّا، وَلَمْ يَقْصُرُوهَا عَلَى الْمَال وَحْدَهُ.
وَبِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ نَصُّوا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ إِيدَاعِ الْخَمْرِ غَيْرِ الْمُحْتَرَمَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ.
وَبِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الْمُخْتَصِّ قَالُوا: أَمَّا مَا فِيهِ اخْتِصَاصٌ كَجِلْدِ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ، وَزِبْلٍ، وَكَلْبِ صَيْدٍ مُحْتَرَمٍ، وَنَحْوِهَا، فَيَجُوزُ إِيدَاعُهُ كَالْمَال، لِجَوَازِ اقْتِنَائِهِ، بِخِلاَفِ النَّجِسِ الَّذِي لاَ يُقْتَنَى، وَالْكَلْبِ الَّذِي لاَ يَنْفَعُ بِحِرَاسَةٍ أَوْ صَيْدٍ، وَآلاَتِ اللَّهْوِ، فَلاَ يَصِحُّ إِيدَاعُهَا لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُحْتَرَمَةٍ، وَلاَ يَجُوزُ تَمَوُّلُهَا وَلاَ اقْتِنَاؤُهَا. (2)
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةُ 4 / 338، وَالدَّرُّ الْمُنْتَقَى 2 / 336، وَالْعِنَايَةُ وَالْكِفَايَةُ عَلَى الْهِدَايَةِ 7 / 452، وَالْبَحْرُ الرَّائِقُ 7 / 273، وَرَدُّ الْمُحْتَارِ 4 / 494.
(2) كَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 185، وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 74، 75، وَتُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 99، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 324.

وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى صِحَّةِ إِيدَاعِ الصُّكُوكِ وَالْوَثَائِقِ بِذِكْرِ الْحُقُوقِ. (1)

أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ الْمُودَعَةُ مَنْقُولاً:
16 - ذَهَبَ ابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْعَيْنِ الْمُودَعَةِ أَنْ تَكُونَ مِمَّا يُمْكِنُ نَقْلُهُ فَيَخْرُجُ الْعَقَارُ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ) إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، فَتَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ الْمُودَعَةُ عَقَارًا أَوْ مَنْقُولاً. (2)

آثَارُ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ:
17 - إِذَا انْعَقَدَ الإِْيدَاعُ صَحِيحًا، تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ آثَارٍ: كَوْنُ الْوَدِيعَةِ أَمَانَةً عِنْدَ الْوَدِيعِ
__________
(1) التَّاجُ وَالإِْكْلِيل وَمَوَاهِبُ الْجَلِيل 5 / 250، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 113، وَمَيَّارَةٍ عَلَى التُّحْفَةِ 2 / 188، وَحَاشِيَةُ الْبُنَانِيِّ عَلَى شَرْحِ الزُّرْقَانِيِّ لِمُخْتَصَرِ خَلِيلٍ 6 / 114، وَالشَّرْحُ الْكَبِيرُ، وَحَاشِيَةُ الدُّسُوقِيِّ 3 / 419، وَانْظُرِ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةَ 4 / 353، وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 87، وَالْقَلْيُوبِيَّ 3 / 187، وَحَاشِيَةُ الشَّرْوَانِيِّ عَلَى تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ 7 / 128.
(2) مَوَاهِبُ الْجَلِيل 5 / 251، وَانْظُرِ الْمُدَوَّنَةَ 15 / 126، 128، وَحَاشِيَةَ الْبُنَانِيِّ عَلَى شَرْحِ الزُّرْقَانِيِّ 6 / 113، وَالدَّرَّ الْمُخْتَارَ مَعَ رَدِّ الْمُحْتَارِ 4 / 499، وَرَوْضَةَ الطَّالِبِينَ 6 / 324، وَحَاشِيَةَ الشِّرْوَانِيِّ عَلَى تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ 7 / 101.

وَوُجُوبُ الْحِفْظِ عَلَيْهِ، وَلُزُومُ الرَّدِّ عِنْدَ الطَّلَبِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أَوَّلاً: كَوْنُ الْوَدِيعَةِ أَمَانَةً:
18 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَرَبِيعَةُ وَالْقَاضِي شُرَيْحٌ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَدِيعِ، فَإِنْ تَلِفَتَ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ مَالِهِ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهَا شَيْءٌ مِنْهُ. (1)
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُودِعَ إِذَا أَحْرَزَ الْوَدِيعَةَ، ثُمَّ تَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ جِنَايَتِهِ أَنْ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ (2) .
__________
(1) الْبَحْرُ الرَّائِقِ 7 / 273، وَرَوْضَةُ الْقُضَاةِ 2 / 608، وَرَدُّ الْمُحْتَارِ 4 / 494، وَالتَّفْرِيعُ لاِبْنِ الْجَلاَّبِ 2 / 269، وَالْكَافِي لاِبْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ص 403، وَبِدَايَةُ الْمُجْتَهِدِ 2 / 310، وَالتَّاجُ وَالإِْكْلِيل 5 / 250، وَشَرْحُ الزُّرْقَانِيِّ 6 / 114، وَالأُْمُّ 4 / 62، وَالإِْشْرَافُ لاِبْنِ الْمُنْذِرِ 1 / 251، وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 76، وَتُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 105، وَشَرْحُ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 450، الْمُبْدِعُ 5 / 233، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 186، وَالْمُغْنِي 9 / 257.
(2) الإِْشْرَافُ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْل الْعِلْمِ لاِبْنِ الْمُنْذِرِ 1 / 251.

أَمَّا إِذَا تَعَدَّى الْوَدِيعُ عَلَيْهَا أَوْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: بِغَيْرِ خِلاَفٍ نَعْلَمُهُ، لأَِنَّهُ مُتْلِفٌ لِمَال غَيْرِهِ، فَضَمِنَهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِيدَاعٍ (1) .
وَاسْتَدَل الْفُقَهَاءُ عَلَى كَوْنِهَا أَمَانَةً بِالسُّنَّةِ وَقَوْل الصَّحَابَةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول:
فَأَمَّا السُّنَّةُ: فَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَنْ أَوْدَعَ وَدِيعَةً فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ " (2) .
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِل ضَمَانٌ، وَلاَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرِ الْمُغِل ضَمَانٌ " (3) . وَالْمُغِل هُوَ الْخَائِنُ.
وَأَمَّا قَوْل الصَّحَابَةِ: فَبِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ
__________
(1) الْمُغْنِي 9 / 258.
(2) حَدِيثُ: " مَنْ أَوْدَعَ وَدِيعَةً فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ ". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (2 / 802 ـ ط الْحَلَبِيِّ) ، وَضَعَّفَ إِسْنَادَهُ الْبُوصِيرِيُّ فِي مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ (2 / 42 ـ ط دَارِ الْجِنَانِ) لِضَعْفِ رَاوِيَيْنِ فِي إِسْنَادِهِ.
(3) حَدِيثُ: " لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِل ضَمَانٌ. . . " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (3 / 401 ـ ط دَارِ الْمَحَاسِنِ) ، وَذَكَرَ أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ رَاوِيَيْنِ ضَعِيفَيْنِ.

الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَدِيعِ. (1)
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدَ أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الأَْمْصَارِ عَلَى كَوْنِهَا أَمَانَةً فِي يَدِ الْوَدِيعِ.
وَأَمَّا الْمَعْقُول: فَلأَِنَّ الْوَدِيعَ إِنَّمَا يَحْفَظُهَا لِمَالِكِهَا، فَتَكُونُ يَدُهُ كَيْدِهِ (2) .
وَلأَِنَّهُ قَبَضَ الْعَيْنَ بِإِذْنِ مَالِكِهَا، لاَ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ وَلاَ الْوَثِيقَةِ، فَلاَ يَضْمَنُهَا، إِذْ لاَ مُوجِبَ لِلضَّمَانِ (3) .
وَلأَِنَّ الأَْصْل فِي حِفْظِ الْوَدِيعَةِ أَنَّهُ مَعْرُوفٌ وَإِحْسَانٌ مِنَ الْوَدِيعِ، فَلَوْ ضَمِنَ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ أَوْ تَقْصِيرٍ لَزَهِدَ النَّاسُ فِي قَبُولِهَا، وَرَغِبُوا عَنْهُ، وَفِي ذَلِكَ تَعْطِيلٌ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا. (4)
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الْوَدِيعَ ضَامِنٌ إِذَا تَلِفَتِ الْوَدِيعَةُ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ، (5) لِمَا رُوِيَ " عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ ضَمَّنَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَدِيعَةً ذَهَبَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ " (6) .
__________
(1) التَّلْخِيصُ الْحَبِيرُ 3 / 98.
(2) أَسْنَى الْمُطَالِبِ 3 / 76، وَالْمُهَذَّبُ 1 / 366.
(3) رَوْضَةُ الْقُضَاةِ 2 / 612.
(4) الْمُغْنِي 9 / 257، وَالْمُهَذَّبُ 1 / 366.
(5) الْمُغْنِي 9 / 257، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 186، وَالْمُبْدِعُ 5 / 234.
(6) أَثَرُ عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى (6 / 289) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِنَّهُ لاَ فَرْقَ فِي كَوْنِ الْوَدِيعَةِ أَمَانَةً فِي يَدِ الْوَدِيعِ، لاَ تُضَمَنُ بِغَيْرِ تَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِأَجْرٍ أَوْ بِدُونِهِ، حَيْثُ إِنَّ أَخْذَ الأُْجْرَةِ فِي الْوَدِيعَةِ لاَ يُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الأَْمَانَةِ أَوِ الضَّمَانِ فِيهَا. (1)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ، فَقَدْ فَرَّقُوا فِي مُوجِبَاتِ الضَّمَانِ فِيهَا بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ بِأَجْرٍ أَوْ بِدُونِ أَجْرٍ، مَعَ اعْتِبَارِهَا فِي الْحَالَيْنِ أَمَانَةً فِي يَدِ الْوَدِيعِ، فَقَالُوا: إِذَا تَلِفَتِ الْوَدِيعَةُ بِمَا لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ مِنَ الأَْسْبَابِ ـ كَحَرِيقٍ غَالِبٍ وَغَرَقٍ غَالِبٍ وَلُصُوصٍ مُكَابِرِينَ ـ فَلاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِأَجْرٍ أَمْ مَجَّانًا.
أَمَّا إِذَا هَلَكَتْ بِمَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، فَيَنْظُرُ: إِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ أَجْرٍ، فَلاَ يَجِبُ عَلَى الْوَدِيعِ الضَّمَانُ. أَمَّا إِذَا كَانَتْ بِأَجْرٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا. (2)
جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (777) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ:
__________
(1) مَيَّارَة عَلَى التُّحْفَةِ 2 / 195، وَحَاشِيَةُ الرَّمْلِيِّ عَلَى أَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 76، وَتُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ لِلْهَيْتَمِيِّ 7 / 105.
(2) الدُّرُّ الْمُنْتَقَى 2 / 338، وَالدَّرُّ الْمُخْتَارُ مَعَ رَدِّ الْمُحْتَارِ 4 / 494، وَشَرْحُ الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 243، وَدُرَرُ الْحُكَّامِ 2 / 231 وَمَا بَعْدَهَا، وَانْظُرِ الأَْشْبَاهَ وَالنَّظَائِرَ لاِبْنِ نُجَيْمٍ ص 330، وَالْبَحْرُ الرَّائِقِ 7 / 273.

الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَدِيعِ. وَبِنَاءً عَلَيْهِ: إِذَا هَلَكَتْ بِلاَ صُنْعِ الْوَدِيعِ أَوْ تَعَدِّيهِ أَوْ تَقْصِيرِهِ فِي الْحِفْظِ، فَلاَ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الإِْيدَاعُ بِأُجْرَةٍ عَلَى حِفْظِ الْوَدِيعَةِ، فَهَلَكَتْ أَوْ ضَاعَتْ بِسَبَبٍ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، لَزِمَ الْوَدِيعَ ضَمَانُهَا.
فَوَجْهُ تَضْمِينِ الْوَدِيعِ بِأَجْرٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْحِفْظَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فِيهَا؛ لأَِنَّهُ مُسْتَأْجِرٌ عَلَى الْحِفْظِ قَصْدًا، إِذِ الْعَقْدُ عِقْدُ الْحِفْظِ، وَالأَْجْرُ فِي مُقَابِل الْحِفْظِ، وَالْمَتَاعِ فِي يَدِ الأَْجِيرِ. (1) وَيَتَفَرَّعُ عَنِ الْقَوْل بِكَوْنِ الْوَدِيعَةِ أَمَانَةً مَا يَلِي:

أ - اشْتِرَاطُ الضَّمَانِ فِي الْوَدِيعَةِ أَوْ عَدَمِهِ:
19 - إِذَا اشْتَرَطَ رَبُّ الِوَدِيعَةِ عَلَى الْوَدِيعِ ضَمَانَهَا، فَقَبِل، أَوْ قَال لِلْمُودِعِ: أَنَا ضَامِنٌ لَهَا، فَتَلِفَتْ أَوْ سُرِقَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ اشْتِرَاطَ الضَّمَانِ عَلَى الأَْمِينِ بَاطِلٌ، وَجَعْل مَا أَصْلُهُ أَمَانَةٌ مَضْمُونًا بِالشَّرْطِ لاَ يَصِحُّ، كَمَال الْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ. وَبِذَلِكَ قَال جُمْهُورُ أَهْل الْعِلْمِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ
__________
(1) شَرْحُ الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 243، وَرَدُّ الْمُحْتَارِ 4 / 494.

وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَغَيْرِهِمْ. (1)
وَقَدْ عَلَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَمُفَوِّتٌ لِمُوجِبِهِ، فَلاَ يُعْتَبَرُ.
قَال الزُّرْقَانِيُّ: شَرْطُ ضَمَانِهَا يُخْرِجُهَا عَنْ حَقِيقَتِهَا، وَيُخَالِفُ مَا يُوجِبُهُ الْحُكْمُ، (2) وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلأَِنَّ شَرْطَ ضَمَانِ مَا لَمْ يُوجَدْ سَبَبُ ضَمَانِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ ضَمَانَ مَا يَتْلَفُ فِي يَدٍ مَالِكِهِ (3) .
وَحُكِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ أَنَّهُ خَالَفَ فِي ذَلِكَ وَقَال بِضَمَانِهِ بِالشَّرْطِ. (4)
وَلَوْ أَوْدَعَهَا بِشَرْطِ عَدَمِ ضَمَانِ الْوَدِيعِ إِذَا تَعَدَّى عَلَيْهَا أَوْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا، فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لاَ يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ، لأَِنَّهُ
__________
(1) الْبَحْرُ الرَّائِقُ 7 / 274، وَمَجْمَعُ الأَْنْهُرِ 2 / 338، وَالدُّرُّ الْمُخْتَارُ 4 / 494، وَرَوْضَةُ الْقُضَاةِ 2 / 617، وَالْمُهَذَّبُ 1 / 366، وَالإِْشْرَافُ عَلَى مَسَائِل الْخِلاَفِ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ 2 / 42، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 117، وَبِدَايَةُ الْمُجْتَهِدِ 2 / 311، وَالإِْشْرَافُ لاِبْنِ الْمُنْذِرِ 1 / 266، وَحَاشِيَةُ الرَّمْلِيِّ عَلَى أَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 76، وَالْمُغْنِي 9 / 258، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 187.
(2) الزُّرْقَانِيُّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 117.
(3) الْمُغْنِي 9 / 258.
(4) الإِْشْرَافُ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ 2 / 42، وَالإِْشْرَافُ لاِبْنِ الْمُنْذِرِ 1 / 266.

إِبْرَاءٌ عَمَّا لَمْ يَجِبْ، وَهَذَا فِي صَحِيحِ الْوَدِيعَةِ وَفَاسِدِهَا. (1)

ب - قَبُول قَوْل الْوَدِيعِ فِي هَلاَكِ الْوَدِيعَةِ:
20 - فَرَّعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَوْنِ الْوَدِيعَةِ أَمَانَةً فِي يَدِ الْوَدِيعِ قَبُول قَوْلِهِ فِي بَرَاءَةِ نَفْسِهِ عِنْدَ ادِّعَاءِ هَلاَكِهَا أَوْ ضَيَاعِهَا بِغَيْرِ تَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ إِذَا كَذَّبَهُ الْمَالِكُ، سَوَاءٌ قَبَضَهَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرٍ بَيِّنَةٍ، وَعَلَى ذَلِكَ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ. (2)
وَعَلَّل الْكَاسَانِيُّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الْمَالِكَ يَدَّعِي عَلَى الأَْمِينِ أَمْرًا عَارِضًا، وَهُوَ التَّعَدِّي، وَالْوَدِيعُ مُسْتَصْحِبٌ لِحَال الأَْمَانَةِ، فَكَانَ مُتَمَسِّكًا بِالأَْصْل، فَكَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ لَكِنْ مَعَ الْيَمِينِ؛ لأَِنَّ التُّهْمَةَ قَائِمَةٌ فَيُسْتَحْلَفُ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ (3) .
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَالُوا: إِذَا ادَّعَى تَلَفَ الْوَدِيعَةِ بِسَبٍّ ظَاهِرٍ ـ
__________
(1) رَوْضَةُ الْقُضَاةِ 2 / 617، وَحَاشِيَةُ الرَّمْلِيِّ عَلَى أَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 76.
(2) رَوْضَةُ الْقُضَاةِ 2 / 624، وَالْبَدَائِعُ 6 / 211 وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةُ 4 / 357، وَالْقَوَانِينُ الْفِقْهِيَّةُ ص 379، وَالْمُقَدِّمَاتُ الْمُمَهِّدَاتُ 2 / 459، وَبِدَايَةُ الْمُجْتَهِدِ 2 / 310، وَكِفَايَةُ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ 2 / 254، التَّفْرِيعُ لاِبْنِ الْجَلاَّبِ 2 / 270، وَالْكَافِي لاِبْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ص 402، وَالتَّاجُ وَالإِْكْلِيل 5 / 264، وَمَيَّارَة عَلَى تُحْفَةِ ابْنِ عَاصِمٍ 2 / 190، الزُّرْقَانِيِّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 123.
(3) بَدَائِعُ الصَّنَائِعِ 6 / 211.

كَحَرِيقٍ وَغَرَقٍ وَغَارَةٍ ـ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ السَّبَبِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، (1) فَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً بِهِ ضَمِنَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَالأَْصْل عَدَمُهُ.
أَمَّا إِذَا ادَّعَى الْهَلاَكَ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ ـ كَسَرِقَةٍ وَضَيَاعٍ ـ أَوْ لَمْ يُبَيِّنِ السَّبَبَ، فَالْقَوْل قَوْلُهُ فِي هَلاَكِهَا، لِتَعَذُّرِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَوْ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ، لاَمْتَنَعَ النَّاسُ عَنْ قَبُول الْوَدَائِعِ مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَّةِ إِلَيْهَا (2) .
وَحَيْثُ كَانَ الْقَوْل لِلْوَدِيعِ فِي دَعْوَى التَّلَفِ، فَهَل يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ دُونَ يَمِينِهِ، أَمْ لاَ بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ مَعَهُ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي غَيْرِ الْمَشْهُورِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْقَوْل قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ. (3) قَال الْكَاسَانِيُّ:
__________
(1) تُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 126، وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 85، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 199.
(2) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 346، وَأَسْنَى الْمُطَالِبِ 3 / 85، وَالْمُهَذَّبُ 1 / 369، تُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 126، شَرْحُ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 456، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 199.
(3) التَّفْرِيعُ لاِبْنِ الْجَلاَّبِ 2 / 270، وَالإِْشْرَافُ لاِبْنِ الْمُنْذِرِ 1 / 254، وَالْقَوَانِينُ الْفِقْهِيَّةُ ص 379، وَرَوْضَةُ الْقُضَاةِ 2 / 624، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةُ 4 / 357، وَالْبَدَائِعُ 6 / 211، وَالْعُقُودُ الدُّرِّيَّةُ لاِبْنِ عَابِدِينَ 2 / 73، وَالْمُبْدِعُ 5 / 242، شَرْحُ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 455، وَالْمُغْنِي 9 / 273، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 199، وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 85، وَتُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 126، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 346، وَالْمُهَذَّبُ 1 / 369.

لأَِنَّ التُّهْمَةَ قَائِمَةٌ، فَيُسْتَحْلَفُ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ. (1)
الثَّانِي: لأَِحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: وَهُوَ أَنَّهُ يَصْدُقُ فِي ادِّعَاءِ تَلَفِهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ. (2)
وَالثَّالِثُ: لِلْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ: وَهُوَ أَنَّهُ يُحَلَّفُ الْمُتَّهَمُ دُونَ غَيْرِهِ. (3)
قَال الْعَدَوِيُّ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ مَحَل كَوْنِهِ لاَ يُحَلَّفُ إِلاَّ الْمُتَّهَمُ إِذَا لَمْ تَكُنِ الدَّعْوَى دَعْوَى تَحْقِيقٍ، وَأَمَّا دَعْوَى التَّحْقِيقِ، فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ مُتَّهَمٍ وَغَيْرِهِ. وَغُرِّمَ بِمُجَرَّدِ النُّكُول فِي دَعْوَى الاِتِّهَامِ الْقَاصِرَةِ عَلَى الْمُتَّهَمِ، وَبَعْدَ حَلْفِ الْمُودِعِ فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ الَّتِي لَيْسَتْ قَاصِرَةً عَلَى الْمُتَّهَمِ. (4)
__________
(1) بَدَائِعُ الصَّنَائِعِ 6 / 211.
(2) الْمُبْدِعُ 5 / 242.
(3) كِفَايَةُ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ 2 / 254، وَالتَّاجُ وَالإِْكْلِيل وَمَوَاهِبُ الْجَلِيل 5 / 264، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 123.
(4) حَاشِيَةُ الْعَدَوِيِّ عَلَى كِفَايَةِ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ 2 / 254، وَانْظُرْ مَوَاهِبَ الْجَلِيل 5 / 264، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ وَحَاشِيَةَ الْبُنَانِيِّ عَلَيْهِ 6 / 123. وَدَعْوَى التَّحْقِيقِ هِيَ الدَّعْوَى الَّتِي يَدَّعِي فِيهَا الْمُدَّعِي عِلْمًا بِصِفَةِ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى بِهِ وَقَدْرِهِ، كَأَنْ يَقُول: أَتَحَقَّقُ أَنَّ لِي عِنْدَكَ دِينَارًا أَوْ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا. (حَاشِيَةُ الْعَدَوِيِّ مَعَ كِفَ

ج ـ قَبُول قَوْل الْوَدِيعِ فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ:
21 - إِذَا ادَّعَى الْوَدِيعُ رَدَّ الْوَدِيعَةِ إِلَى رَبِّهَا ـ وَعَبَّرَ الشَّافِعِيَّةُ بِقَوْلِهِمْ: رَدَّهَا إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ ـ فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فِي رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْهُ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْوَدِيعِ بِيَمِينِهِ. (1)
وَقَال الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: وَلأَِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي التَّلَفِ قَطْعًا، فَكَذَا فِي الرَّدِّ (2) . وَقَال صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ: لأَِنَّهُ أَخَذَ الْعَيْنَ لِمَنْفَعَةِ الْمَالِكِ، فَكَانَ الْقَوْل فِي الرَّدِّ قَوْلَهُ (3) .
__________
(1) بَدَائِعُ الصَّنَائِعِ 6 / 211، وَالْعُقُودُ الدُّرِّيَّةُ لاِبْنِ عَابِدِينَ 2 / 79، الْمَبْسُوطُ لِلسَّرْخَسِيِّ 11 / 113، وَالأَْشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ لاِبْنِ نُجَيْمٍ ص 328، وَالْمُهَذَّبُ 1 / 369، وَكِفَايَةُ الأَْخْيَارِ 2 / 10، تُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 126، وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ 3 / 85، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 346، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 198، وَشَرْحُ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 455، وَالْمُغْنِي 9 / 273، وَالْمُبْدِعُ 5 / 242، وَالإِْشْرَافُ لاِبْنِ الْمُنْذِرِ 1 / 254، وَالْقَوَانِينُ الْفِقْهِيَّةُ ص 379، وَالْمُقَدِّمَاتُ الْمُمَهِّدَاتُ 2 / 459، وَبِدَايَةُ الْمُجْتَهِدِ 2 / 310.
(2) كِفَايَةُ الأَْخْيَارِ 2 / 10.
(3) الْمُهَذَّبُ لِلشِّيرَازِيِّ 1 / 369.

وَوَافَقَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْوَدِيعُ قَبَضَهَا بِدُونِ بَيِّنَةٍ. أَمَّا إِذَا قَبَضَهَا بِبَيِّنَةٍ قَصَدَ بِهَا التَّوْثِيقَ، فَقَالُوا: لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي رَدِّهَا عَلَى مَالِكِهَا إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ. (1) وَقَدْ عَلَّل ذَلِكَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْبَغْدَادِيُّ بِقَوْلِهِ: لأَِنَّهُ لَمَّا أَشْهَدَ عَلَيْهِ وَتَوَثَّقَ مِنْهُ، جَعَلَهُ أَمِينًا فِي الْحِفْظِ دُونَ الرَّدِّ، فَإِذَا ادَّعَى رَدَّهَا، فَقَدِ ادَّعَى بَرَاءَتَهُ مِمَّا لَيْسَ بِمُؤْتَمَنٍ فِيهِ، فَلَمْ يُقْبَل مِنْهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، وَلأَِنَّ هَذَا فَائِدَةُ الإِْشْهَادِ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَزَلْنَاهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فَائِدَةٌ. (2)
وَقَدْ وَافَقَ الْمَالِكِيَّةَ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ وَالتَّفْصِيل أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدِ الْبَيِّنَةَ ـ فِيمَا إِذَا قَبَضَ الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ بِبَيِّنَةٍ ـ بِأَنْ يَكُونَ التَّوَثُّقُ مَقْصُودًا بِهَا. (3) قَال ابْنُ رَجَبٍ: وَخَرَّجَهَا ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى أَنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى دَفْعِ الْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ بِالْبَيِّنَةِ وَاجِبٌ، فَيَكُونُ تَرْكُهُ تَفْرِيطًا، فَيَجِبُ فِيهِ الضَّمَانُ (4) .
__________
(1) مَوَاهِبُ الْجَلِيل 5 / 264، وَالزُّرْقَانِيُّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 123، وَمَيَّارَةٍ عَلَى التُّحْفَةِ 2 / 190، وَالتَّفْرِيعُ لاِبْنِ الْجَلاَّبِ 2 / 270، وَالْقَوَانِينُ الْفِقْهِيَّةُ ص 379، وَكِفَايَةُ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ 2 / 253، وَبِدَايَةُ الْمُجْتَهِدِ 2 / 310، وَالتَّاجُ وَالإِْكْلِيل 5 / 264.
(2) الإِْشْرَافُ عَلَى مَسَائِل الْخِلاَفِ 2 / 41.
(3) الْمُبْدِعُ 5 / 242، وَإِعْلاَمُ الْمُوَقِّعِينَ 4 / 8، الْقَوَاعِدُ لاِبْنِ رَجَبٍ ص62.
(4) الْقَوَاعِدُ لاِبْنِ رَجَبٍ ص 62.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا ادَّعَى الْوَدِيعُ الرَّدَّ عَلَى غَيْرِ مَنِ ائْتَمَنَهُ كَوَارِثِهِ، أَوِ ادَّعَى وَارِثُ الْوَدِيعِ الرَّدَّ مِنْهُ عَلَى الْمَالِكِ لِلْوَدِيعَةِ، أَوْ أَوْدَعَ الْوَدِيعُ عِنْدَ سَفَرِهِ أَمِينًا لَمْ يُعَيِّنْهُ الْمَالِكُ، فَادَّعَى الأَْمِينُ الرَّدَّ عَلَى الْمَالِكِ - طُولِبَ كُلٌّ مِمَّنْ ذُكِرَ بِبَيِّنَةٍ؛ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الرَّدِّ وَلَمْ يَأْتَمِنْهُ.
أَمَّا لَوِ ادَّعَى وَارِثُ الْوَدِيعِ أَنَّ مُوَرِّثَهُ رَدَّهَا عَلَى الْمُودِعِ أَوْ أَنَّهَا تَلِفَتْ فِي يَدِ مُوَرِّثِهِ أَوْ فِي يَدِهِ قَبْل التَّمَكُّنِ مِنَ الرَّدِّ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ حُصُولِهَا فِي يَدِ الْوَارِثِ وَعَدَمُ تَعَدِّيهِمَا (1) .

د ـ كَوْنُ زَوَائِدِ الْوَدِيعَةِ لِصَاحِبِهَا
22 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُتَوَلِّدَةَ مِنَ الْوَدِيعَةِ ـ مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً ـ تَكُونُ لِصَاحِبِهَا، لأَِنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَأَنَّهَا أَمَانَةٌ بِيَدِ الْوَدِيعِ (2) .
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِقْدَارٌ مِنْهَا، وَخَافَ فَسَادَهُ بِيَدِهِ، وَالْمُوَدِعُ غَائِبٌ، كَمَا إِذَا
__________
(1) تُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 126.
(2) دُرَرُ الْحُكَّامِ 2 / 279، وَشَرْحُ الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 287، وَانْظُرِ الْمَادَّةَ (798) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ، وَالْمَنْثُورَ فِي الْقَوَاعِدِ 3 / 352 ـ 353، وَالْقَوَاعِدَ لاِبْنِ رَجَبٍ ص 16القاعدةَ (82) وَالْمُنْتَقَى شَرْحُ الْمُوَطَّأِ 5 / 281.

تَجَمَّعَ لَدَيْهِ كَمِّيَّةٌ مِنْ لَبَنِ الْحَيَوَانِ الْمُودَعِ أَوْ مِنْ ثِمَارِ الْكَرْمِ أَوِ الْبُسْتَانِ الْمُودَعِ، وَخِيفَ فَسَادُهَا، يَبِيعُ الْوَدِيعُ هَذِهِ الزَّوَائِدَ لِحِسَابِ صَاحِبِهَا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ. (1)
فَإِنْ بَاعَهَا الْوَدِيعُ بِدُونِ أَمْرِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ كَانَ فِي بَلْدَةٍ أَوْ مَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ مُرَاجَعَةُ الْحَاكِمِ، يَضْمَنُ، وَأَمَّا إِذَا بَاعَهَا لِعَدَمِ إِمْكَانِهِ مُرَاجَعَةَ الْحَاكِمِ، كَأَنْ كَانَ فِي الْمَفَازَةِ مَثَلاً، فَيَصِحُّ بَيْعُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ. (2)
هـ - كَوْنُ نَفَقَةِ الْوَدِيعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا
23 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْوَدِيعَةَ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى نَفَقَةٍ وَمُؤْنَةٍ، تَكُونُ نَفَقَتُهَا وَمَصَارِيفُهَا عَلَى صَاحِبِهَا لاَ عَلَى الْوَدِيعِ. (3) فَإِنْ أَذِنَ مَالِكُهَا لِلْوَدِيعِ بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا، كَانَ وَكِيلاً عَنْهُ فِي ذَلِكَ، وَيَعُودُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ. فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا، وَلاَ أَذِنَ لَهُ بِالإِْنْفَاقِ، فَلِلْوَدِيعِ
__________
(1) دُرَرُ الْحُكَّامِ 2 / 279، وَالْمَبْسُوطُ لِلسَّرَخْسِيِّ 11 / 126.
(2) رَدُّ الْمُحْتَارِ 4 / 501، وَدُرَرُ الْحُكَّامِ 2 / 279، وَالْمَبْسُوطُ 11 / 126.
(3) رَدُّ الْمُحْتَارِ 4 / 501، بِدَايَةُ الْمُجْتَهِدِ 2 / 312، وَانْظُرِ الْمَادَّةَ (829) مِنْ مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ، وَالْمَادَّةَ (1331) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (786) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ: " الْوَدِيعَةُ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ كَالْخَيْل وَالْبَقَرِ نَفَقَتُهَا عَلَى صَاحِبِهَا ".

مُطَالَبَتُهُ بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا أَوْ رَدِّهَا أَوِ الإِْذْنِ لَهُ بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا، لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ بِهِ. (1) وَهَذَا إِذَا كَانَ حَاضِرًا.
فَإِنْ كَانَ غَائِبًا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الإِْجْرَاءِ الَّذِي يَنْبَغِي لِلْوَدِيعِ أَنْ يَتْبَعَهُ مِنْ أَجْل الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ يَرْفَعُ الأَْمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ، وَالْحَاكِمُ حِينَئِذٍ يَأْمُرُ بِإِجْرَاءِ الأَْنْفَعِ وَالأَْصْلَحِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ؛ لأَِنَّ تَصَرُّفَهُ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ، فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ إِكْرَاءُ الْوَدِيعَةِ، فَيُؤَجِّرُهَا الْوَدِيعُ بِرَأْيِ الْحَاكِمِ، وَيُنْفِقُ مِنْ أُجْرَتِهَا. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ صَالِحَةً لِلْكِرَاءِ، فَيَأْمُرُهُ بِبَيْعِهَا فَوْرًا بِثَمَنِ الْمِثْل، إِنْ كَانَ الأَْصْلَحُ لِصَاحِبِهَا ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الأَْصْلَحُ أَنْ تَبْقَى لَهُ، فَيَأْمُرُهُ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامِ رَجَاءَ أَنْ يَحْضُرَ الْمَالِكُ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ خِلاَلَهَا أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا.
وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ الإِْنْفَاقَ عَلَى الْوَدِيعَةِ إِذَا كَانَتْ حَيَوَانًا بِأَلاَّ يَتَجَاوَزَ هَذَا الإِْنْفَاقُ قِيمَةَ الْحَيَوَانِ، فَإِنْ تَجَاوَزَهَا فَلِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَرْجِعَ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْحَيَوَانِ لاَ بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ. (2)
__________
(1) كَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 189، وَالْمُغْنِي 9 / 274.
(2) رَدُّ الْمُحْتَارِ 4 / 501، النُّتَفُ فِي الْفَتَاوَى لِلسُّغْدِيِّ 2 / 581، دُرَر الْحُكَّام 2 / 251، 252، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 257، م (829) مِنْ مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ وَم (786) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّة، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ 4 / 360.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ فُقِدَ الْمَالِكُ أَوْ وَكِيلُهُ فَيُرَاجِعُ الْوَدِيعُ الْحَاكِمَ لِيَقْتَرِضَ الْوَدِيعُ عَلَى الْمَالِكِ أَوْ يُؤَجِّرَهَا وَيَصْرِفَ الأُْجْرَةَ فِي مُؤْنَتِهَا أَوْ يَبِيعَ جُزْءًا مِنْهَا أَوْ جَمِيعَهَا إِنْ رَآهُ.
فَإِنْ فَقَدَ الْحَاكِمُ تَصَرُّفَ الْوَدِيعِ وَفْقَ مَا ذَكَرَ بِنَفْسِهِ وَأَشْهَدَ لِيَرْجِعَ، فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ لَمْ يَرْجِعْ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالْقَدْرُ الَّذِي يَعْلِفُهَا عَلَى الْمَالِكِ هُوَ الَّذِي يَصُونُهَا عَنِ التَّلَفِ وَالتَّعْيِيبِ لاَ مَا يَحْصُل بِهِ السِّمَنُ. (1)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَرْفَعُ الْوَدِيعُ الأَْمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ، لِيَأْمُرَ بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا مِنْ مَال صَاحِبِهَا إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ؛ لأَِنَّ لِلْحَاكِمِ وِلاَيَةً عَلَى مَال الْغَائِبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَعَل مَا يَرَى فِيهِ الْحَظَّ لِلْغَائِبِ مِنْ بَيْعِهَا وَحِفْظِ ثَمَنِهَا لِرَبِّهَا، أَوْ بِيعِ بَعْضِهَا لِنَفَقَةِ الْبَاقِي، أَوْ إِجَارَتِهَا لِيُنْفِقَ مِنْ أُجْرَتِهَا عَلَيْهَا، أَوِ الاِسْتِدَانَةِ عَلَى صَاحِبِهَا، أَوِ الإِْذْنِ لِلْوَدِيعِ بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ لِيَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِهَا. (2)
__________
(1) مُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 85.
(2) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 189.

24 - وَلَوْ أَنْفَقَ الْوَدِيعُ عَلَى الْوَدِيعَةِ بِدُونِ إِذْنِ الْحَاكِمِ، فَهَل يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهَا بِمَا أَنْفَقَ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَال:
الأَْوَّل لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ رُجُوعَ لَهُ عَلَى صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ بِشَيْءٍ؛ لأَِنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِمَا أَنْفَقَ لإِِنْفَاقِهِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ (1) .
وَالثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَةً تَلْزَمُهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهَا بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ بِدُونِ إِذْنِهِ أَوْ إِذْنِ الْحَاكِمِ إِذَا ثَبَتَ الإِْنْفَاقُ بِالْبَيِّنَةِ. (2)
وَالثَّالِثُ لِلْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ، فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا نَاوِيًا الرُّجُوعَ عَلَى صَاحِبِهَا بِنَفَقَتِهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى الرُّجُوعِ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَ رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا، وَلاَ تَفْرِيطَ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا.
وَإِنْ فَعَل ذَلِكَ مَعَ إِمْكَانِ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ
__________
(1) رَدَّ الْمُحْتَارَ 4 / 501، الأُْمّ 4 / 63، الإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 262، الإِْقْنَاع 2 / 405، دُرَر الْحُكَّام 2 / 252، وَانْظُرِ الْمَادَّة (830) مِنْ مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ، وَالْمَبْسُوطِ لِلسَّرْخَسِيَ 11 / 126.
(2) الْكَافِي لاِبْن عَبْد الْبَرّ 2 / 137، وَالْمُدَوَّنَة 15 / 157.

مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ، فَهَل لَهُ الرُّجُوعُ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ:
(إِحْدَاهُمَا) يَرْجِعُ بِهِ،؛ لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا. (وَالثَّانِيَةُ) لاَ يَرْجِعُ، لأَِنَّهُ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ. (1)

ثَانِيًا: وُجُوبُ الْحِفْظِ عَلَى الْوَدِيعِ:
25 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَدِيعِ حِفْظُ الْوَدِيعَةِ وَصِيَانَتُهَا لِصَاحِبِهَا. فَإِنْ قَصَّرَ فِي حِفْظِهَا أَوْ تَعَدَّى، فَهَلَكَتْ، ضَمِنَهَا. (2)
وَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَكْفِي الإِْيجَابُ وَالْقَبُول فِي حَقِّ وُجُوبِ حِفْظِهَا عَلَى الْوَدِيعِ حَتَّى يُثَبِّتَ يَدَهُ عَلَيْهَا بِالْقَبْضِ؛ لأَِنَّ حِفْظَ الشَّيْءِ بِدُونِ إِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ مُحَالٌ، قَالُوا: وَإِنَّ مِنْ إِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَى الْوَدِيعَةِ مَا لَوْ وَضَعَ الْمُودِعُ الْوَدِيعَةَ بَيْنَ يَدَيِ الْوَدِيعِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ
__________
(1) الْمُغْنِي لاِبْنِ قُدَامَةَ 9 / 275، وَالإِْنْصَافُ 6 / 320 ـ 321.
(2) الدَّرّ الْمُخْتَار 4 / 494، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 273، وَالْمُقَدَّمَات الْمُمَهَّدَات 2 / 466، وَالْعَدَوِيّ عَلَى كِفَايَة الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ 2 / 254 وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 78 وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 341، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 338، وَالْمُغْنِي 9 / 258، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 450، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 187.

مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ دُكَّانِهِ، فَرَآهُ وَسَكَتَ، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ ضَعْهَا هُنَاكَ. (1)
وَيَتَعَلَّقُ بِوُجُوبِ الْحِفْظِ عَلَى الْوَدِيعِ مَسْأَلَتَانِ:
26 - الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى:
كَيْفِيَّةُ الْحِفْظِ: لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ عَلَى الْوَدِيعِ أَنْ يَصُونَ الْوَدِيعَةَ بِمَا يَصُونُ بِهِ مَالَهُ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ حَالَتَيْنِ:
(الأُْولَى) أَنْ يُعَيِّنَ الْمُودِعُ الْحِرْزَ، كَمَا إِذَا قَال لِلْوَدِيعِ: احْفَظْهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ، أَوْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْهُ. وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِفْظُهَا فِيهِ، فَإِنْ نَقَلَهَا إِلَى مَا دُونَهُ ضَمِنَ؛ لأَِنَّ مَنْ رَضِيَ حِرْزًا، لَمْ يَرْضَ بِمَا دُونَهُ. وَإِنْ نَقَلَهَا إِلَى مِثْلِهِ أَوْ إِلَى مَا هُوَ أَحْرَزُ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْ، لأَِنَّ تَعْيِينَ الْحِرْزِ يَقْتَضِي الإِْذْنَ فِي مِثْلِهِ وَفِيمَا هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الأَْوْلَى (2) .
__________
(1) حَاشِيَةُ الْعَدَوِيِّ عَلَى كِفَايَةِ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ 2 / 194، وَالْمُهَذَّبُ لِلشِّيرَازِيِّ 1 / 366، وَكِفَايَةُ الأَْخْيَارِ لِلْحِصْنِيِّ 2 / 10، وَالدُّرُّ الْمُخْتَار مَعَ رَدِّ الْمُحْتَارِ 4 / 494، وَشَرْحُ الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 241، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 273، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 450، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 80.
(2) الْبَحْر الرَّائِق 7 / 279، وَمَجْمَع الأَْنْهُر وَالدَّرّ الْمُنْتَقَى 2 / 343، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 311 ـ 312، وَالْبَدَائِع 6 / 209 ـ 210، وَالْمُهَذَّب 1 / 366، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 339، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 81، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 450، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 187، وَالْمُغْنِي 9 / 259، وَالْمُبْدِع 5 / 234.

(وَالثَّانِيَةُ) أَلاَّ يُعَيِّنَ الْمُودِعُ الْحِرْزَ، وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِفْظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا، وَهُوَ: مَا لاَ يُعَدُّ الْوَاضِعُ فِيهِ مُضَيِّعًا لِمَا لَهُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الإِْطْلاَقَ يَقْتَضِيهِ، فَتُوضَعُ الدَّرَاهِمُ فِي الصُّنْدُوقِ، وَالأَْثَاثُ فِي الْبَيْتِ، وَالْغَنَمُ فِي صَحْنِ الدَّارِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. (1)
فَإِنْ أَخَّرَ إِحْرَازَهَا فَتَلِفَتْ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ، لأَِنَّ تَرْكَ الْحِفْظِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ تَفْرِيطٌ مُوجِبٌ لِتَضْمِينِهِ. وَإِنْ وَضَعَهَا فِي حِرْزٍ دُونَ حِرْزِ مِثْلِهَا ضَمِنَ؛ لأَِنَّ الإِْيدَاعَ يَقْتَضِي الْحِفْظَ، فَلَمَّا أُطْلِقَ حُمِل عَلَى الْمُتَعَارَفِ، وَهُوَ حِرْزُ الْمِثْل، فَإِنْ تَرَكَهَا فِيمَا دُونَهُ كَانَ مُفَرِّطًا، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ.
وَإِنْ وَضَعَهَا فِي حِرْزٍ فَوْقَ حِرْزِ مِثْلِهَا، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ مَنْ رَضِيَ بِحِرْزِ الْمِثْل رَضِيَ بِمَا فَوْقَهُ.
__________
(1) الْعُقُود الدُّرِّيَّة لاِبْنِ عَابِدِينَ 2 / 76، قُرَّة عُيُون الأَْخْيَار 2 / 237، رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 341، أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 82، وَكِفَايَة الأَْخْيَار 2 / 10، وَالْمُهَذَّب 1 / 366، وَالْمُقْدِمَات الْمُمَهِّدَات 2 / 466، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 450، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 187، وَالْمُغْنِي 9 / 259، 265، وَدُرَر الْحُكَّام 2 / 243، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 249.

وَلاَ يَخْفَى أَنَّ ضَابِطَ حِرْزِ الْمِثْل عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ عُرْفِيٌّ، أَيْ بِحَسَبِ عَادَةِ النَّاسِ وَمَا يَرَوْنَهُ مُنَاسِبًا لِحِفْظِ الأَْشْيَاءِ بِحَسَبِ نَفَاسَتِهَا وَدَنَاءَتِهَا، وَكَثْرَتِهَا وَقِلَّتِهَا، وَهَذِهِ الأُْمُورُ تَخْتَلِفُ كَثِيرًا بِحَسَبِ الأَْقَالِيمِ وَالْحَوَاضِرِ وَالْبَوَادِي، وَبِاعْتِبَارِ الأَْزْمِنَةِ وَالأَْمْكِنَةِ، وَكَثْرَةِ السَّرِقَةِ فِي الْبَلَدِ أَوْ نُدْرَتِهَا. . . وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الاِعْتِبَارَاتِ (1) ، وَقَدْ أَفْصَحَ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: وَإِذَا اسْتَوْدَعَ الرَّجُل الرَّجُل الْوَدِيعَةَ، فَوَضَعَهَا فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِهِ يُحْرِزُ مِنْهُ مَالَهُ، وَيَرَى النَّاسُ مِثْلَهُ حِرْزًا ـ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ دَارِهِ أَحْرَزَ مِنْهُ ـ فَهَلَكَتْ، لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ وَضَعَهَا فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِهِ لاَ يَرَاهُ النَّاسُ حِرْزًا، وَلاَ يُحْرَزُ فِيهِ مِثْل الْوَدِيعَةِ، فَهَلَكَتْ، ضَمِنَ. (2)
فَضَابِطُ الْحِرْزِ فِي الْوَدِيعَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنْ تُحْرَزَ فِيمَا يُحْرَزُ فِيهِ أَمْثَالُهَا مَعَ مُرَاعَاةِ الأَْعْرَافِ وَالأَْزْمَانِ وَالأَْمَاكِنِ (3) .
__________
(1) حَاشِيَة الْحَسَن بْن رَحَّال عَلَى مَيَّارَة 2 / 188، وَالْمُبْدِع 5 / 234، وَالْمَجَلَّة الْعَدْلِيَّة الْمَادَّة 782، وَمَجَلَّة الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَذْهَب الإِْمَامِ أَحْمَد الْمَادَّة 1348.
(2) الأُْمّ 4 / 137.
(3) قُرَّةُ عُيُونِ الأَْخْيَارِ 2 / 237، وَحَاشِيَةُ ابْنِ رَحَّالٍ عَلَى مَيَّارَة 2 / 188، وَتُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 120، وَالْمُغْنِي لاِبْنِ قُدَامَةَ 9 / 259 ط هَجَرَ.

وَفِي هَذَا الْمَقَامِ ذَكَرَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ لِلْوَدِيعِ أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ بِنَفْسِهِ أَوْ عِنْدَ مَنْ يَأْتَمِنُهُ عَلَى حِفْظِ مَالِهِ مِنْ عِيَالِهِ، كَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ وَنَحْوِهِمْ، (1) لأَِنَّ الإِْنْسَانَ لاَ يَلْتَزِمُ بِحِفْظِ مَال غَيْرِهِ عَادَةً إِلاَّ بِمَا يَحْفَظُ بِهِ مَال نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ يَحْفَظُ مَال نَفْسِهِ بِيَدِهِ مَرَّةً وَبِيَدِ هَؤُلاَءِ أُخْرَى، فَلَهُ أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ بِيَدِهِمْ أَيْضًا. (2)
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، أَمَّا إِذَا وَضَعَهَا عِنْدَ مَنْ لاَ يَأْتَمِنُهُ مِنْهُمْ وَلاَ يَحْفَظُ مَالَهُ عِنْدَهُمْ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ ضَامِنًا، لأَِنَّهُ تَفْرِيطٌ فِي حِفْظِ الْوَدِيعَةِ.
__________
(1) الْبَحْر الرَّائِق 7 / 274، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 339، وَمَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 339، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 494، وَالْعُقُود الدُّرِّيَّة 2 / 71، 78، دُرَر الْحُكَّام 2 / 239، النَّتْف فِي الْفَتَاوَى للسغدي 2 / 580، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 257، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 117، الْمُقْدِمَات الْمُمَهِّدَات 2 / 466، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 311، الْكَافِي لاِبْن عَبْد الْبَرّ ص 403، وَالتَّفْرِيع لاِبْن الْجَلاَّب 2 / 271، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 252، رَوْضَة الْقُضَاة 2 / 618، وَالْمُبْدِع 5 / 237، وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَى كِفَايَة الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ 2 / 254، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 452، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 187، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 9 / 260.
(2) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 208.

وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ نَهَاهُ عَنْ دَفْعِهَا إِلَى بَعْضِ عِيَالِهِ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ضَمِنَ إِنْ كَانَ لَهُ بُدٌّ بِأَنْ كَانَ لَهُ عِيَال غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْهُ لاَ يَضْمَنُ. (1)
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْعِيَال الَّذِينَ يَجُوزُ لِلْوَدِيعِ دَفْعُ الْوَدِيعَةِ إِلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا تَحْتَ غَلْقِهِ مِنْ زَوْجٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ وَالِدَةٍ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ. (2)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا أَوْدَعَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ بِلاَ عُذْرٍ مِنْ غَيْرِ إِذَنِ الْمَالِكِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ ضَامِنًا، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عِيَالِهِ كَزَوْجَتِهِ وَابْنِهِ وَنَحْوِهِمْ. أَوْ عِنْدَ أَجْنَبِيٍّ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَوْدِعَ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِ لاَ بِأَمَانَةِ غَيْرِهِ، وَلَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَى أَنْ يُودِعَهَا غَيْرَهُ، فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ كَانَ مُتَعَدِّيًا، وَيَلْزَمَهُ ضَمَانُهَا. (3)

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مُدَّةُ حِفْظِ الْوَدِيعَةِ:
27 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْوَدِيعِ أَنْ يَحْفَظَ بِهَا الْوَدِيعَةَ إِذَا غَابَ رَبُّهَا غَيْبَةً
__________
(1) ابْن عَابِدِينَ 4 / 495، وَالْبَدَائِع 6 / 209، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 279.
(2) الْمُقْدِمَات الْمُمَهِّدَات 2 / 466.
(3) تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 105، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 327، وَكِفَايَة الأَْخْيَار 2 / 8، وَالْمَحَلِّيّ عَلَى الْمِنْهَاجِ 3 / 182، اخْتِلاَف الْعِرَاقِيِّينَ 4 / 63 (مَطْبُوع بِهَامِش الأُْمّ لِلشَّافِعِيِّ) .

مُنْقَطِعَةً، أَيْ فُقِدَ بِحَيْثُ لاَ يُدْرَى أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ، وَمَاذَا يَفْعَل بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
(الأَْوَّل) لِلْحَنَفِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِفْظُهَا حَتَّى يَعْلَمَ مَوْتَ صَاحِبِهَا أَوْ حَيَاتَهُ؛ لأَِنَّهُ الْتَزَمَ حِفْظَهَا لَهُ، فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا الْتَزَمَ بِهِ لِحَدِيثِ وَفَاءً لاَ غَدْرًا " (1) ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا، كَمَا هُوَ الْحَال فِي اللُّقَطَةِ؛ لأَِنَّ مَالِكَ اللُّقَطَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْمُلْتَقِطِ فَبَعْدَ التَّعْرِيفِ يَكُونُ التَّصَدُّقُ بِهَا طَرِيقًا لإِِيصَالِهَا إِلَيْهِ، بِخِلاَفِ الْوَدِيعَةِ، فَإِنَّ مَالِكَهَا مَعْلُومٌ، فَكَانَ طَرِيقُ إِيصَالِهَا الْحِفْظَ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ الْمَالِكُ أَوْ يَتَبَيَّنَ مَوْتُهُ، فَيَطْلُبُهَا وَارِثُهُ، وَيَدْفَعُهَا إِلَيْهِ. قَالُوا: إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْوَدِيعَةُ مِمَّا يَفْسُدُ أَوْ يَتْلَفُ بِالْمُكْثِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِلْوَدِيعِ بِيعُهَا بِأَمْرِ الْحَاكِمِ، وَحِفْظُ ثَمَنِهَا أَمَانَةٌ عِنْدَهُ مِثْل أَصْلِهَا؛ لَكِنْ إِذَا لَمْ يَبِعْهَا، فَفَسَدَتْ بِالْمُكْثِ لاَ يَضْمَنُ؛ لأَِنَّهُ حَفِظَ الْوَدِيعَةَ عَلَى
__________
(1) حَدِيثُ: " وَفَاءً لاَ غَدْرًا ". وَرَدَ ذَلِكَ مِنْ قَوْل عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَال عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلاَ يَح

الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ (1) .
(الثَّانِي) لِلْمَالِكِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ بِهَا إِلَى أَقْصَى مَا يَحْيَى الْمُودِعُ إِلَى مِثْلِهِ، ثُمَّ يَدْفَعُهَا إِلَى وَرَثَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، تَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُ. (2)
(الثَّالِثُ) لِلشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ: وَهُوَ أَنَّ هَذَا مَالٌ ضَائِعٌ، فَمَتَى لَمْ يَيْأَسْ مِنْ مَالِكِهِ أَمْسَكَهُ لَهُ أَبَدًا، مَعَ التَّعْرِيفِ بِهِ نَدْبًا، أَوْ أَعْطَاهُ لِلْقَاضِي الأَْمِينِ، فَيَحْفَظُهُ لَهُ كَذَلِكَ، وَمَتَى أَيِسَ مِنْهُ، أَيْ بِأَنْ يَبْعُدَ فِي الْعَادَةِ وُجُودُهُ فِيمَا يَظْهَرُ، صَارَ مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَال بَيْتِ الْمَال، فَيَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِهَا مَنْ هُوَ تَحْتَ يَدِهِ، أَوْ يَدْفَعُهُ لِلإِْمَامِ مَا لَمْ يَكُنْ جَائِرًا فِيمَا يَظْهَرُ. (3)
وَأَفْتَى الشَّيْخُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَيِسَ مِنْ مَعْرِفَةِ مَالِكِهَا بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ،
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 346، وَالْعُقُود الدُّرِّيَّة لاِبْنِ عَابِدِينَ 2 / 70، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 255، وَالْمَبْسُوط 11 / 129، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 501، وَقُرَّة عُيُون الأَْخْيَار 2 / 261، وَالْمَادَّة (785) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّة، وَدُرَر الْحُكَّام 2 / 250.
(2) التَّفْرِيع لاِبْن الْجَلاَّب 2 / 271، وَالْكَافِي لاِبْن عَبْد الْبَرّ ص 137 ط حَسَّان، وَالْمُدَوَّنَة 15 / 160.
(3) تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 127، وَمَا بَعْدَهَا، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 92.

أَنْ يَصْرِفَهَا فِي أَهَمِّ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَهَمُّهَا، وَلْيُقَدِّمْ أَهْل الضَّرُورَةِ وَمَسِيسِي الْحَاجَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَلاَ يَبْنِي بِهَا مَسْجِدًا، وَلاَ يَصْرِفُهَا إِلاَّ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ الْعَادِل صَرْفُهَا فِيهِ. فَإِنْ جَهِل ذَلِكَ، فَلْيَسْأَل عَنْهُ أَوْرَعَ الْعُلَمَاءِ، وَأَعْرَفَهُمْ بِالْمَصَالِحِ الْوَاجِبَةِ التَّقْدِيمِ. (1)
(الرَّابِعُ) لِلْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّ الْوَدِيعَةَ الَّتِي فُقِدَ مَالِكُهَا، وَلَمْ يُطَّلِعْ عَلَى خَبَرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ وَرَثَةٌ ـ وَكَذَا الْوَدِيعَةُ الَّتِي جُهِل مَالِكُهَا ـ يَجُوزُ لِلْوَدِيعِ بِدُونِ إِذْنِ الْحَاكِمِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا بِنِيَّةِ غُرْمِهَا إِذَا عَرَفَهُ أَوْ عَرَفَ وَارِثَهُ، وَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ، وَيَلْزَمَ الْحَاكِمِ قَبُولُهَا (2) ..

ثَالِثًا: لُزُومُ الرَّدِّ عِنْدَ الطَّلَبِ: أـ إِذَا كَانَتِ الْوَدِيعَةُ لِوَاحِدٍ: 28 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَدِيعِ رَدُّ الْوَدِيعَةِ لِمَالِكِهَا عَلَى الْفَوْرِ إِذَا طَلَبَهَا (3) . فَإِنْ أَخَّرَ رَدَّهَا أَوْ مَنَعَهَا بَعْدَ طَلَبِهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَهَلَكَتْ، ضَمِنَهَا، لِكَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا
__________
(1) فَتَاوَى الْعِزّ بْن عَبْد السَّلاَم ص 118، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 127، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 92.
(2) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 195.
(3) الْبَدَائِع 6 / 210، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 275، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 343، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 84، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 124، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 202، وَالْمُغْنِي 9 / 268، وَكِفَايَة الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ 2 / 253.

بِذَلِكَ، وَهَذَا لأَِنَّهُ لَمَّا طَلَبَهَا، لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِإِمْسَاكِ الْوَدِيعِ بَعْدَ الطَّلَبِ، فَيَضْمَنُهَا بِحَبْسِهَا عَنْهُ، وَلأَِنَّهُ صَارَ غَاصِبًا، لِكَوْنِهِ أَمْسَكَ مَال غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ. (1)
أَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ إِنْ تَلِفَتْ قَبْل الرَّدِّ، اسْتِصْحَابًا لِيَدِ الأَْمَانَةِ، وَلاِنْتِفَاءِ مُوجِبِ تَضْمِينِهِ، حَيْثُ إِنَّهُ لاَ يُعَدُّ بِذَلِكَ مُتَعَدِّيًا وَلاَ مُفَرِّطًا؛ لأَِنَّ اللَّهَ لاَ يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا. وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ. (2)
أَمَّا الْعُذْرُ الْمُسَوِّغُ لِتَأْخِيرِ رَدِّ الْوَدِيعَةِ أَوْ مَنْعِهِ، فَمِثْل كَوْنِهِ بِاللَّيْل وَلَمْ يَتَأَتَّ فَتْحُ الْحِرْزِ حِينَئِذٍ، أَوْ كَانَ فِي صَلاَةٍ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ أَوْ طَهَارَةٍ أَوْ أَكْلٍ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ مُلاَزِمَةِ غَرِيمٍ يَخَافُ هَرَبَهُ، أَوْ يَخْشَى الْمَطَرَ وَالْوَدِيعَةُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْ حَمْلِهَا وَنَحْوِ
__________
(1) مَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 340، وَالْمُغْنِي 9 / 269.
(2) رَوْضَة الْقُضَاة لِلسِّمْنَانِيِّ 2 / 624، وَالْمُبْدِع 5 / 244، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 202، وَالْمُغْنِي 9 / 269، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 456، وَالْمُهَذَّب 1 / 369، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 244، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 124، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 84، وَكِفَايَة الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ 2 / 253، وَمَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 340، وَبَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 210، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 495.

ذَلِكَ، فَالتَّأْخِيرُ جَائِزٌ، وَلاَ يُعَدُّ بِذَلِكَ مُتَعَدِّيًا وَلاَ مُمَاطِلاً. (1)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الْعُذْرُ قَدْ يَكُونُ حِسِّيًّا، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَوِيًّا. فَأَمَّا الْحِسِّيُّ: فَلِوُجُودِ الْوَدِيعَةِ فِي مَحَلٍّ بَعِيدٍ لاَ يَسْتَطِيعُ الْوُصُول إِلَيْهِ حِينَ طَلَبِهَا.
وَأَمَّا الْمَعْنَوِيُّ: فَكَمَا إِذَا خَافَ الْوَدِيعُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ظَالِمٍ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ دَائِنٍ أَنْ يَحْبِسَهُ وَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْوَفَاءِ، أَوْ كَانَتِ امْرَأَةً وَخَافَتْ مِنْ فَاسِقٍ، أَوْ خَافَ عَلَى مَالِهِ بِأَنْ كَانَ مَدْفُونًا مَعَهَا، فَإِذَا ظَهَرَ اغْتَصَبَهُ غَاصِبٌ، أَوْ كَانَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ ظَالِمًا فَطَلَبَ الْوَدِيعَةَ لِيَظْلِمَ بِهَا، بِأَنْ كَانَتْ سَيْفًا فَعَلِمَ أَوْ شَكَّ أَنَّهُ طَلَبَهُ لِيَقْتُل بِهِ رَجُلاً بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ كَانَتْ كِتَابًا فِيهِ إِقْرَارُ الْمُودِعِ بِمَال الْغَيْرِ، أَوْ بِقَبْضِ دَيْنِهِ مِنَ الْغَيْرِ فَلَهُ عِنْدَ وُجُودِ عُذْرٍ مِنْ هَذِهِ الأَْعْذَارِ أَنْ يَمْنَعَ الْوَدِيعَةَ مِنْ مَالِكِهَا، وَلاَ يَكُونُ ظَالِمًا بِمَنْعِهَا حِينَئِذٍ، حَتَّى لَوْ هَلَكَتِ الْوَدِيعَةُ بَعْدَ ذَلِكَ الطَّلَبِ لاَ يَضْمَنُهَا. (2)
__________
(1) كِفَايَة الأَْخْيَار 2 / 10، وَالْمَادَّة (1336) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَذْهَب أَحْمَدَ.
(2) دُرَر الْحُكَّام 2 / 275، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 277، وَالدَّرّ الْمُنْتَقَى 2 / 340، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 495، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 275، وَالأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص 330.

وَإِذَا أَخَّرَ الْوَدِيعُ رَدَّ الْوَدِيعَةِ لِصَاحِبِهَا بَعْدَ طَلَبِهَا لِلإِْشْهَادِ عَلَى الرَّدِّ فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ مَالِكُهَا قَدْ أَشْهَدَ عَلَى تَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لِقَبُول قَوْلِهِ فِي الرَّدِّ إِلَيْهِ عِنْدَ ادِّعَائِهِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى بَيِّنَةٍ. (1)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَبَضَهَا بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ مَعْذُورًا فِي تَأْخِيرِ رَدِّهَا إِلَيْهِ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِ، إِذْ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي رَدِّهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلاَّ بِالْبَيِّنَةِ. وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُهُ لِلإِْشْهَادِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ مُصَدِّقٌ فِي دَعْوَى رَدِّهَا لِصَاحِبِهَا بِدُونِهِ. فَإِنْ أَخَّرَهُ فَتَلِفَتْ، كَانَ ضَامِنًا؛ لأَِنَّهُ مُتَسَبِّبٌ فِي ضَيَاعِهَا. (2)
29 - وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى الْتِزَامِ الْوَدِيعِ بِرَدِّ الْوَدِيعَةِ إِلَى رَبِّهَا أَنْ يَقُومَ بِرَدِّ الْوَدِيعَةِ بِنَفْسِهِ أَوْ عَلَى يَدِ أَمِينِهِ ـ كَزَوْجَتِهِ وَخَازِنِهِ وَوَكِيلِهِ وَنَحْوِهِمْ إِلَى الْمُودِعِ ـ اسْتِبْرَاءً مِنْ تَحَمُّل التَّبِعَةِ، وَرِعَايَةً لِلأَْمَانَةِ وَأَدَاءً لِحَقِّهَا. وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. (3)
__________
(1) تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 124.
(2) الزُّرْقَانِيِّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 124.
(3) بدائع الصَّنَائِع 6 / 208، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 354، النَّتْف فِي الْفَتَاوَى للسغدي 2 / 580، شَرْح الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 278، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 198، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 455.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ـ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ـ إِلَى أَنَّهُ كَمَا يَصِحُّ لِلْوَدِيعِ رَدُّ الْوَدِيعَةِ إِلَى مَالِكِهَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ رَدُّهَا إِلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً لأَِنَّ أَيْدِيَهُمْ كَيَدِهِ وَذَلِكَ تَخَلُّصًا مِنْ دَرْكِهَا، وَإِيصَالاً لِلْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي لِلْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ رَدُّهَا إِلَى الْمُودِعِ بِالذَّاتِ. (1)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ طَلَبَ وَكِيل الْمُودِعِ الْوَدِيعَةَ يَلْزَمُ الْوَدِيعَ رَدُّهَا إِذَا ثَبَتَتْ وِكَالَةُ الْوَكِيل بِالْبَيِّنَةِ. (2)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إِلَى وَكِيلِهِ فَتَمَكَّنَ وَأَبَى ضَمِنَ، وَالأَْصَحُّ وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهَا وَكِيلُهُ. (3)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ ـ فِي حَالَةِ رَدِّهَا إِلَى غَيْرِ مَالِكِهَا ـ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَوْثِيقُ رَدِّهَا بِالشَّهَادَةِ، لِيُصَدَّقَ فِي دَعْوَى الرَّدِّ إِذَا أَنْكَرَ الْقَابِضُ، قَال
__________
(1) رَدّ الْمُحْتَارِ / 495، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 354، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 274، وَدُرَر الْحُكَّام 2 / 277، وَالْمُبْدِع 5 / 244، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 198، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 455، وَالْمَادَّة (1337) و (1342) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَذْهَب أَحْمَدَ.
(2) دُرَر الْحُكَّام 2 / 273.
(3) الْمُبْدِع 5 / 244.

ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إِلَى غَيْرِ الْيَدِ الَّتِي دَفَعَتْهَا إِلَيْهِ، فَعَلَيْهِ مَا عَلَى وَلِيِّ الْيَتِيمِ مِنَ الإِْشْهَادِ، قَال اللَّهُ عَزَّ وَجَل: ( {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} ) (1) . فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ، فَلاَ يُصَدَّقُ فِي الدَّفْعِ إِذَا أَنْكَرَ الْقَابِضُ، وَلاَ أَحْفَظُ فِي هَذَا الْوَجْهِ نَصَّ خِلاَفٍ، إِلاَّ عَلَى قَوْل ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ بَعَثَ بِبِضَاعَةٍ إِلَى رَجُلٍ مَعَ رَجُلٍ، أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ الإِْشْهَادُ فِي دَفْعِهَا إِلَيْهِ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ وَإِنْ أَنْكَرَ الْقَابِضُ، دَيْنًا كَانَتْ أَوْ صِلَةً. (2)
وَفِي وُجُوبِ الإِْشْهَادِ عَلَى دَفْعِ الْوَدِيعَةِ إِلَى وَكِيل الْمَالِكِ وَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ الْوُجُوبُ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، يَلْزَمُهُ الإِْشْهَادُ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ وَابْنِ الرِّفْعَةِ عَدَمُهُ؛ لأَِنَّ قَوْل الْوَدِيعِ مَقْبُولٌ فِي الرَّدِّ وَالتَّلَفِ، فَلاَ يَقْتَضِي الإِْشْهَادَ؛ لأَِنَّ الْوَدَائِعَ حَقُّهَا الإِْخْفَاءُ، بِخِلاَفِ قَضَاءِ الدِّينِ، وَبِهِ جَزَمَ فِي الأَْنْوَارِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلاَمِ النَّوَوِيِّ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي الْوَكَالَةِ. (3)
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ لِلْوَدِيعِ تَأْخِيرَ الرَّدِّ
__________
(1) سُورَة النِّسَاء: 6.
(2) الْمُقْدِمَات الْمُمَهِّدَات لاِبْن رُشْد 2 / 461، وَانْظُرْ مَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 262، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 310.
(3) سَنَى الْمَطَالِب 3 / 85، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 345.

لِلإِْشْهَادِ عَلَيْهِ إِذَا طَلَبَ مَالِكُهَا رَدَّهَا إِلَى وَكِيلِهِ.
قَال النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: إِذَا قَال لَهُ: رُدَّهَا عَلَى فُلاَنٍ وَكِيلِي، فَطَلَبَ الْوَكِيل، فَلَمْ يُرَدَّ، فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَبَ الْمَالِكُ فَلَمْ يُرَدَّ، لَكِنْ لَهُ التَّأْخِيرُ لِيَشْهَدَ عَلَى الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ بِالْقَبْضِ، لأَِنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَطْلُبِ الْوَكِيل، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الرَّدِّ، لَمْ تَصِرْ مَضْمُونَةً، وَإِلاَّ فَوَجْهَانِ، لأَِنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إِلَى وَكِيلِهِ عَزَلَهُ، فَيَصِيرُ مَا فِي يَدِهِ كَالأَْمَانَةِ الشَّرْعِيَّةِ، مِثْل الثَّوْبِ تُطَيِّرُهُ الرِّيحُ إِلَى دَارِهِ، وَفِيهَا وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) تَمْتَدُّ إِلَى الْمُطَالَبَةِ، (وَأَصَحُّهُمَا) تَنْتَهِي بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الرَّدِّ. (1)
ب ـ رَدُّ الْوَدِيعَةِ الْمُشْتَرَكَةِ: 30 - إِذَا كَانَتِ الْوَدِيعَةُ مَشَاعًا لِشَخْصَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، كَمَا إِذَا أَوْدَعَ رَجُلاَنِ مَالَهُمَا الْمُشْتَرَكَ عِنْدَ شَخْصٍ، ثُمَّ طَلَبَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي غِيَابِ الآْخَرِ حِصَّتَهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي لُزُومِ رَدِّ نَصِيبِهِ إِلَيْهِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
(أَحَدُهَا) لأَِبِي حَنِيفَةَ: وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَدِيعِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ حَتَّى يَحْضُرَ الآْخَرَ؛ لأَِنَّ
__________
(1) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 345، وَانْظُرْ أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 84، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج وَحَاشِيَة الشرواني عَلَيْهِ 7 / 124.

الْوَدِيعَ غَيْرُ مَالِكٍ لِلْمَال الْمُشْتَرَكِ، فَيَكُونُ إِعْطَاؤُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَعَدِّيًا عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، حَيْثُ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الْقِسْمَةَ بَيْنَهُمَا. (1)
وَوَجْهُ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الْوَدِيعَ لَوْ دَفَعَ شَيْئًا إِلَى الشَّرِيكِ الْحَاضِرِ، فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مِنَ النَّصِيبَيْنِ جَمِيعًا، وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مِنْ نَصِيبِهِ خَاصَّةً، وَلاَ وَجْهَ إِلَى الأَْوَّل؛ لأَِنَّ دَفْعَ نَصِيبِ الْغَائِبِ إِلَيْهِ مُمْتَنِعٌ شَرْعًا، وَلاَ سَبِيل إِلَى الثَّانِي؛ لأَِنَّ نَصِيبَهُ شَائِعٌ فِي الْكُل، إِذِ الْوَدِيعَةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا، وَلاَ تَتَمَيَّزُ إِلاَّ بِالْقِسْمَةِ، وَالْقِسْمَةُ عَلَى الْغَائِبِ غَيْرُ جَائِزَةٍ. (2)
(الثَّانِي) لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَدِيعِ قِسْمَةُ الْوَدِيعَةِ وَإِعْطَاؤُهُ حِصَّتَهُ، وَلاَ تَسْلِيمُ الْجَمِيعِ، بَل يَرْفَعُ الأَْمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ لِيُقَسِّمَهَا وَيَدْفَعَ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ لاِتِّفَاقِهِمَا عَلَى الإِْيدَاعِ فَكَذَا فِي الاِسْتِرْدَادِ. (3)
(الثَّالِثُ) لِلْحَنَابِلَةِ وَالصَّاحِبَيْنِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهِ جَرَتْ مَجَلَّةُ
__________
(1) الدَّرّ الْمُخْتَار مَعَ رَدِّ الْمُحْتَارِ 4 / 499، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 278، وَالْبَدَائِع 6 / 210، وَدُرَر الْحُكَّام 2 / 277، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 283، 285.
(2) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 210.
(3) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 345، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 124، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 84. وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 184.

الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: وَهُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الْوَدِيعَةُ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ مِنَ الْقِيمِيَّاتِ. (1)
فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ الَّتِي لاَ تَنْقُصُ بِالْقِسْمَةِ، فَطَلَبَ الْحَاضِرُ نَصِيبَهُ مِنْهَا، فَيُؤْمَرُ الْوَدِيعُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ حِصَّتِهِ يَكُونُ ضَامِنًا لَهَا.
قَال الْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ يُمْكِنُ فِيهِ تَمْيِيزُ نَصِيبِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ نَصِيبِ الآْخَرِ بِغَيْرِ غَبْنٍ وَلاَ ضَرَرٍ، فَإِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لَزِمَ دَفْعُهُ إِلَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَ مُتَمَيِّزًا. (2)
وَقَال الصَّاحِبَانِ: لأَِنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَشَارِكَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ فِي الْمِثْلِيَّاتِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي غِيَابِ الآْخَرِ وَبِدُونِ إِذْنِهِ، كَمَا إِذَا كَانَ لِرَجُلَيْنِ دَيْنٌ مُشْتَرَكٌ عَلَى رَجُلٍ، فَجَاءَ أَحَدُهُمَا وَطَلَبَ حِصَّتَهُ مِنَ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إِلَيْهِ حِصَّتَهُ. (3)
وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْقِيمِيَّاتِ، فَلَيْسَ لِلْوَدِيعِ أَنْ
__________
(1) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 205، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 458، وَدُرَر الْحُكَّام 2 / 277، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 283 الْمَادَّة (796) ، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 499، وَالْبَدَائِعِ 6 / 210، وَالْمَادَّة (1339) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَذْهَب أَحْمَدَ.
(2) الْمُبْدِع 5 / 246.
(3) دُرَر الْحُكَّام 2 / 277، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 283، مَجَلَّة الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّة الْمَادَّة (796) .

يُعْطِيَ الْحَاضِرَ حِصَّتَهُ، فَإِنْ فَعَل وَهَلَكَتْ ضَمِنَهَا.
لأَِنَّ قِسْمَةَ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ بَيْعٌ، وَلَيْسَ لِلْوَدِيعِ أَنْ يَبِيعَ عَلَى الْمُودِعِ، لأَِنَّ قِسْمَةَ ذَلِكَ لاَ يُؤْمَنُ فِيهَا الْحَيْفُ، لأَِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى التَّقْوِيمِ، وَذَلِكَ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ. (1)
وَلأَِنَّ الإِْفْرَازَ غَالِبٌ فِي الْمِثْلِيِّ، وَالْمُبَادَلَةَ غَالِبَةٌ فِي الْقِيمِيِّ، وَبِمَا أَنَّ الْوَدِيعَ لَيْسَ مَأْذُونًا بِالْمُبَادَلَةِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْقِيمِيَّ. (2)
كَيْفِيَّةُ رَدِّ الْوَدِيعَةِ وَمُؤْنَتُهُ
31 - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ رَدَّ الْوَدِيعَةِ يَحْصُل بِرَفْعِ الْيَدِ وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَالِكِ، عَلَى وَجْهٍ يَجْعَلُهُ مُتَمَكِّنًا مِنْ رَقَبَتِهَا دُونَ مَانِعٍ، كَمَا إِذَا وَضَعَهَا أَمَامَهُ، وَقَال لَهُ اقْبِضْهَا. وَلاَ يَلْزَمُ الْوَدِيعَ نَقَلُهَا إِلَى دَارِ الْمُودِعِ أَوْ دُكَّانِهِ أَوْ إِلَى أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ إِذَا طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ الْمُودِعُ، سَوَاءٌ قَلَّتِ الْمُؤْنَةُ أَوْ كَثُرَتْ، لأَِنَّ الْوَدِيعَ إِنَّمَا قَبَضَ الْعَيْنَ لِمَنْفَعَةِ مَالِكِهَا عَلَى الْخُصُوصِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْغَرَامَةُ
__________
(1) الْمُبْدِع 5 / 247، وَانْظُرْ كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 205، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 458، وَمَجَلَّة الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّة 796.
(2) دُرَر الْحُكَّام 2 / 278.

عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ عَلَى حِفْظِهَا فِي مِلْكِ صَاحِبِهَا، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ التَّمْكِينُ مِنْ أَخْذِهَا.
وَعَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا امْتَنَعَ الْوَدِيعُ عَنْ نَقْلِهَا إِلَيْهِ، وَهَلَكَتْ بَعْدَهُ بِيَدِهِ، لاَ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، لأَِنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ، وَلَيْسَ عَلَى الْوَدِيعِ شَيْءٌ غَيْرَ التَّخْلِيَةِ وَالتَّمْكِينِ. (1)

32 - مَكَانُ رَدِّ الْوَدِيعَةِ
مَكَانُ رَدِّ الْوَدِيعَةِ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الإِْيدَاعُ، سَوَاءٌ قَلَّتْ مُؤْنَةُ حَمْل الْوَدِيعَةِ أَوْ كَثُرَتْ، لأَِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْوَدِيعِ بَعْدَ الطَّلَبِ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَمَالِكِهَا، لاَ الْحَمْل وَالرَّدُّ.
وَلاَ يُجْبَرُ الْوَدِيعُ عَلَى تَسْلِيمِ الْوَدِيعَةِ فِي مَكَانٍ آخَرَ، وَعَلَى ذَلِكَ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. (2)
__________
(1) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 203، شَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 457، وَالْمُغْنِي 9 / 269، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 276، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 344، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 84، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 124، وَدُرَر الْحُكَّام 2 / 272. الْمَادَّة (794) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّة.
(2) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 9 / 269، وَالْفَتَاوَى الْفِقْهِيَّة الْكُبْرَى لاِبْنِ حَجَر الهيتمي 4 / 71، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 203، وَدُرَر الْحُكَّام 2 / 279، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 286.

مَوْتُ الْوَدِيعِ قَبْل رَدِّ الْوَدِيعَةِ: 33 - إِذَا مَاتَ الْوَدِيعُ قَبْل رَدِّ الْوَدِيعَةِ، وَانْتَقَلَتْ إِلَى يَدِ وَارِثِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا لِمَالِكِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِهِ وَالتَّمْكِينِ مِنْهُ، لِزَوَال الاِئْتِمَانِ (1) .
إِذَا وُجِدَ فِي تَرِكَةِ مُتَوَفٍّ صُنْدُوقٌ أَوْ كِتَابٌ أَوْ كِيسٌ فِيهِ نَقُودٌ، كُتِبَ عَلَيْهِ بِخَطِّ الْمُتَوَفَّى أَنَّهُ وَدِيعَةٌ لِفُلاَنٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ فِعْلُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّ عَلَى الْوَارِثِ أَنْ يَعْمَل وُجُوبًا بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ وَدِيعَةٌ لِفُلاَنٍ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتٍ بِوَجْهٍ آخَرَ. (2)
(وَالثَّانِي) لِلشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ:
__________
(1) الإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 255، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 456، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 202، وَالْمَادَّة (834) مِنْ مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ، وَالْمَادَّةِ (801) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّة.
(2) رَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 354، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 259، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 203، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 457، وَالإِْفْصَاحِ لاِبْنِ هُبَيْرَة 2 / 27، وَمُخْتَصِر الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّة لاِبْن تَيْمِيَّةَ ص 608، وَدُرَر الْحُكَّام 4 / 143، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 259، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 120.

وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ التَّسْلِيمُ بِذَلِكَ، لاِحْتِمَال أَنَّهُ كَتَبَهُ نَاسِيًا وَإِمْكَانِ وُقُوعِ التَّزْوِيرِ بِالْخَطِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (1) وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ التَّسْلِيمُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ إِقْرَارِ الْمُوَرِّثِ أَوْ وَصِيَّتِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ. (2) قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ تَثْبُتُ الْوَدِيعَةُ إِلاَّ بِإِقْرَارٍ مِنَ الْمَيِّتِ أَوْ وَرَثَتِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِهَا، وَإِنْ وُجِدَ عَلَيْهَا مَكْتُوبًا وَدِيعَةٌ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ كَانَتْ فِيهِ وَدِيعَةٌ قَبْل هَذَا، أَوْ كَانَ وَدِيعَةً لِمُوَرِّثِهِمْ عِنْدَ غَيْرِهِ، أَوْ كَانَتْ وَدِيعَةً فَابْتَاعَهَا، وَكَذَا لَوْ وَجَدَ فِي رَزْمَانِجِ أَبِيهِ أَنَّ لِفُلاَنٍ عِنْدِي وَدِيعَةً، لَمْ يَلْزَمْهُ بِذَلِكَ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَدَّهَا وَنَسِيَ الضَّرْبَ عَلَى مَا كَتَبَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. (3)

اسْتِيفَاءُ الْوَدِيعِ حَقَّهُ مِنَ الْوَدِيعَةِ: 34 - إِذَا كَانَ لِلْوَدِيعِ عَلَى مَالِكِ الْوَدِيعَةِ حَقٌّ عَجَزَ عَنْ أَخْذِهِ مِنْهُ؛ لِجُحُودِهِ وَامْتِنَاعِهِ بِالْبَاطِل عَنْ أَدَائِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ اسْتِيفَاءِ الْوَدِيعِ حَقَّهُ مِنَ الْوَدِيعَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ.
__________
(1) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 78، وَكِفَايَة الأَْخْيَار 2 / 8، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 203
(2) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 331، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 78.
(3) الْمُغْنِي 9 / 270.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (ظَفَرٌ بِالْحَقِّ ف 4 وَمَا بَعْدَهَا، وَاسْتِيفَاء ف 17 ـ 18) .

مُوجِبَاتُ ضَمَانِ الْوَدِيعَةِ:
35 - الأَْصْل فِي الْوَدِيعَةِ أَنَّهَا أَمَانَةٌ، وَأَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ فِي الْوَدِيعَةِ إِلاَّ إِذَا فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا؛ لأَِنَّ الْمُفَرِّطَ مُتَسَبِّبٌ بِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِهَا أَوْ تَعَدَّى عَلَى الْوَدِيعَةِ؛ لأَِنَّ الْمُتَعَدِّيَ مُتْلِفٌ لِمَال غَيْرِهِ فَيَضْمَنُهُ، (1) وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ، وَبَيَانُهُ فِيمَا يَلِي:

أـ إِتْلاَفُ الْوَدِيعَةِ: 36 - إِتْلاَفُ الْوَدِيعَةِ هُوَ أَنْ يَفْعَل الْوَدِيعُ بِالْوَدِيعَةِ مَا يُؤَدِّي إِلَى ذَهَابِهَا وَضَيَاعِهَا، أَوْ إِخْرَاجِهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهَا الْمَنْفَعَةَ الْمَطْلُوبَةَ مِنْهَا عَادَةً، كَإِحْرَاقِ الثَّوْبِ، وَقَتْل الْحَيَوَانِ، وَأَكْل الطَّعَامِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْوَدِيعِ اقْتِرَافُ هَذَا الْعَمَل فِي حَالَةِ السَّعَةِ وَالاِخْتِيَارِ، (2) لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَال، (3) وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُل الْمُسْلِمِ عَلَى
__________
(1) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 167.
(2) الإِْشْرَاف عَلَى مَذَاهِبِ أَهْل الْعِلْمِ لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 264، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 114، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 251.
(3) حَدِيث: نُهِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَال وَرَدَ فِي قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا: قِيل وَقَال، وَإِضَاعَة الْمَال، وَكَثْرَة السُّؤَال ". أَخْرَجَهُ ال (فَتْح الْبَارِي 5 / 68) ، وَمُسْلِم (3 / 1341) مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَةَ، وَاللَّفْظ لِمُسْلِم.

الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ " (1) .
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ إِتْلاَفَ الْوَدِيعِ لِلْوَدِيعَةِ بِدُونِ إِذْنِ صَاحِبِهَا يُوجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانَهَا؛ لِكَوْنِهِ تَعَدِّيًا عَلَيْهَا يُنَافِي الْمُوجَبَ الأَْصْلِيَّ لِعَقْدِ الإِْيدَاعِ، وَهُوَ الْحِفْظُ، وَلأَِنَّ إِتْلاَفَ مَال الْغَيْرِ بِدُونِ إِذْنِهِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ أَهْل الْعِلْمِ، (2) وَقَدْ نَصَّتِ الْمَادَّةُ (787) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ: إِذَا هَلَكَتِ الْوَدِيعَةُ أَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا بِسَبَبِ تَعَدِّي الْمُسْتَوْدَعِ أَوْ تَقْصِيرِهِ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ.

وَهُنَاكَ مَسَائِل تَتَعَلَّقُ بِإِتْلاَفِ الْوَدِيعِ لِلْوَدِيعَةِ هِيَ: الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى: إِتْلاَفُ الْوَدِيعَةِ بِأَمْرِ صَاحِبِهَا: 37 - لَوْ أَمَرَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ الْوَدِيعَ بِإِتْلاَفِهَا،
__________
(1) حَدِيث: " كُلّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (4 / 1986 ـ ط الْحَلَبِيِّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(2) الْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص 379، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 82، وَبَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 213، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 114.

بِأَنْ يُلْقِيَهَا فِي الْبَحْرِ أَوْ يَحْرِقَهَا فِي النَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ إِتْلاَفِهَا. (1) وَلَوْ فَعَل، فَفِي ضَمَانِهِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، لإِِذْنِ الْمَالِكِ لَهُ بِذَلِكَ، لأَِنَّ الْحَقَّ فِي الْوَدِيعَةِ ثَابِتٌ لِصَاحِبِهَا، وَقَدْ أَسْقَطَهُ حِينَ أَذِنَ لَهُ بِإِتْلاَفِهَا، فَصَارَ كَمَا لَوِ اسْتَنَابَهُ فِي مُبَاحٍ، فَلاَ يَغْرَمُ الْوَدِيعُ لَهُ شَيْئًا.
وَلأَِنَّ لتَحْرِيمِ الْفِعْل أَثَرَهُ فِي بَقَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ التَّأْثِيمُ، أَمَّا حَقُّ الآْدَمِيِّ، فَلاَ يَبْقَى مَعَ الإِْذْنِ فِي تَفْوِيتِهِ. وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ. (2)
وَالثَّانِي: هُوَ ضَامِنٌ، كَمَنْ قَال لِرَجُلٍ: اقْتُلْنِي أَوْ وَلَدِي، فَفَعَل، وَلأَِنَّ مُقْتَضَى عَقْدِ الْوَدِيعَةِ وُجُوبُ حِفْظِهَا عَلَى الْوَدِيعِ، فَصَارَ الإِْذْنُ لَهُ فِي إِتْلاَفِهَا، كَشَرْطٍ مُنَاقِضٍ لِمُقْتَضَى عَقْدِهَا، فَيُلْغَى. (3) قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلأَِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إِتْلاَفِ الْمَال فِي غَيْرِ حَال الضَّرُورَةِ،
__________
(1) مَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 251، وَالْمُغْنِي 9 / 276، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 264.
(2) شَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 451، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 189، وَالْمُبْدِع 5 / 236، وَالْمُغْنِي 9 / 276، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 114، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 251، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 264، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 78، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 114.
(3) الزُّرْقَانِيِّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 114.

لأَِنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، وَفَاعِلُهُ عَاصٍ، يَجِبُ أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَال، فَإِذَا أَمَرَهُ بِمَا لَيْسَ لَهُ، فَأَمْرُهُ وَسُكُوتُهُ سِيَّانِ.
وَلَوْ كَانَ هَذَا لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، لَكَانَ الْمُسْلِمُ إِذَا قَال لأَِخِيهِ الْمُسْلِمِ: اضْرِبْ عُنُقِي، فَقَطَعَهُ، أَنْ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ فَعَل مَا أَمَرَهُ بِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ هَذَا قَاتَلٌ ظَالِمٌ، وَقَدْ مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَال الْمُسْلِمِ وَمِنْ دَمِهِ، وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ تَحْرِيمِهِمَا. (1) وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ. (2)

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِتْلاَفُ الْوَدِيعَةِ ثُمَّ رَدُّ بَدَلِهَا: 38 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا لَوْ تَعَدَّى الْوَدِيعُ عَلَى الْوَدِيعَةِ فَأَتْلَفَهَا، ثُمَّ رَدَّ بَدَلَهَا، فَهَل يَبْقَى ضَامِنًا لَهَا بِمُوجِبِ إِتْلاَفِهَا أَمْ يَرْتَفِعُ عَنْهُ الضَّمَانُ بِالرَّدِّ؟ فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَتِ الْوَدِيعَةُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ طَعَامًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُكَال وَيُوزَنُ، فَأَتْلَفَهَا الْوَدِيعُ، ثُمَّ رَدَّ مِثْلَهَا مَكَانَهَا، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ تَلِفَ. أَمَّا إِذَا كَانَتْ ثِيَابًا أَوْ
__________
(1) تَقَدَّمَ الْحَدِيث الْوَارِد فِي ذَلِكَ فِي الْفِقْرَةِ (36) .
(2) الْعَقْد الْمُنَظِّم لِلْحُكَّامِ لاِبْنِ سَلَمُونِ 2 / 138، وَمَوَاهِبَ الْجَلِيل 5 / 251، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 264، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 114.

عُرُوضًا قِيمِيَّةً، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا مِنْ سَاعَةِ أَتْلَفَهَا، سَوَاءٌ رَدَّ بَدَلَهَا إِلَى مَكَانِهَا أَمْ لاَ؛ لأَِنَّهُ بِإِتْلاَفِهَا لَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا، وَلاَ يَبْرَأُ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ إِلاَّ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ، لاَ أَنْ يَرُدَّهَا فِي يَدِهِ وَدِيعَةً. (1)
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَبْقَى ضَامِنًا لَهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ أَوِ الْقِيمِيَّاتِ، مِنَ النُّقُودِ أَوِ الْعُرُوضِ، لأَِنَّ حُكْمَ الْوَدِيعَةِ، وَهُوَ الاِسْتِئْمَانُ، قَدِ ارْتَفَعَ بِالإِْتْلاَفِ، فَلاَ يَعُودُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِالْوِفَاقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرَدُّ الْمِثْل أَوِ الْقِيمَةِ لَيْسَ عَوْدًا لِلْوِفَاقِ عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ بِمِلْكِ نَفْسِهِ، لاَ بِعَيْنِ الْوَدِيعَةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يَعُودُ الاِسْتِئْمَانُ إِلاَّ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَلاَ يَبْرَأُ مِنَ الضَّمَانِ. (2)
وَلَوْ أَتْلَفَ الْوَدِيعُ بَعْضَ الْوَدِيعَةِ تَعَدِّيًا، فَهَل يَضْمَنُ مِقْدَارَ مَا أَتْلَفَ، أَمْ يَضْمَنُ سَائِرَهَا؟ قَال النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: إِذَا أَتْلَفَ بَعْضَ الْوَدِيعَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ اتِّصَالٌ بِالْبَاقِي، كَأَحَدِ الثَّوْبَيْنِ، لَمْ
__________
(1) الْكَافِي لاِبْن عَبْد الْبَرّ ص 404، وَالْمُدَوَّنَة 15 / 147، 159.
(2) الإِْشْرَاف لِلْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب 2 / 41، بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 311، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 255، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 277، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 9 / 277 ط هَجْر، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج لاِبْنِ حَجَر 7 / 122.

يَضْمَنْ إِلاَّ الْمُتْلَفَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ اتِّصَالٌ، كَتَحْرِيقِ بَعْضِ الثَّوْبِ، وَقَطْعِ طَرَفِ الْبَهِيمَةِ، نُظِرَ: إِنْ كَانَ عَامِدًا، فَهُوَ جَانٍ عَلَى الْكُل، فَيَضْمَنُ الْجَمِيعَ. وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا، ضَمِنَ الْمُتْلَفَ، وَلاَ يَضْمَنُ الْبَاقِيَ عَلَى الأَْصَحِّ. وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا طَرَأَ نُقْصَانٌ عَلَى قِيمَتِهَا لَزِمَهُ النُّقْصَانُ. (1)

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: تَلَفُ الْوَدِيعَةِ لِعَدَمِ دَفْعِ الْمُسْتَوْدَعِ الْهَلاَكَ عَنْهَا: 39 - إِذَا تَلِفَتِ الْوَدِيعَةُ بِسَبَبِ امْتِنَاعِ الْوَدِيعِ عَنْ دَفْعِ الْهَلاَكِ عَنْهَا، كَمَا إِذَا وَقَعَ حَرِيقٌ فِي بَيْتِهِ، فَلَمْ يَنْقُل الْوَدِيعَةَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ؟ اخْتُلِفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ ضَامِنًا لَهَا. وَذَلِكَ لأَِنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ الْوَدِيعَةِ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ طَرِيقًا لِحِفْظِهَا، وَبِتَرْكِهِ الْحِفْظَ الْمُلْتَزَمَ بِالْعَقْدِ وَالْمُتَعَيَّنَ عَلَيْهِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْهُ، صَارَ كَالْمُتْلِفِ لَهَا. (2)
__________
(1) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 336، وَانْظُرْ أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 80، وَحَاشِيَة الشرواني عَلَى تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 123، وَدُرَر الْحُكَّام 2 / 253.
(2) الْعُقُود الدُّرِّيَّة لاِبْنِ عَابِدِينَ 2 / 70، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 346، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 451، وَالْمُغْنِي 9 / 264، وَانْظُرِ الْمَادَّة (787) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّة، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ 3 / 262، وَالْمَادَّة (1361) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَذْهَب أَحْمَدَ.

وَالثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ؛ لأَِنَّ النَّارَ أَتْلَفَتْهَا، وَهَذَا كَالرَّجُل الْمُسْلِمِ تُحِيطُ بِهِ النَّارُ، وَرَجُلٌ مُسْلِمٌ قَادِرٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ، فَلَمْ يَفْعَل، فَهُوَ عَاصٍ، وَلاَ عَقْل عَلَيْهِ وَلاَ قَوَدَ. (1)

ب ـ إِيدَاعُ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ الْغَيْرِ: 40 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَإِسْحَاقُ وَالْقَاضِي شُرَيْحٌ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَدِيعِ أَنْ يُودِعَ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ غَيْرِهِ ـ مِمَّنْ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ أَوْ مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً ـ عِنْدَ غَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ بِدُونِ إِذْنِ الْمَالِكِ، مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ صَارَ ضَامِنًا، حَتَّى وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ أَمِينًا.
لأَِنَّ الْمُودِعَ إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي حِفْظِهَا تَحْتَ يَدِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي وَضْعِهَا تَحْتَ يَدِ غَيْرِهِ، فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ، كَانَ مُتَعَدِّيًا، لِخُرُوجِهِ فِي حِفْظِهَا عَنِ الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَلأَِنَّ النَّاسَ
__________
(1) الإِْشْرَاف عَلَى مَذَاهِبِ أَهْل الْعِلْمِ لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 264، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 84، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 112.

مُتَفَاوِتُونَ فِي الْحِفْظِ وَالأَْمَانَةِ، وَالْمُودِعُ إِنَّمَا رَضِيَ بِحِفْظِهِ وَأَمَانَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَى أَنْ يُودِعَهَا غَيْرَهُ، فَإِذَا دَفَعَهَا إِلَى أَجْنَبِيٍّ، فَقَدْ صَارَ تَارِكًا الْحِفْظَ الَّذِي الْتَزَمَهُ، مُسْتَحْفِظًا عَلَيْهَا مَنِ اسْتَحْفَظَ مِنْهُ، وَذَلِكَ تَفْرِيطٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ. وَإِنَّمَا اسْتَثْنَيْتُ حَالَةَ الْعُذْرِ، لأَِنَّ الدَّفْعَ إِلَيْهِ فِيهَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلْحِفْظِ، فَكَانَ مَأْذُونًا بِهِ مِنَ الْمَالِكِ دَلاَلَةً، فَارْتَفَعَ سَبَبُ الضَّمَانِ. (1)
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، فَقَال: لَهُ إِيدَاعُهَا عِنْدَ الأَْجْنَبِيِّ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ إِحْرَازُهَا وَحِفْظُهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَحْفَظُ بِهِ مَالَهُ، فَالإِْنْسَانُ قَدْ يُودِعُ مَال نَفْسِهِ عِنْدَ أَجْنَبِيٍّ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُودِعَ الْوَدِيعَةَ عِنْدَهُ، كَمَا لَوْ حَفِظَهَا فِي حِرْزِهِ. وَبِأَنَّ
__________
(1) رَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 495، الْعُقُود الدُّرِّيَّة 2 / 71، وَالْمَبْسُوط 11 / 113، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 340، وَبَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 208، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 274، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 105، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 76، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 327، والقليوبي وَعَمِيرَة 3 / 182، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص 379، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 257، وَالإِْشْرَاف لِلْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب 2 / 41، 42، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 117، وَكِفَايَة الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ 2 / 254، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 9 / 259، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 193، وَالْمُبْدِع 5 / 238، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 452.

مِنْ مَلَكَ شَيْئًا بِنَفْسِهِ، مَلَكَ تَفْوِيضَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ مَلَكَ الْوَدِيعُ حِفْظَ الْوَدِيعَةِ، فَيَمْلِكُ تَفْوِيضَهُ إِلَى غَيْرِهِ. (1)
وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ حُكْمِ إِيدَاعِ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عِيَالِهِ فِي الْفِقْرَةِ (26) .
41 - أَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي إِيدَاعِهَا عِنْدَ الأَْجْنَبِيِّ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُودِعَهَا عِنْدَ ثِقَةٍ مَأْمُونٍ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى دَفْعِهَا إِلَى الْحَاكِمِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ، لأَِنَّهُ أَوْدَعَهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ لِثِقَةٍ مَرْضِيٍّ، فَأَشْبَهَ إِيدَاعَهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَلأَِنَّهُ أَحَدُ سَبَبَيْ حِفْظِهَا، فَكَانَ مُوكَّلاً إِلَى اجْتِهَادِهِ كَالْحِرْزِ (2) .
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: إِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى مَالِكِهَا أَوْ وَكِيلِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وُصُولُهُ إِلَيْهِمَا،
__________
(1) الْمَبْسُوط 11 / 113، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 252، وَتَأْسِيس النَّظَر لِلدَّبُّوسِيِّ ص 94، وَاخْتِلاَف الْعِرَاقِيِّينَ 4 / 63.
(2) رَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 495، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 275، وَالْبَدَائِع 6 / 208، وَالْعُقُود الدُّرِّيَّة 2 / 71، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 257، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ 6 / 117، وَالْكَافِي لاِبْن عَبْد الْبَرّ ص 403، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 312، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 252.

دَفَعَهَا إِلَى الْقَاضِي، إِذِ الْقَاضِي يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهَا عِنْدَ غَيْبَتِهِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَاضِيًا، دَفَعَهَا إِلَى أَمِينٍ ثِقَةٍ، لأَِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، فَإِنْ تَرَكَ الدَّفْعَ إِلَى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَدَفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ الْعَدْل أَوِ الأَْمِينِ، ضَمِنَ، لأَِنَّهُ دَفَعَهَا إِلَى غَيْرِ مَالِكِهَا بِدُونِ إِذْنِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَضَمِنَهَا، كَمَا لَوْ أَوْدَعَهَا عِنْدَ أَجْنَبِيٍّ بِلاَ عُذْرٍ. وَلَوْ دَفَعَهَا إِلَى أَمِينٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَاكِمِ ضَمِنَ، لأَِنَّ غَيْرَ الْحَاكِمِ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ. (1) وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُحْتَمَل أَنْ يَجُوزَ لَهُ إِيدَاعُهَا، لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَحْفَظَ لَهَا وَأَحَبَّ إِلَى صَاحِبِهَا. (2)
أَمَّا الاِسْتِعَانَةُ بِالْغَيْرِ فِي حَمْل الْوَدِيعَةِ وَوَضْعِهَا وَحِفْظِهَا فِي الْحِرْزِ أَوْ سَقْيِهَا أَوْ عَلْفِهَا فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِلْوَدِيعِ وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ. (3) قَال
__________
(1) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 328، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 76، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 106، وَالْمُغْنِي 9 / 260، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 194، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 453.
(2) الْمُغْنِي 9 / 261.
(3) الْقَلْيُوبِيّ وَعَمِيرَة 3 / 182، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 327، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 76، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 106، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 82، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 454، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 4 / 192.

الشَّافِعِيَّةُ إِذَا لَمْ يُزِل يَدَهُ عَنْهَا، لأَِنَّ الْعَادَةَ قَدْ جَرَتْ بِالاِسْتِعَانَةِ، وَلأَِنَّهُ مَا أَخْرَجَهَا عَنْ يَدِهِ وَلاَ فَوَّضَ حِفْظَهَا إِلَى غَيْرِهِ. (1)

ج ـ خَلْطُ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِهَا 42 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْوَدِيعَ إِذَا خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِغَيْرِهَا، بِحَيْثُ تَتَمَيَّزُ عَنْهُ، أَوْ يَسْهُل تَفْرِيقُهَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا، وَذَلِكَ لإِِمْكَانِ فَصْلِهَا عَمَّا خُلِطَتْ بِهِ وَرَدِّهَا بِعَيْنِهَا إِلَى مَالِكِهَا عِنْدَ طَلَبِهِ بِيُسْرٍ وَسُهُولَةٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَهَا فِي صُنْدُوقٍ فِيهِ أَكْيَاسٌ لَهُ (2) . قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِلاَّ إِذَا نَقَصَتِ الْوَدِيعَةُ بِالْخَلْطِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ أَرْشَ نُقْصَانِهَا. (3)
أَمَّا إِذَا خُلِطَتْ بِمَا لاَ يُمْكِنُ تَمَيُّزُهُ عَنْهَا أَوْ بِحَيْثُ يَعْسُرُ تَفْرِيقُ أَحَدِ الْمَالَيْنِ عَنِ الآْخَرِ، فَقَدْ فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ مَا إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ بِإِذْنِ مَالِكِهَا أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
__________
(1) الْمُهَذَّب 1 / 368.
(2) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 196، وَالْمُغْنِي 9 / 258، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 253، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص 379، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 6 / 336، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 123، وَالْكَافِي لاِبْن عَبْد الْبَرّ ص 403، وَالأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص 328، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 497، وَمَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 341.
(3) الأُْمّ 4 / 63، وَانْظُرْ أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 80، والقليوبي 3 / 186، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 123.

الْحَالَةُ الأُْولَى: خَلْطُ الْوَدِيعَةِ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا:
43 - إِذَا خَلَطَ الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ بِمَالِهِ بِإِذْنِ مَالِكِهَا، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ بِذَلِكَ، لأَِنَّهُ فَعَل مَا فَوَّضَهُ الْمَالِكُ بِفِعْلِهِ، فَكَانَ نَائِبًا عَنْهُ فِيهِ (1) .
وَاخْتَلَفَ النَّقْل عَنِ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ الْوَدِيعَ يَكُونُ شَرِيكًا لِلْمُودِعِ، وَفِي بَعْضِهَا ذَكَرَ أَنَّ لَهُمْ ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل لأَِبِي حَنِيفَةَ: وَهُوَ أَنْ يَنْقَطِعَ حَقُّ الْمَالِكِ عَنِ الْوَدِيعَةِ بِكُل حَالٍ مَائِعًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَائِعٍ، وَيَصِيرَ الْمَخْلُوطُ مِلْكَ الْخَالِطِ وَيَضْمَنَ الْخَالِطُ لِلْمُودِعِ حَقَّهُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ.
الثَّانِي لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ، وَهُوَ أَنَّ الْوَدِيعَ يَصِيرُ شَرِيكًا لِمَالِكِ الْوَدِيعَةِ شَرِكَةَ مِلْكٍ اخْتِيَارِيَّةً، فَإِذَا هَلَكَتْ أَوْ ضَاعَتْ بِلاَ تَعَدٍّ وَلاَ تَفْرِيطٍ مِنْهُ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَوَافَقَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي غَيْرِ الْمَائِعِ.
وَالثَّالِثُ لأَِبِي يُوسُفَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجْعَل الأَْقَل تَابِعًا لِلأَْكْثَرِ، اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ، يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ مَالُهُ أَكْثَرَ يَكُونُ الْمَخْلُوطُ مِلْكَهُ، وَيَضْمَنُ
__________
(1) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 9 / 259.

لِلآْخَرِ حَقَّهُ وَذَلِكَ فِي الْمَائِعِ. (1)
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: خَلْطُ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا فِيمَا لاَ يُمْكِنُ تَمَيُّزُهُ:
لِهَذِهِ الْحَالَةِ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ بَيَانُهَا فِيمَا يَلِي:

(أ) خَلْطُ الْوَدِيعِ الْوَدِيعَةَ بِمَالِهِ أَوْ مَال غَيْرِهِ:
44 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْوَدِيعَ إِذَا خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِمَالِهِ أَوْ بِغَيْرِ مَالِهِ، عَلَى وَجْهٍ يَتَعَسَّرُ مَعَهُ تَمْيِيزُ الْمَالَيْنِ عَنْ بَعْضِهِمَا، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا، سَوَاءٌ خَلَطَهَا بِمِثْلِهَا أَوْ دُونِهَا أَوْ أَجْوَدَ مِنْهَا، مِنْ جِنْسِهَا أَوْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ خَلْطَ مُجَاوَرَةٍ كَقَمْحٍ بِقَمْحٍ أَوْ بِشَعِيرٍ أَوْ خَلْطَ مُمَازَجَةٍ كَالْخَل بِالزَّيْتِ، لأَِنَّهُ صَارَ مُسْتَهْلِكًا لَهَا حُكْمًا بِالْخَلْطِ، لِتَعَذُّرِ رَدِّهَا لِمَالِكِهَا بَعْدَهُ (2) .
__________
(1) قُرَّة عُيُون الأَْخْيَار 2 / 248، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 276، وَمَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 341، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 498، وَدُرَر الْحُكَّام 2 / 262، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ للأتاسي 3 / 269، وَانْظُرِ الْمَادَّة (826) مِنْ مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ وَالْمَادَّةِ (798) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّة.
(2) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 213، وَقُرَّة عُيُون الأَْخْيَار 2 / 247، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 348، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 497، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 276، وَمَجْمَع الأَْنْهُر وَالدَّرّ الْمُنْتَقَى 2 / 341، وَالأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص 328، النَّتْف للسغدي 2 / 579، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ للأتاسي 3 / 256، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 253، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 336، وَالأُْمّ 4 / 63، وَالْمُهَذَّب 1 / 368، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 123، والقليوبي 3 / 186، وَأَسْنَى الْمَطَالِب وَحَاشِيَة الرَّمْلِيّ عَلَيْهِ 3 / 80، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 196، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 454، وَالْمُبْدِع 5 / 240، وَالْمُغْنِي 9 / 258.

قَال السَّرَخْسِيُّ: الْخَلْطُ أَنْوَاعٌ ثَلاَثَةٌ:
خَلْطٌ يَتَعَذَّرُ التَّمْيِيزُ بَعْدَهُ، كَخَلْطِ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ. فَهَذَا مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، لأَِنَّهُ يَتَعَذَّرُ بِهِ عَلَى الْمَالِكِ الْوُصُول إِلَى عَيْنِ مِلْكِهِ.
وَخَلْطٌ يَتَيَسَّرُ مَعَهُ التَّمْيِيزُ، كَخَلْطِ الدَّرَاهِمِ السُّودِ بِالْبِيضِ، وَالدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ. فَهَذَا لاَ يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ، لِتَمَكُّنِ الْمَالِكِ مِنَ الْوُصُول إِلَى عَيْنِ مِلْكِهِ، فَهَذِهِ مُجَاوَرَةٌ، وَلَيْسَتْ بِخَلْطٍ. وَخَلْطٌ يَتَعَسَّرُ مَعَهُ التَّمْيِيزُ، كَخَلْطِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ. فَهَذَا مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، لأَِنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَى الْمَالِكِ الْوُصُول إِلَى عَيْنِ مِلْكِهِ إِلاَّ بِحَرَجٍ، وَالْمُتَعَسِّرُ كَالْمُتَعَذِّرِ. (1)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَدِيعَ إِذَا خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِمَا هُوَ غَيْرُ مُمَاثِلٍ لَهَا جِنْسًا أَوْ صِفَةً مِنْ مَالِهِ، كَخَلْطِ الْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ وَنَحْوَهُ، فَيَلْزَمُهُ
__________
(1) الْمَبْسُوط 11 / 110، وَانْظُرِ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 348، وَقُرَّة عُيُون الأَْخْيَار 2 / 247.

الضَّمَانُ، لِتَعَدِّيهِ بِذَلِكَ، حَيْثُ إِنَّهُ فَوَّتَ عَيْنَهَا بِالْخَلْطِ، فَلاَ يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِهَا، لأَِنَّهَا لاَ تَتَمَيَّزُ، وَلَيْسَتْ مُمَاثِلَةً لِمَا خُلِطَ بِهَا، فَلاَ يُمْكِنُ الْقِسْمَةُ.
أَمَّا إِذَا خَلَطَهَا بِجِنْسِهَا الْمُمَاثِل لَهَا جَوْدَةً وَرَدَاءَةً، كَحِنْطَةٍ بِمِثْلِهَا، أَوْ ذَهَبٍ بِمِثْلِهِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الإِْحْرَازِ وَالرِّفْقِ لاَ عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّكِ. وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُودِعَ عَلَى مِثْل ذَلِكَ قَدْ دَخَل، إِذْ قَدْ يَشُقُّ عَلَى الْوَدِيعِ أَنْ يَجْعَل كُل مَا أَوْدَعَهُ عَلَى حِدَةٍ. وَلأَِنَّهُ لَوْ تَعَدَّى عَلَى الْوَدِيعَةِ فَأَكَلَهَا، ثُمَّ رَدَّ مِثْلَهَا، ثُمَّ ضَاعَتْ بَعْدَ رَدِّهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، فَخَلَطَهُ بِمِثْلِهَا كَرَدِّ مِثْلِهَا، فَلاَ يُوجِبُ الضَّمَانَ إِذَا هَلَكَتْ. (1)

(ب) خَلْطُ الْوَدِيعِ الْوَدِيعَةَ بِمَالٍ لِصَاحِبِهَا:
45 - نَقَل صَاحِبُ الْمُبْدِعِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ عَنِ الرِّعَايَةِ أَنَّهُ إِذَا خَلَطَ الْوَدِيعُ إِحْدَى وَدِيعَتَيْ زَيْدٍ بِالأُْخْرَى بِلاَ إِذْنِهِ، وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا، فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ. (2)
__________
(1) التَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 253، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 252، والزرقاني عَلَى خَلِيل وَحَاشِيَة الْبُنَانِيّ عَلَيْهِ 6 / 114، وَالْمُدَوَّنَة 15 / 145، وَمَا بَعْدَهَا، وَالْكَافِي لاِبْن عَبْد الْبَرّ ص 403، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص 379.
(2) الْمُبْدِع 5 / 240.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا خَلَطَ الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ بِمَالٍ آخَرَ لِصَاحِبِهَا، فَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ، لأَِنَّ الْجَمِيعَ لَهُ، وَقَدْ لاَ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي تَفْرِيقِهِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الأَْصَحُّ، أَنَّهُ يَضْمَنُ، لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ، إِذْ لَمْ يَرْضَ الْمُودِعُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُخْتَلِطًا بِالآْخَرِ (1) .

(ج ـ) خَلْطُ غَيْرِ الْوَدِيعِ الْوَدِيعَةَ بِمَالِهِ:
46 - قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا خَلَطَ غَيْرُ الْوَدِيعِ الْوَدِيعَةَ بِمَالِهِ أَوْ بِمَال غَيْرِهِ، فَعَلَى الْخَالِطِ ضَمَانُهَا، لأَِنَّهُ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِلْفِعْل الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ، لاِنْعِدَامِ الْخَلْطِ مِنْهُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ ضَمِنَهَا الْخَالِطُ، وَإِنْ شَاءَ شَارَكَ فِي الْعَيْنِ بِمِقْدَارِ حِصَّتِهِ، وَكَانَا شَرِيكَيْنِ. (2)
__________
(1) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 80، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 123، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 336، وَالْمُهَذَّب 1 / 368.
(2) الْمَبْسُوط 11 / 110، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 498، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 276، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 349، قُرَّة عُيُون الأَْخْيَار 2 / 249، شَرْح الْمَجَلَّةِ للأتاسي 3 / 266، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 196، وَالْمُغْنِي 9 / 259، وَانْظُرِ الْمَادَّة (825) مِنْ مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ وَالْمَادَّةِ (778) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّة.

(د) اخْتِلاَطُ الْوَدِيعَةِ بِمَال الْوَدِيعِ بِغَيْرِ صُنْعِهِ:
47 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ إِذَا اخْتَلَطَتِ الْوَدِيعَةُ بِمَالِهِ بِلاَ صُنْعِهِ، لاِنْعِدَامِ الْفِعْل الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ مِنْ جِهَتِهِ، وَلأَِنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ حَقِيقَةً بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ أَوْ تَفْرِيطٍ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَاخْتِلاَطُهَا بِغَيْرِهَا أَوْلَى.
بَل إِنَّ الْحَنَفِيَّةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ شَرِيكًا لِمَالِكِ الْوَدِيعَةِ شَرِكَةَ مِلْكٍ جَبْرِيَّةً، كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ، لِوُجُودِ مَعْنَى الشَّرِكَةِ، وَهُوَ اخْتِلاَطُ الْمِلْكَيْنِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَإِنِ اخْتَلَطَتِ الْوَدِيعَةُ بِغَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنَ الْوَدِيعِ فَلاَ ضَمَانَ فَإِنْ ضَاعَ الْبَعْضُ جَعَل مِنْ مَال الْوَدِيعِ فِي ظَاهِرِ كَلاَمِ أَحْمَدَ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُمَا يَصِيرَانِ شَرِيكَيْنِ، قَال الْمَجْدُ: وَلاَ يَبْعُدُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْهَالِكُ مِنْهُمَا (1) .
__________
(1) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 196، وَالْمُغْنِي 9 / 259، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 349، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 276، قُرَّة عُيُون الأَْخْيَار 2 / 249، وَالْبَدَائِع 6 / 213، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 498، وَمَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 341، وَالْمَبْسُوط 11 / 110، وَدُرَر الْحُكَّام 2 / 262.

(هـ) خَلْطُ الْوَدِيعِ وَدِيعَتَيْنِ لِشَخْصَيْنِ:
48 - قَال الْكَاسَانِيُّ: لَوْ أَوْدَعَهُ رَجُلاَنِ، كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَخَلَطَ الْوَدِيعُ الْمَالَيْنِ خَلْطًا لاَ يَتَمَيَّزُ، فَلاَ سَبِيل لَهُمَا عَلَى أَخْذِ الدَّرَاهِمِ، وَيَضْمَنُ الْوَدِيعُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفًا، وَيَكُونُ الْمَخْلُوطُ لَهُ. وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ.
وَوَجْهُ قَوْل أَبِي حَنِيفَةِ: أَنَّهُ لَمَّا خَلَطَهُمَا خَلْطًا لاَ يَتَمَيَّزُ، فَقَدْ عَجَزَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الاِنْتِفَاعِ بِالْمَخْلُوطِ، فَكَانَ الْخَلْطُ مِنْهُ إِتْلاَفًا لِلْوَدِيعَةِ عَنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَيَضْمَنُ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: هُمَا بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَا اقْتَسَمَا الْمَخْلُوطَ نِصْفَيْنِ، وَإِنْ شَاءَا ضَمِنَا الْوَدِيعَ أَلْفَيْنِ.
وَعَلَى هَذَا الْخِلاَفِ سَائِرُ الْمُكَيَّلاَتِ والْمَوْزُونَاتِ إِذَا خُلِطَ الْجِنْسُ بِالْجِنْسِ خَلْطًا لاَ يَتَمَيَّزُ، كَالْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالدُّهْنِ بِالدُّهْنِ.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا: أَنَّ الْوَدِيعَةَ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا، لَكِنَّ عَجْزَ الْمَالِكِ عَنِ الْوُصُول إِلَيْهَا بِعَارِضِ الْخَلْطِ فَإِنْ شَاءَا اقْتَسَمَا لاِعْتِبَارِ جِهَةِ الْقِيَامِ، وَإِنْ شَاءَا ضَمِنَا لاِعْتِبَارِ جِهَةِ الْعَجْزِ.

وَلَوْ أَوْدَعَهُ رَجُلٌ حِنْطَةً، وَآخَرُ شَعِيرًا، فَخَلَطَهُمَا، فَهُوَ ضَامِنٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِثْل حَقِّهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّ الْخَلْطَ إِتْلاَفٌ.
وَعِنْدَهُمَا: لَهُمَا أَنْ يَأْخُذَا الْعَيْنَ وَيَبِيعَاهَا وَيَقْتَسِمَا الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ الْحِنْطَةِ مَخْلُوطَةً بِالشَّعِيرِ، وَعَلَى قِيمَةِ الشَّعِيرِ غَيْرَ مَخْلُوطٍ بِالْحِنْطَةِ، لأَِنَّ قِيمَةَ الْحِنْطَةِ تَنْقُصُ بِخَلْطِ الشَّعِيرِ، وَهُوَ يَسْتَحِقُّ الثَّمَنَ لِقِيَامِ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ، وَهُوَ مُسْتَحِقُّ الْعَيْنِ، بِخِلاَفِ قِيمَةِ الشَّعِيرِ، لأَِنَّ قِيمَةَ الشَّعِيرِ تَزْدَادُ بِالْخَلْطِ بِالْحِنْطَةِ، وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ مِلْكُ الْغَيْرِ، فَلاَ يَسْتَحِقُّهَا صَاحِبُ الشَّعِيرِ. (1)
(د) ـ السَّفَرُ بِالْوَدِيعَةِ:
49 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ لِلْوَدِيعِ السَّفَرَ بِالْوَدِيعَةِ إِذَا أَذِنَ صَاحِبُهَا بِهِ، فَإِنْ تَلِفَتْ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَقَدِ اعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الإِْيدَاعَ فِي السَّفَرِ إِذْنًا ضِمْنِيًّا لِلْوَدِيعِ فِي أَنْ يُسَافِرَ بِهَا، لأَِنَّ عِلْمَ الْمُودِعِ بِحَالِهِ عِنْدَ إِيدَاعِهِ يُشْعِرُ بِرِضَاهُ بِذَلِكَ دَلاَلَةً (2) .
أَمَّا إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالسَّفَرِ بِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ
__________
(1) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 213.
(2) بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 311، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 454، وَكِفَايَة الأَْخْيَار 2 / 8، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 329، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 77.

الْفُقَهَاءُ فِي ضَمَانِهِ إِنْ سَافَرَ بِالْوَدِيعَةِ، وَذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: لأَِبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَدِيعِ السَّفَرُ بِالْوَدِيعَةِ وَلَوْ كَانَ لَهَا حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، لأَِنَّ الأَْمْرَ بِالْحِفْظِ مُطْلَقٌ فَلاَ يَتَقَيَّدُ بِالْمَكَانِ، كَمَا لاَ يَتَقَيَّدُ بِالزَّمَانِ.
وَقَال الصَّاحِبَانِ (أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ) : لَهُ السَّفَرُ بِمَا لَيْسَ لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِمَا لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ فَإِنْ فَعَل ضَمِنَ لأَِنَّ الْمُؤْنَةَ تُلْزِمُ الْمَالِكَ، وَهُوَ لَمْ يَأْذَنْ بِالسَّفَرِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَنْهَهُ صَاحِبُهَا عَنِ السَّفَرِ بِهَا، أَوْ يُعَيَّنُ لَهُ مَكَانُ حِفْظِهَا أَوْ يَكُنِ الطَّرِيقُ مُخَوِّفًا وَإِلاَّ كَانَ ضَامِنًا، إِذَا كَانَ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، وَذَلِكَ لِتَعَدِّيهِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ السَّفَرُ ضَرُورِيًّا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَسَافَرَ بِهَا فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. (1)
الثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ سَفَرَ الْوَدِيعِ بِالْوَدِيعَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ تَعَدٍّ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ. (2)
__________
(1) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 209، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 278، مَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 339، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 499، وَالْمَبْسُوطِ 11 / 122، قُرَّة عُيُون الأَْخْيَار 2 / 253 وَمَا بَعْدَهَا، النَّتْف فِي الْفَتَاوَى للسغدي 2 / 579، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 263.
(2) التَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 254، والزرقاني عَلَى خَلِيل 6 / 115، وَكِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ 2 / 254، وَالْمُدَوَّنَة 15 / 155.

قَال ابْنُ شَاسٍ: إِنْ سَافَرَ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِيدَاعِهَا عِنْدَ أَمِينٍ ضَمِنَ، وَإِنْ سَافَرَ بِهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ ـ كَمَا لَوْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ مَثَلاً ـ لَمْ يَضْمَنْ. (1)
وَجَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلاً اسْتَوْدَعَنِي وَدِيعَةً، فَحَضَرَ مَسِيرِي إِلَى بَعْضِ الْبُلْدَانِ، فَخِفْتُ عَلَيْهَا، فَحَمَلْتُهَا مَعِي، فَضَاعَتْ، أَأُضَمَّنُ فِي قَوْل مَالِكٍ؟ قَال: نَعَمْ، قُلْتُ: وَكَيْفَ أَصْنَعُ بِهَا؟ قَال: تَسْتَوْدِعُهَا فِي قَوْل مَالِكٍ، وَلاَ تُعَرِّضُهَا لِلتَّلَفِ. (2)
وَاحْتَجَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ السَّفَرَ لاَ يَحْفَظُ الْوَدِيعَةَ إِذَا أُودِعَتْ فِي الْبَلَدِ، فَضَمِنَهَا كَمَا لَوْ تَرَكَهَا بِمَوْضِعِ خَرَابٍ، لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنْ يَحْفَظَ فِي مِثْلِهِ. وَلأَِنَّ رَبَّهَا إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي حِفْظِهَا فِي الْبَلَدِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي إِخْرَاجِهَا عَنْهُ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي حِفْظِهَا تَحْتَ يَدِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي إِيدَاعِهَا لِغَيْرِهِ، فَلَمَّا كَانَ مَتَى أَوْدَعَهَا لِغَيْرِهِ ضَمِنَ بِتَعَدِّيهِ، لِخُرُوجِهِ فِي حِفْظِهَا عَنِ الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهِ، فَكَذَلِكَ إِذَا سَافَرَ بِهَا. (3)
__________
(1) التَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 254.
(2) الْمُدَوَّنَة 15 / 145.
(3) الإِْشْرَاف عَلَى مَسَائِل الْخِلاَفِ لِلْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب 2 / 41.

الثَّالِثُ: لِلشَّافِعِيَّةِ، إِنْ سَافَرَ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى رَدِّهَا لِمَالِكِهَا أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ إِلَى الْحَاكِمِ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمَا أَوْ إِلَى أَمِينٍ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَاكِمِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا. وَذَلِكَ لأَِنَّ مَقْصُودَ الْمُودِعِ أَنْ يَكُونَ مَالُهُ فِي الْمِصْرِ مَحْفُوظًا، يَتَمَكَّنُ مِنْهُ مَتَى شَاءَ، فَإِذَا سَافَرَ الْوَدِيعُ بِهِ، فَاتَ عَلَى صَاحِبِهِ هَذَا الْمَقْصُودُ.
وَلأَِنَّ حِرْزَ السَّفَرِ دُونَ حِرْزِ الْحَضَرِ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الإِْيدَاعَ يَقْتَضِي الْحِفْظَ فِي الْحِرْزِ، وَلَيْسَ السَّفَرُ مِنْ مَوَاضِعِ الْحِفْظِ، لأَِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخَوِّفًا أَوْ آمِنًا لاَ يُوثَقُ بِأَمْنِهِ، فَلاَ يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ.
فَإِنَّ فَقْدَ الْوَدِيعِ مَنْ يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ مِنْ هَؤُلاَءِ، فَيَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ بِهَا فِي طَرِيقٍ آمِنٍ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ إِنْ تَلِفَتْ، وَذَلِكَ لِئَلاَّ يَنْقَطِعَ الْوَدِيعُ مَعَ عُذْرِهِ عَنْ مَصَالِحِهِ، وَيَنْفِرُ النَّاسُ مِنْ قَبُول الْوَدَائِعِ، فَإِنْ خَافَ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ نَحْوِ حَرِيقٍ أَوْ إِغَارَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ السَّفَرُ بِهَا حِينَئِذٍ، لأَِنَّهُ أَحْوَطُ وَأَحْفَظُ. (1)
الرَّابِعُ: لِلْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ بِهَا، مَعَ حُضُورِ مَالِكِهَا، إِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا
__________
(1) تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 107 وَمَا بَعْدَهَا، والقليوبي وَعَمِيرَة 3 / 182 وَمَا بَعْدَهَا، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 77.

مِنَ السَّفَرِ، أَوْ كَانَ أَحْفَظَ لَهَا مِنْ إِبْقَائِهَا، وَلَمْ يَنْهَهُ صَاحِبُهَا عَنْهُ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ إِنْ فَعَل، سَوَاءٌ أَكَانَ بِهِ ضَرُورَةٌ إِلَى السَّفَرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، لأَِنَّهُ نَقَلَهَا إِلَى مَوْضِعٍ مَأْمُونٍ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَمَا لَوْ نَقَلَهَا فِي الْبَلَدِ، وَلأَِنَّهُ سَافَرَ بِهَا سَفَرًا غَيْرَ مُخَوِّفٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَتْرُكُهَا عِنْدَهُ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ السَّفَرُ أَحْفَظَ لَهَا مِنْ إِبْقَائِهَا، أَوِ اسْتَوَى الأَْمْرَانِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا، فَإِنْ فَعَل ضَمِنَ. وَكَذَا إِذَا نَهَاهُ رَبُّهَا عَنِ السَّفَرِ بِهَا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ، كَجَلاَءِ أَهْل الْبَلَدِ، أَوْ هُجُومِ عَدُوٍّ، أَوْ حَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا سَافَرَ بِهَا وَتَلِفَتْ، لأَِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ. فَإِنْ تَرَكَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَتَلِفَتْ، فَيَضْمَنُ؛ لِتَرْكِهِ الأَْصْلَحَ، (1) وَعَلَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ.
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ مَتَى سَافَرَ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَالِكِهَا أَوْ نَائِبِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَهُوَ مُفَرِّطٌ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، لأَِنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَى صَاحِبِهَا إِمْكَانَ اسْتِرْجَاعِهَا، وَيُخَاطِرُ بِهَا. وَلاَ يَلْزَمُ مِنَ الإِْذْنِ فِي إِمْسَاكِهَا عَلَى وَجْهٍ لاَ يَتَضَمَّنُ هَذَا الْخَطَرَ، وَلاَ يُفَوِّتُ إِمْكَانَ رَدِّهَا
__________
(1) شَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 453، 454، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 193 وَمَا بَعْدَهَا، وَانْظُرِ الْمُغْنِي 9 / 261.

عَلَى صَاحِبِهَا الإِْذْنُ فِيمَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ. فَأَمَّا مَعَ غَيْبَةِ الْمَالِكِ وَوَكِيلِهِ، فَلَهُ السَّفَرُ بِهَا إِذَا كَانَ أَحْفَظَ لَهَا، لأَِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، فَيَخْتَارُ فِعْل مَا فِيهِ الْحَظُّ. (1)

(هـ) ـ التِّجَارَةُ بِالْوَدِيعَةِ:
50 - الاِتِّجَارُ بِالْوَدِيعَةِ مَكْرُوهٌ فِي قَوْل بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ بِاعْتِبَارِهِ تَجَاوُزًا لِلْحَقِّ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ رَبُّهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْوَدِيعَةُ مِنَ النُّقُودِ والْمِثْلِيَّاتِ أَوْ مِنَ الْعَرُوضِ والْقِيمِيَّاتِ. وَرَجَّحَ بَعْضُ فُقَهَائِهِمْ حُرْمَتَهُ فِي الْمَالَيْنِ، وَفَصَّل الْبَعْضُ الآْخَرُ فَقَال بِحُرْمَتِهِ فِي الْعَرُوضِ وَكَرَاهَتِهِ فِي النُّقُودِ. (2)
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الاِتِّجَارَ بِالْوَدِيعَةِ بِدُونِ إِذْنِ صَاحِبِهَا تَعَدٍّ يَسْتَوْجِبُ عَلَى الْوَدِيعِ الضَّمَانَ (3) ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ خِلاَفٌ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ النَّاتِجَ عَنِ اتِّجَارِ الْوَدِيعِ، وَذَلِكَ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: أَنَّ الرِّبْحَ لِصَاحِبِ الْوَدِيعَةِ، لأَِنَّهُ
__________
(1) الْمُغْنِي 9 / 261 وَمَا بَعْدَهَا، وَانْظُرِ الْمُبْدِعَ 5 / 238.
(2) كِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ 2 / 255، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 255.
(3) الإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 257، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 312، وَالتَّفْرِيع لاِبْن الْجَلاَّب 2 / 271، وَمَيَّارَة عَلَى العاصمية 2 / 189.

نَمَاءُ مِلْكِهِ، إِذْ مِنَ الْمَعْرُوفِ فِي الأُْصُول وَالْقَوَاعِدِ أَنَّ الرِّبْحَ تَابِعٌ لِلْمَال الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ، فَيَكُونُ مِلْكًا لِمَنْ لَهُ الْمَال الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَنَافِعٍ مَوْلاَهُ، وَأَبِي قِلاَبَةَ، وَبِهِ قَال إِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. (1)
الثَّانِي: أَنَّهُ لِبَيْتِ الْمَال، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطَاءٍ، وَبِهِ قَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. (2)
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ. وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، (3) وَحُجَّتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الرِّبْحَ الْحَاصِل بِسَبَبٍ خَبِيثٍ، سَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ. وَقَال السَّرَخْسِيُّ: وَلأَِنَّ الْوَدِيعَ عِنْدَ الْبَيْعِ يُخْبِرُ الْمُشْتَرِيَ أَنَّهُ يَبِيعُ مِلْكَهُ وَحَقَّهُ، وَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ، وَالْكَذِبُ فِي التِّجَارَةِ يُوجِبُ الصَّدَقَةَ،
__________
(1) مُخْتَصِر الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّة لاِبْن تَيْمِيَّةَ ص 379، وَالاِخْتِيَارَات الْفِقْهِيَّة مِنْ فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ ص 147، وَالْقَوَانِينِ الْفِقْهِيَّةِ ص 380، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 257، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 312.
(2) مَجْمُوع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ 30 / 130، وَمُخْتَصَر الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّة ص 379، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 257.
(3) مَجْمَع الأَْنْهُر وَالدَّرّ الْمُنْتَقَى 2 / 342، وَالْمَبْسُوط 11 / 112، وَمُخْتَصَر الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّة ص 379، وَالاِخْتِيَارَات الْفِقْهِيَّة ص 147، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 312، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص 380، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 257.

بِدَلِيل حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ أَبِي غُرْزَةَ الْكِنَانِيِّ، قَال: " كُنَّا نَبْتَاعُ الأَْوْسَاقَ بِالْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ، قَال: فَأَتَانَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِمَّا كُنَّا نُسَمِّي بِهِ أَنْفُسَنَا فَقَال: يَا مَعْشَر التُّجَّارِ، إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلِفُ، فَشَوِّبُوهُ بِالصَّدَقَةِ " (1) .
فَعَمِلْنَا بِالْحَدِيثِ فِي إِيجَابِ التَّصَدُّقِ بِالْفَضْل. (2)
الرَّابِعُ: أَنَّ الرِّبْحَ لِلْوَدِيعِ، إِذْ هُوَ ثَمَرَةُ عَمَلِهِ وَجُهْدِهِ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ بِضَمَانِهِ، لأَِنَّ ضَمَانَ الْوَدِيعَةِ وَقْتَ الاِتِّجَارِ بِهَا مِنْهُ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ أَسْوَأَ حَالاً مِنَ الْغَاصِبِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْغَاصِبَ إِذَا اتَّجَرَ بِالْمَال الْمَغْصُوبِ فَرَبِحَ فَهُوَ لَهُ، فَإِذَا كَانَ الْغَاصِبُ لَهُ الرِّبْحُ فَالْوَدِيعُ أَوْلَى، وَلأَِنَّ الْمُودِعَ لَمْ يَدْفَعِ الْمَال إِلَيْهِ بِغَرَضِ طَلَبِ الْفَضْل وَالرِّبْحِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ حِفْظَ الْوَدِيعَةِ لَهُ، فَيَكُونُ لَهُ أَصْل مَالِهِ دُونَ الرِّبْحِ.
وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْقَاضِي شُرَيْحٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَيَحْيَى الأَْنْصَارِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَبِهِ قَال مَالِكٌ
__________
(1) حَدِيث قَيْس بْن أَبِي غُرْزَة: " كُنَّا نَبْتَاعُ الأَْوْسَاق. . . " أَخْرَجَهُ أَحْمَد (4 / 6 ـ ط الميمنية) وَالْحَاكِم (2 / 5 ـ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) وَاللَّفْظ لأَِحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
(2) الْمَبْسُوط 11 / 112.

وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. (1)
غَيْرَ أَنَّ الإِْمَامَ أَبَا يُوسُفَ قَيَّدَ اسْتِحْقَاقَهُ الرِّبْحَ بِرَدِّهِ الْوَدِيعَةَ أَوْ أَدَائِهِ الضَّمَانَ لِلْمُودِعِ، فَقَال: إِنَّمَا يَطِيبُ لِلْوَدِيعِ الرِّبْحُ إِذَا أَدَّى الضَّمَانَ أَوْ سَلَّمَ عَيْنَهَا، بِأَنْ بَاعَهَا، ثُمَّ اشْتَرَاهَا، وَدَفَعَهَا إِلَى مَالِكِهَا.
وَقَال بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّمَا يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ إِذَا رَدَّ رَأْسَ الْمَال كَمَا هُوَ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَرُدَّهُ، فَلاَ يَحِل لَهُ مِنَ الرِّبْحِ قَلِيلٌ وَلاَ كَثِيرٌ. هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ (2) .
الْخَامِسُ: أَنَّ الرِّبْحَ يَكُونُ بَيْنَ الْوَدِيعِ وَالْمُودِعِ عَلَى قَدْرِ النَّفْعَيْنِ، بِحَسَبِ مَعْرِفَةِ أَهْل الْخِبْرَةِ، فَيَقْتَسِمَانِهِ بَيْنَهُمَا كَالْمُضَارَبَةِ، وَهُوَ
__________
(1) مَجْمَع الأَْنْهُر وَالدَّرّ الْمُنْتَقَى 2 / 342، وَمَيَّارَة عَلَى العاصمية 2 / 189، وَكِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ 2 / 255، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 255، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 312، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص 380، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 255، وَمَجْمُوع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ 30 / 130، وَمُخْتَصَر الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّة ص 379، وَالاِخْتِيَارَات الْفِقْهِيَّة مِنْ فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ ص 147، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 257.
(2) مَيَّارَة وَحَاشِيَة الْحَسَن بْن رَحَّال عَلَيْهِ 2 / 189، وَمَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 342.

رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَهُوَ أَصَحُّهَا، وَبِهِ حَكَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. إِلاَّ أَنْ يَتَّجِرَ بِهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْعُدْوَانِ، مِثْل أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ مَال نَفْسِهِ، فَيَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّهُ مَال غَيْرِهِ، فَهُنَا يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ بِلاَ رَيْبٍ. (1)
(و) ـ اسْتِقْرَاضُ الْوَدِيعَةِ:
51 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ اقْتِرَاضَ الْوَدِيعِ لِلْوَدِيعَةِ يَجْعَلُهَا مَضْمُونَةً فِي ذِمَّتِهِ عَلَى كُل حَالٍ. وَأَمَّا اقْتِرَاضُهُ مِنْهَا بِدُونِ إِذْنِ صَاحِبِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ:
فَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَقَالُوا: يَحْرُمُ عَلَى الْوَدِيعِ أَنْ يَتَسَلَّفَ الْوَدِيعَةَ إِذَا كَانَ فَقِيرًا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنَ الْقِيمِيَّاتِ أَمْ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ، وَذَلِكَ لِتَضَرُّرِ مَالِكِهَا بِعَدَمِ الْوَفَاءِ، نَظَرًا لإِِعْدَامِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مُوسِرًا، فَيَنْظُرُ: فَإِنْ كَانَتِ الْوَدِيعَةُ عَرْضًا قِيمِيًّا، فَيَحْرُمُ عَلَى الْوَدِيعِ اقْتِرَاضُهَا. قَال الزُّرْقَانِيُّ: لأَِنَّ مِثْلَهُ لَيْسَ كَعَيْنِهِ، لاِخْتِلاَفِ الأَْغْرَاضِ بِاخْتِلاَفِ أَفْرَادِهِ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ وَشِرَاءَهُ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِمَا هُوَ مَظِنَّةُ عَدَمِ رِضَاهُ. (2)
__________
(1) مُخْتَصَرُ الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّة لاِبْن تَيْمِيَّةَ ص 379، وَمَجْمُوع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ 30 / 130، والموطأ 2 / 687.
(2) الزُّرْقَانِيّ عَلَى خَلِيل 6 / 115.

وَإِنْ كَانَتِ الْوَدِيعَةُ نَقْدًا فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ. وَذَلِكَ لأَِنَّ مِثْلَهُ كَعَيْنِهِ، فَالتَّصَرُّفُ الْوَاقِعُ فِيهِ كَلاَ تَصَرُّفٍ، أَوْ أَنَّهُ تَصَرُّفٌ بِمَا هُوَ مَظِنَّةُ أَنْ لاَ يَأْبَاهُ رَبُّهُ، فَلَمَّا لَمْ يُرَدْ لِذَاتِهِ، كَانَ أَخَفَّ مِنَ الْمُقَوَّمِ. وَمَحَل كَرَاهَةِ تَسَلُّفِ النَّقْدِ فِيمَا إِذَا لَمْ يُبِحْ لَهُ رَبُّهُ ذَلِكَ أَوْ يَمْنَعُهُ، بِأَنْ جَهِل، وَإِلاَّ أُبِيحَ فِي الأَْوَّل، وَمُنِعَ فِي الثَّانِي. (1)
وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فِيهِ وَفَاءٌ، وَأَشْهَدَ عَلَى الاِقْتِرَاضِ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ: أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لاَ تَتَعَيَّنُ، فَكَأَنَّهُ لاَ مَضَرَّةَ عَلَى الْمُودِعِ فِي انْتِفَاعِ الْوَدِيعِ بِهَا إِذَا رَدَّ مِثْلَهَا، وَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهَا، وَيَتَمَسَّكَ بِهَا مَعَ بَقَاءِ أَعْيَانِهَا، وَلأَِنَّ الْمُودِعَ قَدْ تَرَكَ الاِنْتِفَاعَ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ، فَجَازَ لِلْوَدِيعِ الاِنْتِفَاعُ بِهَا. وَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى الاِنْتِفَاعِ بِظِل حَائِطِهِ وَضَوْءِ سِرَاجِهِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْوَدِيعَةُ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ الأُْخْرَى، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَكْثُرُ اخْتِلاَفُهُ وَلاَ يَتَحَصَّل أَمْثَالُهُ، فَيَحْرُمُ تَسَلُّفُهَا، كَالْقِيمِيَّاتِ، وَإِلاَّ فَيَجُوزُ سَلَفُهَا كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فِي ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ. وَقَال الْبَاجِيُّ: الأَْظْهَرُ عِنْدِي الْمَنْعُ، وَقَدْ عَلَّقَ اللَّخْمِيُّ عَلَى الاِخْتِلاَفِ فِي الْجَوَازِ، فَقَال: وَأَرَى أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْمُودِعِ، فَإِنْ كَانَ
__________
(1) الزُّرْقَانِيّ عَلَى خَلِيل 6 / 115.

يَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لاَ يَكْرَهُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَدِيعِ، أَوْ مَعَهُ كَرَمُ طَبْعٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ مِنْهُ الْكَرَاهِيَةَ لَمْ يَجُزْ.
وَبِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَال ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِذَا تَسَلَّفَ مَا لاَ يَحْرُمُ تَسَلُّفُهُ، ثُمَّ رَدَّ مَكَانَهَا مِثْلَهَا، فَتَلِفَ الْمِثْل، بَرِئَ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ مَنْ أَوْدَعَ رَجُلاً دَرَاهِمَ أَوْ مَا يُكَال أَوْ يُوزَنُ فَتَسَلَّفَهُ، ثُمَّ رَدَّ مِثْلَهُ مَكَانَهُ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بَعْدَ الرَّدِّ. (1)
وَقَال الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إِنْ كَانَ الَّذِي رَدَّ مَكَانَهُ يَتَمَيَّزُ مِنْ دَنَانِيرِهِ وَدَرَاهِمِهِ، فَضَاعَتِ الدَّنَانِيرُ كُلُّهَا، ضَمِنَ مَا تُسُلِّفَ فَقَطْ. وَإِنْ كَانَ الَّذِي وَضَعَ بَدَلاً مِمَّا أَخَذَ لاَ يَتَمَيَّزُ وَلاَ يُعْرَفُ، فَتَلِفَتِ الدَّنَانِيرُ، ضَمِنَهَا كُلَّهَا. (2)
وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنْ عَلِمَ الْوَدِيعُ عِلْمًا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ قَلْبُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْوَدِيعَةِ رَاضٍ بِذَلِكَ، فَلاَ بَأْسَ بِهِ. وَهَذَا إِنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ رَجُلٍ اخْتَبَرْتَهُ خِبْرَةً تَامَّةً، وَعَلِمْتَ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَهُ، وَمَتَى وَقَعَ فِي ذَلِكَ شَكٌّ، لَمْ يَجُزِ الاِقْتِرَاضُ. (3)
__________
(1) التَّاج وَالإِْكْلِيل وَمَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 254، 255، والزرقاني عَلَى خَلِيل 6 / 115، وَالْمُدَوَّنَة 15 / 147، 159، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص 379.
(2) الأُْمّ لِلشَّافِعِيِّ 4 / 63.
(3) مَجْمُوع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ 30 / 394.

(ز) ـ اسْتِعْمَال الْوَدِيعَةِ 52 - اسْتِعْمَال الْوَدِيعِ لِلْوَدِيعَةِ وَالاِنْتِفَاعُ بِهَا، كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ، وَلُبْسِ الثَّوْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَقَعَ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِذَا اسْتَعْمَلَهَا الْوَدِيعُ بِإِذْنِهِ، فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي حِل فِعْلِهِ وَمَشْرُوعِيَّتِهِ. (1) أَمَّا فِيمَا يَخُصُّ تَضْمِينَ الْوَدِيعِ بِالاِسْتِعْمَال الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ بِاسْتِعْمَال الْوَدِيعَةِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ بِانْتِفَاءِ التَّعَدِّي بِالإِْذْنِ. وَأَنَّ الإِْذْنَ بِالاِسْتِعْمَال لَيْسَ بِمُفْسِدٍ لِعَقْدِ الْوَدِيعَةِ، لأَِنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يَفْسُدُ بِمَا يُنَافِيهِ، وَالاِسْتِعْمَال لاَ يُنَافِي الإِْيدَاعَ، وَلِذَا صَحَّ الأَْمْرُ بِالْحِفْظِ مَعَ الاِسْتِعْمَال ابْتِدَاءً.
وَجَاءَ فِي الْمَادَّةِ 792 مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ: كَمَا أَنَّ لِلْوَدِيعِ أَنْ يَسْتَعْمِل الْوَدِيعَةَ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا فَلَهُ أَيْضًا أَنْ يُؤَجِّرَهَا وَيُعِيرَهَا وَيَرْهَنَهَا (2) .
__________
(1) الإِْقْنَاع لاِبْن الْمُنْذِر 2 / 405، وَالإِْشْرَاف عَلَى مَذَاهِبِ أَهْل الْعِلْمِ لاِبْنِ الْمُنْذِرِ 1 / 256، وَدُرَر الْحُكَّام 2 / 262.
(2) الْبَدَائِع 6 / 211، وَقُرَّة عُيُون الأَْخْيَار 2 / 233، وَالْمَبْسُوط 11 / 115، مَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 341.

وَالثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الإِْذْنَ لِلْوَدِيعِ بِاسْتِعْمَالِهَا يُفْسِدُ عَقْدَ الْوَدِيعَةِ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ يُنَاقِضُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَيَفْسُدُ، ثُمَّ يَنْظُرُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَإِنِ اسْتَعْمَلَهَا انْقَلَبَتْ عَارِيَةً فَاسِدَةً (1) ، وَتَصِيرُ الْعَيْنُ مَضْمُونَةً بِيَدِهِ، إِلْحَاقًا لِفَاسِدِ الْعَارِيَةِ بِصَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ. وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا بَقِيَتْ أَمَانَةً، إِلْحَاقًا لِفَاسِدِ الْوَدِيعَةِ بِصَحِيحِهَا فِي عَدَمِ الضَّمَانِ، حَيْثُ إِنَّ فَاسِدَ الْعُقُودِ كَصَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ (2) .
وَالثَّالِثُ: لِلْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَالِكَ إِذَا أَذِنَ لِلْوَدِيعِ بِاسْتِعْمَال الْوَدِيعَةِ، فَاسْتَعْمَلَهَا حَسَبَ الإِْذْنِ، صَارَتْ عَارِيَةً مَضْمُونَةً، كَالرَّهْنِ إِذَا أَذِنَ رَبُّهُ لِلْمُرْتَهِنِ بِاسْتِعْمَالِهِ. وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا، فَهِيَ أَمَانَةٌ، لأَِنَّ الاِنْتِفَاعَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَوَجَبَ تَغْلِيبُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ الْحِفْظُ، فَتَبْقَى وَدِيعَةً. (3)
أَمَّا إِذَا اسْتَعْمَل الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّهَا، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ هَذَا تَعَدٍّ
__________
(1) حَاشِيَة الشرواني عَلَى تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 105.
(2) حَاشِيَة الْقَلْيُوبِيّ عَلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ 3 / 181، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج وَحَاشِيَة الشرواني عَلَيْهِ 7 / 105، وَحَاشِيَة الرَّمْلِيّ عَلَى أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 76.
(3) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 167.

يَسْتَوْجِبُ ضَمَانَهُ. (1)
وَقَدْ قَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ قَوْلَهُمْ بِتَضْمِينِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَا إِذَا كَانَ اسْتِعْمَالُهُ لِلْوَدِيعَةِ خِيَانَةً مُضَمَّنَةً، أَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِيهِ، بِأَنَّ لُبْسَ الثَّوْبِ الْمُودَعِ لِدَفْعِ الْعُثِّ عَنْهُ، أَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ لِعَلْفِهَا أَوْ سَقْيِهَا، وَكَانَتْ لاَ تَنْقَادُ إِلاَّ بِالرُّكُوبِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا، فَضْلاً عَنْ كَوْنِهِ مُحْسِنًا فِيهِ، وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ. (2)
كَمَا قَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ قَوْلَهُمْ بِتَضْمِينِهِ بِمَا إِذَا كَانَ انْتِفَاعُهُ بِهَا عَلَى وَجْهٍ يَعْطَبُهَا عَادَةً، وَعَطِبَتْ. فَأَمَّا إِذَا انْتَفَعَ بِهَا انْتِفَاعًا لاَ تَعْطَبُ بِهِ عَادَةً، وَتَلِفَتْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. فَإِنْ تَسَاوَى الأَْمْرَانِ أَوْ جُهِل الْحَال، فَالأَْظْهَرُ الضَّمَانُ، وَلَوْ بِسَبَبٍ سَمَاوِيٍّ. (3)
__________
(1) الْبَدَائِع 6 / 211، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 277، الْعُقُود الدُّرِّيَّة 2 / 71، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 79، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 334، والقليوبي وَعَمِيرَة 3 / 185، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 256، وَكِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ 2 / 254، وَمَوَاهِب الْجَلِيل وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 254، وَالْكَافِي لاِبْن عَبْد الْبَرّ ص 404، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 195، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 454.
(2) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 79، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 334، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 122، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 454، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 197.
(3) شَرْح الزُّرْقَانِيّ عَلى خَلِيل 6 / 115.

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ انْتِفَاعَهُ بِهَا بِدُونِ إِذْنِ صَاحِبِهَا يُوجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةَ مِثْلِهَا لِرَبِّهَا عَنِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَقِيَتْ فِي يَدِهِ بَعْدَ التَّعَدِّي، لاِرْتِفَاعِ الأَْمَانَةِ بِهِ.
وَقَدْ قَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ الأُْجْرَةِ لِلْمَالِكِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِيمَا إِذَا كَانَ مِثْلُهُ يَأْخُذُ ذَلِكَ وَإِلاَّ فَلاَ. (1)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَبْطُل عَقْدُ الإِْيدَاعِ بِتَعَدِّي الْوَدِيعِ عَلَى الْوَدِيعَةِ بِاسْتِعْمَالِهَا وَالاِنْتِفَاعِ بِهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا فَوْرًا إِلَى مَالِكِهَا، لأَِنَّ يَدَهُ صَارَتْ عَادِيَّةً كَالْغَاصِبِ (2) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا أَزَال تَعَدِّيهِ عَلَى الْوَدِيعَةِ، بِأَنْ تَرَكَ لُبْسَ الثَّوْبِ أَوْ رُكُوبَ الدَّابَّةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَرَدَّهَا لِيَدِهِ سَلِيمَةً، وَعَاوَدَ حِفْظَهَا لِمَالِكِهَا، فَهَل يَزُول ضَمَانُهُ بِالْوِفَاقِ أَمْ لاَ؟ وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَزُول الضَّمَانُ عَنْهُ لِزَوَال مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ. (3) قَال
__________
(1) تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 122، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 86، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 254، 274، والزرقاني عَلَى خَلِيل 6 / 115.
(2) أَسْنَى الْمَطَالِب وَحَاشِيَة الرَّمْلِيّ عَلَيْهِ 3 / 76، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج وَحَاشِيَة الْعِبَادِيّ عَلَيْهِ 7 / 104، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 454، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 195، 196.
(3) مَجْمَع الأَْنْهُر وَالدَّرّ الْمُنْتَقَى 2 / 341، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 498، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 254، والزرقاني عَلَى خَلِيل 6 / 115.

الْعَيْنِيُّ: لأَِنَّ الضَّمَانَ وَجَبَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْوَاقِعِ، وَقَدِ ارْتَفَعَ بِالْعَوْدِ إِلَى الْوِفَاقِ (1) .
وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: وَلأَِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْحِفْظِ فِي كُل الأَْوْقَاتِ، فَإِذَا خَالَفَ فِي الْبَعْضِ ثُمَّ رَجَعَ، أَتَى بِالْمَأْمُورِ بِهِ، كَمَا إِذَا اسْتَأْجَرَهُ لِلْحِفْظِ شَهْرًا، فَتَرَكَ الْحِفْظَ فِي بَعْضِهِ، ثُمَّ حَفِظَ فِي الْبَاقِي، اسْتَحَقَّ الأُْجْرَةَ بِقَدَرِهِ. (2) وَقَال فِي مَجْمَعِ الأَْنْهُرِ: وَلأَِنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يَبْطُل بِمَا يُنَافِيهِ، وَالاِسْتِعْمَال لاَ يُنَافِي الإِْيدَاعَ، وَلِذَا صَحَّ الأَْمْرُ بِالْحِفْظِ مَعَ الاِسْتِعْمَال ابْتِدَاءً، فَإِذَا زَال عَادَ حُكْمُ الْعَقْدِ. (3)
وَفِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ نَقْلاً عَنِ الظَّهِيرِيَّةِ: أَنَّهُ يَزُول الضَّمَانُ عَنْهُ بِشَرْطِ أَلاَّ يَعْزِمَ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى التَّعَدِّي، حَتَّى لَوْ نَزَعَ ثَوْبَ الْوَدِيعَةِ لَيْلاً، وَفِي عَزْمِهِ أَنْ يَلْبَسَهُ نَهَارًا، ثُمَّ سُرِقَ لَيْلاً، لاَ يَبْرَأُ مِنَ الضَّمَانِ (4) .
وَالثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَزُفَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَبْرَأُ مِنَ الضَّمَانِ، لأَِنَّ حُكْمَ الْوَدِيعَةِ، وَهُوَ
__________
(1) قُرَّة عُيُون الأَْخْيَار 2 / 249.
(2) الْبَحْر الرَّائِق 7 / 277.
(3) مَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 341.
(4) الْبَحْر الرَّائِق 7 / 277، وَقُرَّة عُيُون الأَْخْيَار 1 / 249، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 498.

الاِسْتِئْمَانُ، ارْتَفَعَ بِالْعُدْوَانِ، فَلاَ يَعُودُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَلاَ يَبْرَأُ مِنَ الضَّمَانِ. (1)

(ح) ـ إِنْفَاقُ الْوَدِيعَةِ: 53 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ إِنْفَاقَ الْوَدِيعِ لِلْوَدِيعَةِ يَسْتَوْجِبُ ضَمَانَهَا، بِاعْتِبَارِهِ تَعَدَّى عَلَيْهَا، وَفَوَّتَ عَيْنَهَا وَأَتْلَفَهَا حُكْمًا عَلَى صَاحِبِهَا لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ وَنَفْعِ ذَاتِهِ. وَعَلَى ذَلِكَ نَصَّتِ الْمَادَّةُ (787) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا صَرَفَ الْمُسْتَوْدَعُ نُقُودَ الْوَدِيعَةِ فِي أُمُورِ نَفْسِهِ أَوِ اسْتَهْلَكَهَا ضَمِنَهَا.
أَمَّا لَوْ أَنْفَقَ الْوَدِيعَةَ لِنَفْعٍ يَتَعَلَّقُ بِمَالِكِهَا، كَمَا إِذَا كَانَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ غَائِبًا، فَفَرَضَ الْحَاكِمُ مِنَ النُّقُودِ الْمُودَعَةِ عِنْدَهُ أَوْ مِنَ الطَّعَامِ وَالْكُسْوَةِ الْمُودَعِ لَدَيْهِ نَفَقَةً لِزَوْجَتِهِ أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ مِنْ قَرَابَتِهِ، فَصَرَفَ الْوَدِيعُ تِلْكَ النَّفَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ مِنَ الْوَدِيعَةِ إِلَيْهِمْ فَقَال الْحَنَفِيَّةُ لاَ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا. بِخِلاَفِ مَا إِذَا صَرَفَهَا لَهُمْ بِدُونِ إِذْنِ الْحَاكِمِ، حَيْثُ يَكُونُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، لأَِنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَال الْغَيْرِ بِلاَ وَلاَيَةٍ وَلاَ نِيَابَةٍ عَنْهُ،
__________
(1) الأُْمّ 4 / 60، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 80، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 335، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 123 وَمَا بَعْدَهَا، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 454، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 196.

إِذِ الْمُسْتَوْدَعُ نَائِبٌ عَنِ الْمُودَعِ فِي الْحِفْظِ، وَلَيْسَ نَائِبًا فِي شَيْءٍ آخَرَ. (1)
وَإِذَا أَنْفَقَ الْوَدِيعَةَ، ثُمَّ رَدَّ مِثْلَهَا فِي مَكَانِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَضْمِينِهِ:
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ رَدَّهَا بِعَيْنِهَا لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ رَدَّ مِثْلَهَا ضَمِنَ.
وَقَال مَالِكٌ: يَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ: لأَِنَّ الضَّمَانَ يَلْزَمُهُ بِالإِْنْفَاقِ، فَإِذَا أَزَال ذَلِكَ بِالرَّدِّ، وَجَبَ أَنْ يَزُول الضَّمَانُ، لِزَوَال سَبَبِهِ الْمُوجِبِ لَهُ.
وَقَال الشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. (2)
54 - وَلَوْ أَخْرَجَ دَرَاهِمَ الْوَدِيعَةِ لِيُنْفِقَهَا، ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى مَكَانِهَا، فَلَمْ يُنْفِقْهَا، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَكُونُ ضَامِنًا لَهَا، لأَِنَّ الإِْخْرَاجَ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ خِيَانَةٌ وَعُدْوَانٌ، فَتَبْطُل الْوَدِيعَةُ، وَيَضْمَنُ لِتَصَرُّفِهِ فِي مَال غَيْرِهِ بِدُونِ إِذْنِهِ. وَإِذَا ارْتَفَعَ الاِسْتِئْمَانُ، وَثَبَتَ الضَّمَانُ،
__________
(1) النَّتْف فِي الْفَتَاوَى للسغدي 2 / 579، 581، وَدُرَر الْحُكَّام 2 / 281، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ للأتاسي 3 / 288، وَالْمَادَّة 799 مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّة.
(2) الإِْشْرَاف عَلَى مَسَائِل الْخِلاَفِ لِلْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب 2 / 41، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 311، وَالإِْشْرَاف عَلَى مَذَاهِبِ أَهْل الْعِلْمِ لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 255، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 277، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 334.

فَلاَ يَزُول عَنْهُ إِلاَّ بِاسْتِئْمَانٍ ثَانٍ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَمَالِكٌ: يَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ بِالرَّدِّ، لأَِنَّهُ وَإِنْ صَارَ ضَامِنًا بِالإِْخْرَاجِ، فَقَدْ عَادَ إِلَى الْوِفَاقِ بِرَدِّ الْوَدِيعَةِ إِلَى مَوْضِعِهَا، فَبَرِئَ عَنِ الضَّمَانِ. (1)
وَلَوْ كَانَتِ الْوَدِيعَةُ نُقُودًا أَوْ شَيْئًا مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ الَّتِي لاَ يَضُرُّهَا التَّبْعِيضُ، فَأَنْفَقَ الْوَدِيعُ بَعْضَهَا، ثُمَّ هَلَكَ الْبَاقِي، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَضْمَنُ قَدْرَ مَا أَنْفَقَ، اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُل، وَلاَ يَضْمَنُ الْبَاقِيَ، لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إِلاَّ إِتْلاَفُ قَدْرِ مَا أَنْفَقَ، وَالضَّمَانُ إِنَّمَا يَجِبُ بِقَدْرِ الْخِيَانَةِ، وَقَدْ خَانَ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، وَلأَِنَّهُ فِي الْبَاقِي حَافِظٌ لِلْمِلْكِ، وَبِمَا أَنْفَقَ لَمْ يَتَعَيَّبِ الْبَاقِي، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَوْدَعَهُ وَدِيعَتَيْنِ، فَأَنْفَقَ إِحْدَاهُمَا، لاَ يَكُونُ ضَامِنًا لِلأُْخْرَى. (2)
فَإِنْ رَدَّ مِثْل مَا أَنْفَقَ إِلَى مَكَانِهَا، فَقَال
__________
(1) بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 311، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 255، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 334، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 454، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 195، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ للأتاسي 3 / 258.
(2) مَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 342، وَبَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 213، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 348، وَالْمَبْسُوط لِلسَّرْخَسِيَ 11 / 111، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ للأتاسي 3 / 258، وَالتَّفْرِيع لاِبْن الْجَلاَّب 2 / 271، وَالْمُغْنِي 9 / 277، وَالْمُدَوَّنَة 15 / 147.

الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَضْمَنُ الْكُل ـ إِذَا خَلَطَهُ بِالْبَاقِي خَلْطًا لاَ يَتَمَيَّزُ ـ لِوُجُودِ إِتْلاَفِ الْكُل مِنْهُ: الْبَعْضُ بِالإِْنْفَاقِ، وَالْبَاقِي بِالْخَلْطِ، لِكَوْنِ الْخَلْطِ إِتْلاَفًا.
أَمَّا إِذَا تَمَيَّزَ الْمَخْلُوطُ مِنْ مَال الْوَدِيعَةِ، ثُمَّ هَلَكَ الْمَالاَنِ، فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ الْقَدْرَ الَّذِي لَمْ يُنْفِقْهُ، لأَِنَّهُ بَاقٍ بِحَالِهِ كَمَا كَانَ، وَيَضْمَنُ الْمِقْدَارَ الَّذِي طَرَحَهُ عَلَيْهَا وَحْدَهُ، لأَِنَّ الضَّمَانَ تَعَلَّقَ بِالأَْخْذِ، فَلَمْ يَضْمَنْ غَيْرَ مَا أَخَذَهُ، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْل رَدِّهِ، فَلاَ يَضْمَنُ غَيْرَهُ. (1)
وَقَال مَالِكٌ: إِذَا أَنْفَقَ بَعْضَ الْوَدِيعَةِ، ثُمَّ رَدَّ مِثْل مَا أَنْفَقَ فِي مَكَانِهَا، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ إِنْ تَلِفَتْ. (2)
وَلَوْ أَخَذَ بَعْضَ دَرَاهِمِ الْوَدِيعَةِ لِيُنْفِقَهَا، فَلَمْ يُنْفِقْهَا، ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا، فَتَلِفَتْ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَمَالِكٌ: لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. لأَِنَّهُ وَإِنْ صَارَ ضَامِنًا بِالأَْخْذِ، فَقَدْ عَادَ إِلَى الْوِفَاقِ بِرَدِّ مَا أَخَذَهُ إِلَى مَكَانِهِ، فَبَرِئَ عَنِ الضَّمَانِ، وَلأَِنَّ
__________
(1) رَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 498، وَالْمَبْسُوطِ 11 / 111، وَالْبَدَائِعِ 6 / 213، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 348، وَمَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 342، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 122، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 197، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 454، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 80، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 336.
(2) الْمُدَوَّنَة 15 / 147، وَالتَّفْرِيع لاِبْن الْجَلاَّب 2 / 271.

نَفْسَ الأَْخْذِ لَيْسَ بِإِتْلاَفٍ، وَنِيَّةَ الإِْتْلاَفِ لَيْسَتْ بِإِتْلاَفٍ فَلاَ تُوجِبُ الضَّمَانَ، كَمَا لَوْ نَوَى أَنْ يَغْصِبَ مَال إِنْسَانٍ. وَالأَْصْل فِيهِ مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ ـ أَوْ حَدَّثَتْ ـ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ يَعْمَل بِهِ أَوْ يَتَكَلَّمْ بِهِ " (1) .
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَا حَدَّثَتْ بِهِ النَّفْسُ عَفْوًا عَلَى الْعُمُومِ إِلاَّ مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ. (2)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَضْمَنُ مَا أَخَذَهُ وَحْدَهُ، وَلاَ يَرْتَفِعُ ضَمَانُهُ بِالرَّدِّ إِلَى مَكَانِهَا، لأَِنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي، فَيَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِذِمَّتِهِ بِالأَْخْذِ، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْل رَدِّهِ ضَمِنَهُ، فَلاَ يَزُول إِلاَّ بِرَدِّهِ إِلَى صَاحِبِهِ كَالْمَغْصُوبِ (3) .
__________
(1) حَدِيث: " إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي. . . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح 11 / 549 ـ ط السَّلَفِيَّة) ، وَمُسْلِم (1 / 117 ـ ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.
(2) بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 311، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 255، وَالْمَبْسُوط 11 / 112، وَبَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 213، وَمَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 342، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ للأتاسي 3 / 258، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 277.
(3) تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 122، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 9 / 277، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 454، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 197.

ط ـ التَّصَرُّفُ فِي الْوَدِيعَةِ: 55 - الْمُرَادُ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْوَدِيعَةِ هُنَا كُل ارْتِبَاطٍ عَقْدِيٍّ يُنْشِئُهُ الْوَدِيعُ، وَيَكُونُ مَحَلُّهُ الْوَدِيعَةَ، مِثْل بَيْعِهَا وَإِجَارَتِهَا وَإِعَارَتِهَا وَإِيدَاعِهَا وَرَهْنِهَا وَإِقْرَاضِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَهَذَا الاِرْتِبَاطُ إِمَّا أَنْ يُجْرِيَهُ الْمُسْتَوْدَعُ بِإِذْنِ الْمُودِعِ، وَبِذَلِكَ يَقَعُ تَصَرُّفُهُ صَحِيحًا مَشْرُوعًا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنِ الْمَالِكِ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، لأَِنَّ أَمْرَ الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ صَحِيحٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا (1) .
وَإِمَّا أَنْ يُجْرِيَهُ الْوَدِيعُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُودِعِ فَيَكُونَ ضَامِنًا، وَعَلَى ذَلِكَ نَصَّتِ الْمَادَّةُ (792) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ لَوْ آجَرَهَا أَوْ أَعَارَهَا لآِخَرَ أَوْ رَهَنَهَا، بِدُونِ إِذْنِ صَاحِبِهَا، فَهَلَكَتْ، أَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوِ الْمُسْتَعِيرِ أَوِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ.
وَقَدْ جَعَل الْحَنَفِيَّةُ لِمَالِكِ الْوَدِيعَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْخِيَارَ فِي تَضْمِينِ الْوَدِيعِ أَوْ فِي تَضْمِينِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوِ الْمُسْتَعِيرِ أَوِ الْمُرْتَهِنِ. (2)
__________
(1) دُرَر الْحُكَّام 2 / 262، 267، 270، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 334، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 88، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 175 ـ 176.
(2) دُرَر الْحُكَّام 2 / 269، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ للأتاسي 3 / 273.

وَعَلَّلُوا عَدَمَ جَوَازِ تَأْجِيرِهَا مِنْ قِبَل الْوَدِيعِ لآِخَرَ، بِأَنَّ الإِْجَارَةَ عَقْدٌ لاَزِمٌ، وَالإِْيدَاعَ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، فَلَوْ جَازَ لِلْوَدِيعِ تَأْجِيرُهَا لَصَارَتِ الإِْجَارَةُ غَيْرَ لاَزِمَةٍ مَعَ أَنَّهَا لاَزِمَةٌ.
وَقَالُوا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيرَهَا أَيْضًا، لأَِنَّ الْوَدِيعَ غَيْرُ مَالِكٍ لِمَنَافِعِ الْوَدِيعَةِ، وَلَمَّا كَانَتِ الإِْعَارَةُ تَمْلِيكًا لِلْمَنَافِعِ، فَلَيْسَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَمْلِكَ الْمَرْءُ شَيْئًا لاَ يَمْلِكُهُ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهَا عِنْدَ آخَرَ، لأَِنَّ الرَّهْنَ إِيفَاءٌ حُكْمًا، وَلَيْسَ لِشَخْصٍ أَنْ يَفِيَ دَيْنَهُ بِمَال الْغَيْرِ بِلاَ أَمْرِ صَاحِبِهِ، بِالإِْضَافَةِ إِلَى أَنَّ الرَّهْنَ عَقْدٌ لاَزِمٌ مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ، وَالْوَدِيعَةُ لَيْسَتْ عَقْدًا لاَزِمًا. كَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْوَدِيعَةَ أَوْ يَهَبَهَا لآِخَرَ بِلاَ إِذْنٍ وَيُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، لأَِنَّ بَيْعَهُ وَهِبَتَهُ لاَ تَنْفُذَانِ بِدُونِ رِضَا مَالِكِهَا. (1)
56 - وَلَوْ آجَرَ الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ تَعَدِّيًا، فَهَل يَسْتَحِقُّ أُجْرَتَهَا، أَمْ أَنَّهَا تَكُونُ لِمَالِكِهَا؟

لِلْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلاَنِ:
الأَْوَّل: لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الأُْجْرَةَ تَكُونُ لِلْوَدِيعِ بِمُقَابَلَةِ ضَمَانِ الْوَدِيعَةِ، كَمَا يَسْتَحِقُّ الْغَاصِبُ مَنَافِعَ الْمَغْصُوبِ بِمُقَابَلَةِ ضَمَانِهِ (2) . قَال السَّرَخْسِيُّ: وَلَوْ أَكْرَى ـ أَيِ الْوَدِيعُ ـ
__________
(1) دُرَر الْحُكَّام 2 / 268.
(2) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 361.

الإِْبِل إِلَى مَكَّةَ، وَأَخَذَ الْكِرَاءَ، كَانَ الْكِرَاءُ لَهُ، لأَِنَّهُ وَجَبَ بِعَقْدِهِ، وَلَيْسَتِ الْغَلَّةُ كَالْوَلَدِ وَلاَ الصُّوفِ وَاللَّبَنِ، فَإِنَّ ذَاكَ يَتَوَلَّدُ مِنَ الأَْصْل، فَيَمْلِكُ بِمِلْكِ الأَْصْل، وَهَذَا غَيْرُ مُتَوَلِّدٍ مِنَ الأَْصْل، بَل هُوَ وَاجِبٌ بِالْعَقْدِ، فَيَكُونُ لِلْعَاقِدِ. (1) وَالثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ صَاحِبَ الْوَدِيعَةِ إِنْ لَمْ تَتْلَفِ الْوَدِيعَةُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا وَيَأْخُذَ أُجْرَتَهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَهَا لِلْوَدِيعِ، وَيُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا، وَلاَ شَيْءَ لَهُ مِنْ أُجْرَتِهَا. فَجَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَوْدَعَنِي إِبِلاً، فَأَكْرَيْتُهَا إِلَى مَكَّةَ، أَيَكُونُ لِرَبِّهَا مِنَ الْكِرَاءِ شَيْءٌ أَمْ لاَ؟
قَال: كُل مَا كَانَ أَصْلُهُ أَمَانَةً، فَأَكْرَاهُ، فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ إِنْ سُلِّمَتِ الإِْبِل وَرَجَعَتْ بِحَالِهَا فِي أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَهَا، وَيَأْخُذَ الإِْبِل، وَفِي أَنْ يَتْرُكَهَا لَهُ، وَيُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا، وَلاَ شَيْءَ لَهُ مِنَ الْكِرَاءِ إِذَا كَانَ قَدْ حَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا وَمَنَافِعُهُ بِهَا، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَعَارَهُ رَجُلٌ دَابَّةً أَوْ أَكْرَاهُ دَابَّةً إِلَى مَوْضِعٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ فَتَعَدَّى عَلَيْهَا، لأَِنَّ أَصْل هَذَا كُلِّهِ لَمْ يَضْمَنْ إِلاَّ بِتَعَدِّيهِ فِيهِ (2) .
__________
(1) الْمَبْسُوط 11 / 126.
(2) الْمُدَوَّنَة 15 / 157، وَانْظُرِ التَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 259، والزرقاني عَلَى خَلِيل 6 / 121.

57 - وَلَوْ بَاعَهَا الْوَدِيعُ بِدُونِ إِذْنِ مَالِكِهَا، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَكُونُ فُضُولِيًّا بِبَيْعِهِ، وَيَتَوَقَّفُ بَيْعُهُ عَلَى إِجَازَةِ صَاحِبِهَا، فَإِنْ أَجَازَهُ نَفَّذَ، وَإِنْ رَدَّهُ بَطَل. (1) وَقَدْ جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: الْمُودِعُ إِذَا بَاعَ الْوَدِيعَةَ وَسَلَّمَهَا إِلَى الْمُشْتَرِي، وَضَمِنَ الْمَالِكُ الْمُودِعَ، نَفَذَ بَيْعُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ (2) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا بَاعَ الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ، وَهِيَ عَرْضٌ، فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ أَوْ فِي أَخْذِ الْقِيمَةِ يَوْمَ التَّعَدِّي، هَذَا إِذَا فَاتَتِ السِّلْعَةُ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ قَائِمَةً، فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فِي أَخْذِهَا، أَوِ الثَّمَنِ الَّذِي بِيعَتْ بِهِ. (3) قَال الْعَدَوِيُّ: وَالْحَاصِل أَنَّهُ عِنْدَ الْفَوَاتِ يَجِبُ لَهُ الأَْكْثَرُ مِنَ الثَّمَنِ أَوِ الْقِيمَةِ. وَمَحَل تَخْيِيرِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ فِي الإِْجَازَةِ وَالرَّدِّ: مَا لَمْ يَحْضُرْ عَقْدَ الْبَيْعِ أَوْ يَبْلُغْهُ الْبَيْعُ، وَيَسْكُتُ مُدَّةً، بِحَيْثُ يُعَدُّ رَاضِيًا، وَإِلاَّ لَزِمَهُ الْبَيْعُ، وَأَخْذُ مَا بِيعَتْ بِهِ قَلِيلاً أَوْ كَثِيرًا (4) .
وَأَمَّا إِذَا اشْتَرَى الْوَدِيعُ شَيْئًا بِالْوَدِيعَةِ، فَقَال
__________
(1) دُرَر الْحُكَّام 2 / 268.
(2) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 361، وَانْظُرِ الْبَحْر الرَّائِق 7 / 277.
(3) كِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ 2 / 223.
(4) حَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَى كِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ 2 / 255.

ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الإِْشْرَافِ: إِذَا تَعَدَّى الرَّجُل فِي وَدِيعَةٍ كَانَتْ عِنْدَهُ، فَاشْتَرَى مِنْ عَيْنِ الْمَال سِلْعَةً بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَال لِلْبَائِعِ: قَدِ اشْتَرَيْتُ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِهَذِهِ الْمِائَةِ دِينَارٍ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ لأَِنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا بِمَالٍ لاَ يَمْلِكُهُ، فَإِنْ بَاعَ تِلْكَ السِّلْعَةَ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ وَرَبِحَ فِيهَا مِئَةً، فَإِنَّ بَيْعَهُ بَاطِلٌ، لأَِنَّهُ بَاعَ مَا لاَ يَمْلِكُهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرَى لَيْسَ بِعَيْنِ الْمَال، بِأَنْ كَانَ يَشْتَرِي السِّلَعَ، ثُمَّ يَزِنُ مِنْ مَال الْوَدِيعَةِ، فَالشِّرَاءُ ثَابِتٌ، وَالْمَال ـ أَيِ الثَّمَنُ ـ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ مَالِكٌ لِلسِّلَعِ بِعَقْدِ الشِّرَاءِ، وَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ فِيهَا فَلَهُ، وَمَا كَانَ مِنْ نُقْصَانٍ فَعَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ مِثْل الدَّنَانِيرِ الَّتِي أَتْلَفَ لِصَاحِبِهَا. (1) 58 - وَإِذَا كَانَتِ الْوَدِيعَةُ مِنَ النُّقُودِ أَوِ الْمِثْلِيَّاتِ الأُْخْرَى، فَأَقْرَضَهَا الْوَدِيعُ تَعَدِّيًا، وَلَمْ يُجِزْ مَالِكُهَا ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَى الْوَدِيعِ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ. (2) وَبِنَاءً عَلَيْهِ جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (793) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ: وَإِذَا أَقْرَضَ الْمُسْتَوْدَعُ دَرَاهِمَ الْوَدِيعَةِ لآِخَرَ بِلاَ إِذْنٍ، وَلَمْ يُجِزْ صَاحِبُهَا، ضَمِنَهَا الْمُسْتَوْدَعُ.
__________
(1) الإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 257، 258، وَانْظُرِ الإِْقْنَاع لاِبْن الْمُنْذِر أَيْضًا 2 / 405.
(2) دُرَر الْحُكَّام 2 / 270، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ للأتاسي 3 / 273.

وَلَوْ كَانَ عَلَى الْمُودِعِ دَيْنٌ، فَقَضَى الْوَدِيعُ دَيْنَهُ مِنْ مَال الْوَدِيعَةِ، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَدَّاهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْوَدِيعَةِ. (1)
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ بِذَلِكَ. (2)

(ي) ـ جُحُودُ الْوَدِيعَةِ:
59 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ صَاحِبَ الْوَدِيعَةِ إِذَا طَلَبَهَا مِنَ الْوَدِيعِ، فَجَحَدَهَا، ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا أَوْ أَقَامَ الْمُودِعُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهَا، فَيَصِيرُ الْوَدِيعُ بِجُحُودِهِ خَائِنًا ضَامِنًا، لِخُرُوجِهِ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ أَمِينًا، فَتَنْقَلِبُ يَدُهُ إِلَى يَدِ غَاصِبٍ. (3)
قَال الْبُهُوتِيُّ: لأَِنَّهُ بِجَحْدِهِ خَرَجَ عَنِ الاِسْتِئْمَانِ فِيهَا، فَلَمْ يَزَل عَنْهُ الضَّمَانُ بِالإِْقْرَارِ
__________
(1) قُرَّة عُيُون الأَْخْيَار 2 / 262، وَالأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص 331، وَدُرَر الْحُكَّام 2 / 271، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 358.
(2) شَرْح الْمَجَلَّةِ للأتاسي 3 / 273، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 358.
(3) مجمع الأنهر 2 / 340، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 352، والبدائع 6 / 212، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 342، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 126، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 83، وَالْمُدَوَّنَة 15 / 151، والزرقاني عَلَى خَلِيل 6 / 119، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 258، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 195، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 454.

بِهَا، لأَِنَّ يَدَهُ صَارَتْ يَدَ عُدْوَانٍ. (1) وَقَال الْكَاسَانِيُّ: لأَِنَّ الْمَالِكَ لَمَّا طَلَبَ مِنْهُ الْوَدِيعَةَ، فَقَدْ عَزَلَهُ عَنِ الْحِفْظِ، وَالْمُودِعُ لَمَّا جَحَدَ الْوَدِيعَةَ حَال حَضْرَةِ الْمَالِكِ، فَقَدْ عَزَل نَفْسَهُ عَنِ الْحِفْظِ، فَانْفَسَخَ الْعَقْدُ، فَبَقِيَ مَال الْغَيْرِ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، فَإِذَا هَلَكَ تَقَرَّرَ الضَّمَانُ. (2)
غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ اشْتَرَطُوا لِتَضْمِينِهِ سَبْعَةَ شُرُوطٍ:
الأَْوَّل: أَنْ يُنْكِرَ الْوَدِيعُ أَصْل الإِْيدَاعِ، لأَِنَّهُ لَوِ ادَّعَى أَنَّ الْمَالِكَ وَهَبَهَا مِنْهُ أَوْ بَاعَهَا لَهُ، وَأَنْكَرَ صَاحِبُهَا ذَلِكَ، ثُمَّ هَلَكَتْ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ.
الثَّانِي: أَنْ يَقَعَ الإِْنْكَارُ بِحَضْرَةِ مَالِكِهَا، لأَِنَّ جُحُودَهَا عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِ حَال غَيْبَتِهِ مَعْدُودٌ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ وَالصِّيَانَةِ عُرْفًا وَعَادَةً، لأَِنَّ مَبْنَى الإِْيدَاعِ عَلَى السَّتْرِ وَالإِْخْفَاءِ، فَكَانَ الْجُحُودُ عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِ حَال غَيْبَتِهِ حِفْظًا مَعْنًى، فَلاَ يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ جُحُودُهَا بَعْدَ أَنْ طَلَبَ مَالِكُهَا أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ رَدَّهَا، لأَِنَّهُ لَوْ قَال
__________
(1) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 195.
(2) الْبَدَائِع 6 / 212.

لَهُ: مَا حَال وَدِيعَتِي عِنْدَكَ؟ لِيَشْكُرَهُ عَلَى حِفْظِهَا، فَجَحَدَهَا الْوَدِيعُ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَنْقُلَهَا الْوَدِيعُ مِنْ مَكَانِهَا زَمَنَ الْجُحُودِ، لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْقُلْهَا مِنْ مَكَانِهَا حَال إِنْكَارِهِ، فَهَلَكَتْ، لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ.
الْخَامِسُ: أَنْ تَكُونَ الْوَدِيعَةُ مَنْقُولاً. لأَِنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَقَارًا، فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُهَا بِالْجُحُودِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ قِيَاسًا عَلَى الْغَصْبِ، لِعَدَمِ تَصَوُّرِ غَصْبِ الْعَقَارِ عِنْدَهُمَا، خِلاَفًا لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي الأَْصَحِّ، لأَِنَّ الْغَصْبَ يَجْرِي فِيهِ عِنْدَهُ، فَلَوْ جَحَدَهُ كَانَ ضَامِنًا.
السَّادِسُ أَنْ لاَ يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَخَافُ عَلَيْهَا مِنْهُ. لأَِنَّهُ لَوْ جَحَدَهَا فِي وَجْهِ عَدُوٍّ يَخَافُ عَلَيْهَا التَّلَفَ إِنْ أَقَرَّ أَمَامَهُ، ثُمَّ هَلَكَتْ، فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُهَا، لأَِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ حِفْظَهَا لِمَالِكِهَا لاَ تَضْيِيعَهَا عَلَيْهِ.
السَّابِعُ: أَنْ لاَ يَحْضُرَهَا الْوَدِيعُ بَعْدَ جَحْدِهَا، لأَِنَّهُ لَوْ جَحَدَهَا، ثُمَّ أَحْضَرَهَا، فَقَال لَهُ صَاحِبُهَا: دَعْهَا وَدِيعَةً عِنْدَكَ. فَهَلَكَتْ، فَإِنْ أَمْكَنَ صَاحِبَهَا أَخْذُهَا، فَلَمْ يَأْخُذْهَا، فَلاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ، لأَِنَّهُ إِيدَاعٌ جَدِيدٌ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَخْذُهَا، ضَمِنَ، لأَِنَّهُ لَمْ يَتِمَّ الرَّدُّ (1) .
__________
(1) الْبَحْر الرَّائِق 7 / 277، وَمَجْمَع الأَْنْهُر وَالدَّرّ الْمُنْتَقَى 2 / 340، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 352، وَالْمَبْسُوط لِلسَّرْخَسِيَ 11 / 117.

وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ أَصْل تَضْمِينِهِ مَا لَوْ قَال الْوَدِيعُ: لاَ وَدِيعَةَ لأَِحَدٍ عِنْدِي. إِمَّا ابْتِدَاءً، وَإِمَّا جَوَابًا عَلَى سُؤَال غَيْرِ الْمَالِكِ، فَقَالُوا: لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، سَوَاءٌ جَرَى ذَلِكَ فِي حَضْرَةِ الْمَالِكِ أَوْ فِي غَيْبَتِهِ، لأَِنَّ إِخْفَاءَهَا أَبَلَغُ فِي حِفْظِهَا، بِخِلاَفِ مَا إِذَا طَلَبَهَا الْمَالِكُ فَجَحَدَهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ خَائِنًا ضَامِنًا.
فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهَا الْمَالِكُ، بَل قَال: لِي عِنْدَكَ وَدِيعَةٌ، فَسَكَتَ الْوَدِيعُ، لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ أَنْكَرَ لَمْ يَضْمَنْ أَيْضًا عَلَى الأَْصَحِّ، لأَِنَّهُ لَمْ يُمْسِكْهَا لِنَفْسِهِ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ فِي الإِْخْفَاءِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، كَأَنْ يُرِيدَ بِهِ زِيَادَةَ الْحِفْظِ، بِخِلاَفِ مَا بَعْدَ الطَّلَبِ. نَعَمْ، إِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ لَهُ غَرَضًا صَحِيحًا، كَمَا لَوْ طَلَبَهَا مِنْهُ صَاحِبُهَا بِحَضْرَةِ ظَالِمٍ خَشِيَ عَلَيْهِ مِنْهُ، فَجَحَدَهَا دَفْعًا لِلظَّالِمِ، لَمْ يَضْمَنْ، لأَِنَّهُ مُحْسِنٌ بِالْجَحْدِ حِينَئِذٍ. (1)
وَالأَْصْل فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ وَدِيعَةً ادُّعِيَتْ عِنْدَهُ، أَنْ يَكُونَ الْقَوْل قَوْلَهُ، وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي،
__________
(1) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 83، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 342، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 127.

وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ " (1) ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الْمُتَمَسِّكُ بِالأَْصْل، وَالأَْصْل أَنَّهُ لَمْ يُودِعْهُ، فَكَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ.
فَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِالإِْيدَاعِ، أَوِ اعْتَرَفَ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، طُولِبَ بِهَا (2) .
60 - وَفِي ضَمَانِ الْوَدِيعِ بَعْدَ الْجُحُودِ، إِذَا ادَّعَى تَلَفَ الْوَدِيعَةِ أَوْ رَدَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ، خِلاَفٌ لِلْفُقَهَاءِ وَتَفْصِيلٌ هَذَا بَيَانُهُ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا أَقَامَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الإِْيدَاعِ بَعْدَمَا جَحَدَ الْوَدِيعُ، وَأَقَامَ الْوَدِيعُ بَيِّنَةً عَلَى الْهَلاَكِ، فَيَنْظُرُ:
فَإِنْ جَحَدَ الْوَدِيعُ أَصْل الإِْيدَاعِ، بِأَنْ قَال لِلْمُودِعِ: لَمْ تُودِعْنِي شَيْئًا. فَالْوَدِيعُ ضَامِنٌ، وَبَيِّنَتُهُ عَلَى الْهَلاَكِ بَعْدَ الْجُحُودِ مَرْدُودَةٌ إِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى أَنَّهَا تَلِفَتْ بَعْدَ الْجُحُودِ، لأَِنَّهُ صَارَ بِالْجُحُودِ ضَامِنًا، وَهَلاَكُ الْمَضْمُونِ فِي يَدِ الضَّامِنِ يُقَرِّرُ عَلَيْهِ الضَّمَانَ. وَكَذَا إِذَا شَهِدُوا عَلَى أَنَّهَا تَلِفَتْ قَبْل جُحُودِهِ، لأَِنَّ الْبَيِّنَةَ لاَ تُقْبَل إِلاَّ بَعْدَ تَقَدُّمِ الدَّعْوَى، وَهُوَ مُتَنَاقِضٌ فِي كَلاَمِهِ، فَجُحُودُهُ أَصْل الإِْيدَاعِ يَمْنَعُهُ مِنْ
__________
(1) حَدِيث: " الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي. . . . " أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ (10 / 252 - ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) وَإِسْنَاده صَحِيح.
(2) الْمُهَذَّب 1 / 369، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 343.

دَعْوَى الْهَلاَكِ قَبْلَهُ، فَلِهَذَا لاَ تُقَبَل بَيِّنَتُهُ إِلاَّ أَنْ يُقِرَّ الْمُودِعُ بِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ لاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ، لأَِنَّ الإِْقْرَارَ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ، وَلأَِنَّ الْمُنَاقِضَ إِذَا صَدَّقَهُ خَصْمُهُ، كَانَ مَقْبُول الْقَوْل (1) .
وَإِنْ جَحَدَ الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ، بِأَنْ قَال: لَيْسَ لَكَ عِنْدِي وَدِيعَةٌ. ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا هَلَكَتْ بَعْدَ الْجُحُودِ أَوْ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ لاَ يَنْتَفِعُ بِبَيِّنَتِهِ، لأَِنَّ الْعَقْدَ ارْتَفَعَ بِالْجُحُودِ، فَدَخَلَتِ الْعَيْنُ فِي ضَمَانِهِ، وَالْهَلاَكُ بَعْدَ ذَلِكَ يُقَرِّرُ الضَّمَانَ، لاَ أَنَّهُ يُسْقِطُهُ.
وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا هَلَكَتْ قَبْل الْجُحُودِ، تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْهَلاَكَ قَبْل الْجُحُودِ، لِمَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، فَقَدْ ظَهَرَ انْتِهَاءُ الْعَقْدِ قَبْل الْجُحُودِ، فَلاَ يَرْتَفِعُ بِالْجُحُودِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْوَدِيعَةَ هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ، فَلاَ يَضْمَنُ (2) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا أَنْكَرَ الْوَدِيعُ أَصْل الإِْيدَاعِ عِنْدَ طَلَبِ الْوَدِيعَةِ، فَشَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِهِ، فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى رَدِّهَا، فَفِي قَبُول بَيِّنَتِهِ بِالرَّدِّ خِلاَفٌ مَشْهُورٌ.
__________
(1) الْمَبْسُوط 11 / 117، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 356.
(2) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 356، وَبَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 212، وَمَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 341، وَمِنْحَة الْخَالِقِ عَلَى الْبَحْرِ الرَّائِقِ 7 / 277.

فَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ: هُوَ ضَامِنٌ بِالْجُحُودِ، وَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ، وَلاَ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ بِالرَّدِّ، لأَِنَّهُ أَكْذَبَهَا بِدَعْوَاهُ عَدَمَ الاِسْتِيدَاعِ.
وَقِيل: يُقْبَل قَوْلُهُ. قَال اللَّخْمِيُّ: وَهُوَ أَحْسَنُ. لأَِنَّهُ يَقُول أَرْدْتُ بِالْجُحُودِ أَلاَّ أَتَكَلَّفَ بَيِّنَةً.
أَمَّا إِذَا لَمْ يُنْكِرْ أَصْل الإِْيدَاعِ، بَل قَال: مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ. فَالْبَيِّنَةُ بِالْبَرَاءَةِ تَنْفَعُهُ (1) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنِ ادَّعَى الْوَدِيعُ رَدَّ الْوَدِيعَةِ أَوْ تَلَفَهَا قَبْل الْجُحُودِ أَوْ بَعْدَهُ، نُظِرَ فِي صِيغَةِ جُحُودِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ أَصْل الإِْيدَاعِ لَمْ تَقْبَل دَعْوَاهُ الرَّدَّ لِتَنَاقُضِ كَلاَمِهِ وَظُهُورِ خِيَانَتِهِ، وَأَمَّا فِي دَعْوَى التَّلَفِ فَيُصَدَّقُ لَكِنَّهُ كَالْغَاضِبِ فَيَضْمَنُ، وَهَل يَتَّمَكَنُّ مِنْ تَحْلِيفِ الْمَالِكِ وَهَل تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الرَّدِّ أَوِ التَّلَفِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ؛ لاِحْتِمَالٍ أَنَّهُ نَسِيَ فَصَارَ كَمَنِ ادَّعَى وَقَال لاَ بَيِّنَةَ لِي، ثُمَّ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ فَتُسْمَعُ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالرَّدِّ أَوِ الْهَلاَكِ قَبْل الْجُحُودِ سَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ وَإِنْ قَامَتْ بِالْهَلاَكِ بَعْدَ الْجُحُودِ ضَمِنَ لِخِيَانَتِهِ.
__________
(1) الزُّرْقَانِيّ عَلَى خَلِيل 6 / 119، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 258.

وَإِنْ كَانَتْ صِيغَةُ جُحُودِهِ: لاَ يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْكَ، أَوْ مَا لَكَ عِنْدِي وَدِيعَةٌ أَوْ شَيْءٌ، صَدَقَ فِي دَعْوَى الرَّدِّ وَالتَّلَفِ؛ لأَِنَّهَا لاَ تُنَاقِضُ كَلاَمَهُ الأَْوَّل.
فَإِنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ كَانَ بَاقِيًا يَوْمَ الْجُحُودِ لَمْ يُصَدَّقْ فِي دَعْوَى الرَّدِّ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ وَإِنِ ادَّعَى الْهَلاَكَ فَكَالْغَاصِبِ إِذَا ادَّعَاهُ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ وَيَضْمَنُ (1) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا أَنْكَرَ وَدِيعٌ أَصْل الإِْيدَاعِ، فَقَال: لَمْ تُودِعْنِي. ثُمَّ أَقَرَّ بِالإِْيدَاعِ أَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ، فَادَّعَى رَدَّا أَوْ تَلَفًا سَابِقَيْنِ لِجُحُودِهِ، لَمْ يُقْبَل مِنْهُ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ صَارَ ضَامِنًا بِجُحُودِهِ، مُعْتَرِفًا عَلَى نَفْسِهِ بِالْكَذِبِ الْمُنَافِي لِلأَْمَانَةِ. وَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً، فَلاَ تُسْمَعُ، لِتَكْذِيبِهِ لَهَا بِجُحُودِهِ. وَإِنْ كَانَ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الرَّدِّ أَوِ التَّلَفِ بَعْدَ جُحُودِهِ، كَمَا لَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ بِالْوَدِيعَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَجَحَدَهَا، ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا يَوْمَ السَّبْتَ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ رَدَّهَا أَوْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ يَوْمَ الأَْرْبِعَاءِ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَتَهُ، قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ بِهِمَا، لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِمُكَذِّبٍ لَهَا. فَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَتُهُ بِرَدٍّ أَوْ تَلَفٍ بَعْدَ جُحُودِ الإِْيدَاعِ، وَلَمْ تُعَيَّنْ هَل ذَلِكَ التَّلَفُ أَوِ الرَّدُّ قَبْل جُحُودِهِ أَوْ بَعْدَهُ؟ لَمْ يَسْقُطِ الضَّمَانُ، لأَِنَّ وُجُوبَهُ
__________
(1) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 343.

مُتَحَقِّقٌ، لاَ يَنْتَفِي بِأَمْرٍ مُتَرَدَّدٍ فِيهِ.
وَأَمَّا إِذَا قَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِوَدِيعَةٍ لِمُدَّعِيهَا: مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ، أَوْ: لاَ تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا. فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالإِْيدَاعِ، أَوْ أَقَرَّ بِهِ الْوَدِيعُ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفًا أَوْ رَدًّا، كَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمُنَافٍ لِجَوَابِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَوْدَعَهُ، ثُمَّ تَلِفَتْ عِنْدَهُ بِلاَ تَفْرِيطٍ، أَوْ رَدَّهَا، فَلاَ يَكُونُ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ. وَلاَ تُقْبَل مِنْهُ دَعْوَى وُقُوعِ الرَّدِّ أَوِ التَّلَفِ بَعْدَ جُحُودِهِ، لاِسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ بِالْجُحُودِ، فَيُشْبِهُ الْغَاصِبَ. قَال الْبُهُوتِيُّ: قُلْتُ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةٌ (1) .

(ك) ـ تَضْيِيعُ الْوَدِيعَةِ
61 - الْمُرَادُ بِتَضْيِيعِ الْوَدِيعَةِ تَعْرِيضُهَا لِلذَّهَابِ وَالتَّوَى عَلَى صَاحِبِهَا، كَأَنْ يُلْقِيَهَا الْوَدِيعُ فِي مَفَازَةٍ، أَوْ يَجْعَلَهَا فِي غَيْرِ حِرْزِ مِثْلِهَا، أَوْ يُؤَخِّرَ إِحْرَازَهَا مَعَ التَّمَكُّنِ، فَتَهْلِكَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لَهَا. وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا بِالتَّحَرُّزِ عَنْ أَسْبَابِ التَّلَفِ، وَقَدْ أَتَى بِنَقِيضِ مَا الْتَزَمَ بِهِ مِنَ الْحِفْظِ، فَكَانَ ذَلِكَ طَرِيقًا إِلَى تَضْمِينِهِ (2) .
__________
(1) شَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 456، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 201، وَالْمُبْدِع 5 / 244.
(2) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 342 وَمَا بَعْدَهَا، فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ ص 218، 219، وَالْقَوَانِينِ الْفِقْهِيَّةِ ص 379، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 341، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 82، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 187.

وَأَنْوَاعُ التَّضْيِيعِ كَثِيرَةٌ لاَ تَنْحَصِرُ، وَالْمَرْجِعُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي مَعْرِفَةِ مَا يُعَدُّ تَضْيِيعًا لِلْوَدِيعَةِ وَمَا لاَ يُعَدُّ إِلَى الْعُرْفِ، وَإِنَّهُ لَيَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الأَْزْمِنَةِ وَالأَْمْكِنَةِ وَعَوَائِدِ النَّاسِ (1) .
وَقَدْ عَدَّ الشَّافِعِيَّةُ مِنْهُ الصُّوَرَ التَّالِيَةَ:
أ) مَا لَوْ وَقَعَتْ دَابَّةٌ فِي مَهْلَكَةٍ، وَهِيَ مَعَ وَدِيعٍ، فَتَرَكَ تَخْلِيصَهَا الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ كَبِيرُ كُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ، أَوْ ذَبَحَهَا بَعْدَ تَعَذُّرِ تَخْلِيصِهَا، فَمَاتَتْ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا (2) .
ب) أَنْ يَنَامَ الْوَدِيعُ عَنْهَا، وَهِيَ مَعَهُ فِي غَيْرِ حِرْزِ مِثْلِهَا، وَلَيْسَ مَعَهُ رُفْقَةٌ مُسْتَيْقِظُونَ يَحْفَظُونَهَا، فَتَضِيعَ (3) .
ج) أَنْ يَدُل الْوَدِيعُ عَلَيْهَا، أَوْ يُعْلِمَ بِهَا مَنْ يُصَادِرُ الْمَالِكَ وَيَأْخُذُ أَمْوَالَهُ، وَيُعَيِّنَ لَهُ مَوْضِعَهَا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِذَلِكَ (4) .
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 342، 343، 344، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 452، وَالْعُقُود الدُّرِّيَّة 2 / 75.
(2) تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 119.
(3) تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 119، والقليوبي 3 / 185.
(4) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 342، والقليوبي وَعَمِيرَة 3 / 185، وَكِفَايَة الأَْخْيَار 2 / 10.

وَعَدَّ الْحَنَابِلَةُ مِنَ التَّضْيِيعِ: مَا لَوْ سَلَّمَهَا الْوَدِيعُ بِطَرِيقِ الْخَطَأِ إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ صَاحِبُهَا فَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا، لأَِنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَى رَبِّهَا (1) .
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنَ التَّضْيِيعِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ مَا لَوْ دَل الْوَدِيعُ لِصًّا عَلَى مَكَانِ الْوَدِيعَةِ، فَسَرَقَهَا، وَذَلِكَ لإِِتْيَانِهِ بِنَقِيضِ مَا الْتَزَمَهُ مِنَ الْحِفْظِ (2) .
غَيْرَ أَنَّهُ جَاءَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ ضَمَانَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْوَدِيعِ وَاللِّصِّ، أَمَّا الْوَدِيعُ، فَلِمُنَافَاةِ دَلاَلَتِهِ لِلْحِفْظِ الْمَأْمُورِ بِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهُمَا لِغَيْرِهِ. وَأَمَّا اللِّصُّ، فَلأَِنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ لَهَا. وَعَلَى اللِّصِّ قَرَارُ الضَّمَانِ لِمُبَاشَرَتِهِ (3) .
وَهُنَاكَ صُورَتَانِ لِتَضْيِيعِ الْوَدِيعَةِ، اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَضْمِينِ الْوَدِيعِ بِهَا:
__________
(1) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 201، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 458.
(2) الْبَحْر الرَّائِق 7 / 275، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 346، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 496، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 342، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 120، وَحَاشِيَة الرَّمْلِيّ عَلَى أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 83، الزُّرْقَانِيّ عَلَى خَلِيلٍ مَعَ الْبُنَانِيّ 6 / 120، وَالْقَوَانِينِ الْفِقْهِيَّةِ ص 379، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 187.
(3) شَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ لِلْبَهُوتِي 2 / 452.

الصُّورَةُ الأُْولَى:
إِذَا أُكْرِهَ الْوَدِيعُ عَلَى تَسْلِيمِ الْوَدِيعَةِ لِغَاصِبٍ أَوْ ظَالِمٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَضْمِينِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي غَيْرِ الأَْصَحِّ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ لأَِنَّ الإِْكْرَاهَ عُذْرٌ يُبِيحُ دَفْعَهَا لِمَنْ أَكْرَهَهُ، فَكَانَ كَمَا لَوْ أُخِذَتْ مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ فِعْلٍ مِنْ جِهَتِهِ (1) .
الثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، وَهُوَ أَنَّ دَفْعَهَا إِلَيْهِ تَضْيِيعٌ مُوجِبٌ لِضَمَانِهِ.
ثُمَّ إِنَّ الْمَالِكَ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْوَدِيعَ، لِمُبَاشَرَتِهِ التَّسْلِيمَ ـ وَلَوْ مُضْطَرًّا، إِذْ لاَ يُؤَثِّرُ ذَلِكَ عَلَى ضَمَانِ الْمُبَاشِرِ ـ لأَِنَّهُ فَوَّتَ الْوَدِيعَةَ عَلَى صَاحِبِهَا، لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَنْفَقَهَا عَلَى نَفْسِهِ لِخَوْفِ التَّلَفِ مِنَ الْجُوعِ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْوَدِيعُ عَلَى الْمُكْرَهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا غَرِمَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الظَّالِمُ الْمُكْرَهَ (2) .
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: نِسْيَانُ الْوَدِيعَةِ، كَمَا إِذَا قَعَدَ
__________
(1) رَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 501، وَالدَّرّ الْمُنْتَقَى 2 / 345، وقليوبي عَمِيرَة 3 / 185، وَالْمُهَذَّب 1 / 369، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 200، وَالْمُغْنِي 9 / 280، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 458.
(2) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 342، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 121، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 83، والقليوبي عَلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ 3 / 185.

الْوَدِيعُ فِي طَرِيقٍ، وَهِيَ مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ فَنَسِيَهَا، أَوْ دَفَنَهَا بِحِرْزٍ ثُمَّ نَسِيَهُ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ كِيسُ دَرَاهِمَ وَدِيعَةً، فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ قَامَ وَنَسِيَهُ، فَضَاعَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَضْمِينِهِ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِلْحَنَفِيَّةِ وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ حَبِيبٍ وَمُطَرِّفٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَضْمَنُ الْوَدِيعَةَ، إِذَا ضَيَّعَهَا بِالنِّسْيَانِ. لأَِنَّ نِسْيَانَهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْوَدِيعَةِ. وَبِذَلِكَ أَفْتَى الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ وَابْنُ الْحَاجِّ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ (1) .
وَالثَّانِي: لِلْبَاجِيِّ وَالْعَبْدُوسِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ (2) ، قَال ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ: اخْتُلِفَ فِي الْمَذْهَبِ فِي ضَمَانِهَا بِالنِّسْيَانِ، مِثْل أَنْ يَنْسَاهَا فِي مَوْضِعِ إِيدَاعِهَا، أَوْ يَنْسَى مَنْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَيَدَّعِيَهَا رَجُلاَنِ.
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 342، 343، وَمَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 345، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 259، والزرقاني عَلَى خَلِيل 6 / 117، وَمَوَاهِب الْجَلِيل وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 256، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 342، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 119، والقليوبي وَعَمِيرَة 3 / 185، وَالْمُقْدِمَات الْمُمَهِّدَات 2 / 466.
(2) الزُّرْقَانِيّ عَلَى خَلِيل 6 / 117، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 256، 257، وَالْمُقْدِمَات الْمُمَهِّدَات 2 / 466 وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 256.

فَقِيل: يَحْلِفَانِ، وَتُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَقِيل: إِنَّهُ يَضْمَنُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا (1) .

(ل) ـ تَرْكُ تَعَهُّدِ الْوَدِيعَةِ:
62 - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَوْدَعَ دَابَّةً، فَلَمْ يَأْمُرْهُ صَاحِبُهَا بِسَقْيِهَا وَلاَ عَلْفِهَا وَلَمْ يَنْهَهُ، فَتَرَكَهَا دُونَ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا. (2)
قَال الْبُهُوتِيُّ: لأَِنَّ عَلْفَهَا وَسَقْيَهَا مِنْ كَمَال الْحِفْظِ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِالاِسْتِيدَاعِ، بَل هُوَ الْحِفْظُ بِعَيْنِهِ، إِذِ الْحَيَوَانُ لاَ يَبْقَى عَادَةً بِدُونِهِمَا، فَيَلْزَمَانِهِ (3) . وَقَال الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْبَغْدَادِيُّ: وَدَلِيلُنَا أَنَّ الْمُودِعَ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ الْوَدِيعَةِ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ حِرَاسَتَهَا فِيمَا يَعْلِفُهَا، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ رَآهَا فِي بِئْرٍ لَلَزِمَهُ رَدُّهَا عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَفِي تَرْكِ عَلْفِهَا تَلَفُهَا، فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ (4) .
وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا، لِمَا جَاءَ فِي قُرَّةِ عُيُونِ الأَْخْيَارِ نَقْلاً عَنِ الْحَاوِي
__________
(1) بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 312.
(2) الأُْمّ 4 / 60، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 113، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 78، وَالإِْشْرَاف لِلْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب 2 / 42، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 451، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 189.
(3) شَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 451.
(4) الإِْشْرَاف عَلَى مَسَائِل الْخِلاَفِ 2 / 42.

لِلزَّاهِدِيِّ: وَلَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِلاَ أَمْرٍ قَاضٍ، فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ. وَلَوْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا الْمُودِعُ حَتَّى هَلَكَتْ يَضْمَنُ، لَكِنَّ نَفَقَتَهَا عَلَى الْمُودِعِ (1) .
أَمَّا إِذَا نَهَاهُ مَالِكُهَا عَنْ سَقْيِهَا وَعَلْفِهَا، فَتَرَكَهَا بِدُونِ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ:
الأَْوَّل: لِلشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، لاِمْتِثَالِهِ أَمْرَ مَالِكِهَا، لأَِنَّ الضَّمَانَ إِنَّمَا يَجِبُ لِحَقِّ الْمَالِكِ، وَقَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَال لَهُ: اقْتُل دَابَّتِي. لَكِنَّهُ يَأْثَمُ بِذَلِكَ، لأَِنَّ لِلْحَيَوَانِ حُرْمَةً فِي نَفْسِهِ، لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى (2) .
الثَّانِي: لأَِبِي سَعِيدٍ الإِْصْطَخْرِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ: وَهُوَ أَنَّهُ يَضْمَنُهَا. إِذْ لاَ اعْتِبَارَ لِنَهْيِهِ، لأَِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ سَقْيُهَا وَعَلْفُهَا شَرْعًا لِحُرْمَةِ الرُّوحِ، فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ، صَارَ مُتَعَدِّيًا بِعِصْيَانِهِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ أَمْرُ مَالِكِهَا وَسُكُوتُهُ سَوَاءً (3) .
__________
(1) قُرَّة عُيُون الأَْخْيَار تَكْمِلَة رَدِّ الْمُحْتَارِ 2 / 261، وَانْظُرِ الدَّرّ الْمُخْتَار وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 4 / 501.
(2) تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 114، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 78، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 332، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 451، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 189، وَالْمُغْنِي 9 / 275.
(3) الْمُهَذَّب 1 / 368، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 332، والقليوبي 3 / 184، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 9 / 275.

كَذَلِكَ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ ثِيَابَ الصُّوفِ الَّتِي يُفْسِدُهَا الْعُثُّ، يَجِبُ عَلَى الْوَدِيعِ نَشْرُهَا وَتَعْرِيضُهَا لِلرِّيحِ، بَل يَلْزَمُهُ لُبْسُهَا إِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إِلاَّ بِأَنْ تُلْبَسَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل فَفَسَدَتْ، ضَمِنَ، سَوَاءً أَمَرَهُ الْمَالِكُ بِذَلِكَ أَوْ سَكَتَ (1) .
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، فَلَمْ يَرَوْا ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى الْوَدِيعِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا بِعَدَمِ ضَمَانِهِ لَوْ فَسَدَتْ. فَجَاءَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى: وَتَارِكُ نَشْرِ الصُّوفِ صَيْفًا فَعَثَّ، لَمْ يَضْمَنْ (2) . وَفِي الْعُقُودِ الدُّرِّيَّةِ لاِبْنِ عَابِدِينَ: الإِْنْسَانُ إِذَا اسْتَوْدَعَ عِنْدَهُ مَا يَقَعُ فِيهِ السُّوسُ فِي زَمَانِ الصَّيْفِ، فَلَمْ يُبَرِّدْهَا بِالْهَوَاءِ، حَتَّى وَقَعَ فِيهِ السُّوسُ وَفَسَدَ، لاَ يَضْمَنُ (3) .
أَمَّا إِذَا نَهَاهُ صَاحِبُهَا عَنْ نَشْرِهَا وَتَعْرِيضِهَا لِلرِّيحِ، فَامْتَنَعَ حَتَّى فَسَدَتْ، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ امْتِثَالُهُ، لَكِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ (4) .
__________
(1) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 334، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 115، وَمَا بَعْدَهَا، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 79، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 454.
(2) الدَّرّ الْمُنْتَقَى فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى 2 / 345.
(3) الْعُقُود الدُّرِّيَّة 2 / 80، وَانْظُرِ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 344.
(4) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 79، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 334.

(م) ـ نَقْل الْوَدِيعَةِ:
63 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَضْمِينِ الْوَدِيعِ بِنَقْل الْوَدِيعَةِ مِنْ مَحَلَّةٍ إِلَى أُخْرَى أَوْ مِنْ دَارٍ إِلَى أُخْرَى وَنَحْوَ ذَلِكَ إِذَا أَطْلَقَ الْمَالِكُ مَوْضِعَ الإِْحْرَازِ، فَلَمْ يُعَيِّنْ مَكَانًا لَهُ، وَذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا نَقَل الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ ضَمِنَ، لِتَعَدِّيهِ بِذَلِكَ أَمَّا إِذَا نَقَلَهَا مِنْ مَنْزِلٍ لآِخَرَ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ (1) . وَقَدْ جَاءَ فِي التَّاجِ وَالإِْكْلِيل: عَنْ أَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ: مَنْ أَوْدَعَ جِرَارًا فِيهَا إِدَامٌ، أَوْ قَوَارِيرَ فِيهَا دُهْنٌ، فَنَقَلَهَا مِنْ مَوْضِعٍ فِي بَيْتِهِ إِلَى مَوْضِعٍ، فَانْكَسَرَتْ فِي مَوْضِعِهَا ذَلِكَ، لَمْ يَضْمَنْهَا (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا نَقَل الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ ـ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ـ مِنْ مَحَلَّةٍ أَوْ دَارٍ إِلَى أُخْرَى دُونَهَا فِي الْحِرْزِ، وَإِنْ كَانَ حِرْزَ مِثْلِهَا، ضَمِنَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ سَوَاءٌ أَنَهَاهُ عَنِ الْفِعْل أَمْ عَيَّنَ لَهُ تِلْكَ الْمَحَلَّةَ أَمْ أَطْلَقَ، لأَِنَّهُ عَرَّضَهَا لِلتَّلَفِ بِذَلِكَ، سَوَاءٌ أُتْلِفَتْ بِسَبَبِ النَّقْل أَمْ لاَ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ دُونَهَا فِيهِ، بِأَنْ كَانَتْ مِثْلَهَا فِيهِ أَوْ أَحْرَزَ مِنْهَا، فَلاَ يَضْمَنُ.
__________
(1) الْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص 379.
(2) التَّاج وَالإِْكْلِيل للمواق 5 / 250.

وَلَوْ نَقَلَهَا مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الأَْوَّل أُحْرِزَ، إِلاَّ أَنْ يَنْقُلَهَا بِنِيَّةِ التَّعَدِّي.
وَكَذَا لاَ يَضْمَنُ إِذَا نَقَلَهَا مِنْ حِرْزٍ إِلَى مِثْلِهِ أَوْ فَوْقِهِ، وَلَوْ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، لاَ سَفَرَ بَيْنَهُمَا وَلاَ خَوْفَ، إِذْ لاَ يَتَفَاوَتُ الْغَرَضُ بِذَلِكَ، فَهُوَ كَمَا لَوِ اكْتَرَى أَرْضًا لَزَرَعَ حِنْطَةً، فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ مَا ضَرَرُهُ مِثْل ضَرَرِهَا وَدُونَهُ (1) .
وَقَدْ جَاءَ فِي الأُْمِّ لِلشَّافِعِيِّ: وَلَوِ اسْتَوْدَعَهُ إِيَّاهَا فِي قَرْيَةٍ آهِلَةٍ، فَانْتَقَل إِلَى قَرْيَةٍ غَيْرِ آهِلَةٍ، أَوْ فِي عِمْرَانٍ مِنَ الْقَرْيَةِ، فَانْتَقَل إِلَى خَرَابٍ مِنَ الْقَرْيَةِ، وَهَلَكَتْ، ضَمِنَ فِي الْحَالَيْنِ.
وَلَوِ اسْتَوْدَعَهُ إِيَّاهَا فِي خَرَابٍ، فَانْتَقَل إِلَى عِمَارَةٍ، أَوْ فِي مُخَوِّفٍ، فَانْتَقَل إِلَى مَوْضِعٍ آمِنٍ، لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، لأَِنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا (2) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا أَوْدَعَهُ وَدِيعَةً، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ مَوْضِعَ إِحْرَازِهَا، فَإِنَّ الْوَدِيعَ يَحْفَظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا، أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ. فَإِنْ وَضَعَهَا فِي حِرْزٍ، ثُمَّ نَقَلَهَا عَنْهُ إِلَى حِرْزِ مِثْلِهَا، لَمْ
__________
(1) الْقَلْيُوبِيّ وَعَمِيرَة 3 / 183، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 331، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 78، تُحْفَة الْمُحْتَاج وَحَاشِيَة الْعِبَادِيّ عَلَيْهِ 7 / 111، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 84.
(2) الأُْمّ 4 / 61.

يَضْمَنْهَا، سَوَاءٌ نَقَلَهَا إِلَى مِثْل الأَْوَّل أَوْ دُونَهُ، لأَِنَّ رَبَّهَا رَدَّ حِفْظَهَا إِلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ، وَأُذِنَ لَهُ فِي إِحْرَازِهَا بِمَا شَاءَ مِنْ إِحْرَازِ مِثْلِهَا، وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ (1) .
وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، إِذِ الأَْصْل عِنْدَهُمْ أَنَّ الأَْمْرَ بِحِفْظِ الْوَدِيعَةِ إِذَا صَدَرَ مِنْ صَاحِبِهَا مُطْلَقًا عَنْ تَعْيِينِ الْمَكَانِ، فَلاَ يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ (2) .

(ن) ـ تَجْهِيل الْوَدِيعَةِ:
64 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْوَدِيعَ إِذَا مَاتَ، وَوُجِدَتِ الْوَدِيعَةُ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا فِي تَرِكَتِهِ، فَهِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَارِثِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا لِمَالِكِهَا، لأَِنَّهَا عَيْنُ مَالِهِ، وَمَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا (3) .
أَمَّا إِذَا مَاتَ الْوَدِيعُ مُجَهِّلاً حَال الْوَدِيعَةِ، وَلَمْ تُوجَدْ فِي تَرِكَتِهِ، وَلَمْ تُعَرِّفْهَا الْوَرَثَةُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِالتَّجْهِيل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ مَنْعٌ لِلْوَدِيعَةِ عَنْ رَبِّهَا ظُلْمًا. وَعَلَى ذَلِكَ تَصِيرُ دَيْنًا وَاجِبَ الأَْدَاءِ مِنْ تَرِكَتِهِ كَبَاقِي الدُّيُونِ،
__________
(1) الْمُغْنِي 9 / 265، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 187، وَالْمُبْدِع 5 / 234.
(2) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 209.
(3) الإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 255، وَالْمَادَّة (801) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّة.

وَيُشَارِكُ الْمُودِعُ سَائِرَ غُرَمَاءِ الْوَدِيعِ فِيهَا (1) .
وَقَدْ عَلَّل الْحَنَابِلَةُ تَضْمِينَهُ بِأَنَّ الْوَدِيعَةَ يَجِبُ رَدُّهَا لِصَاحِبِهَا، إِلاَّ أَنْ يَثْبُتَ سُقُوطُ الرَّدِّ بِالتَّلَفِ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّي الْوَدِيعِ أَوْ تَفْرِيطِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، فَيَبْقَى عَلَيْهِ الرَّدُّ، إِذْ لَمْ يُوجَدْ مَا يُزِيلُهُ.
وَعَلَّل الْكَاسَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ مُجَهِّلاً لِلْوَدِيعَةِ، فَقَدْ أَتْلَفَهَا مَعْنًى، لِخُرُوجِهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهَا فِي حَقِّ الْمَالِكِ بِالتَّجْهِيل، وَهُوَ تَفْسِيرُ الإِْتْلاَفِ (2) .
وَقَال السَّرَخْسِيُّ: أَصْل الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الأَْمِينَ إِذَا مَاتَ مُجَهِّلاً لِلأَْمَانَةِ، فَالأَْمَانَةُ تَصِيرُ دَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ عِنْدَنَا، لأَِنَّهُ بِالتَّجْهِيل صَارَ مُتَمَلِّكًا لَهَا، فَإِنَّ الْيَدَ الْمَجْهُولَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ تَنْقَلِبُ يَدَ مِلْكٍ، وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِهَا، كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ، حَتَّى يَقْضِيَ الْقَاضِي لِلْوَارِثِ بِهَا، وَالْوَدِيعُ بِالتَّمَلُّكِ يَصِيرُ ضَامِنًا. وَلأَِنَّهُ بِالتَّجْهِيل يَصِيرُ مُسَلِّطًا غُرَمَاءَهُ وَوَرَثَتَهُ عَلَى أَخْذِهَا، وَالْوَدِيعُ بِمِثْل هَذَا التَّسْلِيطِ يَصِيرُ ضَامِنًا،كَمَا لَوْ دَل سَارِقًا عَلَى سَرِقَتِهَا، وَلأَِنَّهُ
__________
(1) الْبَحْر الرَّائِق 7 / 275، وَالْعُقُود الدُّرِّيَّة 2 / 72، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 495، وَمَا بَعْدَهَا، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 458، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 198، وَالْمُغْنِي 9 / 269، 270.
(2) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 213.

الْتَزَمَ أَدَاءَ الأَْمَانَةِ، وَمِنْ أَدَاءِ الأَْمَانَةِ بَيَانُهَا عِنْدَ الْمَوْتِ، وَرَدُّهَا عَلَى الْمَالِكِ إِذَا طَلَبَ، فَكَمَا يَضْمَنُ بِتَرْكِ الرَّدِّ بَعْدَ الطَّلَبِ، يَضْمَنُ أَيْضًا بِتَرْكِ الْبَيَانِ عِنْدَ الْمَوْتِ (1) .
وَقَدْ شَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ فِي التَّجْهِيل الْمُفْضِي لِلضَّمَانِ شَرْطَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا: عَدَمُ بَيَانِ الْوَدِيعِ حَال الْوَدِيعَةِ قَبْل مَوْتِهِ.
وَالثَّانِي: عَدَمُ مَعْرِفَةِ الْوَارِثِ بِالْوَدِيعَةِ. وَلِذَا قَال فِي الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ: وَالْوَدِيعُ إِنَّمَا يَضْمَنُ بِالتَّجْهِيل إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْوَارِثُ الْوَدِيعَةَ. أَمَّا إِذَا عَرَفَ الْوَارِثُ الْوَدِيعَةَ، وَالْوَدِيعُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْلَمُ، وَمَاتَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ، لَمْ يَضْمَنْ (2) .
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، فَلَمْ يَذْكُرُوا تَجْهِيل الْوَدِيعَةِ ضِمْنَ مُوجِبَاتِ ضَمَانِهَا، وَذَكَرُوا نَحْوَهُ مُوجِبًا آخَرَ سَمَّوْهُ " تَرْكَ الإِْيصَاءِ بِالْوَدِيعَةِ ".
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا مَاتَ الْوَدِيعُ، وَعِنْدَهُ وَدَائِعُ لَمْ تُوجَدْ فِي تَرِكَتِهِ، وَلَمْ يُوصِ بِهَا، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا، أَيْ يُؤْخَذُ عِوَضُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ. وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّهَا لَوْ ضَاعَتْ فِي يَدِهِ لَتَحَدَّثَ
__________
(1) الْمَبْسُوط 11 / 129.
(2) الأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيمِ ص 326، 327، وَالْبَحْرِ الرَّائِقِ 7 / 275، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 496.

بِهَا، فَمِنْ أَجْل ذَلِكَ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ تَسَلَّفَهَا. قَال مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً هَلَكَ بِبَلَدِ، وَقِبَلَهُ قَرْضُ دَنَانِيرَ وَقِرَاضٌ وَوَدَائِعُ، فَلَمْ يُوجَدْ لِلْوَدَائِعِ وَلاَ لِلْقِرَاضِ سَبَبٌ، وَلَمْ يُوصِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَال: أَهْل الْقِرَاضِ وَأَهْل الْوَدَائِعِ وَالْقَرْضِ يَتَحَاصُّونَ فِي جَمِيعِ مَالِهِ عَلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ (1) .
قَالُوا: وَذَلِكَ مَا لَمْ تَتَقَادَمْ كَعَشْرِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ الإِْيدَاعِ، إِذْ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، لأَِنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ رَدَّهَا لِرَبِّهَا. وَقَدْ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْوَدِيعَةُ ثَابِتَةً بِإِشْهَادٍ مَقْصُودٍ بِهِ التَّوَثُّقُ. فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ عِنْدَ الإِْيدَاعِ مَقْصُودَةً لِلتَّوَثُّقِ، أَوْ بَيِّنَةٌ عَلَيْهِ بِهَا بَعْدَ إِنْكَارِهِ، فَلاَ يَسْقُطُ الضَّمَانُ بِطُول الزَّمَانِ.
أَمَّا إِذَا أَوْصَى بِهَا، فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُهَا. فَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً أَخَذَهَا رَبُّهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا مَرِضَ الْوَدِيعُ مَرَضًا مُخَوِّفًا، أَوْ حُبِسَ لِلْقَتْل لَزِمَهُ أَنْ يُوصِيَ بِالْوَدِيعَةِ، فَإِنْ سَكَتَ عَنْهَا ضَمِنَ لأَِنَّهُ عَرَّضَهَا
__________
(1) الْمُدَوَّنَة 15 / 149.
(2) الزُّرْقَانِيّ عَلَى خَلِيل وَحَاشِيَة الْبُنَانِيّ عَلَيْهِ 6 / 120، وَمَوَاهِب الْجَلِيل وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 259.

لِلْفَوَاتِ، إِذِ الْوَارِثُ يَعْتَمِدُ ظَاهِرَ الْيَدِ وَيَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ.
وَالْمُرَادُ بِالْوَصِيَّةِ الإِْعْلاَمُ وَالأَْمْرُ بِالرَّدِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ يَدِهِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَصِيَّةِ أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْجِزَ عَنِ الرَّدِّ إِلَى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ، وَحِينَئِذٍ يُودِعُ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ يُوصِي إِلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ فَيُودِعُ عِنْدَ أَمِينٍ أَوْ يُوصِي إِلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنْ يُوصِيَ إِلَى أَمِينٍ، فَإِذَا أَوْصَى إِلَى فَاسِقٍ كَانَ كَمَا لَوْ لَمْ يُوصِ فَيَضْمَنُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُبَيِّنَ الْوَدِيعَةَ وَيُمَيِّزَهَا عَنْ غَيْرِهَا بِإِشَارَةٍ إِلَيْهَا أَوْ بِبَيَانِ جِنْسِهَا وَصِفَتِهَا، فَلَوْ قَال عِنْدِي وَدِيعَةٌ فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يُوصِ. هَذَا إِذَا تَمَكَّنَ مِنَ الإِْيدَاعِ أَوِ الْوَصِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ بِأَنْ قُتِل غِيلَةً أَوْ مَاتَ فَجْأَةً فَلاَ ضَمَانَ. (1)
وَمَحَل وُجُوبِ الإِْيصَاءِ عَلَى الْوَدِيعِ وَلُزُومُ الضَّمَانِ بِتَرْكِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ عَلَيْهَا. أَمَّا إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ بَاقِيَةٌ عَلَى الْوَدِيعَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلاَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، كَالْوَصِيَّةِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِتَرْكِهِ (2) .
__________
(1) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 329 وَمَا بَعْدَهَا.
(2) تُحْفَة الْمُحْتَاج وَحَاشِيَة الشرواني عَلَيْهِ 7 / 109، وَمَا بَعْدَهَا وَأَسْنَى الْمَطَالِب وَحَاشِيَة الرَّمْلِيّ عَلَيْهِ 3 / 77، وَمَا بَعْدَهَا، كِفَايَة الأَْخْيَار 2 / 8، والقليوبي وَعَمِيرَة 3 / 183، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 329 وَمَا بَعْدَهَا.

(س) ـ الْمُخَالَفَةُ فِي كَيْفِيَّةِ الْحِفْظِ:
65 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُعْتَبَرُ مُخَالَفَةً لأَِمْرِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ فِي كَيْفِيَّةِ الْحِفْظِ وَذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ الآْتِي:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ إِذَا اشْتَرَطَ عَلَى الْوَدِيعِ شَرْطًا يَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ حِفْظِهَا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِبَارُهُ وَالْعَمَل بِهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّرْطُ مُفِيدًا وَمُرَاعَاتُهُ مُمْكِنَةً. أَمَّا إِذَا كَانَ غَيْرَ مُفِيدٍ، أَوْ كَانَ مُفِيدًا لَكِنَّ مُرَاعَاتَهُ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، فَهُوَ لَغْوٌ لاَ يَلْزَمُهُ الْعَمَل بِهِ.
فَإِذَا أَمَرَهُ بِالْحِفْظِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسِكَ الْوَدِيعَةَ بِيَدِهِ لَيْلاً وَنَهَارًا، وَلاَ يَضَعَهَا، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، حَتَّى لَوْ وَضَعَهَا فِي بَيْتِهِ أَوْ فِيمَا يُحْرِزُ فِيهِ مَالَهُ عَادَةً، فَضَاعَتْ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ لأَِنَّ إِمْسَاكَ الْوَدِيعَةِ بِيَدِهِ، بِحَيْثُ لاَ يَضَعُهَا أَصْلاً غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ عَادَةً، فَكَانَ شَرْطًا لاَ يُمْكِنُ مُرَاعَاتُهُ، فَيَلْغُو.
وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْحِفْظِ، وَنَهَاهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى امْرَأَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ الَّذِي هُوَ فِي عِيَالِهِ أَوْ مَنْ يَحْفَظُ مَال نَفْسِهِ بِيَدِهِ عَادَةً، نَظَرَ فِيهِ: إِنْ كَانَ لاَ يَجِدُ

بُدًّا مِنَ الدَّفْعِ إِلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ، لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ الدَّفْعِ إِلَيْهِ، كَانَ النَّهْيُ عَنِ الدَّفْعِ إِلَيْهِ نَهْيًا عَنِ الْحِفْظِ، فَكَانَ سَفَهًا، فَلاَ يَصِحُّ نَهْيُهُ.
وَإِنْ كَانَ يَجِدُ بُدًّا مِنَ الدَّفْعِ إِلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ، وَلَوْ دَفَعَ يَدْخُل فِي ضَمَانِهِ، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ فِي الدَّفْعِ إِلَيْهِ، أَمْكَنَ اعْتِبَارُ الشَّرْطِ، وَهُوَ مُفِيدٌ، لأَِنَّ الأَْيْدِيَ فِي الْحِفْظِ مُتَفَاوِتَةٌ، وَالأَْصْل فِي الشُّرُوطِ اعْتِبَارُهَا مَا أَمْكَنَ.
وَلَوْ قَال لَهُ: لاَ تُخْرِجْهَا مِنْ هَذَا الْبَلَدِ. فَخَرَجَ بِهَا، تَدْخُل فِي ضَمَانِهِ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ، وَهُوَ مُفِيدٌ، لأَِنَّ الْحِفْظَ فِي السَّفَرِ مَوْضِعُ الْخَطَرِ، إِلاَّ إِذَا خَافَ التَّلَفَ عَلَيْهَا، فَاضْطَرَّ إِلَى الْخُرُوجِ بِهَا فَخَرَجَ، لاَ تَدْخُل فِي ضَمَانِهِ، لأَِنَّ الْخُرُوجَ بِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ طَرِيقٌ مُتَعَيَّنٌ لِلْحِفْظِ، كَمَا إِذَا وَقَعَ فِي دَارِهِ حَرِيقٌ، أَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ، فَخَافَ الْغَرَقَ، فَدَفَعَهَا إِلَى غَيْرِهِ.
وَلَوْ قَال لَهُ: احْفَظِ الْوَدِيعَةَ فِي دَارِكَ هَذِهِ. فَحَفِظَهَا فِي دَارٍ لَهُ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَتِ الدَّارَانِ فِي الْحِرْزِ سَوَاءً، أَوْ كَانَتِ الثَّانِيَةُ أَحْرَزَ، لاَ تَدْخُل فِي ضَمَانِهِ، لأَِنَّ التَّقْيِيدَ غَيْرُ مُفِيدٍ. وَإِنْ كَانَتِ الأُْولَى أَحْرَزَ مِنَ الثَّانِيَةِ، دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ، لأَِنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ عِنْدَ تَفَاوُتِ الْحِرْزِ

مُفِيدٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَضَعَهَا فِي دَارِهِ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَنَهَاهُ عَنْ أَنْ يَضَعَهَا فِي دَارِهِ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيل (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا عَيَّنَ لَهُ رَبُّ الْوَدِيعَةِ الْحِرْزَ، فَقَال لَهُ: احْفَظْهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ، أَوْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَعَلَيْهِ حِفْظُهَا فِيهِ، فَإِنْ نَقَلَهَا إِلَى مَا دُونَهُ ضَمِنَ، لأَِنَّ مَنْ رَضِيَ حِرْزًا، لَمْ يَرْضَ بِمَا دُونَهُ.
وَإِنْ نَقَلَهَا إِلَى مِثْلِهِ أَوْ إِلَى مَا هُوَ أَحْرَزُ مِنْهُ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ تَعْيِينَ الْحِرْزِ يَقْتَضِي الإِْذْنَ فِي مِثْلِهِ، وَفِيمَا هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الأَْوْلَى (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا خَالَفَ الْوَدِيعُ فِي وَجْهِ الْحِفْظِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنَ الْمُودِعِ، بِأَنْ أَمَرَهُ بِحِفْظِ الْوَدِيعَةِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، فَعَدَل إِلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَتَلِفَتْ، فَيُنْظَرُ: فَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ سَبَبِ الْمُخَالَفَةِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ وَقْعَ التَّلَفُ بِسَبَبِ الْمُخَالَفَةِ ضَمِنَ، إِذَا كَانَتِ الْمُخَالَفَةُ تَقْصِيرًا. وَذَلِكَ لِحُصُول التَّلَفِ
__________
(1) الْبَدَائِع 6 / 209، 210، وَانْظُرِ الْمَبْسُوط 11 / 121، وَمَجْمَع الأَْنْهُر وَالدَّرّ الْمُنْتَقَى 2 / 343، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 279، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 341.
(2) الزُّرْقَانِيّ عَلَى خَلِيل 6 / 116، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 256، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 255، 256، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص 379.

مِنْ جِهَةِ مُخَالَفَتِهِ وَتَقْصِيرِهِ.
وَعَلَى ذَلِكَ قَالُوا: لَوْ كَانَتِ الْوَدِيعَةُ فِي صُنْدُوقٍ، وَقَال رَبُّ الْوَدِيعَةِ: لاَ تَرْقُدْ عَلَى الصُّنْدُوقِ، فَرَقَدَ عَلَيْهِ، وَانْكَسَرَ بِثِقْلِهِ، وَتَلِفَ مَا فِيهِ، ضَمِنَ لِمُخَالَفَتِهِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى التَّلَفِ، وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ ثِقْلِهِ، فَلاَ يَضْمَنُ عَلَى الصَّحِيحِ، لأَِنَّ التَّلَفَ لَمْ يَأْتِ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِ. وَكَذَا لَوْ قَال لَهُ: لاَ تَقْفِل عَلَيْهَا. فَخَالَفَ، فَقَفَل. أَوْ: لاَ تَقْفِل عَلَيْهَا إِلاَّ قُفْلاً وَاحِدًا. فَقَفَل عَلَيْهَا قُفْلَيْنِ، فَلاَ يَضْمَنُ فِي الْحَالَيْنِ، لأَِنَّهُ زَادَ فِي الْحِفْظِ، وَلَمْ يَأْتِ التَّلَفُ مِمَّا عُدِل إِلَيْهِ.
أَمَّا إِذَا خَالَفَ فِي الْمَوْقِعِ الَّذِي عَيَّنَهُ لَهُ، بِأَنْ أَوْدَعَهُ دَابَّةً، وَقَال لَهُ: اجْعَلْهَا فِي بَيْتِكَ. فَنَقَلَهَا إِلَى مَا دُونَهُ، ضَمِنَ ـ حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْمَنْقُول إِلَيْهِ حِرْزًا لِمِثْلِهَا ـ لأَِنَّ مَنْ رَضِيَ حِرْزًا، لَمْ يَرْضَ بِمَا دُونَهُ. وَإِنْ نَقَلَهَا إِلَى مِثْلِهِ أَوْ إِلَى مَا هُوَ أَحْرَزُ مِنْهُ، فَمَاتَتْ فَجْأَةً أَوْ بِمَرَضٍ أَوْ نَحْوَهُ، لَمْ يَضْمَنْ، لأَِنَّ مَنْ رَضِيَ حِرْزًا، رَضِيَ مِثْلَهُ وَمَا هُوَ أَحْرَزُ مِنْهُ. وَإِنِ انْهَدَمَ عَلَيْهَا الْحِرْزُ الْمُمَاثِل لِبَيْتِهِ أَوِ الأَْحْرَزُ مِنْهُ، أَوْ سُرِقَتْ مِنْهُ، ضَمِنَ لِلْمُخَالَفَةِ، لأَِنَّ التَّلَفَ حَصَل بِهَا.
وَلَوْ نَهَاهُ الْمُودِعُ عَنْ نَقْلِهَا مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي عَيَّنَهُ، فَنَقَلَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ضَمِنَ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْمَكَانُ الْمَنْقُول إِلَيْهِ أَحْرَزَ مِنْهُ، وَذَلِكَ

لِصَرِيحِ الْمُخَالَفَةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. فَإِنْ كَانَ النَّقْل لِضَرُورَةٍ ـ كَخَوْفِ حَرِيقٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ غَلَبَةِ لُصُوصٍ ـ لَمْ يَضْمَنْ، لِتَعَيُّنِ حِفْظِهَا بِنَقْلِهَا. بَل يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْلُهَا إِلَى حِرْزِ مِثْلِهَا إِنْ وُجِدَ، وَإِلاَّ فَلِدُونِهِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ سِوَاهُ. فَلَوْ تَرَكَ النَّقْل فِي ذَلِكَ الْحَال ضَمِنَ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ قَصَدَ بِالنَّهْيِ عَنِ النَّقْل الاِحْتِيَاطَ فِي حِفْظِهَا، وَالاِحْتِيَاطُ فِي هَذِهِ الْحَال أَنْ تُنْقَل، فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ.
أَمَّا إِذَا قَال لَهُ: لاَ تَنْقُلْهَا وَإِنْ وَقَعَ خَوْفٌ، فَلاَ يَنْقُلُهَا وَإِنْ وَقَعَ الْخَوْفُ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ نَقْلِهَا حِينَئِذٍ، لأَِنَّ نَهْيَهُ عَنْهُ مَعَ خَوْفِ الْهَلاَكِ أَبْرَأَ الْوَدِيعَ مِنَ الضَّمَانِ، إِذِ الضَّمَانُ إِنَّمَا يَجِبُ لِحَقِّ صَاحِبِهَا، فَسَقَطَ بِقَوْلِهِ. وَإِنْ نَقَلَهَا الْوَدِيعُ، لَمْ يَضْمَنْ أَيْضًا، لأَِنَّ قَصْدَهُ الصِّيَانَةُ (1) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا عَيَّنَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ الْحِرْزَ، بِأَنْ قَال: احْفَظْهَا بِهَذَا الْبَيْتِ أَوِ الْحَانُوتِ، فَأَحْرَزَهَا بِدُونِهِ رُتْبَةً فِي الْحِفْظِ، فَضَاعَتْ، ضَمِنَ لِمُخَالَفَتِهِ، لأَِنَّ الْبُيُوتَ وَالْحَوَانِيتَ تَخْتَلِفُ فِي دَرَجَةِ الْحِفْظِ. وَحَتَّى لَوْ رَدَّهَا إِلَى
__________
(1) تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 116 وَمَا بَعْدَهَا، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 337 ـ 341 وَالأُْمّ 4 / 61، والقليوبي وَعَمِيرَة 3 / 184، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 80 وَمَا بَعْدَهَا.

الْحِرْزِ الْمُعَيَّنِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَلِفَتْ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِتَعَدِّيهِ بِوَضْعِهَا فِي الدُّونِ أَوَّلاً، فَلاَ تَعُودُ أَمَانَةً إِلاَّ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
أَمَّا إِذَا أَحْرَزَهَا بِمِثْل الْحِرْزِ الْمُعَيَّنِ أَوْ فَوْقَهُ فِي الْحِفْظِ، وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَلاَ يَضْمَنُ الْوَدِيعَةَ إِنْ تَلِفَتْ. لأَِنَّ تَعْيِينَ الْحِرْزِ يَقْتَضِي الإِْذْنَ فِي مِثْلِهِ، وَفِيمَا هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ بِالأَْوْلَى. فَإِنْ نَهَاهُ رَبُّ الْوَدِيعَةِ عَنْ إِخْرَاجِهَا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي عَيَّنَهُ لِحِفْظِهَا، فَأَخْرَجَهَا لِغَشَيَانِ شَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلاَكُ، كَحَرِيقٍ وَنَهْبٍ، فَتَلِفَتْ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِنَقْلِهَا إِنْ وَضَعَهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهِ أَوْ فَوْقَهُ، لأَِنَّ نَقْلَهَا تَعَيَّنَ حِفْظًا لَهَا، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا. فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ مِثْل حِرْزِهَا الأَْوَّل أَوْ فَوْقَهُ، فَأَحْرَزَهَا بِمَا هُوَ دُونَهُ فِي الْحِفْظِ، فَتَلِفَتْ بِهِ، لَمْ يَضْمَنْ، لأَِنَّ ذَلِكَ أَحْفَظُ لَهَا مِنْ تَرْكِهَا بِمَكَانِهَا، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ سِوَاهُ. وَإِنْ تَرَكَهَا فِي مَكَانِهَا مَعَ غَشَيَانِ مَا الْغَالِبُ مَعَهُ الْهَلاَكُ فَتَلِفَتْ، ضَمِنَ، لأَِنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا، حَيْثُ إِنَّ حِفْظَهَا فِي نَقْلِهَا، وَتَرْكَهَا تَضْيِيعٌ لَهَا. وَمِثْل ذَلِكَ مَا لَوْ أَخْرَجَهَا لِغَيْرِ خَوْفٍ مِنْ حِرْزٍ نَهَاهُ مَالِكُهَا عَنْ إِخْرَاجِهَا مِنْهُ فَتَلِفَتْ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ سَوَاءً أَخْرَجَهَا إِلَى مِثْلِهِ أَوْ أَحْرَزَ مِنْهُ، لِمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ صَاحِبِهَا بِلاَ حَاجَةٍ.

فَإِنْ قَال لَهُ مَالِكُهَا: لاَ تُخْرِجْهَا، وَإِنْ خِفْتَ عَلَيْهَا. فَحَصَل خَوْفٌ وَأَخْرَجَهَا خَوْفًا عَلَيْهَا، أَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا، فَتَلِفَتْ ـ مَعَ إِخْرَاجِهَا أَوْ تَرْكِهِ ـ لَمْ يَضْمَنْهَا. لأَِنَّهُ إِنْ تَرَكَهَا، فَهُوَ مُمْتَثِلٌ أَمْرَ صَاحِبِهَا، فَكَانَ مَأْذُونًا فِي تَرْكِهَا فِي تِلْكَ الْحَال، وَالإِْذْنُ وَالضَّمَانُ لاَ يَجْتَمِعَانِ. وَإِنْ أَخْرَجَهَا فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا وَحِفْظًا، إِذْ مَقْصُودُهُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي حِفْظِهَا لَهُ، فَلَمْ يَضْمَنْ بِهِ، كَمَا لَوْ قَال لَهُ: أَتْلَفَهَا. فَلَمْ يُتْلِفْهَا حَتَّى تَلِفَتْ. أَمَّا إِذَا أَخْرَجَهَا بِلاَ خَوْفٍ، فَتَلِفَتْ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ (1) .

(ع) ـ نِيَّةُ التَّعَدِّي عَلَى الْوَدِيعَةِ:
66 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا نَوَى الْوَدِيعُ التَّعَدِّيَ عَلَى الْوَدِيعَةِ الَّتِي عِنْدَهُ بِالْجُحُودِ أَوِ الاِسْتِعْمَال أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَل، فَهَل يَصِيرُ ضَامِنًا بِالنِّيَّةِ لَوْ تَلِفَتْ بِدُونِ تَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ، أَمْ لاَ؟ وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهَا: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ بِمُجَرَّدِ نِيَّةِ التَّعَدِّي فِي الْوَدِيعَةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ ـ أَوْ حَدَّثَتْ ـ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَل بِهِ، أَوْ
__________
(1) شَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 450، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 187 وَمَا بَعْدَهَا، وَالْمُغْنِي 9 / 263وما بُعْدهَا، وَالْمُبْدِع 5 / 234.

تَكَلَّمْ " (1) . وَالْوَدِيعُ هُنَا لَمْ يَخُنْ فِيهَا بِقَوْلٍ وَلاَ فِعْلٍ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَالَّذِي لَمْ يَنْوِ. وَمِثْلُهُ كَمَنْ نَوَى أَنْ يَغْصِبَ مَال إِنْسَانٍ، فَلَمْ يَفْعَل شَيْئًا، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ (2) .
وَالثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ فِي مُقَابِل الصَّحِيحِ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي وَجْهٍ حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَهُوَ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِنِيَّةِ التَّعَدِّي فِي الْوَدِيعَةِ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَل، وَذَلِكَ لِنِيَّتِهِ الْخِيَانَةَ، فَيَضْمَنُهَا، كَالْمُلْتَقِطِ بِقَصْدِ التَّمَلُّكِ (3) .

انْتِهَاءُ عَقْدِ الإِْيدَاعِ 67 - عَقْدُ الإِْيدَاعِ جَائِزٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ، دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى رِضَا الطَّرَفِ الآْخَرِ أَوْ قَبُولِهِ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَمَتَى أَرَادَ الْمُودِعُ اسْتِرْدَادَ وَدِيعَتِهِ، لَزِمَ الْوَدِيعُ رَدَّهَا إِلَيْهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا (4) } .
__________
(1) حَدِيث: " إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي. . . " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه فِقْرَة (54) .
(2) الْمَبْسُوط 11 / 112، وَالْبَدَائِع 6 / 213، وَكَشَّاف الْقِنَاعي 4 / 196، والقليوبي وَعَمِيرَة 3 / 186، وَأَسْنَى الْمُطَالِب 3 / 79، وَالْمُبْدِع 5 / 240، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 9 / 272 وَمَا بَعْدَهَا.
(3) الْمُبْدِع 5 / 240، والقليوبي وَعَمِيرَة 3 / 186، وَالْمُهَذَّب 1 / 369، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 334.
(4) سُورَة النِّسَاء: 58.

وَمَتَى أَرَادَ الْوَدِيعُ رَدَّهَا لِصَاحِبِهَا لَزِمَهُ قَبُولُهَا، لأَِنَّ الْوَدِيعَ مُتَبَرِّعٌ بِإِمْسَاكِهَا وَحِفْظِهَا لِمَالِكِهَا، وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ. وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْفِقْرَةِ 9
فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوَدِيعُ مُتَبَرِّعًا بِالْحِفْظِ، كَمَا فِي حَالَةِ الْوَدِيعَةِ بِأَجْرٍ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى لُزُومِ عَقْدِ الإِْيدَاعِ حِينَئِذٍ، لِصَيْرُورَتِهِ إِجَارَةً عَلَى الْحِفْظِ، وَاعْتِبَارِ الْوَدِيعِ فِيهِ أَجِيرًا، وَبِذَلِكَ لاَ يَكُونُ لأَِحَدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَنْ يَفْسَخَهُ بِإِرَادَتِهِ الْمُنْفَرِدَةِ قَبْل تَمَامِ الْمُدَّةِ، كَسَائِرِ الإِْجَارَاتِ (1) .
68 - أَمَّا انْفِسَاخُ عَقْدِ الإِْيدَاعِ، بِمَعْنَى حَل رَابِطَةِ الْعَقْدِ لِطُرُوءِ سَبَبٍ يَمْنَعُ بَقَاءَهُ وَاسْتِمْرَارَهُ (2) ، فَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لَهُ سَبْعَةَ أَسْبَابٍ:

أَحَدُهَا: مَوْتُ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ (الْمُودِعِ أَوِ الْوَدِيعِ) :
أَمَّا الْمُودِعُ، فَلأَِنَّ مِلْكِيَّةَ الْمَال الْمُودَعِ انْتَقَلَتْ بِمَوْتِهِ إِلَى وَرَثَتِهِ أَوْ دَائِنِيهِ.
وَأَمَّا الْوَدِيعُ، فَلأَِنَّ أَهْلِيَّتَهُ لِلْحِفْظِ قَدْ زَالَتْ بِمَوْتِهِ.
__________
(1) دُرَر الْحُكَّام 2 / 228، وَمَوَاهِب الْجَلِيل (5 / 188) .
(2) انْظُرِ الْحَموِي عَلَى الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ لاِبْنِ نَجِيم 2 / 194.

وَعَلَى ذَلِكَ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَهُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ اعْتِبَارًا بِالْوَكَالَةِ (1) .
وَعَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ تُوُفِّيَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ، لَزِمَ الْوَدِيعَ رَدُّ الْوَدِيعَةِ إِلَى وَرَثَتِهِ، أَدَاءً لِحَقِّ الأَْمَانَةِ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَل صَارَ ضَامِنًا لَهَا. وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ تَضْمِينِهِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَلْزَمُهُ رَدُّهَا قَبْل طَلَبِهَا. وَعَلَيْهِ: فَإِذَا مَاتَ الْمُودِعُ، فَلَمْ يَرُدَّهَا الْوَدِيعُ إِلَى الْوَرَثَةِ قَبْل الطَّلَبِ، فَهَلَكَتْ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ (2) .
وَإِذَا مَاتَ الْمُودِعُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَطَلَبَهَا الْوَرَثَةُ، فَلَمْ يَرُدَّهَا، لاَ يَضْمَنُ (3) .
وَأَسَاسُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمُودِعَ إِذَا مَاتَ، فَتُرَدُّ وَدِيعَتُهُ إِلَى وَرَثَتِهِ مَا لَمْ تَكُنِ التَّرِكَةُ مُسْتَغْرِقَةً بِالدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ، فَلاَ تُسَلَّمُ لِلْوَارِثِ إِذَا كَانَ يَخَافُ عَلَيْهَا مِنْهُ إِلاَّ بِإِذْنِ
__________
(1) رَوْضَة الْقُضَاة للسمناني 2 / 616، وَالْمُهَذَّب 1 / 366، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 76، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 326، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 186، وَالْمُبْدِع 5 / 233، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 214 ـ 215.
(2) النَّتْف فِي الْفَتَاوَى للسغدي 2 / 580.
(3) النَّتْف 2 / 581.

الْحَاكِمِ. وَإِنْ سَلَّمَهَا الْوَدِيعُ إِلَى الْوَارِثِ بِلاَ إِذْنِ الْحَاكِمِ، وَهَلَكَتْ أَوْ ضَاعَتْ، فَعَلَى الْوَدِيعِ ضَمَانُهَا (1) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ عَلَى الْوَدِيعِ رَدُّهَا حَالاً إِلَى الْوَرَثَةِ، حَتَّى لَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنَ الرَّدِّ، ضَمِنَ عَلَى الأَْصَحِّ. فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْوَرَثَةَ، رَدَّ إِلَى الْحَاكِمِ، قَال النَّوَوِيُّ: وَقَيَّدَ فِي الْعُدَّةِ هَذَا الْجَوَابَ بِمَا إِذَا لَمْ تَعْلَمِ الْوَرَثَةُ بِالْوَدِيعَةِ، فَأَمَّا إِذَا عَلِمُوا، فَلاَ يَجِبُ الرَّدُّ إِلَيْهِمْ إِلاَّ بَعْدَ طَلَبِهِمْ (2) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ عَلَى الْوَدِيعِ رَدُّهَا حَالاً دُونَ طَلَبِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْل التَّمَكُّنِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. أَمَّا إِذَا تَلِفَتْ بَعْدَهُ، فَفِي تَضْمِينِهِ وَجْهَانِ (3) .
أَمَّا إِذَا مَاتَ الْوَدِيعُ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْوَدِيعَةَ تَكُونُ أَمَانَةً مَحْضَةً فِي يَدِ وَرَثَتِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ رَدُّهَا لِمَالِكِهَا (4) .
وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (801) مِنَ
__________
(1) قُرَّة عُيُون الأَْخْيَار 2 / 261، وَالأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص 331، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ للأتاسي 3 / 294، وَدُرَر الْحُكَّام 2 / 290، وَانْظُرِ الْمَادَّة (802) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّة.
(2) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 346.
(3) الْمُبْدِع 5 / 233.
(4) تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 104، وَدُرَر الْحُكَّام، ـ 2 / 283، وَالْمَادَّة (801) ، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 255.

الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ: إِذَا مَاتَ الْمُسْتَوْدِعُ، وَوُجِدَتِ الْوَدِيعَةُ عَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ، تَكُونُ أَمَانَةً فِي يَدِ وَارِثِهِ، فَيَرُدُّهَا لِصَاحِبِهَا. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا مَاتَ الْمُودِعُ، فَعَلَى وَارِثِهِ رَدُّهَا فَإِنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ ضَمِنَ عَلَى الأَْصَحِّ. فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ غَائِبًا، سَلَّمَهَا إِلَى الْحَاكِمِ (1) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ مَاتَ، وَعِنْدَهُ وَدِيعَةٌ مَعْلُومَةٌ بِعَيْنِهَا، فَعَلَى وَرَثَتِهِ تَمْكِينُ صَاحِبِهَا مِنْ أَخْذِهَا، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ إِعْلاَمُهُ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ إِمْسَاكُهَا قَبْل أَنْ يَعْلَمَ بِهَا رَبُّهَا، لأَِنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا حَصَّل مَال غَيْرِهِمْ فِي أَيْدِيهِمْ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَطَارَتِ الرِّيحُ إِلَى دَارِهِ ثَوْبًا، وَعَلِمَ بِهِ، فَعَلَيْهِ إِعْلاَمُ صَاحِبِهِ بِهِ. فَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ مَعَ الإِْمْكَانِ ضَمِنَ، كَذَا هَاهُنَا (2) .

وَالثَّانِي: زَوَال أَهْلِيَّةِ أَحَدِهِمَا لِلتَّصَرُّفِ بِجُنُونٍ وَنَحْوِهِ كَإِغْمَاءٍ مِنْ غَيْرِ إِفَاقَةٍ، كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الْوَكَالَةِ.
أَمَّا الْوَدِيعُ، فَلأَِنَّهُ لَمْ يَعُدْ أَهْلاً لِلْحِفْظِ.
وَأَمَّا الْمُودِعُ، فَلأَِنَّهُ لَمْ يَعُدْ وَلِيَّ نَفْسِهِ، بَل يَلِي غَيْرُهُ مَالَهُ وَشُئُونَهُ.
__________
(1) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 347.
(2) الْمُغْنِي 9 / 270.

وَعَلَى ذَلِكَ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ اعْتِبَارًا بِالْوَكَالَةِ (1) .

وَالثَّالِثُ: عَزْل الْوَدِيعِ نَفْسَهُ، أَوْ عَزْل الْمُودِعِ لَهُ مَعَ عِلْمِهِ: فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ انْفَسَخَ عَقْدُ الإِْيدَاعِ، وَتَكُونُ الْوَدِيعَةُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً شَرْعِيَّةً، لَهَا حُكْمُ الأَْمَانَاتِ مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ الْمُبَادَرَةِ لِرَدِّهَا إِلَى أَهْلِهَا.
وَعَلَى ذَلِكَ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ اعْتِبَارًا بِالْوَكَالَةِ (2) .

وَالرَّابِعُ: نَقْل الْمَالِكِ مِلْكِيَّةَ الْوَدِيعَةِ لِغَيْرِ الْوَدِيعِ: كَمَا لَوْ بَاعَهَا لآِخَرَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، حَيْثُ تَرْتَفِعُ الْوَدِيعَةُ وَيَنْتَهِي حُكْمُهَا.
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ (3) . قَال فِي تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ: وَفَائِدَةُ الاِرْتِفَاعِ أَنَّهَا تَصِيرُ أَمَانَةً
__________
(1) تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 104، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 326، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 76، وَرَوْضَة الْقُضَاة 2 / 616، وَالْمُبْدِع 5 / 233، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 186.
(2) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 76، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 326، وَرَوْضَة الْقُضَاة للسمناني 2 / 616، وَالْمُبْدِع 5 / 233، وَالْمُهَذَّب 1 / 366، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 104، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 186، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 214، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 3 / 419.
(3) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 76.

شَرْعِيَّةً، فَعَلَيْهِ الرَّدُّ لِمَالِكِهَا أَوْ وَلِيِّهِ إِنْ عَرَفَهُ، أَيْ إِعْلاَمُهُ بِهَا أَوْ بِمَحَلِّهَا فَوْرًا عِنْدَ التَّمَكُّنِ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ، كَضَالَّةٍ وَجَدَهَا وَعَرَفَ مَالِكَهَا. فَإِنْ غَابَ رَدَّهَا لِلْحَاكِمِ، وَإِلاَّ ضَمِنَ (1) .

وَالْخَامِسُ: إِقْرَارُ الْوَدِيعِ بِالْوَدِيعَةِ لِغَيْرِ صَاحِبِهَا: لأَِنَّ ذَلِكَ يُنَافِي حِفْظَهَا لِلْمَالِكِ، فَيَنْفَسِخُ عَقْدُ الإِْيدَاعِ ضَرُورَةً، لِعَدَمِ فَائِدَةِ الْبَقَاءِ، وَتَصِيرُ مَضْمُونَةً بِيَدِهِ لِتَعَدِّيهِ بِذَلِكَ الإِْقْرَارِ.
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ (2) .

وَالسَّادِسُ: تَعَدِّي الْوَدِيعِ أَوْ تَفْرِيطُهُ الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ: سَوَاءٌ بِالإِْنْفَاقِ أَوْ بِالاِسْتِعْمَال غَيْرِ الْمَأْذُونِ بِهِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، حَيْثُ يَزُول بِذَلِكَ الاِئْتِمَانُ، وَتَنْقَلِبُ يَدُ الْوَدِيعِ إِلَى يَدِ ضَمَانٍ، وَيَنْفَسِخُ عَقْدُ الإِْيدَاعِ.
وَعَلَى ذَلِكَ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (3) .
وَحُجَّتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ ـ وَهُوَ الْحِفْظُ ـ قَدْ زَال وَانْعَدَمَ بِالتَّعَدِّي. وَخَالَفَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ، فَلَمْ
__________
(1) تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 104.
(2) حَاشِيَة الرَّمْلِيّ عَلَى أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 76، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج وَحَاشِيَة الْعِبَادِيّ والشرواني عَلَيْهِ 7 / 104.
(3) تُحْفَة الْمُحْتَاج وَحَاشِيَة الْعِبَادِيّ عَلَيْهِ 7 / 104، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 454، وَأَسْنَى الْمَطَالِب وَحَاشِيَة الرَّمْلِيّ عَلَيْهِ 3 / 76، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 196.

يَذْهَبُوا لاِرْتِفَاعِ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ بِالتَّعَدِّي، وَقَالُوا: إِنَّ الْوَدِيعَ إِذَا تَعَدَّى، فَخَالَفَ فِي الْوَدِيعَةِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ ضَامِنًا، فَإِذَا عَادَ إِلَى الْوِفَاقِ بِتَرْكِ الْخِلاَفِ، وَمُعَاوَدَةِ الْحِفْظِ لِلْمَالِكِ، بَرِئَ مِنَ الضَّمَانِ. لأَِنَّ سَبَبَ ضَمَانِهِ إِنَّمَا هُوَ إِعْجَازُ الْمَالِكِ عَنِ الاِنْتِفَاعِ بِالْوَدِيعَةِ، وَضَرَرُ الإِْعْجَازِ قَدِ ارْتَفَعَ بِالْعَوْدِ إِلَى الْوِفَاقِ، فَوَجَبَ أَلاَّ يُؤَاخَذَ بِالضَّمَانِ عِنْدَ الْهَلاَكِ (1) .

وَالسَّابِعُ: جُحُودُ الْوَدِيعَةِ: لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي انْفِسَاخِ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ وَانْتِهَائِهِ بِالْجَحُودِ الْمُضَمِّنِ لَهَا (2) . لأَِنَّ الْمَالِكَ لَمَّا طَلَبَ مِنْهُ الْوَدِيعَةَ، فَقَدْ عَزَلَهُ عَنِ الْحِفْظِ، وَالْوَدِيعَ لَمَّا جَحَدَ الْوَدِيعَةَ حَال حَضْرَةِ الْمَالِكِ، فَقَدْ عَزَل نَفْسَهُ عَنِ الْحِفْظِ، فَانْفَسَخَ الْعَقْدُ، فَبَقِيَ مَال الْغَيْرِ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، فَإِذَا هَلَكَ، تَقَرَّرَ الضَّمَانُ (3) .

الْخُصُومَةُ بِالْوَدِيعَةِ:
58 - إِذَا غُصِبَتِ الْوَدِيعَةُ مِنْ يَدِ الْوَدِيعِ،
__________
(1) إِيثَار الإِْنْصَافِ فِي آثَارِ الْخِلاَفِ لِسِبْط ابْن الْجَوْزِيِّ الْحَنَفِيّ ص 263، وَمَوَاهِب الْجَلِيل وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 254، والزرقاني 6 / 115.
(2) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 76، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 104، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 195، وَمَا بَعْدَهَا، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 454 وَالْمَبْسُوط للسرخسي11 / 117.
(3) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 212.

فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِّهِ بِأَنْ يُخَاصِمَ فِيهَا مَنْ غَصَبَهَا لاِسْتِرْجَاعِهَا أَوْ لِتَضْمِينِهِ بَدَلَهَا إِذَا تَلِفَتْ فِي يَدِهِ، وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ لِلْوَدِيعِ مُخَاصَمَةَ الْغَاصِبِ، لأَِنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ الْمَال الْمُودَعِ (1) ، وَذَلِكَ لأَِنَّ لِلْوَدِيعِ يَدًا مُعْتَبَرَةً فِي الْوَدِيعَةِ، وَقَدْ أَزَالَهَا الْغَاصِبُ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْ نَفْسِهِ لإِِعَادَةِ الْيَدِ الَّتِي أَزَالَهَا بِالْغَصْبِ. وَلأَِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْحِفْظِ مِنْ جِهَةِ الْمُودِعِ، وَلاَ يَتَأَتَّى لَهُ الْحِفْظُ إِلاَّ بِاسْتِرْدَادِ عَيْنِهِ مِنَ الْغَاصِبِ، أَوِ اسْتِرْدَادِ قِيمَتِهِ بَعْدَ هَلاَكِ الْعَيْنِ، لِيَحْفَظَ مَالِيَّتَهُ عَلَيْهِ فَكَانَ كَالْمَأْمُورِ بِهِ دَلاَلَةً.
وَفِي إِثْبَاتِ حَقِّ الْخُصُومَةِ لَهُ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْحِفْظِ، لأَِنَّ الْغَاصِبَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْوَدِيعَ لاَ يُخَاصِمُهُ فِي حَال غَيْبَةِ الْمُودِعِ، تَجَاسَرَ عَلَى أَخْذِهِ، فَلِهَذَا كَانَ الْوَدِيعُ فِيهِ خَصْمًا (2) .
فَلَهُ حَقُّ الدَّعْوَى وَالْمُطَالَبَةِ بِالْوَدِيعَةِ إِذْ غُصِبَتْ.
ثُمَّ قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَكَمَا أَنَّ لِلْوَدِيعِ أَنْ يُخَاصِمَ الْغَاصِبَ بِالْوَدِيعَةِ، فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ
__________
(1) الْمَبْسُوط 11 / 124، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 359، وَالْمُبْدِع 5 / 247، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 458، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 205.
(2) الْمَبْسُوط 11 / 124.

سَارِقَهَا وَمُتْلِفَهَا وَمُلْتَقِطَهَا إِذَا ضَاعَتْ مِنْهُ (1) .
وَالثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ وَفِي وَجْهٍ لِلْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَدِيعِ بِأَنْ يُخَاصِمَ بِالْوَدِيعَةِ، لأَِنَّ الْمَال الْمُودَعَ مِلْكُ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا يُخَاصِمُ لاِسْتِرْدَادِهِ أَوْ بَدَلِهِ هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ، وَالْوَدِيعُ لَيْسَ بِوَكِيلٍ عَنْهُ فِي الْخُصُومَةِ، فَلاَ يُخَاصِمُ فِي الاِسْتِرْدَادِ، كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ.
وَعَلَّل الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنَّ الإِْيدَاعَ اسْتِحْفَاظٌ وَائْتِمَانٌ، فَلاَ يَتَضَمَّنُ الْخُصُومَةَ (2) .

تَعَدُّدُ الْوَدِيعِ:
70 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُمْكِنُ إِيدَاعُ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ أَكْثَرَ مِنْ شَخْصٍ. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِذَا تَعَدَّدَ الْوَدِيعُ بِأَنْ كَانَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَيُنْظَرُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْوَدِيعَةُ قَابِلَةً لِلْقِسْمَةِ ـ يَعْنِي أَنَّ تَقْسِيمَهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ أَلْبَتَّةَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ حَيَوَانًا، أَوْ كَانَ تَقْسِيمُهَا مُمْكِنًا، وَلَكِنْ تَنْقُصُ قِيمَتُهَا عِنْدَ تَقْسِيمِهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ ثَوْبًا ـ فَيَحْفَظُهَا أَحَدُهُمْ بِإِذْنِ الْبَاقِينَ، أَوْ يَحْفَظُونَهَا مُنَاوَبَةً، أَيْ بِطَرِيقِ الْمُهَايَأَةِ مِنْ حَيْثُ الزَّمَانُ،
__________
(1) الْعُقُود الدُّرِّيَّة لاِبْنِ عَابِدِينَ 2 / 76، وَرَوْضَة 2 / 627، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 359.
(2) الْمُبْدِع 5 / 247، وَالإِْشْرَاف لِلْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب 2 / 43.

لأَِنَّ الْمَالِكَ لَمَّا أَوْدَعَهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِتَعَذُّرِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى حِفْظِهَا دَائِمًا، كَانَ رَاضِيًا بِثُبُوتِ يَدِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الاِنْفِرَادِ فِي الْكُل. وَبِهَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ: إِذَا هَلَكَتِ الْوَدِيعَةُ بِلاَ تَعَدٍّ وَلاَ تَقْصِيرٍ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. أَمَّا إِذَا هَلَكَتْ بِتَعَدٍّ أَوْ تَقْصِيرٍ، فَيَضْمَنُ الْمُتَعَدِّي أَوِ الْمُقَصِّرُ وَحْدَهُ، وَلاَ يَلْزَمُ شَيْءٌ عَلَى الآْخَرِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْوَدِيعَةُ قَابِلَةً لِلْقِسْمَةِ ـ كَالْمِثْلِيَّاتِ الَّتِي لاَ تَتَعَيَّبُ بِالتَّقْسِيمِ ـ فَيُقَسِّمُهَا الْمُسْتَوْدَعُونَ بَيْنَهُمْ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَحْفَظُ حِصَّتَهُ مِنْهَا. لأَِنَّ الْوَدِيعَ إِنَّمَا يَلْتَزِمُ الْحِفْظَ بِحَسَبِ إِمْكَانِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسْتَوْدَعِينَ ـ مَثَلاً ـ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَتْرُكُوا جَمِيعَ أَشْغَالِهِمْ وَيَجْتَمِعُوا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ لِحِفْظِ الْوَدِيعَةِ، وَالْمَالِكُ لَمَّا أَوْدَعَهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ وَدِيعَةً تَحْتَمِل الْقِسْمَةَ، فَقَدْ صَارَ رَاضِيًا بِقِسْمَتِهَا، وَحِفْظِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِجُزْءٍ مِنْهَا دَلاَلَةً.
وَبِهَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَ لأَِحَدِهِمْ أَنْ يُسَلِّمَ حِصَّتَهُ لِوَدِيعٍ آخَرَ بِدُونِ إِذْنِ الْمُودِعِ، لأَِنَّ الْمَالِكَ عِنْدَمَا أَوْدَعَ الْمَال الْقَابِل لِلْقِسْمَةِ لأَِشْخَاصٍ مُتَعَدِّدِينَ، فَقَدْ رَضِيَ بِثُبُوتِ يَدِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْبَعْضِ دُونَ الْكُل، إِذْ رِضَاهُ بِحِفْظِ الاِثْنَيْنِ ـ مَثَلاً ـ لاَ يَسْتَلْزِمُ رِضَاهُ بِحِفْظِ

الْوَاحِدِ. وَعَلَى ذَلِكَ: فَإِذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ لآِخَرَ، فَهَلَكَتْ فِي يَدِ الآْخَرِ، بِلاَ تَعَدٍّ وَلاَ تَقْصِيرٍ مِنْهُ، فَلاَ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا، بَل يَلْزَمُ الَّذِي سَلَّمَهُ إِيَّاهَا ضَمَانُ حِصَّتِهِ مِنْهَا. أَيْ لاَ يَلْزَمُ الضَّمَانُ لِلْوَدِيعِ الآْخَرِ الَّذِي تَسَلَّمَ الْوَدِيعَةَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعَلَيْهِ جَرَتْ مَجَلَّةُ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ.
وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ: لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَفِظُ كُل الْوَدِيعَةِ بِإِذْنِ الآْخَرِ، لأَِنَّ الْمَالِكَ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا، فَكَانَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُسَلِّمَ حِصَّتَهُ لِلآْخَرِ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا أَوْدَعَ شَخْصٌ اثْنَيْنِ وَغَابَ، فَتَنَازَعَا فِيمَنْ تَكُونُ بِيَدِهِ، جُعِلَتْ بِيَدِ الأَْعْدَل مِنْهُمَا، فَإِنْ حَصَل فِيهَا مَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ، كَانَ مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ. وَيُحْتَمَل مِنَ الآْخَرِ أَيْضًا، لِكَوْنِهِ مُودَعًا أَيْضًا مِنْ رَبِّهَا. فَإِنْ تَسَاوَيَا عَدَالَةً، جُعِلَتْ بِأَيْدِيهِمَا (2) .
__________
(1) الْبَدَائِع 6 / 208، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 449، وَالْمَبْسُوطِ 11 / 125، 131، وَقُرَّة عُيُون الأَْخْيَار 2 / 255، وَمَجْمَع الأَْنْهُر وَالدَّرّ الْمُنْتَقَى 2 / 342، وَدُرَر الْحُكَّام 2 / 244، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 355، وَانْظُرِ الْمَادَّة (783) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّة.
(2) الزُّرْقَانِيّ عَلَى خَلِيل 6 / 126.

الاِخْتِلاَفُ فِي الْوَدِيعَةِ: لِلاِخْتِلاَفِ فِي الْوَدِيعَةِ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ تَفْصِيلُهَا فِيمَا يَلِي:

الصُّورَةُ الأُْولَى: الاِخْتِلاَفُ فِي أَصْل عَقْدِ الْوَدِيعَةِ:
71 - إِذَا أَوْدَعَ رَجُلٌ آخَرَ مَالاً، ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَال الآْخَرُ: أَمَرْتَنِي أَنْ أُنْفِقَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَوْ أَتَصَدَّقَ بِهِ أَوْ أَدْفَعَهُ لِفُلاَنٍ، وَأَنْكَرَ الْمُودِعُ ذَلِكَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالثَّوْرِيِّ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْل قَوْل رَبِّ الْوَدِيعَةِ مَعَ يَمِينِهِ، وَعَلَى الْوَدِيعِ الْبَيِّنَةُ بِمَا ادَّعَى، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الإِْذْنِ لَهُ بِذَلِكَ (1) .
وَقَدْ جَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَوْدَعَنِي رَجُلٌ وَدِيعَةً، فَجَاءَ يَطْلُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ أَمَرْتَنِي أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَى فُلاَنٍ، وَقَدْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِ. وَقَال رَبُّ الْوَدِيعَةِ: مَا أَمَرْتُكَ بِذَلِكَ. قَال: هُوَ ضَامِنٌ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 358، وَاخْتِلاَفُ الْعِرَاقِيِّينَ لأَِبِي يُوسُفَ 4 / 62، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 348، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 86، وَالأُْمّ 4 / 61، وَمَوَاهِب الْجَلِيل وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 259 وَمَا بَعْدَهَا، والزرقاني عَلَى خَلِيل 6 / 121، وَالْمُغْنِي 9 / 273، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 266.

أَمَرَهُ بِذَلِكَ (1) .
وَقَال السَّرَخْسِيُّ: وَإِنِ ادَّعَى الْوَدِيعُ أَنَّهُ أَنْفَقَ الْوَدِيعَةَ عَلَى عِيَال الْمُودِعِ بِأَمْرِهِ، وَصَدَّقَهُ عِيَالُهُ فِي ذَلِكَ. وَقَال رَبُّ الْوَدِيعَةِ: لَمْ آمُرْكَ بِذَلِكَ. فَالْقَوْل قَوْل رَبِّ الْوَدِيعَةِ مَعَ يَمِينِهِ، لأَِنَّ الْوَدِيعَ بَاشَرَ سَبَبَ الضَّمَانِ فِي الْوَدِيعَةِ، وَهُوَ الإِْنْفَاقُ، وَادَّعَى مَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ عَنْهُ، وَهُوَ إِذْنُ الْمَالِكِ، فَلاَ يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ. وَإِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْل قَوْل رَبِّ الْوَدِيعَةِ مَعَ يَمِينِهِ لإِِنْكَارِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ أَمَرَهُ بِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ يَهَبَهَا لِفُلاَنٍ (2) .

وَالثَّانِي: لِلْحَنَابِلَةِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى: وَهُوَ أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْوَدِيعِ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ. وَذَلِكَ لأَِنَّهُ ادَّعَى دَفْعًا يَبْرَأُ بِهِ مِمَّنْ رَدَّ الْوَدِيعَةَ، فَكَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ فِيهِ، كَمَا لَوِ ادَّعَى رَدَّهَا إِلَى مَالِكِهَا، وَلاَ يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمَالِكِ غَيْرُ الْيَمِينِ (3) .
__________
(1) الْمُدَوَّنَة 15 / 154.
(2) الْمَبْسُوط 11 / 127.
(3) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 9 / 273، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 199، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 455، وَالْمُبْدِع 5 / 242، وَاخْتِلاَف الْعِرَاقِيِّينَ لأَِبِي يُوسُف 4 / 62، وَانْظُرِ الْمَادَّة (1343) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: الاِخْتِلاَفُ فِي صِفَةِ الْمَقْبُوضِ:
72 - إِذَا دَفَعَ رَجُلٌ إِلَى آخَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً، وَعَلَى الْوَدِيعِ أَلْفُ دِرْهَمٍ أُخْرَى قَرْضًا لِرَبِّ الْوَدِيعَةِ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ أَلْفًا، ثُمَّ اخْتَلَفَا بَعْدَ أَيَّامٍ، فَقَال الْوَدِيعُ: هَذِهِ الأَْلْفُ الَّتِي قَضَيْتُكَ هِيَ الْقَرْضُ. وَأَمَّا الْوَدِيعَةُ فَقَدْ تَلِفَتْ. وَقَال الْمُودِعُ: إِنَّمَا قَبَضْتُ مِنْكَ الْوَدِيعَةَ، وَالْقَرْضُ عَلَى حَالِهِ. فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: الْقَوْل قَوْل الْوَدِيعِ مَعَ يَمِينِهِ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ الْمَالَيْنِ جَمِيعًا (1) . قَال السَّرَخْسِيُّ: لأَِنَّهُ هُوَ الدَّافِعُ لِلأَْلْفِ، فَالْقَوْل قَوْلُهُ عَنْ أَيِّ جِهَةٍ دَفَعَهُ، وَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ دَفَعَهُ عَنْ جِهَةِ قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَبَرِئَ بِهِ، وَبَقِيَتِ الْوَدِيعَةُ فِي يَدِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِهَلاَكِهَا، فَالْقَوْل قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ. يُوَضِّحُهُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدْفَعْ إِلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى أَخْبَرَ بِهَلاَكِ الْوَدِيعَةِ، كَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِلاَّ أَدَاءُ الأَْلْفِ بَدَل الْقَرْضِ فَكَذَلِكَ إِذَا أَخْبَرَ بِهَلاَكِ الْوَدِيعَةِ بَعْدَ أَدَاءِ الأَْلْفِ (2) ، وَفِي الْمُحِيطِ: بِأَنَّهُ لاَ عِبْرَةَ لاِخْتِلاَفِهِمَا فِي الأَْلْفِ الْمَرْدُودِ، لأَِنَّهُ وَصَل إِلَى الْمَالِكِ، أَيُّ شَيْءٍ كَانَ.
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 357، وَالْمَبْسُوط 11 / 118، وَالْمُدَوَّنَة 15 / 152.
(2) الْمَبْسُوط 11 / 118.

وَإِنَّمَا اخْتِلاَفُهُمَا فِي الأَْلْفِ الْهَالِكِ، فَالْمَالِكُ يَدَّعِي فِيهِ الأَْخْذَ قَرْضًا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدَّعِي الأَْخْذَ وَدِيعَةً، وَفِي هَذَا الْقَوْل قَوْل مُدَّعِي الْوَدِيعَةِ (1) .

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الاِخْتِلاَفُ فِي مِلْكِيَّةِ الْوَدِيعَةِ:
62 - إِذَا تَنَازَعَ الْوَدِيعَةَ اثْنَانِ، فَادَّعَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا مِلْكُهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً، فَجَاءَهُ رَجُلاَنِ، وَادَّعَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ أَوْدَعَهُ إِيَّاهَا، فَقَال الْوَدِيعُ: أَوْدَعَهَا أَحَدُكُمَا، وَلَسْتُ أَدْرِي أَيَّكُمَا هُوَ؟ فَهَذَا فِي الأَْصْل لاَ يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَصْطَلِحَ الْمُتَدَاعِيَانِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الأَْلْفَ، وَتَكُونَ بَيْنَهُمَا. وَإِمَّا أَنْ لاَ يَصْطَلِحَا، وَيَدَّعِي كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الأَْلْفَ لَهُ خَاصَّةً، لاَ لِصَاحِبِهِ.
فَإِنِ اصْطَلَحَا عَلَى ذَلِكَ، فَلَهُمَا ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِلْوَدِيعِ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ تَسْلِيمِ الأَْلْفِ إِلَيْهِمَا، لأَِنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ الأَْلْفَ لأَِحَدِهِمَا. وَإِذَا
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 359.

اصْطَلَحَا عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ بَيْنَهُمَا، لاَ يَمْنَعَانِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَسْتَحْلِفَا الْوَدِيعَ بَعْدَ الصُّلْحِ.
وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا، وَادَّعَى أَنْ يُنَكِّل لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الأَْلْفَ لَهُ، لاَ يَدْفَعُ لأَِحَدِهِمَا شَيْئًا، لِجَهَالَةِ الْمُقِرِّ لَهُ بِالْوَدِيعَةِ. وَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْوَدِيعَ، فَإِنِ اسْتَحْلَفَهُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَالأَْمْرُ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَحْلِفَ لأَِحَدِهِمَا وَيُنَكِّل لِلآْخَرِ.
فَإِنْ حَلَفَ لَهُمَا، فَقَدِ انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُمَا لِلْحَال إِلَى وَقْتِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، كَمَا فِي سَائِرِ الأَْحْكَامِ.
وَإِنْ نَكَّل لَهُمَا، يَقْضِي بِالأَْلْفِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَيَضْمَنُ أَلْفًا أُخْرَى بَيْنَهُمَا، فَيَحْصُل لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ كَامِلَةٌ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّ كُل الأَْلْفِ لَهُ، فَإِذَا نَكَّل لَهُ، وَالنُّكُول بَذْلٌ أَوْ إِقْرَارٌ، فَكَأَنَّهُ بَذَل لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفًا، أَوْ أَقَرَّ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَلْفٍ، فَيُقْضَى عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا بِأَلْفٍ، وَيَضْمَنُ أَيْضًا أَلْفًا أُخْرَى تَكُونُ بَيْنَهُمَا، لِيَحْصُل لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ كَامِلَةٌ.
وَلَوْ حَلَفَ لأَِحَدِهِمَا، وَنَكَّل لِلآْخَرِ، قُضِيَ

بِالأَْلْفِ لِلَّذِي نَكَّل لَهُ، وَلاَ شَيْءَ لِلَّذِي حَلَفَ لَهُ، لأَِنَّ النُّكُول حُجَّةُ مَنْ نَكَّل لَهُ، لاَ حُجَّةُ مَنْ حَلَفَ لَهُ (1) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا تَنَازَعَ الْوَدِيعَةَ اثْنَانِ، فَادَّعَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا مِلْكُهُ، فَيَنْظُرُ: إِنْ صَدَّقَ الْوَدِيعُ أَحَدَهُمَا، فَلِلآْخَرِ تَحْلِيفُهُ. فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَتْ دَعْوَى الآْخَرِ. وَإِنْ نَكَّل حَلَفَ الآْخَرُ، وَغَرِمَ لَهُ الْقِيمَةَ.
وَقِيل: تُوقَفُ الْوَدِيعَةُ بَيْنَهُمَا إِلَى أَنْ يَصْطَلِحَا.
وَقِيل: تُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمَا.
وَإِنْ صَدَّقَهُمَا، فَالْيَدُ لَهُمَا، وَالْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا قُضِيَ لَهُ، وَلاَ خُصُومَةَ لِلآْخَرِ مَعَ الْوَدِيعِ لِنُكُولِهِ. وَإِنْ نَكَّلاَ أَوْ حَلَفَا، جُعِل بَيْنَهُمَا، وَحُكْمُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ الآْخَرِ كَالْحُكْمِ فِي الْجَمِيعِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُقِرِّ لَهُ.
وَإِنْ قَال: هِيَ لأَِحَدِكُمَا وَأَنْسَيْتُهُ. فَإِنْ كَذَّبَاهُ فِي النِّسْيَانِ ضَمِنَ ـ كَالْغَاصِبِ ـ لِتَقْصِيرِهِ
__________
(1) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 210 وَمَا بَعْدَهَا، وَانْظُرْ مَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 345، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 500، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 279، وَالأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص 331.

بِنِسْيَانِهِ. وَإِنْ صَدَّقَاهُ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَال: هُوَ وَدِيعَةٌ عِنْدِي، وَلاَ أَدْرِي أَهُوَ لَكُمَا أَوْ لأَِحَدِكُمَا أَمْ لِغَيْرِكُمَا. حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ إِنِ ادَّعَيَاهُ، وَتَرَكَ فِي يَدِهِ لِمَنْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ بِهِ، وَلَيْسَ لأَِحَدِهِمَا تَحْلِيفُ الآْخَرِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدٌ وَلاَ اسْتِحْقَاقٌ (1) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا ادَّعَى الْوَدِيعَةَ اثْنَانِ، فَأَقَرَّ الْوَدِيعُ لأَِحَدِهِمَا بِهَا، فَهِيَ لَهُ بِيَمِينِهِ، لأَِنَّ الْيَدَ كَانَتْ لِلْوَدِيعِ، وَقَدْ نَقَلَهَا إِلَى الْمُدَّعِي، فَصَارَتِ الْيَدُ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْيَدُ لَهُ، قُبِل قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ.
وَيَحْلِفُ الْوَدِيعُ لِلآْخَرِ الَّذِي أَنْكَرَهُ، لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ لِدَعْوَاهُ، وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَّل لَزِمَهُ بَدَلُهَا، لأَِنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لَهُمَا، فَهِيَ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِأَيْدِيهِمَا وَتَدَاعَيَاهَا، وَيَحْلِفُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا يَمِينًا عَلَى نِصْفِهَا.
فَإِنْ نَكَل عَنِ الْيَمِينِ، لَزِمَهُ عِوَضُهَا فَيَقْتَسِمَانِهِ، لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ. وَإِنْ نَكَل عَنِ الْيَمِينِ لأَِحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ، لَزِمَهُ لِمَنْ نَكَل عَنِ الْيَمِينِ لَهُ عِوَضُ نِصْفِهَا، وَيَلْزَمُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحَلِفُ لِصَاحِبِهِ، لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ
__________
(1) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 86، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 349.

لِدَعْوَاهُ.
وَإِنْ قَال الْوَدِيعُ: هِيَ لأَِحَدِكُمَا وَلاَ أَعْرِفُ صَاحِبَهَا مِنْكُمَا. فَإِنْ صَدَّقَاهُ عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا أَوْ سَكَتَا عَنْ تَصْدِيقِهِ وَتَكْذِيبِهِ، فَلاَ يَمِينَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ لاَ اخْتِلاَفَ، وَتُسَلَّمُ لأَِحَدِهِمَا بِقُرْعَةٍ مَعَ يَمِينِهِ. وَإِنْ كَذَّبَاهُ فَقَال: بَل تَعْرِفُ أَيُّنَا صَاحِبُهَا. حَلَفَ لَهُمَا يَمِينًا وَاحِدَةً أَنَّهُ لاَ يَعْلَمُهُ، لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ، وَكَذَا إِذَا كَذَّبَهُ أَحَدُهُمَا.
فَإِنْ نَكَل قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُول، وَأُلْزِمَ تَعْيِينَ صَاحِبِهَا، فَإِنْ أَبَى التَّعْيِينَ أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِ عِوَضِهَا ـ الْمِثْل إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً وَالْقِيمَةَ إِنْ كَانَتْ قِيمِيَّةً فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْبَدَل وَالْعَيْنُ، فَيَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِمَا أَوْ يَتَّفِقَانِ.
وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالَتَيْنِ، أَيْ حَالَةِ مَا إِذَا صَدَّقَاهُ أَوْ كَذَّبَاهُ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ أَنَّهَا لَهُ، لاِحْتِمَال عَدَمِهِ، وَأَخَذَهَا بِمُقْتَضَى الْقُرْعَةِ (1) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، فَقَدْ ذَكَرُوا فَيمَنْ بِيَدِهِ وَدِيعَةٌ، فَأَتَى رَجُلاَنِ، كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ، وَلاَ يَدْرِي الْوَدِيعُ لِمَنْ هِيَ مِنْهُمَا؟ فَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: تَكُونُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، فَمَنْ نَكَل مِنْهُمَا فَلاَ شَيْءَ لَهُ، وَهِيَ كُلُّهَا لِمَنْ
__________
(1) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 203، 204، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 457، وَالْمُغْنِي 9 / 276.

حَلَفَ (1) . قَال الزُّرْقَانِيُّ: فَلَوْ نَكَلاَ، قُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ حَلَفَا (2) .
وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ نَقْلاً عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الرَّجُل يَسْتَوْدِعُ الرَّجُل الْوَدِيعَةَ، ثُمَّ يَأْتِي هُوَ وَآخَرُ، فَيَدَّعِيَانِهَا جَمِيعًا، وَيَنْسَى هُوَ مَنْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ مِنْهُمَا. فَقِيل: إِنَّهُمَا يَحْلِفَانِ جَمِيعًا، وَيَقْتَسِمَانِهَا بَيْنَهُمَا، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَقِيل: إِنَّهُ يَضْمَنُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنِسْيَانِهِ (3) .
أَمَّا إِذَا قَال الْوَدِيعُ: لَيْسَتِ الْوَدِيعَةُ لأَِحَدِكُمَا، لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا بَعْدَ حَلِفِهِمَا (4) .
__________
(1) التَّاج وَالإِْكْلِيل للمواق 5 / 267.
(2) الزُّرْقَانِيّ عَلَى خَلِيل 6 / 125.
(3) الْمُقْدِمَات الْمُمَهِّدَات 2 / 466، وَانْظُرْ بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 312.
(4) الزُّرْقَانِيّ عَلَى خَلِيل 6 / 125، 126.

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت