المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
الخصوصية:[في الانكليزية] Particularity [ في الفرنسية] Particularite بالفتح أفصح وحينئذ تكون صفة وإلحاق الياء المصدرية لكون المعنى على المصدرية والتاء للمبالغة. وإذا ضمّ يحتاج إلى أن يجعل المصدر بمعنى الصفة أو الياء للنسبة والتاء للمبالغة كذا في كليات أبي البقاء.
|
|
الوصيّة:[في الانكليزية] Testament ،legacy [ في الفرنسية] Testament ،legs بالفتح وكسر الصاد وتشديد الياء لغة اسم من الإيصاء كالوصاة بالفتح والقصر والوصاية بالفتح والكسر، يقال أوصيت أي فوّضت إلى زيد لعمر بكذا فهو موص وذلك وصيّ، ويقال له الموصى إليه والموصى له والموصى به، ويقال له أي لذلك الفعل الوصيّة كما في النهاية، وقد يجيء الوصية بمعنى الموصى به.وأمّا شرعا فعند المحدّثين تطلق على نوع من أنواع تحمّل الحديث وهي أن يوصي الراوي عند موته أو سفره لشخص معيّن بكتاب يرويه، فجوّزه محمد بن سيرين وعلّله عياض، والصحيح عدم الجواز إلّا إن كان من الموصي إجازة فتكون روايته بالإجازة لا بالوصية كذا في الإرشاد الساري شرح صحيح البخاري وعند الفقهاء هي الإيجاب بعد الموت أي إلزام شيء من مال أو منفعة لأحد بعد الموت، فالإيجاب يشتمل البيع والإجارة والهبة والعارية وغيرها.وقيد بعد الموت يخرج الكلّ فإنّها إيجاب حال الحياة، وصورته أن يجعل طائفة من المال أو المنفعة لأحد أو لله تعالى على سبيل التبرّع أو اللزوم، أو أن يفوّض أمر ورثته والتصرّف في تركته إلى أحد، هكذا في جامع الرموز والبرجندي. وفي الدرر الوصية اسم بمعنى المصدر ثم سمّي بها الموصى به. والإيصاء لغة طلب شيء من غيره ليفعله في غيبته حال حياته وبعد وفاته، وشرعا يستعمل تارة باللام يقال أوصى فلان لفلان بكذا بمعنى أملكه له بعد موته، وتارة أخرى بإلى يقال أوصى فلان إلى فلان بمعنى جعله وصيا له يتصرّف في ماله وأطفاله بعد موته. فلفظ الإيصاء مشترك بين المعنيين، فالمستعمل باللام معناه جعل الغير مالكا لماله بعد موته والمستعمل بإلى معناه تفويض التصرّف في ماله ومصالح أطفاله إلى غيره بعد موته، ولا يمكن تعريفه بحيث يشتمل المعنيين إذ لا يصحّ تعريف اللفظ المشترك بين المعنيين بمفهوم واحد، والقوم لم يتعرّضوا للفرق بينهما وبيان كلّ منهما بالاستقلال، بل ذكروهما في أثناء تقرير المسائل، انتهى كلامه.والفرق بين الوصي والقيّم أنّ الوصي من فوّض إليه الحفظ والتصرّف، والقيّم من فوّض إليه الحفظ دون التصرّف كذا في البرجندي.
|
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الخصوصية: الْمَشْهُور فِيهَا الضَّم لَكِن إِذا فتحت الْعين علمت الْفَتْح أفْصح لِأَن الْخُصُوص بِالضَّمِّ مصدر وبالفتح صفة كذلول فَإِذا كَانَ مصدرا يكون الحاق الْيَاء وَالتَّاء لَغوا إِلَّا أَن يَجْعَل الْمصدر بِمَعْنى الصّفة أَو يَجْعَل الْيَاء للنسبة للْمُبَالَغَة كَمَا فِي احمري وَالتَّاء لزِيَادَة الْمُبَالغَة وَهَذَا تكلّف لَا طائل تَحْتَهُ كَمَا لَا يخفى على الْمُكَلف. بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ صفة لِأَن الْمَعْنى لما كَانَ على المصدرية الْحق الْيَاء المصدرية وَالتَّاء للْمُبَالَغَة كَمَا فِي عَلامَة.
|
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
أَوْصَاهم وصيةًالجذر: و ص ي
مثال: أَوْصَى أولاده وصيّةًالرأي: مرفوضةالسبب: لتعدي الفعل بنفسه إلى المفعول الثاني. المعنى: أمرهم بها الصواب والرتبة: -أَوْصى أولاده بوصيَّة [فصيحة]-أَوْصى أولاده وصيَّة [صحيحة] التعليق: تذكر المعاجم الفعل «أوصى» لهذا المعنى متعديًا بحرف الجر «الباء»، كما في قوله تعالى: {{وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا}} مريم/31، ويمكن تصحيح المثال المرفوض على اعتبار «وصية» مفعولاً مطلقًا، أو نصبها على حذف حرف الجر. |
التعريفات الفقهيّة للبركتي
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الوَصِيَّةُ: تبرع مُضَاف إِلَى مَا بعد الْمَوْت.
|
المخصص
|
أَبُو عبيد، لصَّ ولُصّ، ابْن دُرَيْد، ولَصٌّ، أَبُو زيد، الجمْع اللُّصوُص واللِّصَاص فَأَما سِيبَوَيْهٍ فَقَالَ لم
يُكَسَّر على غير لُصُوصُ، أَبُو زيد، وَالْأُنْثَى لَصَّة وَالْجمع لَصَائِصُ، عَليّ، هَذَا نادرٌ لِأَن فَعْلة لَا تُكَسَّر على فَعَائِلَ، أَبُو عبيد، هِيَ اللَّصُوصِيَّة واللُّصُوصِيَّة واللَّصُوصَة، وَقَالَ، اللَّصْت - اللِّصُّ فِي لُغَة طِّيْئ وَجمعه لُصُوت وهم يَقُولُونَ طَسْت وَغَيرهم طسٌّ، أَبُو زيد، سَرَق الشيءَ يَسْرِقُ سَرَقاً وسَرِقاً، صَاحب الْعين، السَّرِقَةُ - مَا سُرِق وهم السُّرَّاق والسَّرَقَة، قَالَ، القُطَّع والقُطَّاع - اللُّصُوص لأَنهم يَقْطَعُون الأرضَ، أَبُو عبيد، العُمْرُوط - اللِصُّ وَقيل هُوَ اللِّصُّ الخَبِيث الَّذِي لَا يَدَع شيأ إِلَّا أخَذه وَقد عَمْرطَة عَمْرطَةً، أَبُو عبيد، الأَمْرَط - اللِّصُ، ابْن السّكيت، المارِدُ الصُّعْلُوك، صَاحب الْعين، لِصُّ أَمْعَطُ - خَبِيث لَا شيءَ معَه، أَبُو عبيد، القَرَاضِبة واللَّهَاذِمَة - اللُّصُوص وأصْل ذَلِك قَطْع الشيءِ قَرْضبْتُه ولَهْذَمْته - قَطَعْته والخارِبُ - اللِّصُ وَقد خَرَب يَخْرُب خِرَابة، أَبُو عبيد، وَهُوَ الخَرَّاب، ابْن السّكيت، الخارِبُ - سارقُ الإبِل خاصَّة ثمَّ يُسْتعار فيُقال لكُلٍِّ مَنْ سَرَقَ بَعِيراً أَو غَيره، أَبُو عبيد، الطِّمْل - اللِّصُّ الفاسِقُ، صَاحب الْعين، المِلْط - الَّذِي لَا يَدَعُ شيأ إِلَّا أَلْمَأَ عَلَيْهِ سَرَقاً وَجمعه أمْلاط ومُلُوط وَقد مَلُطَ مُلُوطاً، أَبُو عبيد، الخمْع - اللُّص وَجمعه، أخْمَاع من قوهم للذِّئب خِمْع، وَقَالَ، إِنَّه لَسِبْد اَسْباد - إِذا كَانَ داهياً فِي اللُّصُوصِية، ابْن السّكيت، الهَيْرُدَانُ - اللِّصُّ، أَبُو عبيد، الأسْلال - السَّرِقة وَقد تقدّم أَنَّهَا الرَّشْوةُ، ابْن دُرَيْد، وَهِي السَّلَّة، ابْن السّكيت، اللَّطاة - اللُّصُوص يكونُونَ قَرِيباً مِنْك وَلَا واحِدَ لَهَا والمُحْتَرِس - الَّذِي يَسْرق الإبِلَ والغَنَم وَفِي الحَدِيث حَرِيسَة الجَبَل لَيْسَ فِيهَا قَطْع وَهِي الَّتِي تُحْتَرس - أَي تُسرَق من الجَبَل، أَبُو عبيد، حَرَس يَحْرُس حَرَساً - سرَق، صَاحب الْعين، القَرَافِصَة - اللُّصوص لَزِمهم هَذَا الاسمُ لأَنهم يُقْرفِصُون الناسَ - أَي يَشُدُّونهم وَثَاقاً والقَرْفَصَة - شَدُّ اليديْنِ تحتَ الرِّجْليْن والشِّصُّ - اللِّصُّ الَّذِي لَا يَرَى شيأ إِلَّا أتَى عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو عَليّ، هُوَ مُشْتَقٌّ من الشَّصِّ - وَهُوَ شيءٌ يُصَادبه السَمَكُ، أَبُو زيد، الهَطْلَس - اللِّصُّ القاطِع يُهَطْلِس كُلَّ مَا وجَدَه - أَي يأخُذُه، وَقَالَ صَاحب الْعين، القَمَّاط فِي بعض اللُّغات - اللِّص وَيُقَال وقَعْت على قِمَاط فُلان - أَي فَطِنْت لَهُ فِي تُؤَدتِه والقَمْط - الأَخْذ وَمِنْه سُمِّي قِمَاط الثِّياب، ثَعْلَب، الإدْلِغْفاف - المَجِيء للسَّرِقة فِي خَتْل واستِتَار وَأنْشد: قد ادْلَغَفَّتْ وَهِي لَا تَراني إِلَى مَتَاعِي مِشْيةَ السَّكْرانِ ابْن جنى، خَرَج الناسُ يَتَرأْبَلُون - أَي يَتَلَصَّصُون من الرِّئْبال وَقيل هُوَ خُرُوجُهم على أرجُلِهم غُزاةً بِغَيْر والٍ عَلَيْهِم، أَبُو عبيد، الدَّغْر - تَوَثُّب المخْتلِسِ ودَفْعُه نَفْسَه على الْمَتَاع ليَخْتلِسَه. |
أسد الغابة في معرفة الصحابة
|
7539- أم عصمة العوصية
د ع: أم عضمة العوصية رأت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنها أم الشعثاء، أنها قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما من مسلم يعمل ذنباً إلا وقف الملك الموكل بإحصاء ذنوبه ثلاث ساعات، فإن استغفر الله من ذنبه ذلك لم يرفعه عليه يوم القيامة ". هكذا رواه سعيد بن سنان، عن أم الشعثاء. وقال غيره: أم عطية. والله أعلم. أخرجها ابن منده، وأبو نعيم. |
أسد الغابة في معرفة الصحابة
|
7543- أم عطية العوصية
د ع: أم عطية العوصية. وقيل: أم عصمة. والأول أكثر، رأت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ روى أبو مهدي سعيد بن سنان، عن أم الشعثاء، عن أم عصمة العوصية، امرأة من قيس، وذكر حديث: " ما من مسلم يعمل ذنباً إلا وقف الملك الموكل بإحصاء ذنوبه ... ". الحديث. وقد تقدم في أم عصمة. ورواه غير سعيد فقال: أم عطية. أخرجها ابن منده، وأبو نعيم. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
: ذكرها الطّبرانيّ،
وأخرج من طريق أبي مهدي سعيد بن سنان، عن أم الشّعثاء، عن أم عصمة العوصية- امرأة ابن قيس، قالت: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: «ما من مسلم يعمل ذنبا إلّا وقف الملك الموكّل بإحصاء ذنوبه ثلاث ساعات، فإن استغفر من ذنبه ذلك في شيء من تلك الثّلاث ساعات لم يرفعه عليه يوم القيامة» «3» . وأخرجه الحاكم في «المستدرك» من هذا الوجه، وقال: صحيح الإسناد. وأخرجه ابن مندة من هذا الوجه، وقال: هكذا قال- يعني سعيد بن سنان، قال: وقال غيره: عن أم عصمة. قلت: وهو خطأ، والعوصيّة- بمهملتين- نسبة إلى بني عوص، بفتح أوله وسكون ثانيه، ابن عوف بن عذرة. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
العزلة اليهودية
Jewish Isolationism «الانعزالية اليهودية» عبارة تفترض أن اليهود يعيشون في حالة عزلة عن الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها. وتُفسَّر هذه الانعزالية في الأدبيات الصهيونية على أساس أنها فُرضت فرضاً على اليهود وأنهم غير مسئولين عنها. كما تُفسَّر أيضاً بأن اليهود لا يمكنهم الاندماج في مجتمعات الأغيار بسبب هويتهم أو شخصيتهم أو طبيعتهم أو تاريخهم أو جوهرهم اليهودي. ولا يختلف تفسير معاديي اليهود لهذه الظاهرة عن تفسير الصهاينة، فاليهود بحسب تصورهم يعزلون أنفسهم عن الأغيار لأن هذه هي طبيعتهم وشخصيتهم وهويتهم، وتنعكس هذه السمة في سلوكهم وتاريخهم. يتفق الصهاينة والمعادون لليهود، إذن، على أن الانعزالية سمة أساسية وأنها لا علاقة لها بالحركيات الاجتماعية التي يوجد فيها اليهود، وإنما يُسبِّبها شيء ما داخلهم. ولا يمكن، بطبيعة الحال، إنكار أهمية بعض جوانب النسق الديني اليهودي مثل عقيدة الشعب المختار، وكذلك كثرة الشعائر الدينية، في تشجيع اليهود على العزلة. وقد وصل هذا الاتجاه في النسق الديني اليهودي إلى ذروته في القبَّالاه اللوريانية الدينية، حيث تُطرح فكرة أن اليهود خُلقوا من طينة مغايرة للطينة التي خُلق منها البشر. ولكن علاقة الأفكار الدينية، وأية أفكار، بسلوك الإنسان ليست علاقة سببية بسيطة. فالأفكار لا تحدد سلوك الإنسان أبداً ولكنها تخلق لديه استعداداً كامناً أو قابلية ليسلك سلوكاً معيَّناً ويبتعد عن أنماط معينة من السلوك. كما أن من الصعب بمكان تحديد ما إذا كانت فكرة مثل فكرة الشعب المختار هي التي أدَّت إلى عزلة اليهود أو أن الفكرة هي نتيجة هذه العزلة، أو أن العلاقة هي علاقة تأثير وتأثر، وما مدى التأثير وما عمق التأثر. وعلى أية حال، لا يكمن الخلل الأساسي في النموذج التفسيري الصهيوني والمعادي لليهود في سببيته البسيطة وحسب وإنما في مستواه التعميمي المرتفع وفي تجريديته الزائدة، إذ أن كلا الفريقين يتحدث عن «اليهود ككل» وبشكلٍّ عام ويُفسِّر الظاهرة داخل هذا الإطار. ولو أننا تحركنا في إطار الجماعات اليهودية لأمكننا اكتشاف التنوع وعدم التجانس، وأن أعضاء الجماعات اليهودية انعزلوا عن بعض المجتمعات واندمجوا في البعض الآخر، وأنهم انصهروا في بعض المجتمعات وطُردوا من البعض الآخر، وأن هذه الظواهر يمكن تفسيرها من خلال مُركَّب من الأسباب الحضارية والاقتصادية الخارجية التي تختص بمجتمع الأغلبية، والأسباب الداخلية التي تختص بأعضاء الجماعة. ومن أهم هذه الأسباب، في تَصوُّرنا، اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة في كثير من المجتمعات، خصوصاً المجتمع الأوربي ابتداءً من العصور الوسطى. والجماعة الوظيفية الوسيطة لا يمكنها أن تقوم بدورها إلا في حالة عزلة، إذ أنها تضطلع بوظائف مشينة أو بوظائف تتطلب الحياد والموضوعية مثل البغاء أو التجارة. ومن أشهر حالات عزلة اليهود، وجودهم داخل الجيتوات القسرية في أوربا ابتداءً من أواخر عصر النهضة. ولكن العزلة وصلت قمتها في أوكرانيا، حيث كان اليهود يشكلون جماعة وسيطة تمثل طبقة النبلاء (شلاختا) الحاكمة في بولندا. وكانت عزلة اليهود على عدة مستويات: 1 ـ طبقية: جماعة تجارية مالية تمثل النخبة الحاكمة في وسط زراعي فلاحي وتساندها القوة العسكرية البولندية. 2 ـ لغوية: جماعة تتحدث اليديشية في وسط يتحدث الأوكرانية. 3 ـ ثقافية: جماعة ترتدي أزياءً وتأكل طعاماً يختلفان عن أزياء وطعام الفلاحين. 4 ـ دينية: جماعة يهودية تمثل النبلاء الكاثوليك في وسط أرثوذكسي. وحينما تصبح العزلة على كل هذه المستويات، فإنها عادةً ما تكون متطرفة، إذ إن العزلة على مستوى ما تدعم العزلة على مستوى آخر. ولكن، ورغم هذه العزلة، فإن من المعروف أن الجماعة اليهودية تأثرت بوسطها الفلاحي السلافي، وظهر هذا التأثر في انتشار الحسيدية التي نبعت من الفلكلور الديني المسيحي السلافي، أي أنه لا يمكن أن تُوجَد عزلة مطلقة إلا في كتابات العنصريين الاختزاليين من الصهاينة والمعادين لليهود. اليهودي الخالص Quintessential or Pure Jew «اليهودي الخالص» عبارة تفترض وجود هوية يهودية خالصة لا تشوبها أية شوائب حضارية، فهذه الهوية تتمتع بنقاء عرْقي وحضاري إثني. لكن هذا المصطلح لا يرد إلا نادراً في الكتابات الصهيونية، مثل إشارة المفكر الصهيوني كلاتزكين إلى «النمط القومي الخالص» وإشارة بن جوريون إلى «اليهودي الذي هو يهودي مائة في المائة» . ومع هذا، فإن هذا المفهوم كامن في كل الكتابات الصهيونية، بل يمكن القول بأن اليهودي الخالص هو اليهودي المثالي الذي يحاول المشروع الصهيوني تحقيقه، فباسم هذا «اليهودي الخالص» ترفض الصهيونية الموروث الثقافي لأعضاء الجماعات اليهودية بل وترفض وجودهم ذاته، وباسمه تحاول تأسيس الدولة اليهودية حتى يتحقق هذا الجوهر. واليهودي الخالص، بكل ما فيه من حيوية وإبداع وولاء يهودي مطلق، هو نقيض اليهودي المنفي بكل ما فيه من هامشية وتَمزُّق وازدواج في الولاء. ويحاول الصهاينة تطبيع يهود المنفى لإعادة صياغتهم في صورة «اليهودي الخالص» . نقاء اليهود عرْقياً Racial Purity of the Jews «نقاء اليهود عرْقياً» عبارة تفترض أن أعضاء الجماعات اليهودية قد حافظوا، عبر التاريخ وفي كل زمان ومكان، على نقائهم العرْقي، فلم يختلطوا بالأجناس والشعوب الأخرى، وهذه فكرة يروِّج لها المعادون لليهود ويسوقونها دليلاً على رغبة اليهود في عزل أنفسهم وعلى خطورة العرْق اليهودي. فهوستون تشامبرلين يزعم أن ذلك النقاء العرْقي هو سر قوة اليهود، وأنه هو أيضاً ما يجعلهم «غرباء بين الأمم» . وكان الصهاينة كذلك يروجون هذه الفكرة ويؤسسون عليها ادعاءهم حتمية إنشاء دولة يهودية مستقلة تكون يهودية مثلما أن إنجلترا إنجليزية وفرنسا فرنسية؛ دولة يعيش فيها الشعب اليهودي المنفصل عرْقياً عن بقية شعوب الأرض من الأغيار. ولذا، بذل كثير من «العلماء» الصهاينة كثيراً من المحاولات التي ترمي إلى إثبات نقاء اليهود عرْقياً. ومن أهم المحاولات في هذا المضمار محاولات عالِم الاجتماع الصهيوني آرثر روبين في كتابه اليهود في الوقت الحاضر حيث أورد أسماء كثير من المراجع في الموضوع من بينها اسم إغناتز زولتشان (1877 ـ 1944) الذي وصف اليهود بأنهم «أمة من الدم الخالص لا تشوبها أمراض التطرف أو الانحلال الخلقي الناجمة عن عدم النقاء» . وقد أكد زولتشان أن «حظر الزواج المُختلَط في اليهودية قد أدَّى إلى عدم اختلاط اليهود بأجناس لم تحافظ على نقائها بالدرجة نفسها» . وقد قدَّم روبين نفسه تعريفاً عرْقياً لليهود فبيَّن أنهم «استوعبوا عناصر عرْقية أجنبية بدرجة محدودة، ولكنهم في أغلبيتهم يمثلون جنساً متميِّزاً، على خلاف الحال في دول وسط أوربا» . وأضاف أن من الواجب الحفاظ بشكل واع على الاستمرار العرْقي اليهودي الذي تحقق بشكل تلقائي عبر التاريخ، وأكد أن أي جنس راق يتدهور بسرعة إذا ما تزاوج بجنس أقل رقياً، ذلك لأن التزاوج بالأجناس الأخرى يضرُّ بمحاولات المحافظة على الصفات الممتازة للجنس، ومن ثم فـ «لابد من محاولة منع التزاوج للمحافظة على انفصالية اليهود» . ومن الواضح أن روبين وزولتشان حينما يتحدثان عن اليهود فهما يتحدثان عن اليهود الإشكناز وحسب أو يهود العالم الغربي ويستبعدان أعضاء الجماعات اليهودية الأخرى ويُروِّج المعادون لليهود المقولة نفسها. وما يُسمَّى «الصفات العرْقية الشائعة عن اليهود» هو في واقع الأمر «الصفات العرْقية الشائعة عن اليهود الإشكناز أو يهود العالم الغربي» . وفي كتاب المفكر المصري الدكتور جمال حمدان اليهود دراسة مستفيضة لبعض هذه الصفات مثل قصر القامة وضيق الصدر والسمنة والأنف المعقوف وشكل الرأس. ويشير الدكتور جمال حمدان إلى أن الدراسات المترية تُظهر اليهودي في أغلب الحالات أقصر من غيره بضع بوصات. ولكنه يبيِّن أن طول القامة لا يمكن اعتباره صفة جسمية أصيلة، فمن الثابت علمياً أنها صفة مطاطة تتكيف بالبيئة الطبيعية والاجتماعية، كما يُعَدُّ ضيق الصدر من هذه الصفات الشائعة، الأمر الذي تؤكده الأدلة العلمية، فمحيط صدر اليهودي (الإشكنازي) أقل كثيراً منه عند «الأغيار» . ولكن هذه الصفة ـ كما يبيِّن الدكتور جمال حمدان ـ نتيجة طبيعية للبيئة والحرفة، فالحرف التقليدية لليهود الإشكناز (خياطة ـ صباغة ـ صناعة أحذية) ترتبط بتلك الظاهرة. وتُعَدُّ صفة «السحنة» اليهودية أكثر هذه الصفات شيوعاً، والمُحقَّق علمياً أنها لا تُوجَد عند كل اليهود ولا تكاد تُعرَف في أشكناز أمريكا كما أنها معروفة بين غير اليهود. وسحنة الوجه تعبير اجتماعي مُكتسَب من البيئة أكثر من كونها صفة جسمية، حتى سماها البعض «تعبير الجيتو» ، فهي من فعل الانتخاب الصناعي لا الوراثة. أما مسألة الأنف المعقوف، كصفة مميِّزة لليهودي في المخيلة الشعبية، فهي أسطورة أخرى. فلقد أثبتت الدراسات الأنثروبولوجية أن هذه الصفة غير موجودة إطلاقاً بين أنقى عنصر سامي وهم البدو، ولكنها صفة غالبة بين القبائل القوقازية المختلفة، وكذلك في آسيا الصغرى، وتشمل العناصر المحلية في المنطقة مثل الأرمن والجورجيين. ونجده بين شعوب البحر المتوسط أكثر مما نجده بين يهود أوربا الشرقية، ويَكثُر انتشارها بين الهنود الحمر في أمريكا الشمالية! ومن أهم المقاييس الأنثروبولوجية، لتحديد الانتماء العرْقي، شكل الرأس. وقد بيَّن الدكتور جمال حمدان في كتابه اليهود أنثروبولوجياً أن من بين المجموعات الرئيسية الثلاث (الإشكناز والسفارد والشرقيين) يقع الإشكناز بين عراض الرؤوس وأحياناً عراض الرؤوس جداً، هكذا هم في كل أوربا والعالم الجديد ابتداءً من الفولجا حتى كاليفورنيا. ولكن الأهم من هذا أنهم يشبهون السكان المحيطين محلياً ويقتربون جداً من شكل ونسبة رأسهم، فمثلاً ليس ثمة فارق في شكل الرأس بين اليهود والمسيحيين في كل من روسيا وبولندا، بينما في منطقة القوقاز تتحول رؤوسهم لشكل «قمع السكر» الشهير عند الأرمن والقفقاز بل ونجده حتى بين يهود التركستان. وكان من الشائع أن السفارد على النقيض من ذلك تماماً، أي أنهم طوال الرؤوس جميعاً. ولكن هذه المقابلة تبسيطية أكثر مما ينبغي، فرغم أن طول الرأس يَغلُب بين السفارد فإن منهم جماعات استعرَضَت رؤوسهم كما في شمال إيطاليا وربما كانت بينهم جماعات أخرى من سفارد البلقان. ويُلاحَظ أن السفارد يعيشون جملة بين شعوب طويلة الرأس كالبربر والعرب بحيث لا يمكن أن يغيِّر التزاوج شكل رؤوسهم بل على العكس يؤكده. ويأتي اليهود الشرقيون في حدود التصنيف، فجزء منهم طوال الرؤوس كالسفارد ويشمل يهود مصر والشام واليمن والعراق وجنوب إيران (والسكان المحيطون بهم طوال الرؤوس، إلا أن حجم الرأس عندهم أطول بدرجة أو أخرى من حجم الرأس عند اليهود) . أما الجزء الآخر منهم، كالإشكناز، فقد استعرضت رؤوسهم كما في شمال العراق ومنطقة جبال القوقاز وشمال إيران ويهود التركستان الروسية بكل شظاياها، وأخيراً هناك اليهود القرّاءون في القرم وليتوانيا. ففي كل هذه الحالات يعيش اليهود في محيط واسع من العرض الشديد للرأس، وقد استعرضت رؤوسهم بشدة فأصبحوا لا يختلفون عنه أبداً. ويحاول بعض العلماء أن يجعلوا من اليهود طوال الرأس من السفارد وبعض الشرقيين وحدة إثنولوجية قائمة بذاتها، قد تتباين فيما بينها من منطقة إلى منطقة ولكنها بعامة تتباين أكثر مع السكان المحيطين. ولذا فهم يصورون اليهود الإشكناز ومعهم بقية الشرقيين وحدة إثنولوجية أخرى. ومع هذا يعترف هؤلاء العلماء بأن كل نوع أو سلالة جنسية معروفة في أوربا يمكن بسهولة أن تُلتَقط من بين يهود القارة، وأن أغلب اليهود يمثلون بطريقة أو بأخرى خليطاً من عديد من تلك السلالات والأنواع، ولذا من السهل جداً أن نلتقط من بين يهود الروسيا أفراداً يتميَّزون بالصدغ الواسع والأنف العريض القصير وعظام الوجنة البارزة بدرجة لا تفرق بينهم وبين جماعات الفن المغولية التي تَسكُن منطقة الفولجا، بينما يُوجَد بين اليهود الألمان أفراد هم بكل معنى الكلمة نورديون مثاليون. ويمكن من ناحيتنا (والكلام لا يزال للدكتور جمال حمدان) أن نضيف على مستوى العالم متناقضات كالموزايك [الفسيفاء] تكاد تغطي كل ما نعرف بين البشر من اختلافات في الصفات الجنسية، فهناك اليهود السود في الحبشة وجنوب الصحراء الكبرى، وهناك اليهود المُلوَنون في الهند، بل والصفر أحياناً في التركستان، وأخيراً اليهود الشقر في أوربا. وكما لاحظ دالبي في أواخر القرن الماضي، هناك كل الأنواع والألوان بين اليهود البيض والسمر، فهناك اليهودي الربعة غليظ الملامح عريض الرأس من الإشكناز واليهودي النحيف دقيق الملامح طويل الرأس من السفارد، وهناك الأنف اليهودي المُحدَّب والأنف المُقعَّر بين كثير من يهود روسيا. وهناك العيون اللوزية في السفارد، والمكتنزة الضخمة في الأشكناز، والعيون المغولية المسحوبة في بعض يهود وسط آسيا. وبعامة، فإن السفارد أشبه بعنصر البحر المتوسط والإشكناز أشبه بالصقالبة الشماليين، وفضلاً عن هذا فإن الدراسات السيرولوجية أثبتت تماماً أن هناك بين اليهود معدل تَفاوُت كبير جداً في فئات الدم وهو ما ينفي تَجانُس الأصل. وأكثر من ذلك، لا تُبدي تلك الفئات أية علاقة بفئات الدم عند اليهود السامريين الأمر الذي يؤكد عمق انفصالهم جنسياً عن الأصل القديم (إن كان هذا الأصل واحداً) . فالحديث عن الوحدة العرْقية بين اليهود (كما بيَّن الدكتور جمال حمدان وغيره من العلماء) لا محل له من حقيقة أو علم على الإطلاق. واليهود لا يعرفون الوحدة العرْقية أكثر مما يعرفون الوحدة الجغرافية، وثمة اتفاق بين الدارسين في الوقت الحاضر على أن نقط التشابه بين أعضاء الجماعات اليهودية وبين أبناء المجتمعات التي يعيشون فيها يفوق كثيراً أي تَشابُه قد يُوجَد بين أية جماعة يهودية وأية جماعة يهودية أخرى في مجتمع آخر. وهذا أمر مُتوقَّع تماماً، ورغم التشريعات اليهودية الخاصة بتحريم الزواج المختلط، فمن المعروف أن اليهود تزاوجوا بغيرهم من الشعوب. بل وكان من الصعب علىهم أن يفعلوا غير ذلك لأنهم كانوا شعباً من البدو الرحل الذين يتنقلون من مكان إلى آخر. لقد جاء الآباء، أسلاف العبرانيين، من بابل، فهم إذن من أصل سامي عربي. وحينما وصلوا إلى كنعان، تزاوجوا مع الحيثيين الذين هم من أصل أرمني. ولا شك في أن العبرانيين تأثروا حضارياً وعرْقياً بالمصريين أثناء إقامتهم في مصر بعد هجرة يوسف ويعقوب. وقد خرجوا من مصر ومعهم «اللفيف العرْقي» الذي يشير إلىه العهد القديم. وقد تزوج موسى أثناء الخروج أو الهجرة من مصر من امرأة مدينية (من مدين) ثم من كوشية. وتزاوج العبرانيون بالكنعانيين بعد تسللهم إلى أرض كنعان وبغيرهم من الأقوام السامية التي كانت تقيم هناك. ومن الطريف أن أم داود (الذي سيأتي من نسله الماشيَّح ملك اليهود) لم تكن، حسبما ورد، يهودية. أي أنه هو نفسه مشكوك في انتمائه إلى الشعب اليهودي. وفي العصر الهيليني، كانت نسبة التزاوج بالأجانب مرتفعة إلى حدٍّ كبير. ورغم أن اليهودية ليست ديانة تبشيرية، فإن كثيراً من الشعوب قد تَهوَّدت. فقد فرض الحشمونيون اليهودية قسراً على بعض الشعوب المجاورة لهم، مثل الأدوميين والإيطوريين. كما تَهوَّدت قبائل الخزر (أو نخبتها القائدة) في ظروف لا تزال غامضة. ويُلاحَظ أن الكنيسة، في العصور الوسطى، كانت تكرِّر من آونة لأخرى تحريم الزواج بين اليهود والمسيحيين، وهو أمر يدل على استمرار الظاهرة. أما في العصر الحديث، فإن معدلات الزواج المُختلَط في ألمانيا في الثلاثينيات، في روسيا السوفيتية (سابقاً) وفي الولايات المتحدة وفي معظم البلاد التي تزايدت فيها معدلات العلمنة، تصل إلى نحو 50% في كثير من الأحيان. وكانت نتيجة الزواج المختلط هي عدم النقاء العرْقي. وقد اتضحت الخلافات العرْقية بين اليهود في الدولة اليهودية بشكل مثير لا يمكن الجدل بشأنه: فاليهود الإشكناز الشقر ويهود الفلاشاه السود ويهود بني إسرائيل الداكنو اللون (الذين جاءوا من الهند) لا يمكن أن ينتموا إلى عرْق واحد مهما بلغت الادعاءات العنصرية (الصهيونية أو المعادية لليهود) من حنكة وموضوعية! ولو كانت هناك سمات يهودية عرْقية واضحة لما ادعى بعض اليهود (أيام هيمنة النازية) أنهم ينتمون للجنس النوردي وأنهم لا علاقة لهم بالجنس السامي، ولما طلب النازيون من أعضاء الجماعات اليهودية أن يُعلِّقوا نجمة داود، حتى يستطيع الآريون التعرف عليهم. ولكن التفكير العنصري الاختزالي يمكنه التعايش ببساطة مع مثل هذه التناقضات، فهو لا يشعر بالأمن أو الاستقرار إلا في عالم واحدي مادي كل الأمور فيه بسيطة ويمكن ردها لعنصر مادي واحد يُدرَك بالحواس الخمس، مثل العرْق وشكل الأنف وحجم الرأس. الأمراض اليهودية (الخصوصية اليهودية الطبية) (Jewish Diseases) Jewish Medical Specificity «الأمراض اليهودية» ، هي تلك الأمراض التي يُفترض أنها تصيب اليهود وحدهم. وتذخر الكتابات الطبية المعنية بالمسألة الوراثية بالحديث عن إشارات إلى مناعة اليهود ضد أمراض مُعْدية معينة كالسل أو الطاعون. وتصل هذه الدراسات إلى حد الشطط حين تتحدث عن التفوق المعرفي والعلمي والعقلي لليهود وعن ارتفاع معدلات الذكاء الوراثي بينهم. والواقع أن مثل هذه الأفكار تفترض أن ثمة خصوصية بيولوجية وراثية يهودية، أي خصوصية طبية ونفسية وعرْقية تسم اليهود كافة في كل زمان ومكان. ولكن دراسة ظاهرة الأمراض اليهودية (أو الأمراض التي يُصاب بها أعضاء الجماعات اليهودية) بتعمق، ومن خلال استخدام نموذج تفسيري أكثر تركيباً وثراءً من ذلك النموذج التبسيطي الاختزالي السائد في بعض الكتابات الغربية، تبين لنا وبشكل قاطع عدم صحة هذا الافتراض. كما تبين لنا الدراسة المتأنية مدى التنوع والاختلاف في الأمراض التي تصيب الجماعات اليهودية المختلفة. ويمكن تصنيف الأمراض التي تُصيب أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة إلى قسمين من منظور الخصوصية أو انعدامها: 1 ـ أمراض تصيب أعضاء الجماعات اليهودية دون غيرهم من سكان المجتمعات التي يعيشون بينها (ويندرج تحت هذا التصنيف زيادة مناعة أعضاء الجماعات اليهودية ضد بعض الأمراض بمعدل يفوق المعدل السائد بين أعضاء الأغلبية) . وهذه الخصائص الطبية يمكن تفسيرها من خلال نموذج تفسيري يؤكد أهمية العناصر الثقافية (بالمعنى العام للكلمة) المقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية. ومع هذا يبيِّن هذا النموذج أن الخصوصية الطبية التي تسم جماعة يهودية ما ليست خصوصية طبية يهودية عالمية عامة، أي أنها لا تشمل كل يهود العالم وإنما تقتصر على جماعة يهودية دون غيرها من الجماعات. ومن ثم لا يمكن الحديث عن خصوصية طبية أو بيولوجية عالمية عامة. ويُلاحَظ أن هذا التنوع وذلك الاختلاف نابعان أساساً من مُركَّب من العوامل البيئية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي نتج عنها ظهور بعض الأمراض الوراثية التي اختلفت من جماعة إلى أخرى ونتج عنها ارتفاع نسبة الإصابة ببعض الأمراض بين جماعة دون أخرى. ثمة أمراض بعينها تكثر بين أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة من أصل يديشي أو إشكنازي، وثمة أمراض وراثية تنتشر بينهم دون غيرهم من السكان. ومن بين هذه الأمراض مرض «جاوشر» ، وهو مرض وراثي يَنجُم عن صفة متنحية (والصفة المتنحية هي الصفة التي لا تظهر إلا عندما يكون الوالدان حاملين للصفة الوراثية نفسها) . ومن أهم أعراض مرض جاوشر، انخفاض نسبة خميرة (إنزيم) تدخل في أيض نوع من أنواع الدهون في الدم، وهو ما يتسبب عنه تراكم هذه المادة في كلٍّ من الكبد والطحال والجهاز العصبي، مؤدياً إلى أعراض مرضية متلازمة في النمط المزمن الذي يظهر في البالغين، أو إلى الوفاة في غضون عامين أو ثلاثة أعوام في النمط الحاد الذي يظهر بين الأطفال. وتبلغ نسبة حاملي هذه الصفة الوراثية بين يهود الولايات المتحدة من أصل يديشي حوالي واحد بين كل ستين بينما تبلغ هذه النسبة بين غير اليهود حوالي واحد بين كل ستمائة. وهناك أيضاً مرض «تاي ـ ساكس» ، وهو مرض يَنجُم عن غياب خميرة تدخل في أيض الدهون أيضاً، ويؤدي هذا المرض إلى موت الأطفال المصابين به في غضون عامين أو ثلاثة أعوام. وتبلغ نسبة حاملي الصفة المتنحية المسببة لهذا المرض بين يهود الولايات المتحدة من أصل يديشي نحو واحد بين كل ثلاثين، بينما تصل هذه النسبة في غير اليهود إلى واحد بين كل ثلاثمائة، ونسبة احتمال ولادة طفل مصاب بهذا المرض تصل إلى واحد بين كل ثلاثة آلاف وستمائة من اليهود من أصل يديشي بينما تنخفض إلى واحد بين كل ثلاثة ملايين وستمائة ألف بين غير اليهود. وهناك أيضاً مرض «نيمان بيك» ، وهو مرض ينجم عن تطفُّر جيني له علاقة بغياب خميرة تدخل أيضاً في أيض الدهون، ونسبة حاملي هذه الصفة عالية بين يهود الولايات المتحدة من أصل يديشي. وهناك بالمثل ما يُسمَّى «متلازمة بلوم» (و «المتلازمة» ، هي مجموعة من الأعراض المرضية المتلازمة، والتي يُقال لها بالإنجليزية «سندروم syndrome» . وتتمثل متلازمة بلوم في انخفاض وزن المولود وضعف نموه وحساسية جلده للشمس وتَراكُم اللمف وظهور شكل الفراشة على الوجه. ويُلاحَظ أيضاً ارتفاع نسبة إصابة يهود الولايات المتحدة من أصل يديشي بنقص غير عادي في الخميرة 21 - هيدروكسيليز غير التقليدي. ويؤدي هذا النقص إلى تَراكُم مواد دهنية في الأنسجة العصبية والكبد والطحال. ومما يلفت النظر في هذه المجموعة من الأمراض الوراثية، والتي تزيد نسبة تواترها بين يهود الولايات المتحدة من أصل يديشي، أنها تتعلق أساساً بنقص خمائر أيض الدهون! والواقع أن ثمة ظاهرة مماثلة تتعلق بقبائل الهوي في أمريكا الشمالية حيث يزداد عدد الأفراد من «أعداء الشمس» ، أو الألبينو، ونظراً لارتفاع قيمة هذا الشكل بين قبائل الهوي، يحدث ما يُسمَّى «الانتقاء الثقافي» ، أي أن الثقافة تفرض على المجتمع أو الجماعة نوعاً من الانتقائية الوراثية نظراً لأهمية عنصر معيَّن. وهذا العنصر، في حالة اليهود، هو الوصية التي تقول «لا تطبخ العجل بلبن أمه» ، والتي تتضمن تحريماً ضمنياً على استخدام الدهون. ويمكننا بالمثل رؤية الأمراض الوراثية التي تزداد نسبتها بين يهود الولايات المتحدة، المهاجرين من مناطق اليديشية، كنوع من الانتقاء الثقافي وأيضاً الطبقي، ذلك أن معظم هؤلاء المهاجرين من أصول فقيرة، ويصبح الامتناع عن تناول الدهون نوعاً من الالتزام الديني والذي قد يكون أيضاً بسبب عجز القدرة المادية. ومن الأمراض العصبية التي ترتفع نسبة الإصابة بها بين يهود اليديشية في العصر الحديث (بخاصة بين المهاجرين) مرض ذهان الهوس والاكتئاب أو المرض الدوري، وهو المرض الذي تنتاب المريض فيه حالات متعاقبة من الهوس ثم الاكتئاب، وأحياناً تكون الحالات اكتئابية فقط أو هوسية فقط. ويُذكَر أن هذا المرض يكون مقترناً (لدى بعض اليهود غير اليديشيين المصابين به) بعمى الألوان وبنقص في الخميرة المسؤولة عن انتزاع هيدروجين الجلوكوز 6 فوسفات من على الصبغية س، ومن ثم يُفترض أن يكون لهذا أصل وراثي. ومرة أخرى، يُفسِّر نموذج الانتقاء الثقافي سبب تَفشِّي هذا المرض بين اليهود من أصل يديشي أو إشكنازي. وكما يقول رفائيل باتاي في كتابه العقل اليهودي، تزداد نسبة إصابة فقراء اليهود والطبقة العاملة اليهودية التي تمثل نسبة ضئيلة من إجمالي الطائفة بهذا المرض، فذهان الهوس والاكتئاب هو من أمراض عدم التَكيُّف ويزداد بشدة عندما تزداد الهوة الاجتماعية بين أفراد الطبقة الواحدة. واليهودي الفقير يزداد إحساسه بالغربة وعدم التكيف لإحساسه بأن اليهود الآخرين أكثر غنى منه، ومن ثم تبدأ نوبات السخرية من الذات التي تتلوها نوبات الاكتئاب والإحباط. وكذلك يُفسِّر لنا هذا النموذج انخفاض معدلات الخصوبة بين اليهود من أصل يديشي في الولايات المتحدة حتى أصبحت تساوي النسبة العامة للمواطن الأمريكي من الطبقة الوسطى. فالحراك الطبقي الذي حققه يهود اليديشية في الولايات المتحدة غيَّر نمط حياتهم وجعلهم أقرب إلى التمسك بقيم الطبقة الوسطى أكثر من المواطن الأمريكي العادي. فاليهودي اليديشي المنتمي إلى الطبقة الوسطى الأمريكية لن يَقبَل أن يحرمه الإنجاب من كل المزايا الفردية التي يتمتع بها، وذلك على العكس من جده الفقير في بولندا الذي كان ينجب كثيراً لأن الأولاد يشكلون مصدراً للدخل (كقوة عمل) ، ولأن الثقافة السائدة لا تأبه كثيراً بالانتماء الفردي بقدر ما تحرص على الانتماء الجماعي. أما اليهود القرّاؤن، فيُلاحَظ أن من بين الأمراض الوراثية التي ترتفع نسبة ظهورها بينهم مرض فردبخ هوفمان، وهو مرض أيضي يؤدي إلى تَحلُّل خلايا الدماغ ويؤدي إلى موت الأطفال المصابين به. وتبلغ نسبة الأشخاص حاملي المرض بين القرّائين نحو واحد بين كل ثلاثين. ويُفترَض أن ليهود الولايات المتحدة من أصل يديشي مناعة خاصة ضد الإصابة بالسل. وقد ذكرت بعض المراجع التاريخية أنه إبَّان تَفشِّي وباء الطاعون في أوربا في القرون الوسطى وما بعدها، كانت نسبة إصابة اليهود به أقل بكثير من نسبة إصابة الآخرين. والواضح أن المناعة النسبية ليهود الولايات المتحدة من أصل يديشي ضد السل يمكن فهمها في ضوء نموذج الانتقاء الثقافي، فمعظم هؤلاء من أصول فقيرة عاشت في مناطق فُرضت عليها العزلة، وبذلك تَفشَّى السل في أجدادهم، والناجون هم أولئك الذي استطاعوا اجتياز المرض واكتسبوا مناعة نسبية ورَّثوها للأجيال التالية التي هاجرت إلى الولايات المتحدة وارتقت في السلم الاجتماعي إلى مستوى الطبقة الوسطى. أما بالنسبة إلى وباء الطاعون، فقد استطاع كثير من يهود أوربا خلال العصور الوسطى تَجنُّب هذا المرض، مثلهم مثل سائر الأثرياء، لمقدرتهم على الابتعاد عن المناطق الموبوءة، وكذلك لنظافتهم والطبيعة الخاصة لطعامهم. وفيما يختص بيهود المشرق، نجد أن نسبة الإصابة بأمراض نزف الدم (الهيموفيليا) تقل قياساً بغيرهم. ويمكننا في ضوء نموذج الانتقاء الثقافي أيضاً أن نرى انخفاض نسبة أمراض الدم بين اليهود الشرقيين، حيث أن اتباع تعاليم التلمود يخلق هذا النوع من الانتقائية. فقد ورد في التلمود فقرة تدعو إلى عدم ختان الطفل المولود لامرأة مات لها طفل من النزيف بعد ختانه، وإلى عدم تحبيذ زواج تلك المرأة من رجل من العائلة نفسها. ومن المعروف أن ختان الذكور تقليد مصري اعتاد عليه اليهود وأخذوا معه جميع التعاليم المرتبطة به. وبذا، يمكننا أن نقول إن هذا أدَّى إلى عملية انتقائية خاصة تؤدي إلى عزل جيني معيَّن يقلل من الإصابة بهذا المرض. 2 ـ أمراض تصيب أعضاء الجماعات اليهودية بنسبة لا تختلف عن أعضاء الأغلبية: يُلاحَظ أن هناك تشابهاً في النمط الوراثي أو في مسألة الإصابة بالمرض بين أعضاء الجماعات اليهودية وبين الشعوب التي يتواجدون بينها. فهم ينتمون إلى ثقافة هذه الشعوب ويعيشون ظروفها. وفي دراسة أجريت في إسرائيل أعوام 1964 ـ 1966، يُلاحظ الباحث أن نسبة الإصابة بمرض ارتفاع ضغط الدم المصاحب للحمل ترتفع بين النساء اليهوديات من أصل إيراني. وكذا بين المسلمات العرب، عنها بين النساء اليهوديات من أصل يديشي أو سفاردي. وهو يحاول أن يربط بين المرض وبين ما دعاه بـ «الأصل العرْقي» ، ولكنه يعود في فقرة أخرى ليتحدث عن العوامل الاقتصادية الاجتماعية، وليس عن الأصل العرْقي، دون أن يُلاحظ ما في قوله من تَناقُض، فيقول: إن المرض أكثر انتشاراً بين الأمهات الفقراء وغير المتعلمات! في هذا الصدد، تَذكُر دراسة أجريت في إسرائيل بين عامي 1952 و1953 أن معظم حالات أمراض الجهاز الهضمي بين يهود اليديشية هي حالات قرحة المعدة والقولون العصبي، وهي حالات عصبية جسمية. وعلى العكس من ذلك، تزداد الأمراض المعدية بين اليهود الشرقيين. فيهود اليديشية القادمون من أوربا يعانون أساساً من أمراض الحضارة الغربية، أما اليهود الشرقيون فيعانون من أمراض المنطقة العربية. ونحن نلاحظ أيضاً أن غالبية الأمراض الوراثية، التي تُعزَى إلى اليهود بشكل أو آخر، ما هي إلا أمراض تزيد نسبتها بين صفوف يهود الولايات المتحدة من أصل يديشي. ويرجع هذا أولاً وقبل كل شيء إلى ارتفاع مستواهم المادي مقارنةً بغيرهم من البشر في الولايات المتحدة حيث يحتلون مراكز قوية داخل صفوف الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة، الأمر الذي يتيح لهم قدراً عالياً من التعليم، وبالتالي يمكنهم الاستفادة من عملية فحص الأبوين وفحوص ما قبل الزواج التي تتطلب تكاليف باهظة لا يقدر عليها المواطنون من أصل أفريقي مثلاً. وعلى أية حال، فإن هذه الدراسات لا تتطرق إلى الأمراض الوراثية العائلية التي تصيب العائلات اليهودية الثرية كعائلة روتشيلد على سبيل المثال. والملاحَظ أن النمط الوراثي هنا يختلف عن النمط العام لأمراض يهود اليديشية ويقترب من النمط الوراثي للعائلات الأرستقراطية الأوربية كآل رومانوف الروس مثلاً، حيث تنتشر بينهم أمراض الدم مثل الهيموفيليا، وهي أمراض تعني شدة انغلاق العائلة على نفسها، وهو ما يؤدي إلى العزل الجيني أو التثبيت الوراثي لصفة مُتنحية. لكن الحديث عن الأمراض اليهودية، دون مقارنة هذه الظاهرة بالظواهر المماثلة في المجتمع، يؤدي إلى نزع الظاهرة من سياقها ويفتح الباب على مصراعيه للنظريات العنصرية، والمنطق نفسه الذي يحاول إثبات التفوق الوراثي لليهود يمكن أن يحاول أيضاً إثبات خطورتهم الوراثية وضرورة اتخاذ الإجراءات لوضع حد لهذا الخطر. نقاء اليهود حضارياً (إثنياً) Cultural (Ethnic) Purity of the Jews «نقاء اليهود حضارياً (إثنياً) » هي عبارة تعني أن ثمة شعب يهودي ذو تقاليد حضارية يهودية خالصة، احتفظت باستقلالها ووحدتها ونقائها. والنقاء الحضاري هو المفهوم الأساسي الكامن في الكتابات الصهيونية عن اليهود. ومن ثم، فهم يتحدثون عن «الخصوصية اليهودية» أو «التراث اليهودي» أو «الثقافة اليهودية» وعن «التاريخ اليهودي» وكأن هناك بنية تاريخية مستقلة يدور اليهود في إطارها بمعزل عن الأغيار، وذلك برغم انتشارهم في كل أنحاء الأرض، بل ويتحدثون عن «النظام السياسي اليهودي» و «الاقتصاد اليهودي» ، وهكذا، باعتبارها كلها ناتجة عن هذا النقاء الحضاري اليهودي، وباعتبارها الأطر التي احتفظ اليهود من خلالها بنقائهم. ويُلاحَظ أن النقاء الثقافي غير منفصل عن النقاء العرْقي، فاستناداً إلى فكرة الشعب العضوي (فولك) ، ترتبط حضارة أي شعب بالدماء التي تجري في عروقه. ومن ثم، فإن هناك وحدة لا تنفصم عراها بين الحضارة والعرْق. وقد سادت هذه الفكرة أوربا في القرن التاسع عشر، وكانت من أكثر الأفكار شيوعاً، وأثَّرت في الفكر القومي الغربي وفي الفكر النازي والصهيوني وفي النظرية الإمبريالية الغربية. ونحن نذهب إلى أن هناك ثقافات يهودية مختلفة باختلاف التشكيلات الحضارية التي يوجد داخلها اليهود - ومن هنا عدم نقاء الظواهر الحضارية اليهودية ابتداءًً باللغة العبرية ذاتها، وانتهاءً بالنشيد الوطني الإسرائيلي «الهاتيكفاه» (أي الأمل) - (انظر الباب المعنون «ثقافات أعضاء الجماعات اليهودية [تعريف وإشكالية] » ) . والواقع أن الامتزاج مع الحضارات والشعوب الأخرى ليس أمراً معيباً أو مشيناً، فهو قانون الوجود الإنساني. ولكن الصهاينة، شأنهم شأن المعادين لليهود، يحاولون خلع صفة النقاء الحضاري وأحياناً العرْقي على اليهود، وفي هذا إنكار لإنسانيتهم لأنهم حين ينتزعون اليهود من سياقهم التاريخي المتعيِّن إنما ينتزعونهم من سياقهم الإنساني الوحيد. الخصوصية اليهودية Jewish Specifcity «الخصوصية اليهودية» تعبير ينطلق من أن هناك سمات وخصائص ثابتة يُفتَرض أنها مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية ومن ثم تمنحهم خصوصيتهم. وهذه الفكرة كامنة في جميع الأدبيات الصهيونية والأدبيات المعادية لليهود، إذ أن كلاًّ منهما يرى أن ثمة طبيعة بشرية يهودية أو تاريخاً يهودياً خاصاً مقصوراً على اليهود. ولكن دارس الجماعات اليهودية في العالم سيرى أن مفهوم الخصوصية اليهودية ليس له ما يسنده في الواقع، إذ يتسم أعضاء الجماعات اليهودية، بل والنسق اليهودي الديني ذاته، بعدم التجانس. ولذا، فقد يكون من الأدق الحديث عن خصوصيات الجماعات اليهودية، وهي خصوصيات أدَّت العناصر التالية إلى ظهورها: 1 ـ اضطلعت أعداد كبيرة من الجماعات اليهودية بدور الجماعات الوظيفية الأمر الذي أدَّى إلى عزلها عن المجتمع، ومن ثم كان لهذه الجماعات لون خاص بها وشخصية شبه مستقلة. لكن هذه الخصوصية وظيفية أكثر منها حضارية، أي مرتبطة بالوظيفة لا بالتراث المشترك. 2 ـ ما يضفي على أعضاء الجماعات اليهودية، (في معظم الأحوال) طابع الاستقلال النسبي الإثني هو ميراثهم من تشكيل حضاري سابق كانوا يتواجدون فيه، وحملوا بعض عناصره وسماته معهم إلى التشكيل الحضاري الجديد الذي انتقلوا إليه، وتمسكوا بها وحافظوا عليها دون أن تكون هذه العناصر والسمات يهودية بالضرورة. 3 ـ الخصوصية اليهودية التي تتمتع بها الجماعات اليهودية الوظيفية هي أقرب إلى الحالة الذهنية الافتراضية منها إلى الحالة الواقعية الفعلية، فرغم العزلة التي يفرضها المجتمع على الجماعة الوظيفية فإن أعضاء الجماعة اليهودية يكتسبون كثيراً من خصائص هذا المجتمع ويندمجون فيه. لكل هذا، لا يمكن الحديث عن خصوصية يهودية واحدة عالمية مُستمَدة من معجم حضاري واحد، بل يمكننا أن نقول إن هناك خصوصيات يهودية شتى اكتسبها أعضاء الجماعات اليهودية لا من تراث يهودي عالمي أو من خلال حركيات حضارية يهودية عامة، وإنما من خلال التفاعل مع عدة تشكيلات حضارية، ومن خلال التكيف معها بطرق مختلفة، ومن خلال الاندماج فيها في نهاية الأمر. ومن ثم أصبح أعضاء الجماعة اليهودية في الصين يهوداً صينيين (أو صينيين يهوداً) تحددت خصوصيتهم داخل التشكيل الحضاري الصيني وبسببه، لا خارجه وبالرغم منه. ولذا، انضمت قيادة الجماعة اليهودية في الصين إلى طبقة كبار الموظفين العلماء (ماندرين) ، وتطبَّع أعضاء الجماعة اليهودية بطبائع الصينيين في كثير من النواحي. ويُقال الشيء نفسه عن يهود الهند ويهود إثيوبيا ويهود العالم العربي. بل ونجد، داخل التشكيل الحضاري الواحد، كالتشكيل الحضاري العربي، أن يهود العراق يختلفون عن يهود اليمن بمقدار اختلاف العراق عن اليمن. وفي اليمن، يختلف يهود صنعاء عن يهود الجبال (صعدا وغيرها) بمقدار اختلاف أهل صنعاء عن أهل الجبال. وتختلف الأزياء التي يرتديها أعضاء الجماعات اليهودية باختلاف التشكيل الحضاري الذي ينتمون إليه. فالبنطلون الجينز أو الميني جيب (زي الفتاة اليهودية الأمريكية الحديثة) يختلف عن زي الفتاة اليهودية الأمريكية في الجنوب الأمريكي قبل الحرب الأهلية حيث كانت تلبس أزياء الأرستقراطية الإنجليزية. وزي كلتيهما لا علاقة له بالزي الذي ترتديه الفتاة اليهودية من قبائل البربر في المغرب وتونس. وكل هذه الأزياء لا علاقة لها بما ترتديه الفتاة اليهودية المحجبة في بخارى أو نساء السفارد الأرستقراطيات في شبه جزيرة أيبريا اللائي كن يرتدين ملابس الأرستقراطية الإسبانية (أو العربية) . ويُقال الشيء نفسه عن فلكلور المجتمعات اليهودية الذي هو في واقع الأمر فلكلورات الجماعات المختلفة التي ينتمون إلىها، فطاسة الخضة التي يستخدمها يهود مصر أمر غير معروف ليهود بولندا الذين تأثروا بالتراث الشعبي السلافي، وكلاهما سيُصدَم حينما يعرف بعض العادات التي يمارسها يهود إثيوبيا مثل ختان الإناث وعزل المرأة في كوخ مستقل أثناء الحيض. والشيء نفسه ينطبق على الفنون الجميلة، فرسوم شاجال تختلف اختلافاً جوهرياً عن الزخارف الهندسية التي تظهر على النحاسيات المملوكية التي لا يزال الحرفيون اليهود يصنعونها في دمشق، وكلاهما يختلف عن الحلي الفضية التي يصنعها الصاغة اليهود في اليمن أو تونس. وقد يُقال إن اللغة العبرية تشكل عنصراً مشتركاً بين أعضاء الجماعات اليهودية، لكن من المعروف أن العبرية ظلت في معظم الأحيان لغة الصلاة التي كُتبت بها بعض الكتابات الفقهية، ولم يكن يجيدها سوى أعضاء الأرستقراطية الدينية. وبعبارة أخرى، كانت اللغة العبرية، كعنصر مشترك مستمر، مقصورة على فئة صغيرة من الجماعات اليهودية، ولا تمتد إلى كل النشاطات الإنسانية. أما الغالبية الساحقة من أعضاء الجماعات اليهودية، فكانوا يتحدثون لغات ولهجات استقوها من الحضارات والمجتمعات التي وُجدوا فيها، وهذه اللغات تحدِّد ولا شك جانباً كبيراً من رؤيتهم للعالم. ولعل الصورة اللغوية بين يهود العالم توضح ما نرمي إلى تأكيده. فالغالبية الساحقة ليهود العالم في نهاية القرن التاسع عشر كانت تتحدث اليديشية (لا العبرية) . وفي الوقت الحالي نجد أن غالبية يهود العالم (الولايات المتحدة ـ إنجلترا ـ كندا ـ جنوب أفريقيا ـ أستراليا ـ نيوزيلنده) يشكلون جزءاً لا يتجزأ من التشكيل الاستعماري الاستيطاني الأنجلو ـ ساكسوني، ولذا فهم يتحدثون الإنجليزية لا العبرية (وفي تَصوُّرنا أن إسرائيل هي أيضاً جزء من هذا التشكيل، ولكن الغرب رأى أن يحتفظ هذا الجيب ببعض السمات اليهودية مثل العبرية حتى يمكنه استيعاب الفائض البشري اليهودي من شرق أوربا والذي كان يتدفق على غرب أوربا في نهاية القرن التاسع عشر) . أما يهود الفلاشاه فهم يتحدثون الأمهرية ويتعبدون بالجعيزية التي لم يسمع بها كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، تماماً كما لم يسمع الفلاشاه من قبل بالعبرية أو اليديشية وربما الإنجليزية. والواقع أن مصدر الاختلاف بين اللغات التي يتحدث بها أعضاء الجماعات اليهودية، والأزياء التي يرتدونها، والفنون التي يعجبون بها أو ينتجونها، هو دائماً اختلاف التشكيلات الحضارية التي انتمى إليها أعضاء الجماعات اليهودية في الماضي، أو التي ينتمون إليها في الوقت الحاضر، وهذا ما حمل أحدهم على الإشارة إلى أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة بأنهم «واسب يهود» . وكلمة «واسب» هي اختصار لعبارة «وايت أنجلو ساكسون بروتستانت White Anglo Saxon Protestant» أي «بروتستانتي أبيض من أصل أنجلو ساكسوني» . ويشير يهود فرنسا الأصليون إلى المهاجرين المغاربة بوصفهم «كوشر كُسْكُس» ، أي أن يهودية يهود المغرب مرتبطة ولصيقة بهويتهم المغربية، فطعامهم لا تقرِّره العقيدة اليهودية وحدها، ولذا فهو ليس «كوشير» وحسب، وإنما يقرره أيضاً انتماؤهم الإثني، ولذا فهو أيضاً «كُسْكُس» . والخصوصية اليهودية هنا ليست سمة عامة وإنما هي سمة مرتبطة بانتمائهم المغربي. ولذلك، يرى البعض أن هؤلاء لو فقدوا خصوصيتهم المغربية لفقدوا هويتهم اليهودية أيضاً. وقد يُقال إن ثمة رابطة دينية قوية بين أعضاء الجماعات اليهودية، وإن الخصوصية اليهودية تكمن في هذه العقيدة الفذة. ولكننا لو دققنا النظر لوجدنا أن العقيدة اليهودية لا تختلف كثيراً عن الإثنية اليهودية، فالعقيدة اليهودية ذاتها تأخذ شكل تركيب جيولوجي غير متجانس تتراكم داخله أنساق دينية مختلفة، بعضها توحيدي وبعضها الآخر حلولي أو تشاوبي (انظر الباب المعنون «اليهودية باعتبارها تركيباً جيولوجياً تراكمياً» ) . والرؤية اليهودية في الصين اكتسبت مضموناً صينياً صريحاً، وانغمس اليهود تحت تأثير الكونفوشيوسية في عبادة الأسلاف وكانوا يطلقون على الإله اسم «تاين» أي السماء، أو «تاو» ، أي الطريق، وكانوا يعبدونه في معبد يهودي يقف بجواره معبد آخر خُصِّص لعبادة الأسلاف. وكان بعضهم يأكل لحم الخنزير (مثل الصينيين) ولكنهم كانوا لا يضحون به لأسلافهم بل كانوا يقدمون لهم لحم الضأن وحسب. والأسلاف هنا، بالمناسبة، هم إبراهيم ويعقوب وإسحق. وفي الهند تأثرت اليهودية بنظام الطوائف المغلقة وبالعديد من الشعائر الخاصة بالنجاسة، تحت تأثير الهندوكية. أما في إثيوبيا، فقد تأثرت اليهودية هناك بكل من الإسلام والمسيحية، فيهود الفلاشاه يخلعون نعالهم ويصلون في مسجد، ولكنهم يتلون صلواتهم بالجعيزية، لغة الكنيسة القبطية، كما أن يهوديتهم دخلتها عناصر وثنية عديدة. وفي المحيط الإسلامي، قام موسى بن ميمون بتطوير عناصر التوحيد في اليهودية وأكدها، بل وحاول ابنه من بعده إضفاء الطابع الإسلامي على اليهودية. كما تأثرت اليهودية في المحيط السلافي الفلاحي بالمسيحيين الأرثوذكس، وبحركات المتصوفة التي ظهرت بينهم، وكانت هذه العناصر من بين الأسباب المهمة التي أدَّت إلى ظهور الحسيدية. أما في ألمانيا، والولايات المتحدة فيما بعد، فقد تأثرت اليهودية بالمحيط البروتستانتي وظهرت اليهودية الإصلاحية في بلد لوثر. أما في البلاد الكاثوليكية، خصوصاً في أمريكا اللاتينية، فقد تأثرت اليهودية بالعقيدة الكاثوليكية في كثير من جوانبها، ولذلك لا توجد يهودية إصلاحية في أمريكا اللاتينية. وقد حدا هذا ببعض الدارسين إلى الحديث عن «يهودية كاثوليكية» ، و «يهودية بروتستانتية» ، و «يهودية إسلامية» ، ويمكن أن نضيف «يهودية كونفوشيوسية» وأخرى «هندوكية» وثالثة «أفريقية» ، فهذه كلها يهوديات تستمد خصوصياتها من محيطها الديني. وهذا الأمر طبيعي وإنساني إلى أقصى حد. فالبشر، شاءوا أم أبوا، يتأثرون بمحيطهم الحضاري ويؤثرون فيه. كما أن أعضاء الأقليات عادةً يتأثرون بمحيطهم الحضاري أكثر مما يؤثرون فيه، إلا إذا كانوا من الغزاة، ففي هذه الحالة يصبح الغزاة نخبة عسكرية حاكمة يتقرب منها أعضاء المجتمع ويتعلمون لغتها ويتشبهون بها إلى أن يفقدوا لغتهم وهويتهم الأصليتين. وعلى أية حال، لم يكن العبرانيون ولا أعضاء الجماعات اليهودية في مثل هذا الوضع في يوم من الأيام، باستثناء فترة احتلال فلسطين على يد المستوطنين الصهاينة (وهم، على أية حال، جماعة غير متجانسة حضارياً، كما أن الفلسطينيين العرب جماعة واعية ومتماسكة حضارياً إلى أقصى حد) . هذا إذن أمرٌ طبيعي وإنساني، لكن المشكلة تنشأ حينما يصرُّ المؤرخون الصهاينة وغيرهم على استخدام كلمة «يهود» للإشارة إلى أعضاء الجماعات اليهودية كافة، كما لو كانوا كلاًّ واحداً متماسكاً متجانساً، ومن ثم فإنهم يتحدثون عن «فن يهودي» و «أزياء يهودية» بل و «لغات يهودية» تُجسِّد كلها خصوصية يهودية مطلقة لا علاقة لها بالتشكيلات الحضارية المختلفة. والواقع أن حديث الصهاينة عن «الخصوصية اليهودية» ناجم عن ملاحظة أن الجماعات اليهودية منفصلة عما حولها من ظواهر مماثلة. فمما لا شك فيه أن كثيراً من الجماعات اليهودية، خصوصاً في الغرب، كانت معزولة عن محيطها الحضاري إلى حدٍّ ما، وقد تركت هذه العزلة أثرها على أعضاء الجماعات اليهودية على شكل تَميُّز وخصوصية. ولكن معظم الجماعات الوظيفية، يهودية كانت أم غير يهودية، تُضرَب عليها العزلة أيضاً وتكتسب خصوصية ما مرتبطة بوضعها الاجتماعي الحضاري المحدَّد. وكما أشرنا من قبل، فإن هذه الخصوصية ليست خصوصية واحدة ولا عالمية، بل هي خصوصيات مختلفة مُستمَدة من تشكيلات حضارية غير يهودية مختلفة. كما أن حديث الصهاينة متأثر بتجربة يهود شرق أوربا من يهود اليديشية، الذين كانوا كتلة بشرية ضخمة (تشكل 80% من يهود العالم) تتميَّز بشكلٍّ مباشر عن محيطها الحضاري. ولكن من الواضح أن هذا التميز ناجم عن عناصر حضارية حملها يهود اليديشية من الحضارات السابقة التي عاشوا في كنفها، وأدخلوا عليها عناصر تبنوها من الحضارة التي انتقلوا إليها. فاليديشية (أهم مظاهر خصوصيتهم) هي ألمانية العصور الوسطى التي كانوا يتحدثون بها قبل هجرتهم بعد أن دخلت عليها بضع كلمات سلافية وعبرية، ورداؤهم هو الكفتان (القفطان) رداء الأرستقراطية البولندية، وهو من أصل تتري تركي. كما أنهم تأثروا بمحيطهم السلافي في معتقداتهم الدينية، فالحسيدية هي نتاج الفكر الصوفي الفلاحي السلافي وعقائد المنشقين على الكنيسة الأرثوذكسية، وقبعتهم المعروفة بالستريميل المزينة بالفرو هي ذات أصل سلافي. ويمكن القول بأن خصوصية يهود اليديشية تكمن في عدة عناصر مستمدة من عدة حضارات، وأن وجودها مجتمعة فيهم هو ما قد يشكل خصوصيتهم. وقد كوَّن يهود اليديشية كتلة بشرية ضخمة مترابطة متميِّزة عن محيطها الحضاري مع تأثرها العميق به، ولذا فإنها تُعدُّ أقلية قومية مثل كثير من الأقليات القومية الأخرى التي كانت توجد داخل الإمبراطورية القيصرية، فهي لا تشكل شعباً يهودياً وإنما أقلية قومية شرق أوربية. وقد انطلق أعضاء حزب البوند من هذا المفهوم، وطلبوا حل مشكلة الجماعة اليهودية في شرق أوربا باعتبارها أقلية قومية يهودية شرق أوربية لا شعباً يهودياً عالمياً. وينطلق فكر دبنوف من المفهوم نفسه، فالحديث عن قومية الدياسبورا هو في واقع الأمر حديث عن الخصوصيات اليهودية، وقومية الدياسبورا هي حديث عن أقليات قومية، وعن أقلية قومية واحدة على وجه التحديد، وهي يهود اليديشية. ومن هنا كان رفض هؤلاء اللغة العبرية ودفاعهم عن اليديشية، لا باعتبارها لغة اليهود التي تُعبِّر عن خصوصية يهودية عالمية، وإنما باعتبارها لغة يهود شرق أوربا، التي تُعبِّر عن خصوصيتهم. ولكن هذه الخصوصية اليهودية اليديشية وغيرها من الخصوصيات اليهودية، تم اكتساحها مع ظهور العلمانية الشاملة في الغرب وعصر العقل والاستنارة. فالفكر العلماني والعقلاني ينظر إلى الكون في إطار فكرة القانون العام والطبيعة البشرية العامة والإنسان الطبيعي. وقد ظهر هذا الفكر قبل تَطوُّر الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية التي أدَّت إلى تَراجُع فكرة الإنسان الطبيعي والإنسانية العامة، حيث حل محلها إدراك أعمق للطبيعة البشرية ولتَداخُل العناصر التاريخية والحضارية الخاصة مع بنية الطبيعة البشرية ذاتها. وقد طالب عصر العقل أعضاء الجماعة اليهودية وغيرهم بالتخلص من خصوصيتهم ليصبحوا بشراً بالمعنى العام للكلمة. وكان يُنظَر إلى اليهود الذين يُؤثرون الإبقاء على خصوصيتهم الدينية أو الإثنية على أنهم «دولة داخل دولة» . وقد شن الفكر العقلاني هجوماً شرساً على جميع الأقليات العرْقية واللغوية والدينية في المجتمع الغربي وضمن ذلك الجماعة اليهودية، ودعاهم إلى التخلي عن انعزاليتهم وإلى إصلاح وتحديث هويتهم، أي تطبيعها وتخليصها من أية خصوصية تكون قد علقت بها. وقد استجاب اليهود إلى هذه الدعوة وبسرعة غير عادية لأسباب عدة، من بينها عدم وجود خصوصية يهودية عالمية كما أسلفنا، وعدم وجود سلطة مركزية يهودية تحدد الخصوصية اليهودية وتحدد معاييرها. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية، بسبب غياب هذه السلطة، كانوا قد تشربوا قدراً كبيراً من الثقافة المحيطة بهم، عن وعي أو عن غير وعي، ولذا فلم يكن من الصعب إنجاز عملية التخلص من أية علامات على الخصوصية. كما ظهرت بين اليهود حركات إصلاح ديني وتنوير أسهمت في تخليص اليهود من أية خصوصية دينية أو غير دينية. ومع هذا، يجب ملاحظة أن أشكال العلمنة ومعدلاتها ذاتها كانت تختلف من بلد إلى آخر حسب الخصوصية الدينية والحضارية لهذا البلد أو ذاك. وأكبر دليل على الاختفاء السريع للخصوصية هو ما حدث للكتلة البشرية الشرق أوربية الضخمة من يهود اليديشية، والتي كانت تشكل 80% من يهود العالم. فقد اختفت اليديشية، أهم مظاهر هذه الخصوصية بسرعة غير عادية، ولم يعد هناك سوى بضعة جيوب وأفراد يتحدثونها. وتُعَدُّ تجربة المهاجرين اليهود مع الولايات المتحدة من أهم التجارب في التخلص من الخصوصية، فقد كان أعضاء الجماعة اليهودية هم أسرع أقلية تمت أمركتها رغم كثرة الحديث عن انعزالهم وتطلعاتهم القومية، وذلك لأن المجتمع الأمريكي هو المجتمع العلماني النموذجي. وفي الوقت الحاضر، تدل الصورة العامة للخصوصيات اليهودية في العالم على تآكلها، وعلى تزايد معدلات اندماج اليهود في مجتمعاتهم. وبطبيعة الحال، لا يمكن الحديث في الوقت الحاضر عن أية خصوصية إسرائيلية. ولكن، حتى إن ظهرت مثل هذه الخصوصية، فإنها لن تكون خصوصية يهودية عالمية وإنما خصوصية التجمع البشري الاستيطاني في الشرق الأوسط، ذلك المجتمع الذي يتحدث سكانه اللغة العبرية مع أنهم جاءوا من تشكيلات حضارية شتى وأحضروا معهم خصوصياتهم الحضارية المختلفة. والنزاع القائم بين الأرثوذكس وغير الأرثوذكس، وبين الدينيين واللادينيين، وبين السفارد والإشكناز، هو أكبر دليل على عدم وجود الخصوصية اليهودية العالمية أو العامة. الاندماج Assimilation «الاندماج» هو تَبنِّي أعضاء الأقليات عادات الشعوب التي يعيشون في كنفها، وكذلك تراثها الحضاري من مأكل وملبس وطرق تفكير ولغة، بحيث لا يختلفون في كثير من الوجوه عن بقية أعضاء المجتمع. والاندماج عكس الانعزال، وهو مختلف عن الانصهار (أي الذوبان الكامل في المجتمع المضيف أو مجتمع الأغلبية واختفاء أي شكل من أشكال الخصوصية) . وأعضاء الجماعات اليهودية، باندماجهم في محيطهم الحضاري وانصهارهم أحياناً أو بانعزالهم عنه أحياناً أخرى، لا يختلفون عن بقية أعضاء الأقليات والجماعات الإثنية، أو عن بقية البشر. ولا يوجد قانون واحد يحكم ظاهرة اندماج أعضاء الجماعات اليهودية وانصهارهم أو انعزالهم، وبالتالي لا يمكن القول بأن اليهود يميلون بطبيعتهم إلى الانعزال عمن حولهم. كما لا يمكن الأخذ بعكس ذلك، كأن نقول إن اليهود يميلون بطبيعتهم إلى الاندماج فيمن حولهم، وهكذا. ففي غياب حركيات تاريخية اجتماعية يهودية مستقلة، لابد من العودة إلى أُطر مرجعية مختلفة، ومن ثم فإن من الضروري دراسة كل حالة على حدة بالإشارة إلى مرجعيتها التاريخية والثقافية غير اليهودية. ومع هذا، سنحاول أن نصل في المداخل التالية إلى بعض التعميمات الفضفاضة بمقارنة الحالات المختلفة ومقارنة أوضاع الجماعات اليهودية بجماعات وأقليات أخرى. الاندماج البنيوي Structural Assimilation «الاندماج البنيوي» هو الاندماج النابع من حركيات المجتمع وبنيته وظروفه الموضوعية، هذا في مقابل «الدمج المدني» وهو إعطاء اليهود حقوقهم الدينية والسياسية والمدنية من خلال تشريعات وقوانين تصدرها الدولة وتشرف مؤسساتها على تنفيذها. وينطبق هذا الاندماج المدني على معظم يهود العالم الغربي، أي أغلبية يهود العالم. وتتم عملية الدمج المدني على مستوى البنية الشكلية السطحية، ولذا فهي لا تضرب بجذورها في الواقع المتعين، ومن ثم فهي مهددة بالاختفاء في أية لحظة. وقد حدث شيء مماثل في ألمانيا في ثلاثينيات هذا القرن. فأعضاء الجماعة اليهودية كانوا قد حققوا درجات عالية من الاندماج المدني، بعد أن حصلوا على حقوقهم السياسية والدينية كافة، وبعد أن أُتيح لهم مختلف الوظائف وفتحت المؤسسات التعليمية أبوابها لهم. وقد تم ذلك بمقتضى القانون. ولكن حين وصل النظام النازي إلى الحكم، فقدوا كل هذه الحقوق بسبب بنية المجتمع الألماني وعلاقة أعضاء الجماعة اليهودية بها، والتي أدت في نهاية الأمر، إلى وصول النازيين إلى سدة الحكم. ويمكن القول بأن آليات الدمج والعزل ليست مسألة ذاتية أو إرادية تماماً، وإنما مسألة لصيقة ببنية المجتمع، ومن ثم فهي قد تتجاوز رغبة المؤسسة الحاكمة في دمج الأقلية أو عزلها، بل وتتجاوز موقف أعضاء الأقلية من عمليتي الدمج والعزل. فمن المعروف أن الدولة الروسية القيصرية كانت راغبة تماماً في دمج اليهود، لأن هذا كان يخدم مصلحتها ويتفق مع رؤيتها. وبالفعل أصدرت الدولة الروسية العديد من القوانين لحث اليهود على الاندماج. ولكن كانت هناك عناصر عديدة ذات طابع بنيوي تعوق عملية الدمج المدني مثل تَخلُّف وفساد البيروقراطية الروسية التي كانت تشرف على عملية الدمج. كما أن تَخلُّف أعضاء الجماعات اليهودية لم يساعد كثيراً على عملية الدمج. ولنضرب مثلاً آخر من كوبا. حينما استولت قوات كاسترو على الحكم، كانت الحكومة الثورية الجديدة متعاطفة تماماً مع أعضاء الجماعة اليهودية، وأصدرت التشريعات اللازمة لمنحهم حقوقهم السياسية والمدنية ولتهيئة الجو اللازم لممارسة الشعائر الدينية اليهودية. ولكن على المستوى البنيوي كان الاقتصاد الاشتراكي يضطر الحكومة لتأميم العديد من المصانع التي كان يمتلكها أعضاء الجماعة اليهودية والاستيلاء على رؤوس أموالهم وتصفية كثير من الوظائف التي كانوا يشغلونها (فهم كانوا مرتبطين بالاقتصاد القديم والمصالح الأمريكية) . كل هذا يعني في واقع الأمر أن بنية المجتمع نفسها كانت تلفظهم، رغم كل المحاولات المخلصة من جانب الحكومة الثورية أن تحافظ عليهم وتستفيد من خبراتهم. وقد يكون من المفيد أن نتناول بعض آليات الاندماج والانعزال البنيويين فيما يلي: 1 - يُلاحَظ حينما يتحول أعضاء الجماعة الدينية إلى جماعة وظيفية، أي حينما يضطلعون بوظائف تتطلب نوعاً من الحياد والانفصال عن المجتمع، أنهم يحققون أقل درجات الاندماج، إذ أن عُزلَتهم تصبح أمراً وظيفياً مطلوباً. ومثال ذلك، الجماعة اليهودية في جزيرة إلفنتاين في مصر (قرب أسوان) والتي كانت تشكِّل جماعة وظيفية قتالية ابتداءً من عصر بسمتيك الثاني (594 - 588 ق. م) ، وكذلك الجماعات اليهودية في الغرب والتي عمل بعض أعضائها أقنان بلاط في العصور الوسطى، وكذلك يهود الأرندا في بولندا ابتداءً من القرن الخامس عشر حتى القرن التاسع عشر. وحينما يترك اليهود هذه الوظيفة، فإن الأسباب الداعية إلى عزلتهم تنتفي ويبدأ أعضاء الجماعة في الاندماج في المجتمع بل والانصهار فيه، تماماً كما حدث في حالة يهود الصين في مدينة كايفنج. ويمكن النظر إلى انخراط بعض يهود اليديشية (من يهود شرق أوربا) في صفوف الطبقة العاملة والوسطى داخل منطقة الاستيطان في روسيا في أواخر القرن التاسع عشر، أو تَحوُّل المهاجرين منهم في الولايات المتحدة إلى عمال ومهنيين وتجار في القرن العشرين، بوصفه تعبيراً عن هذه العملية التي يتحوَّل من خلالها أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة المنعزلة والتي توجد في مسام المجتمع إلى طبقة وسطى أو عاملة توجد في صلبه. 2 - يبدو أن أعضاء الجماعات اليهودية حينما ينخرطون في صفوف المهن الحرة، فيعملون كأطباء ومحامين ومديرين وموظفين كبار، تصبح معدلات الاندماج بينهم عالية للغاية شريطة وجود ظروف معينة أهمها ألا تكون المهنة مقصورة عليهم، وألا يعمل بها أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية، وإلا تَحوَّلوا إلى جماعة وسيطة. فحينما تضم مهنة ما أعداداً كبيرة من أعضاء الأغلبية، فإن الانتماء إلى المهنة والاستفادة بشبكة الاتصال التي يتم تَبادُل أسرار المهنة من خلالها سيتطلب التخلي عن كل خصوصية قومية. وهذا ما حدث في الصين في كايفنج، حين انخرط اليهود في سلك طبقة الماندرين من كبار الموظفين من خلال الامتحان الإمبراطوري في منتصف القرن السابع عشر، فاندمجوا فيهم وأصبحوا صينيين تماماً. ونحن نرى أن ما يحدث للجماعات اليهودية في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (سابقاً) هو من هذا القبيل. فأبناء العمال اليهود وأعضاء الطبقة الوسطى يدخلون الجامعات بنسبة عالية ويتحولون إلى مهنيين وعلماء، وهنا فإن ولاءهم ينصرف إلى أعمالهم وبالتالي إلى جماعتهم الجديدة. كما أنهم جزءٌ لا يتجزأ من المجتمع في ثقافته ولغته، الأمر الذي يشجع اليهود على الاندماج الثقافي. 3 - يُلاحَظ أنه إذا ظهرت الخصوصية، وظهر التَميُّز والتمايز على المستويات الدينية والاقتصادية والثقافية، تصبح درجة العزلة عالية للغاية، إذ تدعم العزلة الاقتصادية العزلة الدينية التي تقوم بدورها بإضفاء القداسة على العزلة الاقتصادية. وربما كان وضع يهود الأرندا في أوكرانيا مثلاً متبلوراً يُجسِّد هذه الصورة، حيث كانوا يمثلون الإقطاع الاستيطاني البولندي في أوكرانيا، ويعملون بالأمور المالية والتجارية في وسط زراعي فلاحي، ويتحدثون اليديشية والبولندية في وسط يتحدث الأوكرانية. كما كانوا يهوداً يمثلون نخبة كاثوليكية في وسط أرثوذكسي، بل ويرتدون أزياء مختلفة عن تلك التي يرتديها الفلاحون، ويقصون شعورهم بطريقة متميِّزة في شكل لحية وسوالف، وبالتالي لم تكن تربطهم علاقات قوية بالمجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها. والصينيون، في جنوب آسيا، مَثَل آخر لهذا. وهذا يختلف عن تَميُّز الأقلية وتمايزهم على مستوى واحد فقط كما في حالة الأقلية القبطية في مصر، فالتميز ديني وحسب (وحتى على هذا المستوى توجد أرضية مشتركة عريضة) ، أما على المستويات الثقافية والاقتصادية فهم جزء لا يتجزأ من التشكيل الحضاري العربي الإسلامي في مصر (يتحدثون العربية ولا يختلفون عن بقية أعضاء المجتمع في مأكلهم أو ملبسهم أو مشربهم) . 4 - يزداد مستوى العزلة والخصوصية إن كان هناك وطن أصلي يتبعه أعضاء الأقلية ويشكل النقطة المرجعية النهائية لهم يستمدون منه هويتهم ورؤيتهم لأنفسهم. وربما كان الصينيون في جنوب شرق آسيا مثلاً جيداً لذلك، فالصين هي دائماً وطنهم الأصلي ونقطة جذب حضارية ضخمة لها ثقلها ووزنها بالنسبة إليهم. وتزداد معدلات الاندماج باختفاء مثل هذا المركز، إذ يستمد أعضاء الأقلية رؤيتهم لأنفسهم من المجتمع الذي يوجدون فيه أياً كانت درجة انعزالهم عنه. وغياب مثل هذا المركز يعني أيضاً غياب معايير مركزية دينية أو ثقافية، وهو ما يعني أن كل أقلية لابد أن تتطور بحسب المعايير المحلية. وهذا ما حدث للجماعات اليهودية في كل أنحاء العالم، فرغم انفصالهم النسبي عن الأغلبية، فقد استمدوا هويتهم المستقلة منها (بسبب غياب ثقافة يهودية عالمية ومركز يهودي واحد) ، ومن ثم حققوا معدلات عالية من الاندماج (رغم استقلاليتهم الظاهرة) 5 - من الواضح أن ثمة علاقة بين معدلات الاندماج وحجم الجماعات اليهودية. فالجماعات الصغيرة تميل نحو الاندماج بسرعة على عكس الكتل البشرية الكبيرة، ومن هنا فإن تَركُّز أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية أو غيرها في منطقة سكنية واحدة يساعدها على العزلة ويؤكد خصوصيتها، إذ يُمكِّنها من ممارسة معظم الأنشطة الحياتية داخل نطاق الجماعة ومن خلال أعضائها، أما إذا خَفَّت الكثافة السكانية فإن معدلات الاندماج تتزايد. كما أن صغر حجم الجماعة يجعلها غير قادرة على المساهمة في صياغة الأفكار التي تسود المجتمع، ولهذا فإنها تَتبنَّى الأفكار السائدة وتستبطنها تماماً. وربما كانت منطقة الاستيطان في روسيا (ثم الاتحاد السوفيتي) ، بكثافتها البشرية اليهودية، هي أكثر المناطق التي ساعدت على انتشار الخصوصية اليهودية الشرق أوربية اليديشية، حتى أن بعض مثقفي هذه الجماعة اليهودية كانوا يتحدثون عن قومية يهودية شرق أوربية يديشية. ولكن، بعد الثورة البلشفية في الاتحاد السوفيتي، فُتحت أمام اليهود أبواب الحراك الاجتماعي وسُمح لهم بترك منطقة الاستيطان. وقد ساهم هذا في نزوح اليهود وتَناثُرهم وزيادة معدلات الاندماج بينهم. والواقع أن انخراط أعضاء الجماعة في سلك المهنيين يساعد على هذه العملية إذ أن المهني يحاول أن يغتنم الفرص أينما وجدها، فيترك المنطقة ذات الكثافة السكانية اليهودية وينتقل إلى مناطق نائية تجعل حفاظه على خصوصيته كعضو في الجماعة اليهودية أمراً صعباً بالنسبة له. 6 - يُلاحَظ أن يهود العالم يوجدون الآن في مناطق حضرية كبيرة مثل نيويورك. ويُلاحَظ أن ذلك يشجع على الاندماج، ذلك لأن هذه المناطق غير مقصورة على أعضاء الجماعة اليهودية، وهنا فإنهم يجدون أنفسهم في محيط ثقافي غير يهودي يضطرهم إلى التعامل معه بشكل دائم ويومي والتكيف معه في نهاية الأمر، خصوصاً إذا كانوا لا يعيشون داخل جيتوات مقصورة عليهم، ومن الواضح أن نشوء مثل هذه الجيتوات في المدن الكبيرة الحديثة أمر صعب. 7 - تتزايد معدلات الاندماج في وجود نظم ديموقراطية تمنح اليهود حقوقهم السياسية والمدنية، وهو المناخ الذي يعيش فيه معظم يهود العالم الغربي، أي أغلبية يهود العالم. يُلاحَظ تزايد معدلات الاندماج مع وجود دولة قومية قوية ذات مؤسسات مركزية تُيسِّر عملية دمج كل المواطنين، مثل: نظام تعليمي قوي، ونظام شرطة بوسعه أن يكبح جماح المتطرفين من أعضاء الأقلية والأغلبية، ونظام إعلامي يعمل على نشر الصورة القومية المطروحة. كما تَخْلق مثل هذه المؤسسات القومية المركزية فرصاً اقتصادية متزايدة يستطيع أعضاء الأقلية أن يحققوا من خلالها شيئاً من طموحاتهم. وبدون هذه المؤسسات، تظل الصورة القومية مجرد فكرة وطموح عام. 8 - يبدو أن العلاقات الاجتماعية كلما ازدادت قوة بين أعضاء الأغلبية قلَّت احتمالات الاندماج. بينما تتزايد فرص الاندماج بالنسبة لأعضاء الأقليات مع تَفكُّك النسيج المجتمعي واختفاء المعايير المركزية. 9 - يؤدي وجود أقليات دينية أو إثنية أخرى في المجتمع إلى تزايد معدلات الاندماج في بعض الحالات، إذ أن عضو الأقلية لا يصبح شيئاً فريداً مُحاصَراً وإنما يصبح عضواً في مجتمع ذي سلطة مركزية واحدة وأطراف متعددة. ولكن الوضع نفسه قد يؤدي إلى تزايُد الخصوصية. فمع وجود أقليات عديدة، تَضعُف سلطة المركز وتستمر الأطراف في تطوير خصوصياتها المختلفة وفي إضفاء نوع من الشرعية على فكرة الخصوصية. هذه بعض التعميمات التي يجب التعامل معها بحذر شديد، ويجب ألا يركن الباحث لها وإنما أن ينظر لها باعتبارها مؤشرات عامة، قد تكون مضللة في ظروف معينة. ولذا ينبغي عليه أن يطرح أسئلة محددة، يحاول من خلال الإجابة عليها أن يصل إلى المنحنى الخاص للظاهرة. ولذا بدلاً من أن يتحدث عن " المهاجرين اليهود " بشكل عام، عليه أن يسأل عن نوعية المهاجرين اليهود الذين يصلون إلى المجتمع (مستواهم الاقتصادي - مستواهم التعليمي - مرحلتهم العمرية ... إلخ) . وبدلاً من أن يتحدث عن المجتمع المضيف بشكل مطلق عليه أن يتعامل مع هذا المجتمع في خصوصيته (درجة تقدُّمه - مدى احتياجه لخبرات معينة - نظام الحكم فيه ... إلخ) . ويمكن أن نضرب مثلاً لذلك باليهود السفارد الذين هاجروا إلى فرنسا في القرن السابع عشر بعد طردهم من إسبانيا. وكانت عملية اندماجهم سريعة بسبب صغر حجم الجماعة اليهودية، ولأنهم كانوا ذوي خبرة بالشئون المالية المتقدمة التي كان المجتمع يحتاج إليها، كما أن لهجة اللادينو التي كانوا يتحدثونها كانت لهجة إسبانية غير بعيدة عن الفرنسية. ومن ناحية أخرى، لم يكن السفارد مختلفين كثيراً عن الفرنسيين في ردائهم وعاداتهم الثقافية. ويختلف هذا تماماً عن حالة اليهود الإشكناز الذين استوطنوا فرنسا وغيرها من بلاد أوربا في القرن التاسع عشر، فقد جاءوا من بولندا وكانوا يتحدثون اليديشية، كما أنهم كانوا يشتغلون بأعمال الربا والرهونات وتجارة التجزئة وكانوا مختلفين عن الفرنسيين في ردائهم وعاداتهم الثقافية، وكان مستواهم الحضاري بالنسبة للمجتمع الفرنسي مُتدنياً. وهو ما جعل عملية دمجهم طويلة وصعبة ومُعقَّدة. وقد استخدمنا هنا معيارين: واحد اقتصادي (درجة الثراء) والآخر حضاري (التقدم والتخلف) ، كما استخدمنا معياراً يتصل بالمجتمع المضيف (مدى حاجته للوافدين) . إذا طبقنا هذه المعايير المركبة على ظاهرة مماثلة، فإنها قد تأتي بنتائج مختلفة تماماً. فقد تم توطين بعض أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا (مع التجار الألمان) لتشجيع التجارة. وكان يهود ألمانيا يتمتعون بمستوى حضاري أكثر تركيباً بالقياس للوسط الفلاحي البولندي ثم الأوكراني، وهنا نجد أن التقدم الحضاري قد أدى إلى الانعزال، فاحتفظ المهاجرون اليهود الألمان بلغتهم التي تطورت وأصبحت اليديشية. وقد جاء اليهود بناء على حاجة المجتمع لهم، وبدعوة منه، وهو أمر يُفتَرض فيه أن يؤدي إلى اندماجهم، ولكن العكس قد حدث، لأن الدعوة لم تأت من المجتمع ككل وإنما من النخبة الحاكمة التي أرادت أن تستخدم العنصر اليهودي في تطوير البلاد من الناحية التجارية، كما أنها استخدمته فيما بعد في استغلال الفلاحين وفي قمع البورجوازية، الأمر أدى إلى عزلة شبه كاملة لأعضاء الجماعة اليهودية. ومن المتصوَّر عقلياً أن يؤدي الاندماج إلى تقليل حدة التوتر ضد أعضاء الجماعات اليهودية، وهو ما يحدث بالفعل في معظم الأحيان، كما هو الحال في الولايات المتحدة وإنجلترا. ولكن من الثابت أيضاً أن اندماج أعضاء الجماعة اليهودية وتحرُّكهم من مسام المجتمع إلى مركزه وتواجدهم فيها بأعداد كبيرة قد يثير الحقد ضدهم. كما أن غياب الحدود والإشارات المميِّزة قد يؤدي إلى تصاعُد معدل التوتر بين أعضاء الجماعة اليهودية وأعضاء الأغلبية، إذ تظهر الرغبة في تأكيد الحدود (بين أعضاء الأقلية والأغلبية) ، ثم تظهر النماذج التفسيرية العنصرية التي تتحدث عن المؤامرة اليهودية الخفية، وعن تغلغل اليهود في كل مناحي الحياة وتَخفِّيهم وتآمرهم ضد المجتمع. ومن هنا كان النازيون يناصبون اليهود الاندماجيين العداء بسبب عدم وضوحهم، بينما كانوا يتعاونون مع الصهاينة لأنهم يقبلون هوية يهودية متميِّزة وواضحة ومستقلة غير مندمجة في المجتمع. ولهذا، ساهم النازيون في إحياء الثقافة العبرية وشجعوا النشاط الصهيوني. وإذا كان نظام الحكم شمولياً، وأصيب الاقتصاد بكساد وزادت معدلات البطالة، فقد يتحول الهمس العنصري إلى مُخطَّط للطرد والإبادة (كما حَدَث في ألمانيا النازية) . ويتصور معظم الباحثين أن تصاعُد معدلات العلمنة في المجتمع يزيد روح التسامح تجاه أعضاء الأقليات، ومن ثم تتزايد معدلات دمجهم. وهو افتراض سليم في بعض الأحيان، ولكن هناك أمثلة تدل على أن العكس قد يحدث. فمع تصاعُد معدلات العلمنة في الغرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ظهرت موجة من العنصرية، تستند إلى محاولة تعريف الإنسان من خلال عنصر مادي كامن فيه (حجم جمجمته - لون جلده - لون شعره) وهو ما أدى إلى ظهور النظريات العنصرية الغربية التي خلقت التربة الخصبة للحركات الشمولية والفاشية التي قامت بعزل اليهود والحرب ضد دمجهم. العزلة اللفظية والاندماج البنيوي Verbal Isolation and Structural Assimilation «العزلة اللفظية» هي أن يدَّعي أعضاء الجماعة اليهودية أن لهم هوية متميِّزة، مختلفة بشكل جوهري عن الهوية السائدة في المجتمع، في الوقت الذي تتآكل فيه هويتهم وتنتهي عزلتهم من خلال عمليات الدمج البنيوي. ولعل الولايات المتحدة أفضل مثل لذلك في الوقت الحاضر. فرغم أن النبرة الإثنية اليهودية عالية للغاية، إلا أن الهوية اليهودية آخذة في التآكل وأكبر دليل على هذا معدلات الزواج المُختلَط العالية التي تزيد في بعض الولايات عن 60% من مجموع الزيجات اليهودية. ولذا لا يكف الصهاينة عن التحذير من الاندماج، باعتباره أكثر خطورة على اليهود من الإبادة النازية (الهولوكوست) . ويركن معظم الدارسين العرب إلى اقتباس ادعاءات اليهود عن هويتهم باعتبارها حقائق، ثم يدرسون واقع الجماعات اليهودية في إطار هذا الادعاء، ويبدأون في مراكمة الشواهد على صدقه، متجاهلين كماً هائلاً من المعلومات يدل على العكس. ومن الثابت تاريخياً أن الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة حققت أسرع معدلات الاندماج بالمقارنة بمعدلات اندماج الأقليات المهاجرة الأخرى. الاندماج السياسي والاقتصادي والاندماج الحضاري: أشكالهما المختلفة Political and Economic, and Cultural Assimilation: Their Different Forms عملية الاندماج عملية مركبة يوجد فيها أساساً طرفان: أعضاء الأغلبية وأعضاء الأقلية. ولكن الطرفين ليسا متساويين، إذ أن مجتمع الأغلبية هو العنصر الحاسم في تقرير طبيعة العلاقة بين الأغلبية والأقلية، فهو الذي يسم الأقلية بميسمه، ومن هنا فالمسئولية (الاجتماعية والأخلاقية) تقع على عاتق الأغلبية بالدرجة الأولى. ويمكن أن ننظر للعلاقة بين الأغلبية والأقلية من منظور سياسي واقتصادي مباشر، كما يمكن أن ننظر إليها من منظور أكثر تركيباً، وهو المنظور الحضاري: 1 - منظور سياسي اقتصادي: أ) يمكن القول بأن أعضاء الجماعات اليهودية يندمجون في النخبة الحاكمة ويصبحون جزءاً منها وتصبح مصالحهم من مصالحها، حينما يصبحون جماعة وظيفية وسيطة. وفي العصور الوسطى في الغرب، اندمج أعضاء الجماعات اليهودية في الطبقة الحاكمة وأصبحوا أقنان بلاط، ويهود أرندا في بولندا، ويهود بلاط في وسط أوربا وفي نواح أخرى منها. وغني عن القول أن اندماج اليهود في الطبقة الحاكمة يعني انعزالهم عن بقية الشعب. ب) واندماج أعضاء الجماعات اليهودية في الطبقة الوسطى يختلف عن ذلك تماماً، وهذا ما حدث في أوربا بعد الثورة الفرنسية وفي الولايات المتحدة عند بدايات الاستيطان حينما جاء أعضاء الجماعات اليهودية بخبرات تجارية مهمة ورؤوس أموال كبيرة، فانخرطوا في سلك الطبقة المتوسطة واندمجوا فيها وفقدوا كثيراً من ملامحهم الإثنية. جـ) اختلف الأمر تماماً مع وصول يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر، إذ تحوَّلت أعداد كبيرة منهم إلى عمال يعملون بصناعة النسيج على وجه الخصوص نتيجة ميراثهم الاقتصادي الأوربي. ولكنهم، مع هذا، لم يكوِّنوا طبقة عمالية مستقلة تماماً، إذ كانوا جزءاً من الطبقة العاملة الأمريكية التي كانت تشكل جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الأمريكي. ومع منتصف القرن الحالي، كان أبناء العمال من أعضاء الجماعة اليهودية قد دخلوا الجامعات وأصبحوا مهنيين وانخرطوا في صفوف الطبقة الوسطى بحيث أصبحت أغلبية يهود العالم أعضاءً في هذه الطبقة، وهو ما يعني تزايد معدلات الاندماج. د) يمكن أن يندمج أعضاء الجماعات اليهودية في المصالح الإمبريالية، وهذا هو جوهر الحل الصهيوني، إذ تذهب الصهيونية إلى أن أعضاء الجماعة اليهودية في أوربا قد فشلوا تماماً، كجماعات وظيفية أو كأفراد، في الاندماج في التشكيلات الحضارية القومية الغربية. ولكنهم كدولة وظيفية قتالية استيطانية، يمكنهم تحقيق ما فشلوا فيه كأفراد، إذ أن هذه الدولة ستندمج في التشكيل الإمبريالي الغربي من خلال تمثيل مصالحه في الشرق الأوسط والدفاع عن هذه المصالح، وذلك نظير أن يقوم هو بتمويلها والدفاع عنها. والواقع أن هذا الوضع لا يختلف كثيراً عن وضع اليهود في العصور الوسطى في الغرب حينما اندمجوا في الطبقة الحاكمة في أوربا وانعزلوا عن بقية الشعب. فالدولة اليهودية أصبحت جزءاً من التشكيل الإمبريالي الغربي (وهو المقابل الموضوعي للنخبة الحاكمة) وانعزلت تماماً عن الدول المحيطة بها، وبهذا حل محل عزلة الجماعة الوظيفية عزلة الدولة الوظيفية. 1 - منظور حضاري: إن غياب التَجانُس بين الجماعات اليهودية في العالم هو أكبر دليل على معدلات الاندماج الحضاري العالية، ذلك أن عدم التجانس يقف دليلاً على أنه لا توجد خصوصية يهودية عالمية بقدر ما توجد خصوصيات يهودية نابعة من المجتمعات المختلفة وتتحدد من خلالها وبسببها لا من خارجها ورغماً عنها. ويمكن أن نضرب العديد من الأمثلة على ذلك: أ) خضع يهود كايفنج في الصين تماماً لحركيات المجتمع الصيني الحضارية، وهو المجتمع الذي كان يتسم بالتعددية الدينية ورَفْض مفهوم القومية. فالإمبراطورية هي العالم، وبالتالي فهي تضم أقواماً مختلفة. ولم يتم حصر اليهود داخل دور اقتصادي أو اجتماعي محدَّد بل أتيحت أمامهم كل الوظائف، فبدأوا يتبنون لغة المجتمع الثقافية وفقدوا أية خصوصية جلبوها معهم، وبدأت العناصر غير اليهودية تدخل اليهودية (وهذا تقليد صيني في حد ذاته: أن تستوعب العبادة عناصر من خارجها) ، فاختلطت العقيدة اليهودية بعبادة الأسلاف وأطلقت أسماء صينية على الإله، وانتهى الأمر بأن فقد اليهود هويتهم تماماً. ب) اندمج أعضاء الجماعات اليهودية في الهند في مجتمعهم الهندي المبني على فكرة الطائفة المغلقة والفصل الحاد بين الجماعات، فتَبنَّى أعضاء الجماعات اليهودية هذه اللغة الثقافية وفصلوا بينهم وبين أعضاء المجتمع. بل وساد داخل الجماعات اليهودية نفسها هذا الفصل الحاد بين البيض والسود وبين اليهود البغدادية وغيرهم، بحيث تكونت طوائف مغلقة داخل الجماعات اليهودية. وثمة مفارقة طريفة تستحق الملاحظة وهي أن عزلة أعضاء الجماعة اليهودية هي في الواقع تعبير عن الاندماج وتعبير عن تَقبُّل لغة المجتمع الحضارية وعاداته وتقاليده. جـ) اندمج يهود جمهورية جورجيا السوفيتية (سابقاً) تماماً في مجتمعهم، وتَبنَّوا مأكله وملبسه ولغته، وانخرطوا في شبكة العلاقات التقليدية التي ظلت قائمة بعد سنوات طويلة من الحكم البلشفي. وكانوا يشاركون الجورجيين في رفض الحكم السوفيتي المركزي. وحينما سنحت ليهود جورجيا فرصة الهجرة إلى إسرائيل، فعلوا ذلك. فهجرتهم الاستيطانية، هنا أيضاً، تعبير عن اندماجهم لا عن رفضهم مجتمعهم. د) تَحوَّل أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة إلى أمريكيين يهود، وهم الأمريكيون الذين يكتسبون الهوية الأمريكية ويحتفظون بأبعاد إثنية خاصة لا تتناقض مع انتمائهم الأمريكي. والواقع أن الاستقلال النسبي الذي يتمتع به الأمريكيون اليهود في مجتمعهم هو، بالمثل، علامة على اندماجهم الكامل، فهذه هي اللغة الحضارية السائدة والنمط المتكرر في المجتمع. فالعقد الاجتماعي الأمريكي لا يمانع بتاتاً في أن يحتفظ المواطنون الأمريكيون برابطة ما مع وطنهم، وأن يحتفظوا بقَدْر من إثنيتهم الحقيقية أو الوهمية، ما دامت هذه الإثنية لا تتعارض مع انتمائهم لوطنهم الأمريكي ولا مع مصالحه. ولذا، فإن المجتمع الأمريكي مُكوَّن من أمريكيين إيطاليين (أي من أصل إيطالي) وأمريكيين أيرلنديين (من أصل أيرلندي) وهكذا. ويظهر مدى اندماج يهود الولايات المتحدة في مجتمعهم في موقفهم من تجارة الرقيق والحرب الأهلية الأمريكية. فيهود الشمال عارضوا هذه التجارة، شأنهم شأن أهل الشمال، وتَبنَّوا موقفاً مناوئاً لهذه التجارة. أما يهود الجنوب، فقد تَبنَّوا موقف أهل الجنوب، فاقتنوا العبيد والمحظيات السود، وكان منهم تجار الرقيق بمعدل يفوق المعدل على المستوى القومي. ولم تظهر شخصية يهودية واحدة في الجنوب عبَّرت عن تَحفُّظها على تجارة الرقيق، كما لم يُثر أي صحفي أو كاتب أو داعية يهودي أيَّ تساؤل بشأن العدالة الاقتصادية والاجتماعية لمؤسسة الرقيق. ولم يساهم اليهود في حركة تهريب العبيد إلى الشمال بهدف إعتاقهم، فلا يوجد سوى سجل لحالة واحدة. فاليهود، إذن، كانوا بشراً يشكلون جزءاً لا يتجزأ من محيطهم الحضاري والإنساني بكل ما يتضمن من خير وشر. ذ) وقد لاحظ بعض المراقبين أن يهود الجنوب الأمريكي حققوا حراكاً اجتماعياً أكثر من يهود الشمال وتم تَقبُّلهم من جانب المجتمع ومن جانب النخبة، كما شغلوا تقريباً مختلف الوظائف المتاحة لأعضاء النخبة. وتُفسَّر هذه الظاهرة على أساس وجود العبيد في الجنوب. فالجنوب تَبنَّى اللون (أي العرْق) معياراً وحيداً لتعريف الآخر وأساساً للتضامن، ومن ثم أسقط المعيار الديني أو الإثني، وأصبح اليهودي (الأبيض) أيضاً جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الجنوبي، وذلك على عكس الشمال حيث كانت النخبة بروتستانتية بيضاء وتَبنَّت المعيار الإثني العرْقي الديني الذي صُنفت على أساسه الجماعات. فكان البروتستانت البيض في أعلى الهرم، والزنوج في أسفله، أما الكاثوليك البيض فكانوا يأتون في مرتبة أقل من البروتستانت البيض ويليهم في المنزلة اليهود البيض، وهكذا حتى نصل إلى قاع السلم. ويُلاحَظ، مع تزايد معدلات العلمنة، أن اللون أصبح الأساس الوحيد للتصنيف، ومن ثم تزايد اندماج اليهود والتحامهم بالنخبة. ومن هذا المنظور، لعبت مؤسسة الرقيق دوراً حاسماً في صياغة شكل الحياة العامة في الجنوب وفي العلاقات الاجتماعية والإنسانية فيه، وضمن ذلك حياة أعضاء الجماعة اليهودية وعلاقاتهم ببقية طبقات المجتمع وقطاعاته. وقد حدث هذا رغم أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يلعبوا دوراً ملحوظاً أو مؤثراً أو فريداً في تأسيس أو تسيير هذه المؤسسة ولا في التصدي لها. بل يمكننا القول بأن صهيونية الأمريكيين اليهود نفسها تعبِّر عن اندماجهم، فصهيونيتهم تعبير عن الأبعاد الإثنية في شخصيتهم الأمريكية، أي أنها نابعة عن حركية أمريكية خاصة لا حركية يهودية عامة. ولهذا، فهي تأخذ شكل صهيونية توطينية تدعم إسرائيل (مسقط الرأس!) مالياً وسياسياً ولا تأخذ شكل صهيونية استيطانية تتطلب الهجرة. كما أن سلوك اليهود لا يختلف كثيراً عن سلوك الأمريكيين الأيرلنديين الذين يشكلون لوبي ضغط لصالح بلدهم الأصلي، مع أنهم لا يفكرون أبداً في العودة إليه. هـ) اندمج يهود جنوب أفريقيا في مجتمع يشجع الفصل بين الشعوب والأعراق. ولذا، شكَّل أعضاء الجماعات اليهودية هناك جماعة عرْقية مستقلة، وأصبحوا من أكثر الجماعات اليهودية صهيونيةً في العالم. وهنا يمكن القول بأن صهيونيتهم تعبير عن اندماجهم في مجتمعهم. لكن جنوب أفريقيا مجتمع استيطاني يعتبر الهجرة منه خيانة وطنية. ولذا، فإن صهيونية يهود جنوب أفريقيا هي الأخرى من النوع التوطيني لا الاستيطاني، وإن كانت توطينيتها تنبع من حركيات مختلفة تماماً. و) يتجلَّى الاندماج في المؤسسات الاجتماعية والدينية للجماعات اليهودية المختلفة. فالقهال في بولندا، الذي يتم انتخاب أعضائه من بين أعضاء النخبة، لم يكن سوى صدى للسييم أو البرلمان البولندي الذي كان يضم النبلاء الذين كان من حقهم انتخاب الملك رئيساً لجمهورية بولندا الملكية. ويُلاحَظ أن إنجلترا التي يُوجَد فيها أسقف كانتربري باعتباره رئيساً للكنيسة الإنجليزية، يُوجَد فيها أيضاً منصب الحاخام الأكبر الذي يُعَدُّ صدى لأسقف كانتربري. كما تَقبَل المعابد اليهودية في بريطانيا التنظيم المركزي على نمط كنيسة إنجلترا. أما في الولايات المتحدة، حيث لا يوجد تنظيم مركزي ينتظم كل الكنائس الأمريكية، فإننا نجد أن المعابد اليهودية تَتبنَّى نوعاً من الوحدة الفيدرالية. ولا يوجد، بطبيعة الحال، منصب مثل الحاخام الأكبر. ز) بل يمكن أن نرى الاندماج الحضاري متبدياً من خلال العقيدة اليهودية، فهي في العالم الإسلامي تميل نحو التوحيد والفلسفة. أما ألمانيا، بلد الإصلاح الديني، فقد ظهرت فيها اليهودية الإصلاحية. وفي روسيا وبولندا، حيث كانت توجد جماعات المنشقين والمتصوفة من الأرثوذكس، ظهرت الحسيدية. وهكذا، فإن العقيدة اليهودية تتبنى اللغة الحضارية السائدة. وفي الهند، كان اليهود يظنون أن اليهودية تُحرِّم أكل لحم البقر. وفي الصين، كانوا يؤمنون بحُرمة التضحية للأسلاف بلحم الخنزير، ولكنهم كانوا يأكلونه باعتباره لحماً مباحاً شرعياً، وهكذا. أما في إثيوبيا، فإن يهود الفلاشاه يصلون في مكان يُسمونه المسجد، ولهم كهنة يُسمون القساوسة، كما يوجد لديهم رهبان. ويتحدث يهود الفلاشاه الأمهرية ويتعبدون بالجعيزية، لغة الكنيسة القبطية في إثيوبيا، وهذا كله انعكاس للسياق الإسلامي المسيحي الذي يعيش الفلاشاه في كنفه. اندماج الجماعات اليهودية: تاريخ Assimilation of the Jewish Communities: History ظواهر الاندماج والانصهار والانعزال بين اليهود قديمة قدم ظهور العبرانيين في التاريخ. فمن الواضح أن العبرانيين، أثناء وجودهم في مصر، تبنَّوا معظم مكونات الثقافة المصرية إن لم يكن كلها، وربما كانوا يتحدثون لغة المصريين القدماء، وفي فلسطين تبنوا لسان كنعان. أما العبادة اليسرائيلية، وهي عقيدة العبرانيين قبل تبلور اليهودية (كنسق ديني) ، فقد تأثرت بالتراث الديني الكنعاني تأثراً عميقاً، واندمج العبرانيون في المحيط الكنعاني وفي عبادة بعل، ومن هنا سخط الأنبياء عليهم. وقد انصهر العبرانيون، الذين هجَّرهم الآشوريون من فلسطين، في محيطهم الثقافي إلى أن اختفوا تماماً، في حين اندمج هؤلاء الذين هجَّرهم البابليون. ولذا، حينما أصدر قورش الأخميني مرسومه الخاص بعودة اليهود، رفضت أغلبيتهم التمتع بهذا الامتياز. ويُعَدُّ انتشار النزعة الهيلينية بين اليهود، سواء في فلسطين أو في مصر، تعبيراً آخر عن ظاهرة الاندماج. وبعد انحلال الدولة الرومانية، اندمج أعضاء الجماعات اليهودية في التشكيلين الحضاريين الإسلامي والمسيحي. وقد تَحدَّث يهود العالم العربي الإسلامي اللغة العربية، واشتغلوا بمعظم المهن والحرف، وتأثر تراثهم الديني بالفكر الديني الإسلامي. أما في العالم الغربي، فقد كان وضع اليهود متميِّزاً، إذ شكَّل اليهود فيه جماعة وظيفية وسيطة تضطلع بوظائف لا يقوم بها أعضاء الأغلبية وتحتفظ بعزلتها لضمان قيامها بهذه المهن. وانعكس هذا الوضع على التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية للجماعات اليهودية، مثل القهال والجيتو (في شرق أوربا أساساً) ، وهي تنظيمات كانت تهدف إلى الحفاظ على عزلة اليهود. وقد ازدادت عزلة اليهود في بولندا التي احتفظوا فيها برطانتهم الألمانية اليديشية التي هاجرت معهم. ولم تكن عزلة أعضاء الجماعات اليهودية مسألة مقصورة عليهم. فالمجتمعات التقليدية كانت قائمة على الفصل بين الطبقات والأقليات والجماعات لتسهيل عملية إدارة المجتمع في غياب مؤسسات الدولة المركزية القومية. ولكن، بَتفسُّخ النظام الإقطاعي في أواخر القرن الثامن عشر، ظهرت الدولة العلمانية القومية المركزية، وهي دولة تستمد شرعيتها من التاريخ المشترك ومن مقدرتها على إدارة المجتمع بكفاءة. كما أن هذه الشرعية تستند أيضاً إلى مدى تعبيرها عن روح الشعب وإرادته. وقد كانت الدولة القومية العلمانية دولة رأسمالية، في العادة، تحاول أن تخلق السوق القومية الموحدة التي لم تَعُد بحاجة إلى الجماعات الوظيفية الوسيطة، إذ أنها تضطلع بمعظم مهامها. ولكل هذا، تساقط النظام القائم على الفصل بين طبقات الشعب وفئاته، وحل محله نظام يحاول دمج كل المواطنين الذين يدينون له وحده بالولاء، على عكس النظام الإقطاعي حيث تستند الدولة إلى شرعية دينية أو شرعية تقليدية، ولذا يدين الفرد بالولاء إما للكنيسة أو للنبيل أو للملك، وهكذا. وتكتسب الدولة القومية العلمانية قدراً كبيراً من شرعيتها من التاريخ والتراث المشترك (الحقيقي أو الوهمي) لمجموعة البشر التي تعيش داخل حدودها، ولذا طالبت الثورة الليبرالية البورجوازية، والدولة القومية، أعضاء الجماعات اليهودية، وغيرهم من الجماعات، بأن يتخلوا عن خصوصيتهم الإقطاعية شبه القومية وأن يكتسبوا هوية عصرية متجانسة تعبِّر عن هذا التراث المشترك بين أعضاء المجتمع. وقد قال أحد خطباء الثورة الفرنسية في ديسمبر سنة 1789: " نحن نرفض أن نمنح اليهود كأمة أي شيء، أما اليهود كأفراد فإننا نمنحهم كل شيء ". وتم إعتاق أعضاء الجماعات اليهودية في معظم أنحاء أوربا، وبدأت عملية تحديثهم بحيث تم القضاء على تميزهم وتمايزهم الوظيفي والاقتصادي. وقد استجاب أعضاء الجماعات اليهودية لهذا النداء الذي شكَّل تياراً تاريخياً أفرز تحولاته الاجتماعية، خصوصاً وأن اليهودية الحاخامية (وهي الإطار الفكري ليهود أوربا) كانت في حالة أزمة حادة منذ دعوة شبتاي تسفي المشيحانية وظهور الحسيدية، فقامت بينهم حركة التنوير اليهودية الداعية إلى الاندماج. كما ظهرت اليهودية الإصلاحية التي حاولت تخليص اليهودية من الجوانب القومية فيها، وهي الجوانب التي تدعم ما يُسمَّى «الخصوصية اليهودية» ، وتأكيد الجوانب الدينية الروحية حتى يتحقق للمواطن اليهودي الانتماء القومي الكامل والاندماج السوي. وقد حقق أعضاء الجماعات اليهودية بالفعل قسطاً كبيراً من الاندماج في فرنسا وإنجلترا. وقد اتسمت محاولات الاندماج في بلدان شرق أوربا ووسطها بالبطء والتعثر بسبب ظهور القوميات العضوية فيها وبسبب سرعة معدل تَطوُّر الرأسمالية المحلية، الأمر الذي لم يتح لأعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا يلعبون دور الجماعة الوظيفية الوسيطة فرصة للتَأقلُم والتَكيُّف. وإلى جانب هذا، كان يهود شرق أوربا من أكثر القطاعات الإنسانية تَخلُّفاً، كما أن قيادتهم لم تُدرك أبعاد التحدي القومي العلماني الجديد ومدى جاذبيته بالنسبة لجماهيرهم، الأمر الذي أعاق أعضاء الجماعة اليهودية عن الاستجابة الخلاقة للوضع الجديد في معظم الأحيان. ومن المفارقات أن هذا التخلف نفسه أدَّى إلى نتائج عكسية تماماً بالنسبة للشباب، إذ كانوا يهرعون إلى عالم الأغيار وينصهرون فيه، هرباً من الجو الخانق للجيتو. ويركز الصهاينة على تَعثُّر محاولات التحديث والاندماج لتأكيد حتمية المشروع الصهيوني. ورغم كل الادعاءات عن فشل الاندماج، فإن الوضع الثقافي لليهود يثبت أن هذا الواقع هو الحقيقة الأساسية في حياة معظم الجماعات اليهودية إن لم يكن الحقيقة الأساسية في حياتها جميعاً. فنسبة الزواج المُختلَط في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (سابقاً) ، اللذين يضمان أغلبية اليهود في العالم، مرتفع للغاية (تبلغ في المتوسط 50% وتصل في بعض المناطق إلى حوالي 80%) . والاندماج وحده هو الذي يفسر سلوك أعضاء الجماعات اليهودية المتعيِّن، فهم يرفضون الهجرة إلى إسرائيل رغم تلويح الحركة الصهيونية لهم بخطر معاداة اليهود بل وبالإبادة. وفضلاً عن ذلك، فإنهم يرفضون زيارة الدولة الصهيونية للسياحة حيث لم يزرها سوى 15% من يهود أمريكا الذين يفضلون قضاء إجازاتهم في جزر الكاريبي. وفي نهاية الأمر، لا تزال الغالبية العظمى من يهود العالم (75%) منتشرة في أنحاء العالم فيما يُسمَّى «المَهْجَر» أو «المَنْفَى» أو «الشتات» ، وهو في واقع الأمر ليس بمَهْجَر ولا مَنْفَى ولا شتات، فهم موجودون في أوطانهم بشكل دائم لا مؤقت، وهم يعيشون هناك بحُرِّ إرادتهم دون قسر أو إكراه. والغالبية الساحقة من أبنائهم (90%) لا تتلقى أي تعليم يهودي ولا علاقة لها بما يُسمَّى «الثقافة اليهودية» . وهذا الوضع ينهض دليلاً على اندماجهم وتَقبُّلهم مجتمعاتهم بكل محاسنها ومثالبها وتَبنِّيهم قيمها الحضارية والأخلاقية بشكل كامل. ويذهب بعض الدارسين إلى أن الدولة العلمانية (القومية الرأسمالية أو الأممية الاشتراكية) هي دولة تُعبِّر عن قوانين العقل، ومن ثم فهي لا تتعامل إلا مع الإنسان العام (الطبيعي أو العقلاني أو الأممي) . ولذا، لابد من القضاء على أية خصوصية. والواقع أن اندماج يهود العالم الغربي، هذا الاندماج الكامل في مجتمعاتهم المتقدمة، تعبير عن هذا الاتجاه. بيريك يوسيليفيتش (1768-1809 ( Berek Yoselewicz ضابط بولندي يهودي. وُلد في ليتوانيا ثم عمل بالتجارة وأصبح يهودي بلاط أمير فلنا. وفي إطار مهامه التجارية، سافر إلى باريس عام 1789 عشية الثورة الفرنسية وتأثر بأجوائها وأفكارها، ثم عاد إلى بولندا لينضم إلى العناصر القومية البولندية التي كانت تناضل ضد تقسيم بولندا. وقد انضم يوسيليفيتش ضمن عدد كبير آخر من أعضاء الجماعة اليهودية إلى حركة العصيان المسلح التي اندلعت عام 1794 ضد كلٍّ من روسيا وبروسيا. وقد تم تأسيس الفيلق اليهودي بقيادة يوسيليفيتش، والذي ضم خمسمائة يهودي ناشدهم يوسيليفيتش القتال «مثل الأسود والفهود من أجل طرد العدو من أرضنا» . وقد شاركت قواته في الدفاع عن حيّ براجا في وارسو والذي كان يضم أغلبية من اليهود ضد القوات الروسية. وبعد فشل العصيان، فرَّ يوسيليفيتش إلى النمسا ثم إلى فرنسا حيث انضم إلى الفيلق البولندي في الجيش الفرنسي، ثم أصبح ضابطاً في سلاح الفرسان الفرنسي وشارك في حروب نابليون. وبعد تأسيس دوقية وارسو عام 1807، انضم يوسيليفيتش إلى الجيش البولندي النظامي وتولى قيادة سرية خيالة ومُنح وساماً بولندياً، كما سُمح له بالانضمام إلى محفل ماسوني أرستقراطي يحمل اسم «الإخوة البولنديون المتحدون» . وقد شارك يوسيليفيتش أيضاً في الحملة ضد النمسا عام 1809 وتولى قيادة سريتي خيالة، ولكنه قُتل في العام نفسه أثناء المعارك ليصبح بطلاً قومياً بولندياً. وقد أشار كثير من اليهود الداعين للاندماج في بولندا إلى يوسيليفيتش باعتباره نموذجاً لليهودي المندمج المنتمي إلى وطنه البولندي. وهو في الواقع من النماذج النادرة، إذ أن غالبية يهود بولندا كانوا مرتبطين بنظام الأرندا الذي جعلهم حلفاء الطبقة البولندية الحاكمة وأعداء لكل الطبقات الأخرى. كما أن ثقافة يهود بولندا اليديشية ساعدت على عَزْلهم لغوياً وثقافياً عن بقية الشعب البولندي. ولم ينجح يهود بولندا في الاندماج في الحركة القومية البولندية، ولذا فقد ظل يوسيليفيتش الاستثناء الذي يُثبت صحة القاعدة. وقد وصلت هذه العزلة إلى ذروتها إبان الحرب العالمية الثانية، حيث لم ينجح أعضاء المقاومة اليهودية في بولندا في التعاون مع المقاومة البولندية في نضالها ضد المستعمر النازي. الانصهار أو الذوبان Dissolution «الانصهار» أو «الذوبان» هو تَزايُد معدلات الاندماج إلى درجة أن أعضاء الجماعات اليهودية يفقدون هويتهم الدينية أو الإثنية الخاصة فيذوبون أو ينصهرون تماماً في الأغلبية بمرور الزمن. ويمكننا تخيل ذلك على شكل مُتَّصل يُشكل أحد طرفيه الانعزال الكامل، وهي حالة نادرة وتكاد تكون مستحيلة، وفي الطرف الآخر الانصهار، وهي حالة ليست متكررة وإن لم تكن محالة. فثمة أمثلة عديدة، عبر تواريخ الجماعات اليهودية، للانصهار الكامل. فلا يمكن تفسير اختفاء أسباط يسرائيل العشرة الذين هجَّرهم الآشوريون إلا على أساس أنهم انصهروا في الشعوب التي عاشوا بين ظهرانيها. والحالة الكلاسيكية للانصهار الكامل هي حالة يهود الصين (في مدينة كايفنج) حيث انخرطوا في السلك الوظيفي الإمبراطوري فتفرَّق أعضاء الجماعة، خصوصاً النخبة، واكتسبوا سمات وخصائص صينية بشكل متزايد وتزاوجوا مع الصينيين. ومع حلول القرن التاسع عشر، لم يكن قد بقي منهم سوى عدة أفراد لا يزيدون على أصابع اليدين. ومن حالات الانصهار الأخرى، حالة اليهود السفارد في الولايات المتحدة الذين استوطنوا بعد المستوطنين البيوريتانيين ثم انصهروا تماماً في فترة وجيزة. ويُلاحَظ أن ثمة أعداداً كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية كانت تنصهر دون أن تنصهر الجماعة ذاتها، فتستمر الجماعة دون أن يتزايد عدد أعضائها، وهذا يُفسِّر قلة عدد اليهود في العالم. وكان قد وصل عددهم في القرن الأول الميلادي (بحسب بعض التقديرات) ما بين خمسة وسبعة بل عشرة ملايين. ولعل هذا يُفسِّر مقولة «موت الشعب اليهودي» ، فمن أهم أسباب موته (أي تَناقُص عدده بشكل ملحوظ) انصهار أعداد كبيرة منه. ويمكن أن نشير إلى ذلك الاندماج الذي يقترب من الانصهار. فالنزعة الهيلينية بين أثرياء اليهود في القرنين السابقين على الميلاد واللاحقين له هي شكل من أشكال الاندماج يكاد يكون انصهاراً، كما يمكن القول أيضاً بأن الصيغة الفريسية لليهودية هي نتاج تفاعل الفكر اليهودي مع الحضارة الهيلينية، أي أنها مَثَل من أمثلة الاندماج. ويبدو أن قطاعات كبيرة من يهود ألمانيا، في القرن التاسع عشر، كانت تنصهر تماماً في المجتمع المسيحي وتتخلى عن أي شكل من أشكال الهوية الدينية اليهودية. ويمكن أن نُصنَّف أمركة يهود الولايات المتحدة باعتبار أنها من قبيل الأشكال الحادة من الاندماج الذي يقترب من الانصهار، ومن هنا يُشار إليهم بأنهم «الهيلينيون الجدد» . وتشكل أمريكا اللاتينية مثلاً فذاً يتخطى تعميمنا الذي يفترض أن الاندماج يزداد تدريجياً إلى أن يصبح انصهاراً. ومع هذا نلاحظ عدم وجود معدلات عالية من الاندماج في كثير من بلاد أمريكا اللاتينية، وفي الوقت ذاته أظهرت هذه القارة مقدرة فائقة على صهر اليهود وهضمهم مباشرة دون عملية دمج تدريجية. وعادةً ما تساوي الصهيونية بين الانصهار والاندماج برغم اختلافهما. فالجماعات الدينية العرْقية يمكنها أن تندمج في المجتمع دون أن تفقد قسماتها الخاصة. ويمكن ضرب أمثلة عديدة من تواريخ الجماعات اليهودية في العالم على الاندماج الذي لم يؤد بالضرورة إلى الانصهار كما حدث مع يهود الأندلس في الماضي، وكما يحدث مع يهود الولايات المتحدة في الوقت الحالي. وإن كانت هناك مؤشرات وقرائن عديدة تدل على أن أعضاء الجماعة اليهودية سيأخذون في الاختفاء من خلال الانصهار مع تَعاظُم معدلات العلمنة في المجتمع الأمريكي. دمج اليهود Forcible Assimilation of the Jews «دمج اليهود» هو جزء من عملية تحديث أعضاء الجماعات اليهودية وتحويلهم من جماعة وظيفية وسيطة إلى جزء لا يتجزأ من طبقات المجتمع الحديث، الذي ظهر بعد الانقلاب الصناعي الرأسمالي في الغرب. وهي عملية تَحوُّل اجتماعي ضخمة لم يكن أعضاء الجماعات اليهودية هم المسئولين عنها، ولم يكونوا الوحيدين الذين خاضوها، ويُشار إليها أحياناً بأنها «عملية تحويل اليهود إلى قطاع منتج» . وفي معظم الأحوال، كانت عملية الدمج تأخذ شكل القسر. والواقع أن عملية الدمج تتضمن نوعاً من الجهد الواعي والمُخطَّط، وهي بهذا المعنى مختلفة عن عملية الاندماج أو الانصهار التي تتم عادةً من خلال حركيات المجتمع وآلياته الكامنة التي ربما لا يدركها لا أعضاء الجماعة اليهودية ولا أعضاء مجتمع الأغلبية. ومع هذا، فإن عملية الدمج، بعد المراحل الأولى القسرية الواعية، تتحول عادةً إلى اندماج تلقائي غير واع. كما حدث في كثير من بلاد أوربا، ذلك لأن أعضاء الجماعة اليهودية عادةً ما يستبطنون المُثُل المفروضة عليهم، وتضبط سلوكهم من الداخل، وما كان قسرياً برانياً يصبح بعد قليل تلقائياً جوانياً. الاندماج: الموقف الصهيوني Assimilation: The Zionist Position يتفق الصهاينة والمعادون لليهود على رفض الاندماج قولاً وفعلاً. أما المعادون لليهود، فيرون اليهودي شخصية عضوية لا يمكن استيعابها في المجتمع، ولو تم استيعابها فإنها تصبح مثل البكتريا التي تسبب تَآكُله وتَخثُّره. واليهود الذين يَّدعون أنهم اندمجوا في المجتمع هم، بحسب هذه النظرة، أخطر العناصر اليهودية، لأنهم يصبحون اسمياً جزءاً من المجتمع يستقرون داخله، ولكنهم فعلياً (عن وعي أو عن غير وعي) يظلون جسماً غريباً عنه يشبه الخلية السرطانية التي تسبب انحلاله وتآكُله. ولذا، فإن الحل الوحيد للمسألة اليهودية، وفقاً لهذه الرؤية، هو الحل الصهيوني، أي استبعاد اليهود إلى رقعة خاصة بهم. والموقف الصهيوني من الاندماج لا يختلف عن ذلك كثيراً، فالصهاينة يرون أن الاندماج أمر مستحيل لأن الهوية اليهودية العضوية لا يمكنها أن تحقق ذاتها إلا في تربة يهودية وفي وطن قومي يهودي. وبالتالي، فاليهودي الذي يدَّعي أنه اندمج هو شخصية كاذبة ومريضة نفسياً، منقسمة على نفسها كارهة لها مثله مثل المتسول الباحث عن انتماء قومي. واليهودي المندمج يعاني ازدواج الولاء، إذ ليس بإمكانه أن يَدين بالولاء إلا لوطنه اليهودي الذي تربطه به وشائج عضوية قوية. ويُشار إلى اليهود المندمجين في الأدبيات الصهيونية بوصفهم عبدة بعل إله الأغيار أو محبي بابل (أي المنفى) . ويسوي الصهاينة بين الاندماج والذوبان الكامل، أي الانصهار، إذ يرون أن كلاًّ منهما يؤدي بالضرورة إلى الآخر. رغم أن الاندماج هو أن يصبح الإنسان جزءاً من كل دون أن يفقد بالضرورة بعض صفاته الخاصة، أما الانصهار والذوبان فيفترضان فقدان الجزء لقسماته الخاصة. ولذا، يُشار إلى الاندماج في الأدبيات الصهيونية بأنه خطر يتهدد الحياة اليهودية، وجريمة وخطيئة وعار يحط من كرامة اليهود، ووصمة في جبينهم. ويتم الربط بين الاندماج والإبادة إذ يُشار إلى الاندماج باعتباره الإبادة الصامتة، مع أن الإبادة هنا روحية نفسية، وليست جسدية فعلية. ومع هذا، فإن الإبادة تؤدي في نهاية الأمر إلى اختفاء اليهودي المندمج فعلياً في مجتمع الأغيار، وهي الوظيفة نفسها التي تؤديها أفران الغاز. ومؤخراً صرح يوسي بيلين (نائب وزير خارجية إسرائيل) بأن الاندماج (والزواج المُختلَط) يهددان يهود أمريكا أكثر من تهديد العرب ليهود إسرائيل. ومع هذا، تظهر فكرة الاندماج في الفكر الصهيوني ذاته بشكل آخر، إذ يُطالب الصهاينة بتطبيع الشخصية اليهودية، أي جعلها طبيعية مثل الشخصية غير اليهودية، وفي هذا تَقبُّل لمعايير مجتمعات الأغيار. كما أن الصهيونية تطمح إلى خلق دولة يهودية تندمج في المجتمع الدولي حتى يصبح اليهود شعباً مثل كل الشعوب. لكن الاندماج، كما يظهر في الفكر الصهيوني، يُفترَض إمكانية تَحقُّقه على المستوى القومي وحسب، واستحالته في ذات الوقت على المستوى الفردي. وقد أثبت الواقع التاريخي أن كلا الافتراضين خاطئ. فأعضاء الأقليات آخذون في الاندماج، ولا تزال الدولة اليهودية مرفوضة من العرب. ومن المفارقات التي يشير إليها دارسو الصهيونية أنها بدأت باعتبارها حركة تهدف إلى الحفاظ على الهوية اليهودية والخصوصية اليهودية، ولكنها في نهاية الأمر أدَّت إلى زيادة معدلات الاندماج. فقد ساهمت الصهيونية، ابتداءً، في زيادة معدلات العلمنة بين اليهود حين طرحت تعريفاً قومياً أو عرْقياً لليهودي ليحل محل التعريف الديني الإثني، وحين جعلت التزام اليهودي ينصبُّ على إثنيته أساساً، بينما جعلت الالتزام الديني مسألة ثانوية مكملة للانتماء الإثني أو يُمثِّل تجلياً له. وقد أدَّى هذا بكثير من اليهود إلى التخلي عن عقيدتهم وعن كثير من شعائرها، وكانت هذه مصدراً أساسياً لخصوصيتهم. وقد تساءل الحاخام موريتز جوديمان، كبير حاخامات فيينا، في رده على تيودور هرتزل وعلى الدعوة القومية فقال: «من هو أكثر ذوباناً وانصهاراً: اليهودي القومي الذي يتجاهل الشعائر الخاصة بيوم السبت وبالطعام أم اليهودي المؤمن الذي يؤدي الشعائر الدينية ويكون في الوقت نفسه مواطناً كاملاً مخلصاً لبلاده؟» . وتبلغ معدلات العلمنة ذروتها بين أعضاء الجماعات اليهودية الذين توجد أغلبيتهم الساحقة في مجتمعات علمانية، وهي تؤدي إلى مزيد من الاندماج والزواج المُختلَط، وفي نهاية الأمر إلى الانصهار. وقد ذكر أحد المفكرين اليهود أن الصهيونية وإسرائيل تريان أن بإمكان يهود فرنسا أن يصبحوا أكثر فرنسية (أي أكثر اندماجاً في مجتمعهم) . وهو يفسر عبارته هذه فيقول إن اليهودي بدأ بعد تحطيم الهيكل الثاني يحمل معه ما سماه فرويد «المبنى غير المنظور» ، وهو عبء الشك والإحساس بالنقص وعدم الانتماء، فأينما ذهب اليهود وعملوا، مثلهم مثل بقية البشر، كانوا يشعرون بأن ثمة شيئاً ما ينقصهم. فجميع الشعوب الأخرى لها أرضها وقراها وشرطتها وجيشها، أما اليهود فكانوا يعيشون دائماً في شك. ولأن ثمة مبنى جديداً منظوراً يراه الجميع وهو إسرائيل، فقد اختفى الشك والإحساس بالنقص، ومن ثم يستطيع كل اليهود الآن أن يشعروا بالهدوء ويمكنهم الاندماج في مجتمعاتهم. وبرغم عدم اتفاقنا مع مقدمات الكاتب، فيُلاحَظ من الناحية الفعلية أن انتشار الصهيونية هو غطاء براق يخفي معدلات الاندماج العالية. بل إن الصهيونية أصبحت هي الوسيلة التي يريح بها اليهودي المندمج ضميره، إذ يمكنه أن يُجزل العطاء للدولة اليهودية ويحقق بذلك إحساساً زائفاً ومتضخماً بالهوية والانتماء ثم ينصرف بعد ذلك لحياته العلمانية الأمريكية اللذيذة بكل جوارحه. وقد لاحظ بن جوريون هذه الظاهرة وحَذَّر منها. ويُعَدُّ الاندماج من أهم الأسباب التي تؤدي إلى ما يُسمَّى في علم الاجتماع في الغرب ظاهرة «موت الشعب اليهودي» ، أي تَناقُص أعداد اليهود بشكل ملحوظ الأمر الذي يؤدي إلى اختفاء بعض الجماعات اليهودية. وقد شُكِّلت في إسرائيل لجنة صهيونية تهدف إلى مكافحة الاندماج بين أعضاء الجماعات اليهودية. الزواج المختلط Mixed Marriage; Intermarriage تُحرِّم اليهودية الزواج بين اليهود وغير اليهود، وهي في هذا لا تختلف عن كثير من الأديان. ولكن هذا الحظر في شكله المتطرف يُعبِّر عن الطبقة الحلولية الكمونية التي تفصل الشعب المقدَّس عن الآخرين الذين لا يتمتعون بالقداسة نفسها. فقد جاء في العهد القديم: «ولا تصاهرهم. بنتك لا تعط لابنه وبنته لا تأخذ لابنك» (تثنية 7/3) . ولكن رغم هذا الحظر، فإن أنبياء اليهود وزعماءهم كانوا يتزوجون من غير اليهوديات. فقد تزوج إبراهيم من هاجر المصرية، وتزوج حفيده يعقوب من امرأتين من الأغيار، وتزوج رءوبين وسيمون ويهودا من كنعانيات، وتزوج دان من مؤابية، وتزوج زبلون (وقبله موسى) من مَدْيَنية، وتزوج يوسف من مصرية، وتزوج داود من امرأة حيثية أنجبت له سليمان الذي تزوج من إناث من جميع الأجناس المعروفة في زمنه. ومع هذا، منع يعقوب دينه من الزواج من شكيم، وحذَّرت راحيل أولادها من الزواج من بنات كنعان. ومن الواضح أن الهدف من الحظر في هذه المرحلة لم يكن دينياً بقدر ما كان عرْقياً. فراحيل، مثلاً، كانت حسب الرواية التوراتية وثنية تسرق الأصنام وتخبئها. ومع هذا، يرد في العهد القديم أن تحريم الزواج مردّه أن اليهودي قد يعبد آلهة آخرىن. وبعد العودة من بابل، طبق نحميا وعزرا قوانين تحريم الزواج المُختلَط تطبيقاً صارماً وحرفياً، وطالبا اليهود الذين تزوجوا من أجنبيات بأن يطلِّقوا زوجاتهم. ورغم أن التحريم كان يتجه أساساً، كما يبدو، نحو الأقوام الكنعانية السبعة (الوثنية) ، فإن الفقهاء اليهود وسّعوا نطاقه بحيث أصبح ينطبق على كل الأغيار دون تمييز، بل امتد الأمر ليشمل القرّائين والسامريين. وعلى هذا النحو، كان زواج اليهودي من غير اليهودية يُعتبَر فجوراً وزنى مستمرين، والأولاد الذين يُولَدون من هذه المعاشرة المرذولة يُعتبَرون أبناء زنى أو «مامزير» . وقد كان يُعَدُّ يهودياً من يُولَد لأم يهودية وأب غير يهودي. أما من يُولَد لأب يهودي وأم غير يهودية فلا يُعتبَر يهودياً. وقد حاول فقهاء اليهود تبرير هذا الحظر الديني. فحاول موسى بن ميمون تفسيره تفسيراً عقلياً. أما راشي، فقد اكتفى بتأكيد أنه بلا سبب. وتحريم الزواج المُختلَط، حسب تَصوُّره، أمر مَلَكي (باعتبار أن الإله هو الملك: ملك اليهود) ، ولذا يجب عدم التساؤل عن سببه كما يجب عدم التساؤل بشأن فكرة الشعب المختار. ومع هذا، فقد استمر الزواج المُختلَط بين اليهود وغيرهم، واختفى يهود الصين، على سبيل المثال، بسبب زواجهم بالمسلمين وبغيرهم. وقد تزايدت معدلات الزواج المُختلَط بشكل ملحوظ في العصر الحديث للأسباب التالية: 1 ـ كان الذكور اليهود، حتى عهد قريب، هم الذين يتزوجون من إناث غير يهوديات. ولكن الوضع تغيَّر مؤخراً (خصوصاً بعد حركة التمركز حول الأنثى) ، إذ أن كثيراً من الإناث اليهوديات اخترقن الحاجز الديني والنفسي الخاص بحظر الزواج المُختلَط، فتصاعدت نسبته بينهن حتى كادت تقترب من مثيلتها بين الرجال. 2 ـ كان الزواج المُختلَط ظاهرة تكاد تكون مقصورة على المتعلمين، فهم أكثر انفتاحاً وتَقبُّلاً لبقية أعضاء المجتمع وأكثر معرفة بأسلوب حياته. ولكن لُوحظ مؤخراً أن معدلات الزواج المُختلَط بين غير المتعلمين بدأت تقترب من مثيلتها بين المتعلمين. ولا شك في أن الإعلام يلعب دوراً أساسياً في هذا، فهو يساعد على تحطيم كل الحواجز وعلى إزالة ما قد يحيط بعضو الأقلية (أو عضو الأغلبية) من أسرار، ويروِّج ثقافة شعبية عامة وأسلوب حياة عام يشارك فيه الجميع. 3 ـ لُوحظ أن أعضاء الجماعات اليهودية الذين يتزوجون وهم في سن متقدمة نوعاً ما أكثر استعداداً للزواج المُختلَط. يرجع ذلك إلى أن مثل هؤلاء قد حققوا لأنفسهم استقلالاً اقتصادياً، وهم عادةً جزء من شبكة علاقات وصداقات مركبة تضم يهوداً وغير يهود. وكل هذا يعني أنهم لا يخافون من عَزْلهم عن الشبكة اليهودية. كما أن إمكان العثور على قرين مناسب داخل الجماعة اليهودية، بالنسبة ليهودي متقدم في السن، ليس مسألة متيسرة. 4 ـ لُوحظ كذلك أن أعضاء الجماعات اليهودية الذين يتزوجون للمرة الثانية أكثر استعداداً للزواج المُختلَط، فهم يبحثون عن زوجة من «نوع مختلف» ، وعن «أسلوب حياة مختلف» ، ولذا فهم لا يمانعون في الانسلاخ عن الشبكة اليهودية، بل ربما يرحبون بذلك. 5 ـ لُوحظ أن اليهود العلمانيين أو الإثنيين يُقبلون على الزواج المُختلَط بمعدلات عالية تفوق كثيراً المعدلات السائدة بين اليهود الذين يعتبرون أنفسهم يهوداً بالمعنى الديني. ويعود هذا إلى أن اليهودي الإثني أو العلماني هو يهودي لا يكترث كثيراً بيهوديته كبُعد أساسي من أبعاد رؤيته للكون، فهي شيء من قبيل الفلكلور (انظر: «الهوية اليهودية الجديدة في المجتمعات العلمانية الغربية الحديثة» ) . 6 ـ لُوحظ أن أعضاء الجماعات اليهودية الذين يُعرِّفون هويتهم دينياً، ومع هذا لا ينتمون إلى أية فرقة يهودية، هم أكثر إقبالاً على الزواج المُختلَط من اليهود الذين ينتمون إلى فرقة دينية محدَّدة، فرغم أنهم يسمون أنفسهم عادةً «يهوداً متدينين» إلا أنهم في غالب الأمر غير مكترثين كثيراً بهويتهم الدينية (رغم ادعاء الانتماء الديني) ولا يمارسون إلا قدراً صغيراً من الشعائر. 7 ـ فيما يخص اليهود المنتمين لإحدى الفرق الدينية، لُوحظ أن الزواج المُختلَط يكاد ينعدم بين اليهود الأرثوذكس ويصل إلى معدلات عالية بين اليهود الإصلاحيين ويليهم اليهود المحافظون. فاليهود الأرثوذكس يعيشون حسب الرؤية والقيم اليهودية ويقيمون الشعائر اليهودية، الأمر الذي يجعل مشاركة غير اليهودي أمراً صعباً بل من المستحيل في مثل هذه الحياة. أما اليهود المحافظون، والإصلاحيون بدرجة أكبر، فهم يؤمنون بأشكال مُخفَّفة من اليهودية لا تحكم العقيدة والشعائر اليهودية كل جوانبها، ولذا يمكن لغير اليهودي المشاركة فيها بسهولة ويُسر. 8 ـ لُوحظ أن أعضاء الجماعات اليهودية حينما يتخلون عن دور الجماعات الوظيفية ويندمجون اقتصادياً في المجتمع، تأخذ معدلات الزواج المُختلَط في الزيادة. فعضو الجماعة الوظيفية هو جزء من شبكة يهودية قوية تتحكم في جوانب حياته الدينية والزمنية وتضمن بقاءه، وفي ذات الوقت تقوم بضبط إيقاع حياته من الخارج ومن الداخل. 9 ـ يؤدي وجود أعضاء الجماعات اليهودية في وظائف معيَّنة مثل المهن الحرة إلى تَزايُد معدلات الزواج المُختلَط، ويعود هذا إلى أن حياة من يشغل مثل هذه الوظائف تتسم بدرجة عالية من الحركية والتنقل والبُعد عن المراكز السكانية اليهودية. كما أن كثيراً من عملائه ليسوا بالضرورة من أعضاء الجماعة اليهودية. 10 ـ لُوحظ أن معدلات الزواج المُختلَط في العصر الحديث ترتبط ارتباطاً عكسياً بحجم الجماعة اليهودية، فيَقل الزواج المُختلَط إذا كان حجم الجماعة كبيراً، وهو ما يتيح فرصة العثور على القرين اليهودي المناسب، ويزيد إذا كان حجمها صغيراً إذ تتناقص هذه الفرصة. ومن هنا يؤدي تَوزُّع اليهود في العديد من المراكز السكانية إلى زيادة معدلات الزواج المُختلَط. 11 ـ قد يُقال ـ رغم تَعدُّد المراكز ـ إن أعداداً كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية مُركَّزة في المدن الغربية الكبرى ومن ثم لابد أن تتراجع نسبة الزواج المُختلَط حسبما ذكرنا في البند السابق. ولكن الأمر عكس ذلك، فسكان المدن الكبرى هم أعضاء في الجيسيلشافت (المجتمع التعاقدي) حيث الوحدة الأساسية هي الفرد الحركي الذي ينتقل من مكان لآخر ولا يرتبط بالجماينيشافت (المجتمع التراحمي) ، ولذا، فرغم وجود تجمعات يهودية كبيرة في المدن الغربية الكبرى إلا أنها في واقع الأمر مجرد تجمعات وحسب وليست جماعات أو مجتمعات، ولهذا يَصعُب على اليهودي أن يصل إلى القرين اليهودي المناسب. كما أن سكان المدن يكونون عادةً أكثر انفتاحاً وحركية من سكان الريف. ولهذا، ورغم وجود أعضاء الجماعات اليهودية بأعداد كبيرة في المدن الغربية الكبرى، فإن معدلات الزواج المُختلَط آخذة في التزايد بينهم. 12 ـ يؤدي تَزايُد اندماج أعضاء الجماعات اليهودية في المجتمعات التي يعيشون فيها إلى ازدياد معدلات الزواج المُختلَط، إذ تتاح لهم الفرص الاقتصادية والحراك السياسي والاجتماعي، ويبدأ أسلوب حياتهم في الاقتراب من أسلوب حياة أعضاء الأغلبية ويتساقط كثير من المحظورات. 13 ـ وفي العصر الحديث، فإن السبب الأساسي والحاسم في تَصاعُد معدلات الزواج المُختلَط في المجتمعات الغربية، بدرجات ليس لها مثيل في تجارب أعضاء الجماعات اليهودية والتاريخية، هو تصاعد معدلات العلمنة في هذه المجتمعات. ومن المعروف أن المجتمعات العلمانية يسود فيها قدر كبير من التسامح. ولكن التسامح العلماني لا يعني (في تَصوُّرنا) التعايش بين الانتماءات الدينية المختلفة، وإنما يعني، في واقع الأمر، التعايش بين أعضاء المجتمع بعد أن يُهمِّش كل منهم انتماءه الديني أو الإثني ويتجاوزه بحيث يتعايش الجميع فيما يُسمَّى «رقعة الحياة العامة» التي تتحكم فيها القيم العلمانية مثل المنفعة وتعظيم الإنتاج واللذة. وعادةً ما تختفي في مثل هذه المجتمعات الرموز الدينية المقصورة على الجماعة الدينية ويحل محلها رموز المجتمع ككل (نشيد وطني ـ تاريخ مشترك ـ الانتماء لأرض الأجداد) أو رموز ذات مضمون اجتماعي طبقي (منازل من نوع خاص - رداء من نوع خاص - سيارات.. إلخ) . وهذه الرموز تُسقط الخصوصيات الدينية والإثنية. كما تسود هذه المجتمعات قيم ثقافية مشتركة من حب للموسيقى الشعبية أو فنان بعينه وهكذا. 14 ـ وقد واكبت هذا عملية ضخمة لإعادة تعريف الهوية اليهودية لتتفق مع الأوضاع (والحقوق والواجبات) الجديدة في عصر ما بعد الانعتاق، بحيث يصبح بإمكان اليهودي أن يكون يهودياً ومواطناً عادياً في آن واحد. وكان التصور أن تعريف الهوية الجديد سيحفظ يهودية اليهودي (الدينية أو الإثنية) وسيحقق لها الاستمرار داخل مجتمعات ما بعد الانعتاق، بخاصة المجتمع الأمريكي، وهو مجتمع حقق الانعتاق تماماً لكل أعضاء الأقليات فيه، كما أنه وطن نصف يهود العالم. ولكن يبدو أن هذا الحلم تَبخَّر تماماً، إذ ظهر أن تطوير الهوية اليهودية على هذا النحو أدى في واقع الأمر إلى ظهور ما يُسمَّى «اليهودي غير اليهودي» ، أي اليهودي الذي تم تهميش يهوديته بحيث أصبحت عنصراً ثانوياً في هويته العامة، لا تُوجِّه سلوكه ولا تشكل إطاراً عقائدياً كلياً يضبط حياته من الداخل والخارج. فيهودية اليهودي غير اليهودي تظهر في تَمسُّكه ببعض الشعائر (إن كان متديناً) ولا تتجاوز قدراً من التمسك الرومانسي بما يُسمَّى «التراث اليهودي» (الذي لا يعرف عنه شيئاً) أو تأييد إسرائيل بشكل أكثر حدة من أقرانه الأمريكيين، وإن كان ذلك لا يختلف في مُجمله عن الموقف الأمريكي العام. وهذا التعريف للهوية اليهودية يجعلها هامشية تماماً لا تتدخل في ترتيب الأولويات الجوهرية. ولذا، فإن دَخَل إنسان يهودي في علاقة رومانسية مع شخص غير يهودي وبدأ يفكر في الزواج منه فسيجد أن هوية الطرف الآخر (اليهودية) هوية هامشية لا تتدخل في تحديد الاختيارات الأساسية والقرارات المصيرية، ولن يكون لها دخل كبير في حياتهما وأن بالإمكان تحقيق هذه الهوية الهامشية داخل الزواج مع تحييدها. فهذه الاختيارات والقرارات سيتم تحديدها على أُسس علمانية لا دينية، لا علاقة لها بالمسيحية أو اليهودية. فاقتناء عمل فني يهودي ودفع تبرعات لأحد صناديق الغوث اليهودية وتأييد إسرائيل لن يسبب مشاكل كبيرة. هذا على خلاف أن تكون الهوية اليهودية هي أساس ترتيب الأولويات والمعايير الأخلاقية التي يحكم بها اليهودي على حياته وأن تكون هي الإطار الذي يحدد من خلاله الهدف من وجوده ووَضْعه في المجتمع والتاريخ. 15 ـ لاحَظ أحد الباحثين أن هوية اليهود الجدد الهشة يمكن أن تكون حافزاً على الزواج المُختلَط. ففي المجتمعات العلمانية ثمة بحث دؤوب عن اللذة والمتعة والمغامرة والإثارة. ويُعَدُّ الزواج بين يهودي وغير يهودي شكلاً من أشكال الإثارة الذي لا يُكلِّف كثيراً باعتبار أن يهودية الطرف اليهودي (ومسيحية الطرف المسيحي) مُهمَّشة، ومن ثم يمكن استدعاؤها للإثارة ويمكن تجميدها عند اتخاذ القرارات المصيرية. 16 ـ ومما يساعد على تَصاعُد معدلات الزواج المُختلَط أن معظم اليهود لا يعارضونه في الوقت الحاضر، كما يوجد عدد لا بأس به من الحاخامات الإصلاحيين ممن تَقبَّلوا عقد الزيجات المُختلَطة، ولذا فإن من يتزوج من غير يهودي لن يجد نفسه خارج الجماعة اليهودية. ونسبة الزيجات المُختلَطة في العصر الحديث آخذة في التصاعد بشكل يثير قلق القيادات اليهودية (ويسمونه «الهولوكوست الصامت» ) . فقد وصلت نسبة الزيجات المُختلَطة في كوبنهاجن (بين عامي 1880 و1905) إلى 68% من جملة الزيجات. ووصلت في ألمانيا (عام 1932) إلى نحو ستين زيجة مُختلَطة بين كل مائة زيجة يهودية، وفي أمستردام 70% (عام 1930) . وفي الولايات المتحدة تصل النسبة في الوقت الحاضر إلى أعلى من هذا في بعض المناطق، ولكن النسبة العامة بين عامي 1985 و1990 هي 25% من كل الزيجات اليهودية التي تمت في هذه الفترة. وتصل النسبة في بعض المناطق إلى 80%. وفي روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء لا يختلف الوضع عن هذا كثيراً. ويحدث أحياناً أن يَتهوَّد الفرد الذي تزوج يهودياَ أو يهوديةً. ولفظ «يهودي» ، بالنسبة لمثل هؤلاء الأفراد، ذو مضمون ديني يُسقط الجانب الإثني والقومي تماماً، ولكنه ديني من حيث الاسم فقط، لأن اعتناق اليهودية خطوة يتخذها المتهود حتى لا يسبب حرجاً لرفيق حياته الجديد أمام أسرته. فالدافع وراء التهود هنا في غالب الأمر علماني وليس دينياً. ويبلغ عدد الذين تهودوا بسبب الزواج المُختلَط في الولايات المتحدة حوالي 185 ألفاً يسمون الواضح منهم في الوقت الحاضر «يهودي باختياره» (بالإنجليزية: جو باي تشويس Jew by choice) بدلاً من «كونفرت convert» أي «متهود» أو «مهتد» بسبب الإيحاءات القدحية لهذه الكلمة. وهذا العدد صغير (بالنسبة لعدد من لم يتهودوا، والذي يُقال إنه بلغ 210 ألف) كما أنه آخذ في التناقص مع تَصاعُد معدلات العلمنة في المجتمع، لأن الضغوط الاجتماعية التي تدفع الطرف غير اليهودي نحو التهوُّد قد ضعفت. وقد ورد في تقرير لمركز كوهين للدراسات اليهودية الحديثة في جامعة برانديز أن العنصر غير اليهودي يتهود في زيجة واحدة من كل أربع زيجات مُختلَطة. ويقول الحاخام آرثر هرتزبرج إن معدلات الزواج المُختلَط في المجتمعات المنفتحة، مثل الولايات المتحدة وبلاد غرب أوربا (حيث تم فيها إعتاق اليهود) تصل منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى حوالي الثلث في الجيل الثالث (أحفاد المهاجرين أو اليهود الذين تم إعتاقهم) . ثم يأخذ هذا المعدل في الازدياد بعد ذلك (حدث ذلك في نيويورك وفيلادلفيا عام 1840، وحدث في برلين وفيينا عام 1920، وحدث مرة أخرى في الولايات المتحدة في الثمانينيات) . وقد كانت موجات الهجرة في الماضي هي التي تُقلِّل معدل الزيجات المُختلَطة، ذلك لأن المهاجرين (وأغلبيتهم من شرق أوربا) كانوا من خلفيات يهودية تقليدية يُعَدُّ الزواج المُختلَط فيها جريمة أخلاقية. ومع التكيف التدريجي يزداد معدل الزواج المُختلَط. وهذا يعني أن معدلات الزواج المُختلَط ستتزايد بشكل ملحوظ مع تَوقُّف الهجرة من خارج الولايات المتحدة (إذ أن مصدر المهاجرين الأساسي، الاتحاد السوفيتي سابقاً، قد بدأ يجف تماماً) . وإذا وصل مهاجرون فهم عادةً يتسمون بمعدلات عالية من العلمنة، ويكون هناك عادةً طرف غير يهودي في الأسرة المهاجرة. أما أبناء الزيجات المُختلَطة فوضعهم لا يقل سلبية (من منظور يهودي) . فقد لُوحظ أن 90% من أولاد الزيجات المُختلَطة في الاتحاد السوفيتي سابقاً يختارون ألا يُصنَّفوا «يهوداً» . ولا يختلف الوضع كثيراً في الولايات المتحدة، فقد قيل إنه لو أن نصف كل أبناء الزيجات المُختلَطة نشأوا يهوداً، لما حدث أي نقصان في أعداد اليهود، ولكن الدراسات الأخيرة أثبتت أن هذا لا يحدث، فنسبة من يُنشأون باعتبارهم يهوداً يصل إلى الربع (أو حتى الخُمس حسب بعض الإحصاءات) . ويوجد الآن في أمريكا الشمالية 415 ألف شخص فوق سن الثامنة عشرة من أصل يهودي ولكنهم نُشِّئوا على غير اليهودية. ويوجد 700 ألف دون سن الثامنة عشرة لم يتم تعريفهم بوصفهم يهود اً، رغم أن لهم أباً أو جداً يهودياً وهذا يؤدي إلى تَناقُص الأعداد. وحتى حينما يتقرَّر أن يُنشَّأ أبناء مثل هذه الزيجات على أنهم يهود، فعادةً ما يكونون يهوداً اسماً وأبعد ما يكونون عن اليهودية بالمعنى الديني أو الإثني. وقد لُوحظ أنهم يصبحون عادةً من أكثر العناصر إقبالاً على الزواج المُختلَط. ولا تعترف اليهودية الأرثوذكسية بالزيجات المُختلَطة. أما اليهودية المحافظة، فتشترط على الطرف غير اليهودي أن يَتهوَّد. ومع هذا، فهي لا تَطرُد من الأبرشية من يتزوج من خارج وسط اليهود، بل وتسمح له بعض المعابد المحافظة بحضور الصلوات على شرط أن يوافق على أن يكون ثمرة الزواج يهوداً. أما اليهودية الإصلاحية، فإنها توافق على الزيجات المُختلَطة (وتترك الأمر لكل حاخام لكي يقرر ما يراه مناسباً) ، وتشجع الطرف غير اليهودي على التهود ولكنها لا تشترطه، وتعتبر أن اليهودي وزوجته غير اليهودية أعضاء في الأبرشية، أي أنها تُقّر حق الطرف غير اليهودي في حضور الصلوات. أما بالنسبة للموقف من أبناء هذه الزيجات، فإن اليهودية الأرثوذكسية لا تعترف إلا بمن وُلد منهم لأم يهودية، أما من وُلد لأب يهودي فليس يهودياً (على عكس موقف اليهودية الإصلاحية) . ومن المشاكل الأخرى التي يُثيرها أبناء الزواج المُختلَط انضمامهم للمدارس اليهودية، فبعض الأطفال غير يهود ومع هذا يسجلهم آباؤهم في مثل هذه المدارس ليُعرِّفوهم بالجذور الإثنية أو الدينية للطرف اليهودي في الأسرة أو ليطرحوا أمامهم البدائل الدينية المختلفة (ومن بينها البديل اليهودي) حتى يختار الطفل بنفسه فيما بعد. ويخلق هذا مشاكل لا حصر لها لهذه المدارس، التي تُعدّ المقررات التي تلائم الدارسين اليهود وحسب. والصهيونية تعتبر الزواج المُختلَط أكبر خطر يتهدد اليهود واليهودية. ومن المستحيل عقد مثل هذا الزواج في إسرائيل حيث تسيطر المؤسسة الأرثوذكسية. ويواجه المامزير، أي أبناء الزيجات المُختلَطة، مشاكل وتعقيدات كثيرة لأنهم أطفال غير شرعيين. وقد ازدادت المشكلة تفاقماً بعد هجرة اليهود السوفييت، حيث إن معدلات الزواج المُختلَط بينهم مرتفعة بشكل ملحوظ. الإبادة الصامتة Silent Holocaust «الإبادة الصامتة» مُصطلَح شائع في الولايات المتحدة (في الأوساط الصهيونية) يُستخدَم للإشارة إلى معدلات الاندماج والزواج المُختلَط المرتفعة باعتبارهما عناصر ستؤدي إلى إبادة اليهود وإلى «موت الشعب اليهودي» . الشعب العضوي (فولكVolk) تعبير «الشعب العضوي» هو ترجمتنا للكلمة الألمانية «فولك Volk» التي تُستخدَم بمنطوقها الألماني في كثير من اللغات الأوربية. والشعب العضوي هو الشعب الذي يترابط أعضاؤه ترابط الأجزاء في الكائن العضوي الواحد والذي تربطه رابطة عضوية بأرضه وتراثه. ويُشار إلى الفكر القومي، الذي يَصدُر عن مفهوم الشعب باعتباره الفولك أو الكيان العضوي المتماسك، بعبارة «الفكر القومي العضوي» كما يُقال «القومية العضوية» . القومية العضوية Volk (Organic) Nationalism «القومية العضوية» هي شكل القومية التي يُعبِّر الشعب من خلالها عن نفسه ككيان عضوي متماسك، يحوي داخله مركزه، فهو مرجعية ذاته، أي أنه يدور في إطار المرجعية الكامنة، والنموذج الكامن وراء هذه الفكرة هو نموذج عضوي مادي واحد. والشعب العضوي والقومية العضوية هما البديل والمقابل العلماني والحلولي الكموني الواحدي لفكرة الجماعة الدينية أو الأمة بالمفهوم الديني. ومفهوم القومية العضوية مفهوم رحمي تماماً يُلغي إرادة الإنسان الفرد وحريته. وقد ظهرت فكرة القومية العضوية في الغرب، خصوصاً في ألمانيا في القرن التاسع عشر، تحت تأثير الفكر المعادي للاستنارة. والقومية العضوية تدور في إطار الأفكار التالية: 1 ـ الشعب هو كلٌ عضوي متماسك يشبه علاقة أعضائه، الواحد بالآخر وبمجموع الشعب، علاقة أجزاء الكائن الحي بعضه بالبعض الآخر، ومن ثم فإن الشعب الحقيقي لا يقبل التفتيت ولا يمكن فصل أحد أعضائه عنه. وإذا غيَّر أحد أعضاء الفولك مكانه وانتقل من ألمانيا إلى روسيا مثلاً فهو يظل ألمانياً. 2 ـ الانتماء القومي لهذا الشعب ليس مسألة اختيار أو دعاية وإنما رابطة كلية عضوية حتمية تكاد تكون بيولوجية في حتميتها (إن لم تكن كذلك بالفعل) تربط بين الفرد والجماعة التي يتبعها، ولذا فإن الانتماء لشعب معيَّن مسألة تُورَّث ولا تُكتسَب. 3 ـ لا تقتصر الرابطة العضوية على العلاقة بين الفرد والشعب وإنما تمتد لتربط بين الشعب ككل والأرض التي يعيش عليها وبها. فالشعب العضوي يستمد الحياة من أرضه وتربته، وهي أيضاً تستمد منه الحياة، فهو وحده القادر على تعميرها. 4 ـ تمتد العلاقة العضوية لتشمل أيضاً الأشكال الثقافية والاجتماعية التي تسود بين أعضاء هذا الشعب العضوي والتي أبدعها أعضاؤه على مر التاريخ. فهذه الأشكال تُعبِّر عن عبقرية هذا الشعب وروحه (بالألمانية: فولكس جايست Volksgeist) ، ولهذا السبب فإن الآخر الغريب لا يمكنه أن يمتلك ناصية الخطاب الحضاري لهذا الشعب مهما بذل من جهد، فثقافة الشعب العضوي مسألة موروثة تجري في الدم تقريباً ولا يمكن اكتسابها مهما بلغ الآخر من ذكاء ومهارة. 5 ـ والشعب العضوي يحوي داخله (وداخل أرضه وتراثه) عناصر قوته وانحلاله وتَطوُّره ورُقيِّه، كما أن قوانين حركته التي ينمو على أساسها كامنة فيه أيضاً، أي أنه يدور في إطار المرجعية المادية الكامنة. ويُلاحَظ اختفاء كل المسافات بين الشعب ومصادر قوته وأرضه وتراثه، فالجميع يُكوِّنون كُلاًًّ متماسكاً مستمراً عضوياً لا ثغرات فيه ولا انقطاع. 6 ـ ويمكننا أن نقول إن فكرة الشعب العضوي (والقومية العلمانية) ككل هي حلولية مرحلة وحدة الوجود المادية (من النوع الثنائي الصلب) . فالمُطلَق حلَّ في المادة (الأرض والشعب والتراث أو الشعب المرتبط بأرضه وتراثه) وفقد تَجاوُزه وتنزهَّه وذاب في الشعب، بحيث أصبح الشعب هو ذاته القيمة المطلقة ومرجعية ذاته. ولعل النمط الكامن الأساسي وراء فكرة الشعب العضوي هو النمط الذي ورد في أسفار موسى الخمسة، فالعبرانيون أمة أو قبيلة اختارها الإله وحل فيها أو سكن في وسطها، وهو إله مقصور على أعضاء هذه القبيلة، ولذا كان ينتقل معهم في ترحالهم (أو كانوا يحملونه معهم في سفينة العهد) وكان يساعدهم (وحدهم دون سواهم) ضد أعدائهم ويغار عليهم، وكانوا لا يترددون في الضغط عليه كي يستجيب إلى طلباتهم. وقد تعدلت هذه الصورة قليلاً بعد ذلك في كتب الأنبياء. ولكن أسفار موسى الخمسة ظلت أكثر أسفار العهد القديم قداسة، وأصبح تاريخها المقدَّس، وما جاء فيها من صُوَر حلولية كمونية عضوية من أهم مفردات الوجدان الغربي. ومع تَصاعُد معدلات العلمنة، أعيد إنتاج هذه الصورة القَبَلية العضوية الحلولية على هيئة الفكر العلماني القومي. وقد أَحَلَّ هذا الفكر، محل الإله الواحد المتجاوز (المُنزَّه عن الطبيعة والتاريخ، مركز الكون، المفارق له) ، كياناً عضوياً متماسكاً هو الشعب أو الأمة التي تحوي مركزها داخلها، فهي موضع الحلول والكمون وفوق الجميع. وأصبحت الأمة، ذلك الكيان العضوي المُنغلق على ذاته، مصدر السلطات وموضع التقديس، وأصبحت الهوية القومية والحفاظ عليها (بغض النظر عن أية قيم) قيمة مطلقة ومرجعية نهائية (تَوثُّن الذات كما سماها أحد المفكرين العرب) . بل وأصبح تراب الوطن أو أرضه موضع التقديس، فهو الرقعة التي تتحقق عليها الذات القومية المقدَّسة. وقد تم التعبير عن هذا من خلال مفهوم الدم والتربة: الدم الذي يجري في عروق أبناء الشعب والتراب أو التربة التي يعيش عليها، وهما العنصران اللذان يجسدان فكرة الوطن. وأصبح الصالح العام لهذا الوطن، وهذه الدولة التي تمثله وتمثل الشعب، هو المُطلَق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو الخير الأعظم والمُطلَق الأوحد، ولهذا فإن العمل ضد صالح الدولة وإفشاء أسرارها (المقدَّسة المُطلَقة) خيانة عظمى عقوبته عادةً الإعدام. وباختصار شديد، أصبح الوطن المقدَّس (والشعب المقدَّس) مرجعية ذاته وأصبحت مصلحته قيمة نهائية، ومن ثم أصبح من المستحيل محاكمة أي شعب من منظور منظومة قيمية خارجة عنه. 7 ـ أفرزت فكرة الشعب العضوي والقومية العضوية مجموعة شعارات ومفردات ذات طابع عضوي حلولي كموني واحدي (شبه صوفي) عنصري، مثل: «أمتنا فوق الجميع» ، و «الأمة ذات الرسالة الخالدة» ، «المصير القومي الواحد المحتوم» ، «المجال الحيوي للشعب» . 8 ـ مفهوم الشعب العضوي مفهوم استبعادي، نسق مغلق لا يسمح بأي شكل من أشكال عدم التجانس ويفصل بحدة بين أعضاء الشعب العضوي والشعوب الأخرى. كما أن أعضاء الأقليات الذين يعيشون بين أعضاء هذا الشعب يصبحون بالمثل شعباً عضوياً، ولكنهم شعب عضوي منبوذ. 9 ـ فكرة الشعب العضوي والقومية العضوية تُترجم عادةً إلى فكر عرْقي يؤكد التفاوت بين الناس والأعراق، فينسب التَميُّز للأنا الجماعية العضوية والتدني للآخر. فالأنا هي تَجسُّد المركز الكامن في العالم، والآخر مجرد مادة وحسب، والأنا هو المرجعية النهائية والمقدَّس، والآخر هو التابع المباح. ويشكل الفكر العضوي الاستبعادي الأرضية الفلسفية للرؤية العنصرية داخل أوربا والرؤية الإمبريالية خارجها. وقد حقَّق المفهوم شيوعاً كبيراً في أوربا ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر. وكانت الكتب العنصرية أكثر الكتب شيوعاً في أوربا في تلك الفترة. ومن هنا، فإن الفكر الإمبريالي، والفكر النازي والصهيوني، وكذلك فكر أعداء اليهود، فكر عضوي. 10ـ يُعبِّر الشعب العضوي عن إرادته من خلال الدولة القومية المطلقة التي تكون مرجعية ذاتها، ويُعبِّر عن هذه الإرادة في حالة النُظُم الشمولية من خلال إرادة الزعيم. ويُميِّز بعض المؤرخين بين القومية العضوية من جهة والقومية الليبرالية (التعاقدية) من جهة أخرى. فإذا كان أعضاء القومية العضوية لا يختارون مسألة انتمائهم القومي بل يرثونه بشكل يكاد يكون بيولوجياً، فإن أعضاء القومية الليبرالية ـ حسب رأي هؤلاء المؤرخين ـ يختارون هذا الانتماء ويدخلون في تعاقد يمكن فكّه على الأقل من الناحية النظرية. ويُصنَّف الفكر القومي الألماني والسلافي بوصفه فكراً عضوياً يُبشر بقومية عضوية، وذلك على عكس النظريات القومية في كلٍّ من فرنسا وإنجلترا. ونحن نرى أن التمييز قد يفسر بعض نقط الاختلاف التي لا أهمية لها، ولكنه يُخبئ نقط تشابه ذات أهمية محورية. كما نذهب إلى أن الحضارة الغربية العلمانية العلمية ككل تدور في إطار عضوي وفي إطار المرجعية المادية الكامنة، فالنموذج يحوي مركزه داخله، وقد تَقلُّ درجة تَماسُكه واستبعاديته وحلوليته في حالة التشكيلين الحضاريين الفرنسي والإنجليزي (والقومية الفرنسية والإنجليزية) ، وقد تزيد هذه الدرجة في حالة التشكيلين الألماني والسلافي (الجامعة الألمانية والجامعة السلافية) وفي حالة الصهيونية. ولكن الإطار الذي يدور في إطاره الجميع هو المرجعية المادية الكامنة والحلولية العضوية، فتصبح الأمة مرجعية ذاتها، وتصبح هي ذاتها مصدر شرعيتها، وتصبح إرادتها مصدر وحدتها وتَماسُكها (تماماً كما أن إرادة القوة في المنظومة النيتشوية هي مصدر تَماسُك الفرد ووحدته وهويته) . الشعب العضوي المنبوذ Pariah Volk «الشعب العضوي المنبوذ» عبارة قمنا بصياغتها للتعبير عن نموذج تفسيري كامن في معظم الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود. ويعود هذا النموذج إلى الفكر الألماني الرومانسي الذي طرح فكرة الشعب العضوي (بالألمانية: فولك Volk) ، والتي ترى أن الانتماء القومي ليس مسألة اختيار أو إيمان، وإنما هو رابطة كلية عضوية حتمية تكاد تكون بيولوجية في حتميتها بين الفرد والجماعة التي يتبعها والتربة (الأرض) التي تتواجد عليها هذه الجماعة، ومن هنا الحديث عن التربة والدم. وحسب هذا النموذج، تتسم الأشكال الثقافية والاجتماعية المختلفة التي تسود بين أعضاء هذه الجماعة بأنها هي الأخرى مترابطة ترابطاً عضوياً لا تنفصم عراه، وبأنها فريدة تُعبِّر عن عبقرية الجماعة. ويؤكد نموذج الشعب العضوي الاختلافات بين الجماعات البشرية المختلفة على حساب المساواة بين أعضاء الجنس البشري. ولهذا نجد أنه أفرز مجموعة شعارات ذات طابع عضوي عنصري شبه صوفي، مثل: روح الشعب - أمة واحدة ذات رسالة خالدة ـ المصير القومي الواحد الحتمي والأمة فوق الجميع - المجال الحيوي للشعب. وقد استُخدم هذا النموذج لتبرير التوسع ولاستبعاد الآخرين بل وإبادتهم. كما تَحكَّم في إدراك الإنسان الغربي لكل المجموعات البشرية وضمنهم اليهود، بحيث أصبح هناك شعب عضوي ألماني وشعب عضوي إنجليزي وشعب عضوي يهودي، كل منها مترابط ترابطاً عضوياً ويضرب بجذوره في تربته. وقد تَبنَّى الفكر الصهيوني هذا النموذج التفسيري الذي عبَّر عنه مارتن بوبر في كتاباته حيث يجعل من الشعب العضوي ركيزة أساسية لرؤية العالم. ومن مفارقات الأمور أن إحدى خصائص الشعوب العضوية أنها تَنبُذ العناصر الغريبة عنها والتي تُوجَد بين ظهرانيها مثل اليهود. ولهذا كان النموذج الذي أسبغ على اليهود هوية عضوية فريدة، وحوَّلهم من مجرد أقلية دينية أو جماعة دينية إلى كيان مستقل، يأخذ شكل شعب عضوي له صفات ثابتة محددة يضرب بجذوره في فلسطين، هو نفسه الذي جعل منهم مادة بشرية غريبة لم تُشكِّل قط جزءاً من التاريخ الحقيقي للغرب وإنما وقفت دائماً على هامشه. بل إن وجودهم داخل الحضارة الغربية لم يكن دائماً أمراً إيجابياً، ومن ثم فلا مكان لهم في هذه الحضارة، أي أن «الشعب العضوي» تَحوَّل إلى «شعب عضوي منبوذ» . وقد أدَّى هذا النموذج إلى الهجوم على خصوصية الشعب العضوي اليهودي وإظهار مدى قبحها وضرورة القضاء عليها، فظهرت الدعاوى المعادية لليهود، كما ظهرت الدعوات إلى دمجهم في المجتمعات الغربية بعد إصلاحهم وتطبيعهم، أي بعد أن يتخلصوا من خصوصيتهم وسماتهم السلبية، بأن يتخلوا عن يهوديتهم، وهذا هو فكر عصر الاستنارة والتنوير. ويمكن القول بأن نموذج الشعب العضوي المنبوذ هو الحلقة التي تربط بين العداء لليهودية والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. وتنطلق صهيونية غير اليهود من فكرة أن الفولك أو «الشعب العضوي اليهودي» لا مكان له حقاً في العالم الغربي (وهذه هي نفسها دعوى أعداء اليهود) ولكن يمكن الاستفادة منه كأداة يمكن توظيفها لصالح الغرب في مشروعاته المختلفة التي أصبح من أهمها، مع مرور الوقت، المشروع الاستيطاني في فلسطين. ويستند نموذج الشعب العضوي المنبوذ إلى عنصرين أساسيين في الحضارة الغربية: 1 ـ موقف الحضارة الغربية المسيحية من اليهود. ويمكن القول بأن نموذج الشعب العضوي يعود إلى فكرة الشعب الشاهد، أي اليهود بوصفهم أقلية دينية رفضت المسيح، وتقف في ذُلِّها وخضوعها وتَدنِّيها شاهداً على صدق العقيدة المسيحية وعلى عظمة الكنيسة. ولذا، دافعت الكنيسة الكاثوليكية عن بقاء اليهود كجماعة مستقلة وحمتهم ضد الهجمات الشعبية حتى يقوموا بدورهم في الشهادة. ثم تحوَّلت هذه الفكرة إلى العقيدة الاسترجاعية أو الألفية في الفكر البروتستانتي، وهي عقيدة تُحوِّل اليهود إلى أداة من أدوات الخلاص إذ أنه لا يمكن أن يتم الخلاص النهائي إلا بعودة اليهود. 2 ـ الأمر الآخر الذي يعود إليه نموذج الشعب العضوي المنبوذ هو الدور الذي لعبه اليهود في المجتمع الغربي كجماعة وظيفية وسيطة تشتغل بالتجارة والربا والنشاطات المالية. ويمكن القول بأن الشعب العضوي المنبوذ، في كثير من الأحوال، هو الجماعة الوظيفية التي فَقَدت وظيفتها. ويُلاحَظ أن كلا الأمرين يضع اليهود على هامش التاريخ الغربي لا في صميمه، كما يجعلهم مجرد أداة إما للخلاص النهائي أو للربح. ويمكن القول أيضاً بأن نموذج الشعب العضوي المنبوذ هو تعبير علماني عن فكرة الشعب المختار والشعب المقدَّس (الدينية) ، فالشعب المختار شعب مقدَّس، والقداسة تعني الانفصال عن كل الشعوب، فهو شعب عضوي، ولكن إحدى علامات اختياره هي أن كل الشعوب ترفضه، فهو شعب عضوي مقدَّس منبوذ. وقد تداخل العنصران الديني والدنيوي لبعض الوقت. ومع تَزايُد علمنة الحضارة الغربية، فَقدَ النموذج كثيراً من ديباجاته الدينية ليصبح نموذجاً دنيوياً محضاً. ومن هذا المنظور، تم الهجوم على اليهود لا باعتبارهم قتلة المسيح وإنما باعتبارهم شعباً عضوياً بالمعنى العرْقي. كما أن استخدام اليهود كوسيلة أخذ يفقد ديباجاته الدينية تدريجياً، حيث أصبح اليهودي غير مُثقَل بأية قيمة وتَحوَّل إلى أداة محضة. ويمكننا أن نَعُدَّ مارتن لوثر من أوائل المفكرين الذين تعاملوا مع اليهود من منطلق هذا المفهوم في صيغته الدينية، فقد وصف اليهود انطلاقاً من عدائه العميق لهم بأنهم «عبء ثقيل علينا وبلاء وجودنا» ، وأشار إلى أكاذيبهم وطالب بمساعدتهم للعودة إلى أرضهم في يهودا «فالتخلص من اليهود هو الهدف الأسمى» . ومن الواضح أن لوثر لم يكن قد أدرك بعد إمكانية الاستفادة منهم وإمكانية نفعهم. ويُعَدُّ الفيلسوف إسبينوزا من أوائل المفكرين الذين بَلْوروا هذا المفهوم في صيغته العلمانية، إذ شن هجوماً شرساً على اليهود وطالب بالقضاء على خصوصيتهم بدمجهم أو عودتهم إلى فلسطين. وشهدت الفترة نفسها ظهور فكرة الاستفادة من «الشعب العضوي المنبوذ» كأداة. فقد دافع كرومويل عن عودة اليهود إلى إنجلترا بسبب نفعهم وإمكانية استخدامهم كجواسيس. وقد بدأت تظهر فائدة اليهود في تلك الفترة كعنصر استيطاني يمكن استخدامه في المشاريع الاستيطانية في سورينام وكايين وكوراساو. ويُعَدُّ نموذج الشعب العضوي المنبوذ حجر الزاوية في فكر الاستنارة، فقد هاجم كلٌّ من فولتير وهولباخ اليهود على أنهم شعب عضوي له صفاته السلبية الخاصة به. وعرَّف الفيلسوف هردر اليهود بأنهم غرس طفيلي في أوربا يلتصق بكل الشعوب الأوربية ويمتص نخاعها. ويُلاحَظ وجود المفهوم نفسه في كتابات فخته الذي أكّد أيضاً الفساد الأخلاقي عند اليهود وأكد أنهم يُكوِّنون دولة داخل الدولة. ولذا، عارض منحهم الحقوق المدنية والسياسية، إذ أن ذلك لن يتحقق إلا بأن تُقطَع رؤوسهم ذات ليلة وتُوضَع مكانها رؤوس أخرى لا تحوي فكرة يهودية واحدة. وقد اقترح فخته، ومن قبله فولتير، حلاًّ صهيونياً لمشكلة الشعب العضوي المنبوذ، فقال: "لا يوجد بديل إلا بغزو أرض الميعاد وإرسالهم إليها، لأنهم لو حصلوا على حقوقهم المدنية في أوربا فإنهم سيدوسون على كل المواطنين الآخرين". وقد بدأت تظهر في هذه الفترة فكرة نفع اليهود. وقد عبَّر الكاتب الإنجليزي أديسون، محرر مجلة الإسبكتاتور، عن هذا الجانب من المفهوم بشكل دقيق للغاية في مقال بتاريخ 27 ديسمبر 1712 قال فيه: «إن اليهود منتشرون في جميع المناطق التجارية في العالم حتى أنهم أصبحوا الأداة التي تتحدث من خلالها الأمم التي تفصل بينها مسافات شاسعة، فهم مثل الأوتاد والمسامير في بناء شامخ. ورغم أنهم بلا قيمة في حد ذاتهم، فإن أهميتهم مطلقة لأنهم يحفظون للهيكل كله تماسكه» . وما يهمه من اليهود كشعب عضوي، إذن، هو كونهم أداة مهمة وحسب. ولذلك فهو لا يَشُنُّ عليهم هجوماً ولا يُشهِّر بهم، فما يهمه هو توظيف هذه الكتلة البشرية. وستتكفل عملية التوظيف هذه بتخليص أوربا منهم بالطرق السلمية، أي أن نموذج الشعب العضوي المنبوذ تَحوُّل تدريجياً ليصبح نموذج الشعب العضوي المنبوذ النافع (وهذا هو جوهر الصهيونية) . وقد طُرحت في عصر الاستنارة إشكالية مدى نفع اليهود وإمكانية إصلاحهم حتى يتسنى الاستفادة منهم. وهكذا أصبح نموذج الشعب العضوي المنبوذ نموذجاً تفسيرياً أساسياً في الوجدان العقلي والعاطفي في الغرب بما يؤدي إليه من حلول صهيونية واضحة أو كامنة. وقد أصبح هذا النموذج، مع بداية القرن التاسع عشر، بُعداً أساسياً في الفكر السياسي الغربي تجاه اليهود والشرق. كما تمت مزاوجة المسألة اليهودية (الشعب المنبوذ) بالمسألة الشرقية (الدولة العثمانية وتقسيمها) بحيث يمكن حل المسألة الأولى، أي التخلص من اليهود، عن طريق استخدامهم كمادة بشرية في المسألة الثانية. وكان نابليون من أوائل السياسيين الذين توصلوا إلى هذه الصيغة. فهو أول سياسي يدعو اليهود، من حيث هم يهود، إلى الاستيطان في فلسطين، محاولاً الاستفادة منهم كمادة استيطانية في مشروعه الاستعماري. أما على مستوى فرنسا ذاتها، فقد كان الأمر جدُّ مختلف. فقد أصدر نابليون من التشريعات ما قضى عليهم كشعب عضوي، ووضع الخطط التي أدَّت في نهاية الأمر إلى دمجهم في الأمة الفرنسية. ونموذج الشعب العضوي المنبوذ هو ذاته النموذج الرئيسي وراء فكر بول باستيل زعيم حركة الديسمبريين في روسيا، فقد كان يرى أن اليهود «يحافظون دوماً على روابط وثيقة بدرجة لا تُصدَّق، بسبب الدين والسيطرة الحاخامية على أوجه الحياة جميعاً» ، أي أنهم شعب عضوي. والحل هو «إما تخليص اليهود من خصوصيتهم، واستيعابهم استيعاباً تاماً، أو مساعدتهم على تأسيس دولتهم الخاصة المستقلة في منطقة ما من آسيا الصغرى. ولهذا يجب تعيين نقطة تَجمُّع الشعب اليهودي بمساعدة بعض الجنود. وإذا تَجمَّع في مكان واحد جميع اليهود الروس والبولنديين، فإن عددهم سيبلغ أكثر من مليونين، وبعد أن يجتازوا أوربا التركية فإنهم يستطيعون أن يعبروا إلى تركيا الآسيوية حيث يمكنهم بعد الاستيلاء على أرض كافية لتأسيس دولة يهودية مستقلة» . وبهذا، فإن باستيل ينظر إلى اليهود باعتبارهم مادة استيطانية يمكنه استخدامها كوسيلة في الصراع الناشب بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية. وقد أصبح النموذج أيضاً بُعداً أساسياً في الفكر الاستعماري الإنجليزي، فنجد أن لورد شافتسبري يتحدث عن اليهود باعتبارهم عنصراً مستقلاً له سماته القومية المستقلة، ولكنه عنصر طفيلي فاسد. وانطلاقاً من هذا، فقد عارض مَنْحَهم الحقوق الدينية، ولكنه بذل جهوداً كبيرة في سبيل اتخاذ الخطوات اللازمة لتوطينهم في فلسطين. وقد تبنَّت وزارة المستعمرات رأيه منذ عام 1840. ويستمر هذا الخط ليصل إلى بلفور الذي كان يؤمن إيماناً جازماً بأن اليهود كيان تختلط فيه القومية بالدين. وأنهم كيان غريب على الحضارة الغربية التي لم تستطع استيعابهم. وكان بلفور يرى أن اليهود، بطفيليتهم وعدم انتمائهم، يشكلون عبئاً على الحضارة الغربية، فاستصدر عام 1905 من القوانين ما يُوقف مد الهجرة اليهودية إلى إنجلترا. ولكن وزارته وافقت في العام نفسه على مشروع شرق أفريقيا. ثم ساهم بلفور، بعد ذلك، في استصدار الوعد الذي سُمي باسمه. والواقع أن كلا المشروعين يهدف إلى تخليص أوربا من اليهود، وذلك عن طريق الاستفادة منهم في مكان آخر. وفي الفكر الاشتراكي الغربي، ظهر نموذج الشعب العضوي المنبوذ في فكر فورييه وتلاميذه، خصوصاً توسينيل وأدولف إلايزا الذي شبَّه اليهود بالبكتريا القذرة التي تحمل العفن إلى أي مكان تحل فيه. ويُلاحَظ أن الصورة المجازية هنا عضوية، تماماً مثل الشعب العضوي، وهي صورة مجازية استخدمها الزعيم الصهيوني نوردو والزعيم النازي هتلر. وقد تَبنَّى هؤلاء حلاًّ صهيونياً للمسألة اليهودية وطلبوا من اليهود أن يرحلوا إلى "بلادهم"! وحينما ظهرت الصهيونية بين اليهود، كان هناك تَلازُم أيضاً بين نموذج الشعب العضوي المنبوذ وبين الاستيطان الصهيوني. وقد تَقبَّل كثير من الصهاينة هذا النموذج التفسيري وأسسوا عليها نظريتهم الصهيونية، فرددوا أن اليهود طفيليون، كريهون لا أخلاقيون، ويجب تطبيعهم عن طريق تطويعهم من أجل خدمة المشروع الاستعماري الغربي وتوطينهم في فلسطين. وفي أوائل القرن الحالي، كانت الزعامة الصهيونية في ألمانيا تؤكد تَدنِّي اليهود ووضاعتهم وعدم انتمائهم لإسباغ الشرعية والمعقولية على المشروع الصهيوني. ولهذا فقد قَبلت المقولات الأساسية لمعاداة اليهود واستوعبتها في بناء النسق الفكري الصهيوني ذاته. وقد ظهر الفكر النازي في هذه التربة، وهو فكر ينطلق من فكرة أن الشعب العضوي الألماني والشعب العضوي اليهودي المنبوذ يجب ألا يختلطا حتى يحتفظ كلٌّ بهويته العضوية. وقد بيَّن ألفريد روزنبرج، أهم مُنظِّري العقيدة النازية، إبان محاكمته في نورمبرج، أنه تَبنَّى رؤية بوبر حيث أعلن أن اليهود يجب يعودوا إلى أرض آسيا حتى يمكنهم (هناك فقط) العثور على جذور الدم اليهودي. وقد وردت في قوانين نورمبرج الفقرة التالية عن الصهيونية ومبرراتها: "لو كان لليهود [أي الشعب العضوي المنبوذ] دولة خاصة بهم تضمهم جميعاً في وطن واحد، لأمكن اعتبار المشكلة اليهودية محلولة حتى بالنسبة إلى اليهود أنفسهم". ومن ثم، فإن النازيين لم يكونوا ضد المشاريع الاستيطانية الصهيونية التي تهدف إلى التخلص من اليهود. ولكن، لسوء حظ ألمانيا واليهود، لم يكن لدى ألمانيا مستعمرات في آسيا وأفريقيا (بعد إجهاض مشروعها الاستعماري على أيدي الدول الاستعمارية الأخرى) . وربما، لو وُجدت مثل هذه المستعمرات الألمانية، لقام هتلر بكفاءته المعهودة بنقل فائض أوربا المنبوذ وانتفع منه ومن إمكانياته، بدلاً من إبادته وحرقه. ولكن مجال ألمانيا الحيوي في أوربا كان آهلاً بالسكان، ولذا، لم يكن بوسع هتلر سوى إبادة اليهود بدلاً من نقلهم (حسب منطق أوربا العملي المادي) . وقد لاحَظ كثير من المثقفين الألمان اللوثريين أعداء النازية ذلك التَطابُق بين الفكرة الغربية الخاصة بالشعب العضوي ونموذج الشعب العضوي كما عبَّر عنها الصهاينة، وقال ريتشارد كودينهوف كاليرجي، وهو من أكبر مناهضي العنصرية، إن القوميتين اليهودية والنازية حركتان حولتا الدنيا والمادة إلى مقولات ميتافيزيقية، أي إلى دين، وكلتاهما تُضفي صفة نسبية على كل القيم باستثناء القيم العرْقية وعلاقات الدم والتربة، بحيث تختفي جميع المعايير إلا معيارالعرْق. ثم أشار كاليرجي إلى أن كلتا الحركتين قبلتا القول بأن ألمانيا لا يمكنها استيعاب اليهود. وقد اختفى نموذج الشعب العضوي المنبوذ إلى حدٍّ كبير من كتابات الصهاينة والمفكرين الغربيين بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنه لا يزال النموذج الفعال الكامن في كل الكتابات والمشاريع الصهيونية. وقد ظهرت في الآونة الأخيرة فكرة الشعب المقدَّس بين أعضاء جماعة جوش إيمونيم. وعندهم، كذلك، أن هذا الشعب يعيش وحده ولا يُحسَب بين الأمم، فهو شعب مقدَّس عضوي منبوذ. وتَنبُع أهمية فكرة الشعب العضوي المنبوذ من أنها تُبيِّن العلاقة العضوية الكامنة بين الصهاينة وأعداء اليهود. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الغنوصية: تعريف
Gnosticism: Definition «الغنوصية» من الكلمة اليونانية «غنوصيص» ، ومعناها «علم» أو «معرفة» أو «حكمة» أو «عرفان» . وفي التراث العربي الإسلامي، تُستخدَم كلمة «عرفان» عند المتصوفين لتدل على نوع أسمى من المعرفة يُلقَى في القلب في صورة «كشف» أو «إلهام» . و «العرفان» ، حسب تعريف المؤرخين له، هو العلم بأسرار الحقائق الدينية والخصائص الإلهية، وبكل ما هو سري وخفي (كالسحر والتنجيم والكيمياء) ، وهو (من وجهة نظر صاحب العرفان) أرقى من العلم الذي يحصل لعامة المؤمنين البسطاء أو لأهل الظاهر من العلم الديني الذين يعتمدون النظر العقلي، و «العرفاني» هو الذي لا يقنع بظاهر الحقيقة الدينية بل يغوص في باطنها لمعرفة أسرارها. وهي معرفة تقوم على تعميق الحياة الروحية واعتماد الحكمة في السلوك وهو ما يمنح القدرة على استعمال القوى التي هي من ميدان الإرادة (ومن ثم تصبح الإرادة بديلاً للعقل) . فالمعرفة هنا لا تعني العلم، أي اكتساب معارف، بل بذل مجهود متواصل بقصد التطهير والتخلص من الأدران والتوصل للصيغة الغنوصية اللازمة لرحلة العودة للاندماج من جديد في العالم الإلهي الذي جاء منه الإنسان. والغنوصية ترى أن ثمة جوهراً واحداً يجمع بين كل الديانات ولذا لا تقدم نفسها كديانة جديدة، بل كباطن للشريعة القائمة، ومهمة الغنوص الكشف عن المغزى العميق للعقيدة (ولكل العقائد) التي ينتمي إليها الغنوصي بواسطة معرفة باطنية وكاملة لأمور الدين. ويتم التمييز بين الغنوصية كموقف من العالم (غنوص عملي) والغنوصية كنظرية لتفسير الكون (غنوص نظري) ولكنهما بطبيعة الحال مرتبطان تمام الارتباط، وخصوصاً أن الغنوص النظري نفسه ذو توجُّه عملي، فالعرفان يتم التوصل إليه من خلال طقوس وشعائر محددة..... والغنوصية حركة فلسفية وتعاليم دينية متنافرة تأخذ شكل أنساق أسطورية جميلة في غاية التنوع وعدم التجانس، انتشرت في الشرق الأدنى القديم في القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد. ورغم أن أساطيرها وتعاليمها وأفكارها غير متجانسة، بل تنافرها، يمكن القول بأن ثمة بنية كامنة واحدة أو نموذج معرفي واحد، ذلك أن المنظومات الغنوصية كافة منظومات كمونية حلولية واحدية تبحث عن مبدأ واحد مطلق يحكم الكون بأسره، كما تبحث عن قانون شامل من غير ثغرات يعبِّر عن الواحدية الكونية التي ترد الكون بأسره إلى مبدأ واحد ومن ثم يذوب الكل في الجزء وتصبح الركيزة النهائية كامنة في المادة، ولذا يتحقق النموذج في لحظة التوحد الكامل بين الخالق ومخلوقاته (وباختفاء الإنسان في مقولات أكبر منه) ، أي أنها تنتهي بموت الإله ثم بموت الإنسان) . وهي محاولة لتفسير كيفية خروج النسبي من المطلق، والشر من الخير، وتجيب عليها بإجابات بسيطة بل ساذجة من خلال الأنساق الأسطورية التي تختزل الواقع الإنساني والتاريخي المركب. وتستخدم الغنوصية مفردات الحلولية الكمونية الواحدية وصورها المجازية (الجسد ـ الجنس ـ الرحم ـ الأرض) لإدراك العالم. تبدأ المنظومة الغنوصية من نقطة فردوسية لا تحتوي إلا على النور والقداسة، حالة تماسك واحدية عضوية لا يوجد فيها كل منفصل عن الأجزاء، ولا توجد فيها ثغرات (حالة البليروما) . ويوجد الإله الخفي (باللاتينية: ديوس أبسكوندتيوس deus absconditus) وراء البليروما، وهو إله متعال لا يقبل الوصف متجاوز تماماً للدنيا حتى حد التعطيل، غير مكترث بها أو معاد لها، والطبيعة لا تعبِّر عنه أو عن مقاصده. هذا الإله الواحد لم يخلق العالم دفعة واحدة من العدم وإنما من خلال عملية تدريجية من خلال الفيض والصدور ففاضت مخلوقات تُسمَّى الأيونات وهي القوى الروحية الأولية وهي بمثابة تشخُّصات للإله. وأهم الأيونات هي الإنسان نفسه الإنسان الأول وآدم قدمون أو أنثرويوس الذي هو نفسه الإله أو ديوس. ومن أهم الأيونات الأيون المسمى «صوفيا» أو «الحكمة» . وتذهب الغنوصية إلى أن الكون شرير ومعاد، وأن العالم سجن والزمان ردئ، وأن الإنسان لا ينتمي إلى هذا العالم وأنه وقع فيه وفي الزمان لا لذنب اقترفه أو لشر متأصل فيه وإنما بسبب خلل كوني أدى إلى تسرُّب بعض الشرارات الإلهية بحيث حُبست داخل المادة. والإنسان هو جزء من هذه الشرارات، فهو ينتمي إلى العالم النوراني، عالم الإله الخفي. ولن يتم الخلاص ولن يبلغ الإنسان الكمال (الذي هو اسم آخر للنجاة والخلاص) إلا من خلال معرفة خفية باطنية (غنوص) تتصل بالحقيقة الكلية الشاملة، وهي معرفة أو عرفان يفضي بالإنسان إلى معرفة بالإله، فالإله هو في نهاية الأمر الإنسان، والإنسان هو الإله، أو على الأقل ينتميان لعالم واحد، وقد صيغ من مادة واحدة أو جوهر واحد، ولذا فإن الخلاص والكمال هو اتحاد الذات الإنسانية مع الألوهية اتحاداً جوهرياً وانتهاء العالم. وقد لخص ثيودوتوس الغنوصية في عبارته الشهيرة، فقال "معرفة من كنا، وماذا أصبحنا، وأين كنا، وفي أي مكان أُلقي بنا، وإلى أي مكان نحث الخطى، وكيف نحصل على الخلاص، وما الميلاد، وما الميلاد الجديد؟ ". وقد أصبحت كلمة «غنوصية» في اللغات الغربية عَلماً على المذاهب الباطنية وعلى الهرطقات الجوهرية التي تقف على الطرف النقيض من العقائد السماوية التوحيدية. ويمكن القول بأن الغنوصية ليست شكلاً من أشكال التصوف الذي يدور في إطار توحيدي ويدعو إلى كبح جماح الجسد حتى يقترب الإنسان من الإله وهو يعرف أن الاتحاد به مستحيل (فهو إله مفارق متجاوز للطبيعة والتاريخ) . ومثل هذا التصوف يتبدَّى في التاريخ في شكل فعل أخلاقي وسلوك اجتماعي يدل على طاعة الإله. تقف الغنوصية على طرف النقيض من هذا النوع من التصوف (التوحيدي) ، فهي تهدف إلى الالتصاق بالإله والاتحاد معه بهدف الوصول إلى المعرفة الباطنية والصيغة النهائية (الغنوص) التي يمكن عن طريقها التحكم في الواقع وفي البشر بل في الإله، فهي شكل من أشكال التصوف الحلولي الكموني ووحدة الوجود الروحية. وهي، في هذا، تشبه القبَّالاه التي تحاول الوصول إلى المعرفة الباطنية ولا تكترث كثيراً بالتمارين الصوفية، وذلك باعتبارها محاولة للاقتراب من الخالق، فكل همها هو تحقيق الالتصاق بالإله والوحدة معه بهدف المعرفة من أجل التحكم (في الكون بل في القوة الخفية السارية فيه، أي الإله) . ونحن نطرح نموذجاً توليدياً لدراسة الغنوصية وتفسير سر انتشارها، فنذهب إلى أنها رؤية للكون تستجيب لشيء جوهري في الإنسان، وهو ما نسميه النزعة الرحمية، أي الرغبة في الانسحاب إلى الرحم وفقدان الهوية وتصفية الثنائيات الأخلاقية والمعرفية. وقد أورد كاتب مدخل «الهرمسية» في موسوعة تاريخ الأفكار ما يسميه «مجموعة أفكار الفوضى» (بالإنجليزية: كيوس سندروم (chaos syndrome وهي محاولة من جانبه لأن يرصد بعض السمات الأساسية للرؤية الكونية الكامنة وراء المنظومات الغنوصية (ومنها الهرمسية) وقد أوردها على النحو التالي: 1 ـ يخلق الإله العالم من مادة قديمة. 2ـ تتم عملية الخلق نتيجة تصادم ضخم أو لقاء جنسي بين عنصرين أساسيين. 3 ـ الخلق يتضمن عناصر من الغريب واللامعقول. 4 ـ التغير والظلام والطمي تنتج الحياة. 5 ـ الثعبان والمخلوقات الهجين هي رمز الطاقة ويتم تأليهها. 6 ـ العالم جسد يجدد نفسه دائماً، ومن هنا العود الأبدي. 7 ـ «كما هو في الأعالي، كذلك في هذا العالم» أي عقيدة التقابل بين السماء والأرض والعرفان الكوني. 8 ـ يمكن أن ينزل الإله إلى هذا العالم ليشارك في الأمور الإنسانية ويصبح عاملاً من عوامل إدخال الحضارة. والإله لا يتجاوز عملية التحول والعذاب التي تُعَد جزءاً من عملية الخلق والميلاد. 9 ـ يستطيع الإنسان أن يرتفع لمنزلة الآلهة. 10 ـ «الهبوط الثمين» هو الهبوط في الظلمات ومواجهة وحوش الأعماق أمر ضروري ومصدر لتجربة حيوية يمر بها البشر والآلهة. وهو يرى أن هناك بعض المنظومات الدينية الشعبية تتسم بكل أو بعض هذه الصفات. والمنظومات الغنوصية تنتمي إلى هذا النمط في تصوُّرنا. والغنوصية هي النموذج المتكرر والكامن وراء معظم (إن لم يكن كل) الفلسفات والأنساق الحلولية الكمونية الواحدية (الروحية والمادية) عبر التاريخ، وهي أهم تعبير عن الواحدية الكونية وعن النزعة الطبيعية المادية، وأكثرها تبلوراً، وهي القواعد أو النحو العالمي الكوني للهرطقة، الذي وُلدت منه كل أنواع الهرطقات المادية المعادية للإله والإنسان، علمانية كانت أم «دينية» ، وهي هرطقات ليست معادية للإله المتجاوز وحسب وإنما معادية للإنسان باعتباره كائناً فريداً مركباً حراً متعدد الأبعاد قادر على تجاوز ذاته الطبيعية وعلى تجاوز الطبيعة/المادة وعلى اتخاذ مواقف أخلاقية تنبع من حريته وإحساسه بالمسئولية وبهويته وحدوده، أي أن الإلحاد الغنوصي إلحاد جوهري وجذري وتعبير عن عداء عميق لظاهرة الإنسان نفسها. وانطلاقاً من نموذجنا التوليدي، فإننا نذهب إلى أن الغنوصية قائمة منذ بداية التاريخ. وقد ظهرت الحركة المسماة بالغنوصية في لحظة تاريخية شعرت فيها قطاعات كبيرة من سكان المدن في الإمبراطورية الرومانية بضياعها وعدم انتمائها وغربتها عما حولها. وبعد القضاء على الغنوصية كحركة، ظلت المنظومة الغنوصية منتشرة بين الجماهير (بعد القضاء على قيادتها) ، ذلك على هيئة الممارسات والعقائد الدينية الحلولية الواحدية المختلفة تحت أسماء مختلفة. وقد أحرزت الغنوصية نجاحاً فائق النظير في حالة النسق الديني اليهودي إذ تصاعدت معدلات الحلولية حتى أصبحت اليهودية عقيدة غنوصية من خلال القبَّالاه. وقد أحرزت الغنوصية انتصارها الأكبر مع ظهور العلمانية (الحلولية الواحدية المادية ووحدة الوجود المادية) ، فالفلسفات والأنساق العلمانية، هي بمعنى أو آخر، شكل من أشكال الغنوص. ومن المعروف أن الظروف التي عاش فيها أتباع الحركة الغنوصية لا تختلف كثيراً عن الظروف التي يعيشها الإنسان الحديث في المدينة الحديثة أو في المجتمعات الحديثة التي تم ترشيدها وإخضاعها لمعايير الكفاءة المستمدة من نماذج طبيعية/مادية يُقال لها «علمية» . الغنوصية: تاريخ Gnosticism: History تُلقي الخلفية التاريخية والثقافية للغنوصية الكثير من الضوء على بنيتها. ويبدو أن جذورها تعود إلى القرنين الأخيرين قبل الميلاد، ولنتخيل أن مواطناً في الألف الأخير قبل الميلاد، في الشرق الأدنى القديم، كان يعيش في كنف الإمبراطورية الفارسية، وهي إمبراطورية شرقية قد تكون غريبة عليه، ولكنها مع هذا لها تقاليدها الحضارية الشرقية القريبة من تقاليده، كما أنها كانت إمبراطورية مترامية الأطراف، اعتمدت أسلوباً في الإدارة مبنياً على عدم المركزية وعلى السماح للجماعات المحلية بقدر من الإدارة الذاتية، فكانت تُحصِّل الضرائب من خلال كبار الملاك المحليين، الأمر الذي ترك الريف دون تَدخُّل عنيف من القوة الإمبراطورية الأجنبية، ومن ثم لم يتغير أسلوب الحياة فيه. وجاءت الإمبراطورية اليونانية بثقافتها الهيلينية، وقد أسس هؤلاء الغزاة مدناً قوامها فرق من المرتزقة والمستوطنين الأجلاف الذين كانوا لا يعرفون من الثقافة الإغريقية غير القشور (مثل السيرك والألعاب) ، ولحقت بهم جماعات من المثقفين. ثم بدأت حركة هجرة داخل الإمبراطورية الهيلينية نحو هذه المدن، وهو ما أدَّى إلى نموها وتضخُّم حجمها، ولذا كانت هذه المدن تختلف عن المدن/الدول اليونانية. فالعلاقات الإنسانية في المدينة/الدولة كانت متعيِّنة متجانسة، لأن المدينة/الدولة كانت وحدة صغيرة تكاد تكون عضوية في تماسكها، إذ كان يشارك الجميع في العملية السياسية والأحداث الثقافية، وكان ينتظم كل هذا إطار العبادة الوثنية الهيلينية. ويُقال إن تجربة الإنسان اليوناني داخل المدينة/الدولة يشكل أساس الأنطولوجيا الغربية الكلاسيكية: الكل يسبق الأجزاء، والكل أحسن من الأجزاء، والكل هو الغاية والأجزاء هي الوسيلة. وكان الفرد هو الجزء في هذه المنظومة، والمدينة/الدولة هي الكل، وكان الفرد يشعر بهذه المقولات بشكل متعيِّن ومباشر من خلال تجربته الحياتية اليومية، هذا على النقيض من المدن اليونانية في الشرق فقد كانت أكبر حجماً وكانت تضم عناصر بشرية غير متجانسة لكلٍّ دينها وشعائرها وتجربتها التاريخية. ولذا، كانت كل جماعة تنكفئ على ذاتها وتنعزل عن المدينة، ولكنها كانت في الوقت نفسه تفقد هويتها لبعدها عن مراكز الحضارة الخاصة بها، وكانت تكتسب الخطاب الحضاري اليوناني أو قشوراً أو شذرات منه عن وعي أو عن غير وعي فيمتزج بخطابها الحضاري ويحل محله في بعض الأحيان. وكانت هذه المدن مدناً دولية تصلها التجارة من كل أنحاء الأرض (الصين وأوربا) وتُقام فيها أسواق ضخمة لها إيقاعها السريع وحجمها الضخم. ومن ثم، لم يكن بوسع الفرد أن يمارس علاقة عضوية مع الآخرين أو مع المدينة. إلى جانب كل هذا، كان يوجد انقسام حاد بين النخبة الإغريقية الحاكمة في المدينة والنخب الأخرى (المصرية واليهودية والفارسية) التابعة لها من جهة، ومن جهة أخرى الجماهير التي كانت: إما تأغرقت بشكل سطحي أو ظلت شرقية في تراثها وهويتها. وإلى جانب هذا الصراع الثقافي، كان يوجد صراع طبقي إذ أن استقلال الطبقات الحاكمة قد تزايد (وخصوصاً في مصر) بسبب تزايد قبضة البيروقراطية تحت حكم اليونان، وكان المصريون يدفعون الضرائب للتاج وللمدن التي كانت تمارس حقوقها على الأراضي الزراعية التي تملكها، ولأصحاب الأراضي التي يعيشون فيها، ولذا أُفقر الريف وزادت الهجرة إلى المدينة. ثم سقطت بعد ذلك الإمبراطورية اليونانية. ومع الحكم الروماني، زادت الأمور سوءاً، فمع تزايد الحروب زادت الضرائب واندلعت الثورات (مثل التمردين اليهوديين الأول والثاني في القرنين الأول والثاني الميلاديين) ، كما ازدادت الفجوة الثقافية بين الحاكم والمحكوم. وأدَّى اتساع نطاق الإمبراطورية إلى تزايد اختلاط الديانات المختلفة وإلى عمليات تهجينها، فامتزجت الآلهة الشرقية بالآلهة اليونانية والرومانية. ووجد المواطنون أنفسهم في إمبراطورية مترامية الأطراف، لا تؤمن بأية آلهة، أو تؤمن بآلهة كثيرة. وبذا، أصبح الكل مبعثراً وأصبح الجزء لا معنى له. وقد تماسك الكل لا بسبب أية أيديولوجية وإنما من خلال العنف الذي كانت تمارسه السلطة وبفعل توازن القوى، وهي سلطة كانت لا تكترث كثيراً بالتراث الحضاري للمواطنين فتدع كل فرد يمارس ما يشاء من شعائر طالما أنه يدفع الضرائب التي كانت تضمن تدفقها الطرق الرومانية والجنود الرومان الأجلاف، سادة العالم الذين كانوا لا يؤمنون بدين أو كانوا يؤمنون بدين وثني متخلف يرتكز على عبادة الإمبراطور ومجمع الآلهة (بانثيون) الروماني. وجد المواطن نفسه في إمبراطورية غريبة عليه، معادية له، حاكمها ظالم يفرض عليه القانون الروماني الغاشم، وجنودها أجلاف. كما وجد أنه ليس بمواطن روماني، ولذا فإنه لا حقوق له مع أن علاقته بوطنه الأصلي قد ضَعُفت، وخصوصاً إذا كان من سكان المدن. وفي هذه التربة، انتشرت الغنوصية بين أعضاء البورجوازية الصغيرة وبين كثير من أعضاء الطبقات غير المستغلة التي فقد أعضاؤها مناصبهم ومكانتهم، أو على الأقل تراجع نفوذهم رغم شعورهم بحقهم في أن يكونوا أحراراً، وكان عندهم الطموح للحراك والصعود إلى أعلى دون أن تكون عندهم الوسيلة لذلك: طبقات فقدت عالمها القديم ولم يستوعبها العالم الروماني الجديد. وأعضاء هذه الطبقات كانوا متعلمين يعرفون الفلسفة اليونانية بدرجات متفاوتة من العمق والسطحية، ولكنهم كانوا مع هذا ملمين بأسرار الديانات الشرقية، ولذا قاموا بالمزج بين العناصر اليونانية والشرقية حينما صاغوا أيديولوجيا جديدة (وهذا المزج هو الذي أعطى الغنوصية مقدرة تعبوية هائلة) . وقد انتشرت الغنوصية في المدن الكوزموبوليتانية الكبيرة، مثل الإسكندرية وأنطاكية وروما ومدن آسيا الصغرى، وهي مدن تتسم ببعض أو كل الملامح التي أشرنا إليها من قبل؛ مدن تقع على الحدود بين الشرق المتأغرق وروما، ومع هذا، ظل الشرق مركز جاذبيتها الثقافية. وحتى الزعماء الغنوصيون الذين ظهروا في الريف (مثل شمعون الساحر من السامرة) كان نشاطهم في المدن أو تربطهم علاقة وثيقة بها. هذا الوضع الحضاري والتاريخي يفسر كثيراً من جوانب الغنوصية، فهو يفسر ازدواجية الغنوصية الشرقية/الإغريقية، كما يفسر طبيعة الحل الذي تطرحه وجذريته. فإذا كان الإنسان يشعر بالغربة والاغتراب والهجران إلى هذا الحد، فإن الحل الذي سيطرحه لمشكلته لن يقل جذرية. والغنوصية أعلنت أن هذا العالم فاسد تماماً، فسقطت المدن والإمبراطوريات والعالم الطبقي والقوانين الطبيعية والأخلاقية الغاشمة بضربة معرفية واحدة. أما عالم المدينة الوثني الذي يتطلب الانتماء إليه الانتماء للعبادة الوثنية، فإنه يسقط هو الآخر بإعلان أن طريق الخلاص هو العرفان الداخلي دونما حاجة لكهنة أو معابد (وهذا مناسب جداً في اقتصاد مبني على حركة تجارية مستمرة، فأماكن العبادة الثابتة غير صالحة) . أما اغتراب الإنسان فبوسع الإنسان أن يعقلنه قليلاً بأن يدَّعي أنه يوجد في هذا المكان ولكنه ليس منه. أما وجود الإنسان في موقع متدن من السلم الطبقي، فيستطيع مثل هذا الإنسان أن يُفسِّره لنفسه بأنه في واقع الأمر من الروحانيين في عالم جسماني. أما من هم في قمة السلم فهم في واقع الأمر الجسمانيون أو النفسانيون على أحسن تقدير، وهو سلم سيُقلب رأساً على عقب حين يعود الإنسان العارف لأصله الروحاني ويشغل قمة الهرم، وبذا يحل محل النخبة اليونانية/الرومانية. أما الجسمانيون أو النفسانيون فهم كالقشرة أو المحارة سيُنبذون أو يحتلون مكانهم في أدنى درجات السلم. وكانت الجماعات اليهودية من أكثر الجماعات تأثراً بهذه التحولات (تماماً كما حدث لها في العالم الغربي بسبب ظهور الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية والدولة القومية والرأسمالية الرشيدة والتشكيل الاستعماري الغربي) . وقد كان اليهود من أكثر الجماعات انتشاراً في المدن الإغريقية، ومن المعروف أنه في المائة الأخيرة قبل الميلاد، كان عدد اليهود في الإسكندرية أكثر منهم في القدس، كما كان عدد اليهود خارج فلسطين أكثر منهم في داخلها. وقد اندمج اليهود في الحضارة الهيلينية بشكل سريع، وفقدت أعداد كبيرة منهم هويتها، وأصبحت النخبة الاقتصادية بينهم من كبار ملاك الأراضي ومحصلي الضرائب والكهنة مُستوعَبين في النسق الحضاري الهيليني. وقد تُرجم العهد القديم إلى اليونانية، إذ أن أعضاء الجماعة اليهودية في الإسكندرية نسوا العبرية، وقام مفكرون مثل فيلون بمحاولة المزاوجة بين الهيلينية والتفكير الديني اليهودي. وقد حقَّق اليهود حراكاً اجتماعياً هائلاً، فكان منهم الجنود والشرطة وقادة الجيش وجامعو الضرائب وكبار التجار. ثم جاءت الدولة الرومانية لتحطم الهيكل، مركز العبرانيين الثقافي والديني، وهي تجربة جاءت بعد التهجير إلى بابل بعد هزائم متكررة لحقت بالشعب المختار. وقد حقَّقت قلة من اليهود، وخصوصاً العناصر المتأغرقة، مزيداً من الحراك (مثل تايبيريوس يوليوس ألكسندر، ابن عم الفيلسوف فيلون وأحد القادة العسكريين في حملة تيتوس لتحطيم الهيكل) . وتحوَّل بعضهم من جماعة وظيفية قتالية إلى جماعة وظيفية تجارية. أما غالبية أعضاء الجماعات اليهودية، فوجدوا أنفسهم في عزلة بعد أن فقدوا هويتهم وعلاقتهم بفلسطين، ووجدوا أنفسهم في حالة صراع مع الأرستقراطية اليونانية إذ آثر الرومان التعامل مع اليونانيين على التعامل مع أعضاء الجماعات اليهودية. وقد كان على كثير من يهود الإسكندرية وفلسطين وغيرهما من البلاد التي تدور في الفلك الروماني أن يتخلوا عن دينهم وأن يقطعوا علاقتهم بالجماعة اليهودية إن أرادوا الحصول على المواطنة لتحقيق الحراك (وهذا ما فعله تايبيريوس) . بل إن هذا البديل أصبح في حدّ ذاته غير ممكن لكثير من اليهود إذ أن الأرستقراطية اليونانية واليهودية المتأغرقة ما كانت لتقبلهم حتى لو تخلوا عن دينهم، ولذا وجد هؤلاء أنفسهم وقد صُنِّفوا يهوداً مع أن هويتهم اليهودية ضعيفة جداً. ومع هذا، كانت هذه الهوية المزعومة الضعيفة الواهية هي التي تجذبهم نحو القاع. وقد حدثت الأزمة في وقت كانت فيه اليهودية نفسها في حالة أزمة وانقسام، وتصاعدت التوقعات المشيحانية كما هو واضح في كتب الرؤى (أبوكاليبس) ، الأمر الذي جعل هؤلاء اليهود يفقدون صبرهم ويودون أن تأتي لحظة الخلاص حيث تتحطم الحدود والسدود والقيود. وقد كان هناك عدد من الفرق اليهودية التي تختلف الواحدة عن الأخرى، من أهمها الجماعات المشيحانية مثل الأسينيين والغيورين وحملة الخناجر. ولكل هذا، فإننا نجد أن الغنوصية (التي تشكل اليهودية رافداً أساسياً فيها) قدمت الحلول الجذرية لأعضاء الجماعات اليهودية من المندمجين في الحضارة اليونانية الرومانية المغتربين عنها. لقد قدمت لهم نسقاً أسطورياً معادياً لليهودية، رافضاً لها، يعدهم بالتحرر منها ومن الرومان في الوقت نفسه. فالغنوصية رفض للمادة من حيث هي قيد، والمادة بالنسبة إليهم هي أولاً عالم التفاوت الاجتماعي والقهر الروماني الذي يحول بينهم وبين الحراك الذي يطمحون إليه. أما الإله الصانع وحكام السماوات والأرض (أركون) ، فهم الحكام الرومان وجنودهم والنخبة اليونانية الحاكمة التي تضع العراقيل في طريقهم. ولكن الإله الصانع هو أيضاً إله يسرائيل الذي خلق المادة أو صاغها في صورتها الكريهة والذي أرسل شريعته ليثقل بها كاهل اليهود ويحول دون دخولهم إلى العالم الروماني. وحسب بعض المنظومات الغنوصية، فإن شريعة موسى هي شريعة العامة (الجسمانيين والنفسانيين) . ومع هذا، فإنها تحوي داخلها الغنوص اللازم والذي ظهر في العهد الجديد. ولذا، كان هؤلاء يرفضون العهد القديم تماماً أو كانوا يفسرونه تفسيراً يجعل منه تمهيداً للعهد الجديد. وفي الواقع، فإن سقوط النور في الدنيا وتبعثره وأسره، هو تبعثر اليهود وسبيهم ووجودهم في هذه المدن اليونانية المعادية، وما العالم الشرير والزمان الردئ سوى عالم الرومان وزمانهم، ولكنه هو أيضاً عالم يهوه وتاريخه الملئ بالكوارث والتشتت والتهجير والاضطهاد. والخلفية الثقافية للغنوصية مرتبطة تماماً بالخلفية التاريخية، وهي الأخرى تلقي الضوء الكاشف على بنيتها الأسطورية الفكرية. وكما أسلفنا، سيطرت الإمبراطورية الفارسية على المنطقة ردحاً من الزمان، ونشرت ديانتها الثنوية فيها. ثم جاء غزو الإسكندر للمنطقة، وانتشرت الثقافة الهيلينية، فمزجت الأفكار والعقائد الوثنية وديانات الأسرار المختلفة بالفلسفات والعقائد اليونانية. وبعد ذلك، ظهرت المرحلة الرومانية التي أسقطت الحدود القومية وشجعت التبادل بين الشعوب في الشرق والغرب. نبعت الغنوصية من هذه التشكيلة الفريدة، فضمت بقايا العبادات والديانات الوثنية القديمة وأديان الأسرار، ووضعتها في إطار واحد، وفرضت عليها مقولات الفكر اليوناني الفلسفي ومصطلحه (ومن هنا نجد أن الفكر الغنوصي يتسم بأنه تفكير أسطوري بدائي مُختلط بفكر فلسفي مجرد) . ومن أهم جذور الغنوصية عبادة بابل التي طرحت فكرة السماوات المختلفة التي يتحكم في كل واحدة منها كوكب، كما طرحت فكرة أن العالم مكوَّن من دوائر مركزها الأرض. ومن مصادر الغنوصية الأخرى، العبادات الفارسية بثنويتها الكاملة المتمثلة في الصراع الدائر بين أورمازد إله الخير والنور، وأهريمان إله الشر والظلام. كما دخلت بعض المفاهيم من العبادات المصرية القديمة، مثل تأليه الإنسان والعنصر الجنسي في عملية الخلق. وامتزج بكل هذا عناصر من الفكر الإغريقي الذي كان ينطوي على الإيمان بأن ثمة حكمة خفية في الأساطير الشرقية. وقد تبنَّى بعض الفلاسفة اليونانيين (الرواقيون مثلاً) أفكاراً من العبادات الشرقية، كما أن عبادات الأسرار (مثل عبادة إيزيس) وجدت طريقها إلى اليونان. وقد قامت الأفلاطونية المحدَثة بالتفرقة وبحدة بين الإله الواحد المتسامي وبين الإله الصانع المادي (ديمي إيرج Demiurge) ، وجعلت معرفة الإله الواحد معرفة باطنية غنوصية. ومن أهم مصادر الغنوصية التراث الديني اليهودي (انظر: «الغنوصية واليهودية» ) . ويذهب بعض دارسي الغنوصية إلى أن تعددية المصادر وانعدام التجانس هو سمة أساسية فيها، فهي قادرة على استيعاب أي عنصر في الديانات الأخرى إن كان يدعم وجهة نظرها العدمية الشاملة التي تهدم كل الحدود ولا تفرق بين الأنساق التاريخية والدينية والفلسفية المختلفة. ورغم تنوع المنظومات الغنوصية، إلا أن ثمة بنية واحدة كامنة تبرر الحديث عن منظومة غنوصية معرفية وأخلاقية واحدة. وتتسم الغنوصية، مثل كثير من الحركات الباطنية والحلولية، بأنها سريعة الانقسام وذلك بسبب مركزية الزعيم أو القائد فيها، إذ عادةً ما يتأله ويتحول إلى لوجوس أو مطلق أو تجسُّد للإله في الأرض تدور حوله الجماعة. ولأن المطلق لا يمكن أن يتعايش مع مطلق آخر، لذا يحدث الانقسام. ومن أهم الشخصيات الغنوصية شمعون ماجوس، أي سيمون الساحر (عاش في القرن الأول الميلادي) ، الذي يُشار إليه دائماً بأنه أول الغنوصيين. كان من السامريين، وعاش في زمن الحشمونيين. وقد عثر سيمون على عاهرة تسمَّى هَيّلانه في إحدى الحانات، فأعلن أنها صوفيا التي جاءت لإنقاذ العالم وتزوجها وأعلن نفسه المخلّص وآمن بمقدرة السحر على التحكم في العالم. ويبدو أن أتباعه كانوا يقومون بطقوس ذات طابع جنسي، ترخيصي (تأليه الكون) . ثم جاء بعده ساتورنيوس من أنطاكية الذي أعاد تفسير قصة المسيح بحيث أعطاها مضموناً رهبانياً ينكر الجنس تماماً (إنكار الكون) . أما أعظم الغنوصيين فكان فالنتينوس، ورغم اسمه اللاتينيّ إلا أنه كان من أصل يوناني وُلد في دلتا مصر عام 100 ميلادية وتلقى تعليمه في الإسكندرية. ولم ينفصل هو وأتباعه عن الكنيسة في الإسكندرية، بل أسسوا أكاديمية للبحث الحر. وقد تبع هذه الأكاديمية شبكة من الجماعات المحلية داخل إطار المؤسسة الدينية، وكان فالنتينوس مشهوراً ببلاغته وعبقريته. وقد رأى فالنتينوس في المنام ـ حسب ما قال ـ رؤيا مأساوية، إذ رأى الجزء الذي يصدر عن الكل، هذا الجزء هو ما يشكل أساس الوجود ويُسمَّى «الأعماق» ، كما رأى زوجته التي تُسمَّى «الرحمة» أو «السكون» . ومن خلال زواجهما يولد المسيح أو اللوجوس الذي تعتمد عليه كل الأيونات. ومن خلال المسيح، أدرك فالنتينوس الكل (بليروما) وذوبان الذات في الكل. وكان هناك أيضاً مرقيون، وهو من مُلاَّك السفن الأثرياء من مقاطعة بونتوس على البحر الأسود. لم يفهم مرقيون سوى فكرة واحدة هي أن الإله، أو المسيح، لم يكن يهوه إله العبرانيين، فهذا هو الإله الصانع. وقد كان مرقيون يقتبس دائماً خطاب بطرس إلى أهل غلاطيا ويبيِّن الفرق بين قانون العهد القديم وقانون العهد الجديد. فمسألة حب الإله غير المشروط للإنسان، التي وردت في إنجيل بطرس، مسألة اكتسحت مرقيون تماماً، فأسَّس كنيسة (مسيحية) منافسة للكنيسة القائمة حينذاك. ومن أهم المفكرين الغنوصيين باسيليديس الذي كان قائد مدرسة نشيطاً في الإسكندرية في زمن الإمبراطور هادريان (في بداية القرن الثاني الميلادي) ويبدو أنه كان يهودياً متأغرقاً رفض فكرة الإله الشخصي وتبنَّى فكرة الإله الخفي وذهب إلى أن المسيح أصبح روحانياً عند تعميده في نهر الأردن (لا عند ميلاده) . (وقد ظل باسيليديس عضواً في الكنيسة ولم يُطرَد منها قط، وهذا مما يبين غموض الموقف المسيحي من الغنوصية) . وأهم دعاة الغنوصية ماني صاحب المذهب المانوي الذي وُلد في فارس (216 ـ 277) ونشأ في مدينة مسيحية يهودية، وتتسم منظومته بالثنائية الحادة، ربما بسبب أصلها الفارسي. وقد كان القديس أوغسطين (354 ـ 430) ، في بداية حياته، من أتباع ماني، وكتب بعض مؤلفاته أثناء هذه المرحلة. وأهم الوثائق الغنوصية هي نصوص نجع حمادي حيث كانت مصر مركزاً للتفكير الغنوصي. وللغنوصيين كتب مقدَّسة، من بينها: أبوكريفون جون (أي كتاب جون الخفي) ، وإنجيل توماس (الذي عُثر عليه في مصر) ، وإنجيل فيليب، وإنجيل مريم المجدلية. وبعد القضاء على الهرطقة الغنوصية على يد الكنيسة، وبعد موت قيادتها، استمرت الغنوصية على هيئة حركات دينية خارج الديانات التوحيدية وأحياناً داخلها. ويمكن القول بأن منظومة عبد الله بن سبأ هي منظومة غنوصية. ويرى المؤرخون أن التصوف الإسلامي الحلولي المتطرف ذو طابع غنوصي، كما يُصنَّف بعض غلاة الشيعة ضمن الغنوصيين، ويُصنَّف العلويون (النصيريون) باعتبارهم جماعة إسلامية ذات توجُّه غنوصي. ويمكن تصنيف عقيدة الدروز والبهائية ضمن أشكال الغنوص. ولا تزال هناك فرقة دينية في العراق وإيران تُسمَّى المندائيين وهي فرقة غنوصية يبلغ عدد أفرادها خمسة عشر ألفاً، ( «مندائي» هي الكلمة الآرامية لـ «غنوص» فالمندائي هو العارف وهي من كلمة «منداء» أو «منداع» بمعنى «معرفة» ) وتتضمن عقيدتهم التطهر في المياه الجارية وشعائر جنائزية مركبة. فحينما يموت المندائي، يقوم الكاهن بالشعائر اللازمة لإعادة الروح لمسكنها الإلهي حيث ستتلقى جسداً روحياً جديداً، وبهذه الطريقة يتوحد الميت مرة أخرى مع آدم السري (الإنسان الأزلي) ، أو المجد، جسد الإله المقدَّس. وقد ظهرت جماعات غنوصية داخل المسيحية، مثل جماعات الكاثاري التي ازدهرت بين القرنين الثالث والحادي عشر في أرمينيا وآسيا الصغرى وشبه جزيرة البلقان ومنها انتشرت إلى غرب أوربا وخصوصاً جنوب فرنسا (الهرطقة الألبيجينية وغيرها) . ويُقال إن فرسان الهيكل كانوا أيضاً جماعة غنوصية، وأن المنشدين الذين يُطلَق عليهم لفظ «تروبادور» ، الذين تغنوا (تأثراً بالعرب) بالحب العذري الذي تحوَّل إلى عبادة العذراء، قد تبنوا رؤية غنوصية للواقع. أما في شرق أوربا (في بلغاريا وشبه جزيرة البلقان ويوغسلافيا) ، فقد ظهرت جماعة البوجوميل (أصدقاء الإله) . ويُقال إن مسلمي البوسنة والهرسك كانوا من أصول غنوصية، فكأن الغنوصية هنا كانت الأرضية الفلسفية التي رفضوا على أساسها المسيحية وأصبحوا هامشيين بالنسبة لها، ولذا كان من السهل دخولهم في الإسلام مع وصول العثمانيين. وقد تغلغلت الغنوصية في اليهودية وهيمنت عليها تماماً في القرن الرابع عشر بظهور القبَّالاه، وخصوصاً اللوريانية، وهي منظومة غنوصية متطرفة (انظر: «الغنوصية والقبَّالاه» ) . ومن منظور هذه الموسوعة، فإن من أهم الجماعات الغنوصية جماعات المنشقين (بالروسية: راسكول) الذين تركوا الكنيسة الروسية الأرثوذكسية وكان معظمهم من عناصر فلاحية روسية. وكان الريف الروسي وثنياً إلى حدٍّ كبير (حيث دخلته المسيحية في وقت متأخر نوعاً) . ولذا، ظهرت جماعات منشقة عديدة، كانت غنوصية متطرفة رغم استخدامها المصطلحات المسيحية. كان من بينهم جماعة الخليستي، أي من يضربون أنفسهم بالسياط (كان منهم راسبوتين) ، والجريشنيكي الذين كانوا يؤمنون بالخلاص من خلال ارتكاب الرذائل والموبقات (تأليه الكون) ، والبيزجلوفنسكي الذين كانوا يلزمون الصمت لمدد طويلة. ومن أهم هذه الجماعات الدوخوبور (ومنهم مدام بلافاتسكي التي كان يتردد عليها كثير من رواد حركة الحداثة في الفن والأدب) وهي مؤسسة الجماعة الثيوصوفية في لندن (ماتت 1891) . وكان هناك السكوبتسي، المخصيون، الذين كانوا يعبِّرون عن إيمانهم بالخالق بخصي أنفسهم (إنكار الكون) . وقد تأثرت الحسيدية بهذه الجماعات الغنوصية، وخصوصاً الخليستي. وقد تمتعت الغنوصية بحركة بعث جديدة حين بدأ الإنسان الغربي مشروعه التحديثي، ونحن نذهب إلى أن ثمة علاقة قوية بين الغنوصية والمشروع التحديثي التنويري العلماني الغربي (انظر: «الغنوصية والتحديث» ) . الأصول اليهودية للغنوصية Jewish Origins of Gnosticism تتسم الغنوصية بتعدد المصادر، وتعدُّد المكونات الثقافية وانعدام التجانس. ومن أهم المكونات، ولعله أهمها طراً، التراث الديني اليهودي. ونحن نذهب إلى أن هناك بُعداً حلولياً كمونياً قوياً في اليهودية جعل لها قابلية عالية لإفراز الفكر الغنوصي. ويجب أن نتذكر أن اليهودية التي نتحدث عنها، وهي يهودية ما قبل الهيكل، لم تكن مفاهيمها أو عقائدها الدينية قد تبلورت بعد، بل كانت هذه المفاهيم تحتوي على أفكار ثنوية وتعددية كثيرة. وقد ساهم انتشار اليهود على هيئة جماعات مشتتة داخل تشكيلات حضارية شتَّى، في مدن البحر الأبيض المتوسط وبابل، إلى زيادة عدم تجانس اليهودية بل إلى تنافرها وتحوُّلها إلى عقائد عدة أو ديانة مُهجَّنة. ويظهر هذا في كثير من العقائد اليهودية الثنوية (مثل: عزازيل، وميتاترون، وقوة الملائكة والشياطين، وحدود الإله، والنزعة العدمية في سفر الجامعة، وإنكار البعث في كثير من كتب العهد القديم) . وقد عُثر على أحجار في صحراء النقب عليها نقوش تتحدث عن عشيراه زوجة إله يسرائيل، وكان يهود إلفنتاين يعبدون يهوه وزوجته عنات. وثمة نصوص عديدة في العهد القديم يمكن تفسيرها تفسيراً غنوصياً بكل بساطة. وقد كان الغنوصيون اليهود يشيرون إلى الإصحاح الأول في سفر التكوين (وخصوصاً الفقرة رقم 27 "فخلق الإله الإنسان على صورته، على صورة الإله خلقه، ذكراً وأنثى خلقهم") ، وإلى حزقيال 1/26 ("وعلى شبْه العرش شبْهٌ كمنظر إنسان عليه من فوق") ، كما أن كتب الرؤى (أبوكاليبس) اليهودية دعَّمت الاتجاهات الغنوصية بتقسيمها الزمان وبكل حدة إلى زمان الفساد الحاضر وزمان الخير المستقبل، وبرؤيتها للتاريخ باعتباره ساحة صراع شرس بين قوى الخير وقوى الشر. كما أن النزعة الحلولية الكمونية القوية في هذه الكتب مهَّدت الجو لظهور الغنوصية. فعلى سبيل المثال، جاء في كتاب حكمة سليمان أن روح الإله (النيوما) توجد في كل الأشياء. وقد انتشرت كتب الرؤى في نهايات الألف الأخير قبل الميلاد، وكثير من عناصرها دخل الفكر الغنوصي. ويذهب بعض الدارسين إلى وجود غنوصية يهودية قديمة قبل ظهور الغنوصية في العصر المسيحي (واستمر ذلك حتى العصر الحديث بعد أن دخلت التيار الغنوصي الأشمل) . وفي كتابات فيلون السكندري ردود على بعض المهرطقين في عصره يُفهَم منها وجود اتجاهات غنوصية. وثمة نظرية تذهب إلى أن جماعات البحر الميت أو جماعات قمران (مثل الأسينيين) هي جماعات غنوصية مترهبنة. وتُعَدُّ كتابات فيلون نفسها من مصادر الفكر الغنوصي إذ حاول المزج بين الفكر الديني اليهودي والفكر الإغريقي. ويبدو أن فيلون لم يكن وحيداً في محاولته هذه، فقد نشأ تراث كامل بين يهود الإسكندرية يهدف إلى التوفيق بين الحضارتين. وهذا يظهر في الترجمة السبعينية للعهد القديم التي كانت تترجم المفاهيم اليهودية القومية بمفاهيم يونانية عالمية (وكانت كلمة «نيفش» العبرية، أي «نفس» ، تُترجَم إلى كلمة «نيوما» ، ومعناها «روح» ، التي استُخدمت في الكتابات الغنوصية فيما بعد) . ومن الأمثلة الأخرى، مسرحية حزقيال تراجيكوس، وهو الكاتب المسرحي اليهودي السكندري الذي حاول هو الآخر المزاوجة بين التراثين اليهودي واليوناني وانتهى إلى تَصوُّر غنوصي. ففي مسرحيته المسماة «الخروج» ، يرى موسى الإله في رؤياه جالساً على عرشه وعن يمينه رجل. وحينما يدخل موسى، يدعوه الإله ليجلس عن يساره. وقد كان هذا الرجل هو الآدم قدمون أو الأنثروبوس أو الإنسان الأول. وقد انتشرت الحركة الغنوصية في المراكز التجارية الكوزموبوليتانية، مثل أنطاكية والإسكندرية ومدن آسيا الصغرى، وهي مدن كانت توجد فيها عبادات هجينة مختلطة وجماعات يهودية تتفاوت في حجمها. وداخل هذه المدن، اختلطت الجماهير اليهودية بالنخبة الإغريقية الخالصة أو النخبة المتأغرقة ذات الأصول الشرقية، واختلط الشرق بالغرب. الغنوصية والصهيونية Gnosticism and Zionism الصهيونية، في تَصوُّرنا، تعبير علماني شامل عن المنظومة الغنوصية (الحلولية الكمونية) ، أي أنها غنوصية جديدة. ولنحاول أن نرى نقط التشابه بين الغنوصية والصهيونية، ولنبدأ بالخلفية الاجتماعية والثقافية لكليهما. لقد انتشرت الصهيونية بين جماعة من مثقفي شرق أوربا الذين أدَّى تعثُّر التحديث في بلادهم إلى إغلاق أبواب الحراك الاجتماعي أمامهم، وقد توَّقف حراكهم لأنهم يهود (أو هكذا توهموا إذ أن تعثُّر التحديث في الواقع قد أثَّر في الجميع، الأغلبية وكل الأقليات الأخرى) . وكان هؤلاء المثقفون قد اندمجوا إلى حدٍّ كبير في حضارات بلادهم واستوعبوا الحضارة الغربية الحديثة وآمنوا بمنطلقاتها، أي أن هويتهم اليهودية كانت قد ضَعُفت ولكنها لم تختف تماماً، ولذا نجدهم يتنقلون بين الثقافة الروسية واليديشية والعبرية دون أن ينتموا إلى أي منها مطلقاً. ولا يختلف وضعهم هذا كثيراً عن وضع اليهود في المدن اليونانية في حوض البحر الأبيض المتوسط في القرون الأولى بعد الميلاد. ولذا، فإن الحل الصهيوني الحديث، شأنه شأن الحل الغنوصي القديم، يحوي قدراً من الديباجات اليهودية والأفكار الغربية (ومع هذا تظل الرؤية الحلولية الكمونية الواحدية المادية هي العنصر الغالب) . والصهيونية، مثلها مثل الغنوصية، ترى أن وجود اليهود في المنفى (بل يهودية المنفى نفسها) يشكلان عبئاً ثقيلاً يحمله اليهودي ويعاني بسببه. كما ترى أن هذه المشكلة لا يمكن حلُّها إلا من خلال الغنوص: وهو حل واحدي جذري بسيط للأمور، لا إبهام فيه ولا جدل، يفسر كل شيء وينطلق من رفض مبدئي للحدود والثنائيات التي تسم حياة الجماعات اليهودية في المنفى. وقد حل الغنوصيون المشكلة بأن صنفوا الإله الصانع على أنه إله العهد القديم، وأنه هو الذي تسبَّب في نفي اليهود من أصلهم النوراني وقذف بهم في هذه الدنيا وأرسل لهم الشريعة ليثقل كاهلهم بها. وقد انطلق الغنوصيون الصهاينة أيضاً من رفض جذري لحالة النفي، وقد أدَّى ذلك إلى رفض تاريخ اليهود في المنفى، أي التجارب التاريخية المتعينة للجماعات اليهودية في كل أنحاء الأرض. وهم يرون هذا التاريخ على أنه تاريخ معاناة ومآس ومذابح، إلى أن وصل هرتزل مكتشف الصيغة الغنوصية التي تتلخص في إنهاء حالة المنفى، وتطبيع الشخصية اليهودية (الجسمانية أو النفسانية) ، أي تغييرها تماماً وربما تصفيتها حتى يظهر العبراني الجديد أو اليهودي الخالص (النوراني) الذي لا يعاني من أي ازدواج في الولاء أو انشطار في الشخصية. والحل الغنوصي (الحلولي الكموني) لمشكلة اليهود هو أن يعود اليهودي إلى أصله بعد أن يخدع حكام السماوات والأرض (الأركون) ليلتحم بالنور (البليروما) وبالإله ويصبح الخالق والمخلوق كياناً واحداً. وكذلك الحل الصهيوني، فهو حلٌّ عضويّ واحدي مبنيّ على العودة إلى الأصل، فاليهودي عضو في الشعب العضوي المنبوذ المنفي، فهو كالإنسان النوراني في العالم المعادي له، عليه أن يجد الحل الجذري والصيغة الملائمة والغنوص (وهي الأيديولوجيا الصهيونية والقومية اليهودية) . وهو سيحمل عصاه ويُنهي حالة المنفى تماماً. ولكن بدلاً من خداع حكام الأرض (من الأغيار) فهو سيتحالف مع بعضهم (الإمبريالية العالمية) وسيطرد البعض الآخر (العرب) ويعود إلى صهيون ليصبح اليهود كلاًّ عضوياً واحداً (نورانياً) ، فيعيش شعب يسرائيل في أرض يسرائيل مع إله يسرائيل في حالة البليروما الكاملة التي هي بداية التاريخ اليهودي أو استئنافه. إن حل المسألة اليهودية يتم إذن عن طريق إلغائها، بل عن طريق إلغاء الجماعات اليهودية وتصفيتها فيما يُسمَّى «نفي الدياسبورا» . وقد بيَّن أحد الباحثين أن ثمة توتراً أساسياً في اليهودية بين فكرة إله العالمين وفكرة إله الشعب المختار، وأن الغنوصية التقليدية صفَّت هذه الثنائية لحساب الجانب العالمي إذ رفضت إله العهد القديم القومي (وهذا أيضاً ما أنجزته اليهودية الإصلاحية) . هذا على عكس القبَّالاه اللوريانية التي أكدت العنصر القومي حتى أصبحت ما سماه هذا الباحث «غنوصاً مقلوباً» بحيث أصبح إله يسرائيل هو المركز بدلاً من إله العالمين، الأمر الذي أدَّى إلى تصاعُد الحمى المشيحانية القومية والرغبة العارمة في العودة. ولعل أول انفجار غنوصي مقلوب هو حركة شبتاي تسفي المشيحانية الذي أكد أن إله يسرائيل أهم من إله العالمين. والصهيونية بجعلها الدولة مركز الوجدان اليهودي، الديني واللاديني، قد بلورت الغنوص المقلوب تماماً إذ جعلت الشعب المطلق وجعلت فلسطين الرقعة التي تتحقق فيها حالة البليروما. وبإمكان اليهودي الآن أن يقطع تذكرة طائرة ويلتحم بالبليروما الصهيونية مستفيداً من قانون العودة، وهي الصيغة السحرية التي تُحوِّله إلى إسرائيلي نوراني عبراني فور وصوله. وهذا إطار يجعل المسألة في غاية البساطة. لكن إنقاذ المستوطنين (البقية الصالحة) فيه إنقاذ للشعب اليهودي، وإنقاذ الشعب اليهودي فيه إنقاذ العالم بأسره، فإسرائيل (الروحانية) هي نور للأمم (الجسمانية والنفسانية) ، ولذا فالصهاينة بإنقاذهم أنفسهم هم المخلِّص المخلَّص. ولعل الجانب الغنوصي في الصهيونية لم يكن واضحاً بقدر كاف ربما بسبب علمانية الديباجات وحداثتها واستنارتها. ولكن هذا العنصر الغنوصي واضح تماماً في كتابات الحاخام إسحق كوك وفي فكر جماعة جوش إيمونيم التي أفرزت ما نسميه «الصهيونية العضوية الحلولية» . ومع هذا يمكن القول بأن الصهيونية بحديثها عن أنها ستُصفِّي الدياسبورا وأنها ستجعل اليهود شعباً مثل كل الشعوب وبتأكيدها أن الدولة اليهودية ستصبح دولة مثل كل الدول، هي غنوصية من النوع «العالمي» لأنها تهدف إلى تصفية الحالة اليهودية تماماً. الغنوصية والقبَّالاه Gnosticism and Kabbalah القبَّالاه منظومة غنوصية سيطرت على اليهودية الحاخامية ابتداءً من القرن الرابع عشر. ومع هذا لا يمكن الحديث عن تعارض كامل بين اليهودية الحاخامية والغنوصية، وكما بيَّنا في موضع آخر (انظر: «الأصول اليهودية للغنوصية» ) ، ثمة بُعْد حلولي قوي في اليهودية، وثمة غنوصية يهودية قديمة يُقال إن تاريخها يعود إلى ما قبل غنوصية القرون الميلادية الأولى. وتوجد عناصر غنوصية في العهد القديم وكتب الرؤى (أبوكاليبس) وكتابات فيلون السكندري. وقد أخذت المؤسسة الحاخامية موقفاً معادياً من الغنوصية، شأنها في هذا شأن كل الديانات التوحيدية. وجاء في التلمود: "إن وجَّه المرء عقله إلى هذه الأمور الأربعة كان خيراً له لو لم تلده أمه: ما هو أعلى، وما هو أسفل، وما كان قبل الخلق، وما سيحدث في نهاية الدنيا"، أي أن التلمود في هذا النص ينهى عن التفكير الغنوصي والقبَّالي والمشيحاني والأخروي. ولكن مثل هذه الفقرة تشكل في رأينا مجرد طبقة جيولوجية في التركيب الجيولوجي اليهودي ضمن طبقات أخرى أهمها الطبقة الحلولية. وقد وردت إشارات في التلمود إلى أربع شخصيات مهمة في المؤسسة الحاخامية «دخلوا الجنة» (التعبير المستخدم للإشارة لمن يتبنَّى فكراً غنوصياً) . وتذكر هذه الكتابات الفقهية ابن عزاي وابن زوما واليشا بن أبوياه وبن عقيبا، وقد هلكوا جميعهم إلا آخرهم الذي تمكَّن من العودة وسجل ما رأى، أي أنه عاد بالعرفان، وقد رأي فيما رأى عرشين إلهيين: أحدهما للإله والآخر للإنسان، وتُعَدُّ هذه أول إشارة للآدم قدمون (الإنسان الأول) التي أصبحت صورة أساسية في النصوص القبَّالية. والحاخام ابن عقيبا ظل شخصية مركزية في التراث الحاخامي رغم غنوصيته، الأمر الذي يعني تَقبُّل هذا التراث للفكر الغنوصي. وفي فترة الفقهاء (جاؤنيم) ، ظهر النازلون بالمركبة (بالعبرية: يوردي همركفاه) الذين حاولوا الاتحاد بالإله. وثمة إشارات في سفر هميخالوت الذي نشره أدولف جلنيك (أشهر واعظ يهودي في فيينا في أواخرالقرن التاسع عشر) ذات طابع غنوصي واضح. وقد تبلورت كل هذه الإرهاصات في القبَّالاه، وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية التي هي من أهم الأنساق الغنوصية وأكثرها حدة وتفجراً. ومن القبَّالاه اللوريانية انتشرت الغنوصية بين المفكرين اليهود المحدثين. وقد ظهرت الغنوصية في القرنين الأول والثاني الميلاديين، بينما ظهرت القبَّالاه بعد ذلك بزمن طويل. ولا يملك الدارس إلا أن يُلاحظ التماثل البنيوي بين المنظومة الغنوصية والقبَّالاه، وأن البنية الغنوصية الأسطورية العامة تتحقق بشكل مذهل في القبَّالاه، وخصوصاً اللوريانية. وكل من الغنوصية والقبَّالاه نسق حلولي واحدي عضوي مغلق، يلغي المسافة بين الإله والإنسان والطبيعة وبين الكل والجزء. وكل هذا يطرح قضية التأثير والتأثر. ومما لا شك فيه أن ثمة علاقة تأثير وتأثر بين الكتابات الغنوصية والقبَّالاه. فاليهودية تُعَد أهم روافد الغنوصية، كما أن كثيراً من أعضاء الحركات الغنوصية كانوا يهوداً. ولكننا، مع هذا، نفضل استخدام نموذج تفسيري توليدي لتفسير تشابه المنظومة الغنوصية والقبَّالاه ومن ثم يصبح عنصر التأثير والتأثر عنصراً واحداً ضمن عناصر عديدة، وهو ليس أهم العناصر. وفي مجال تفسير التشابه من منظور توليدي يمكننا أن نقول إنهما يعودان إلى رغبة الإنسان الجنينية نفسها في الانسحاب من العالم إلى سكون الرحم وإلى الالتصاق بثدي الأم، وهي رغبة كونية كامنة في عقل الإنسان، وإغراء دائم للإنسان بأن يرفض النضج والحدود والعالم والتدافع ليظل قابعاً في حالة البليروما الجنينية الرحمية المحيطية السائلة. ويمكننا الآن أن ندرج ما نتصوره نقط التماثل بين المنظومة الغنوصية والقبَّالاه: 1 ـ الغنوصية والقبَّالاه منظومتان واحديتان تتداخل فيهما الأسماء والشخصيات والمفاهيم. فالآدم قدمون هو العالم وهو التجليات العشرة النورانية (سفيروت) ومن ثم فهو الإله وهو أيضاً الإنسان. والشخيناه هي التعبير الأنثوي عن الإله، ولكنها في واقع الأمر كنيست يسرائيل، أي الشعب اليهودي. 2 ـ توجد نقط تشابه كبيرة بين الإله الخفي في المنظومة الغنوصية والإين سوف (الجوهر الإلهي اللانهائي والذي لا نظير له) في القبَّالاه: أ) الإين سوف إله غير شخصي، علاقته بالعالم أنطولوجية، تماماً مثل علاقة الإله الخفي بالعالم في المنظومة الغنوصية، فهو إله لا يكترث بالعالم، ولكنه في الوقت نفسه سبب الوجود. ب) الإين سوف نشيط دائماً ومفكر دائماً، ومن خلال عملية تفكيره في ذاته يفيض العالم عنه، تماماً كما يحدث في المنظومة الغنوصية. جـ) تأخذ عملية الفيض شكل درجات تُسمَّى الأيونات في المنظومة الغنوصية والسفيروت أو التجليات النورانية العشرة في القبَّالاه. د) يبلغ عدد كل من الأيونات والتجليات عشرة (وإن كان عدد الأيونات في بعض المنظومات الغنوصية يبلغ أربعة عشر بل بضع مئات) . هـ) تحمل كل من التجليات النورانية والأيونات أسماء مجردة للغاية، عادة لعمليات عقلية مثل الفكر والحكمة والجلال. و) جماع التجليات النورانية يأخذ شكل إنسان، تماماً مثل الأيونات، هذا الإنسان هو العالم الأكبر (الماكروكوزم) والذي يشاكل العالم الأصغر، أي الإنسان الفرد (الميكروكوزم) . وهذا التماثل الكامل بل التطابق بين العالمين تعبير عن البنية والعلاقات الهندسية وعن التماسك العضوي حيث يصبح كل شيء هو الشيء الآخر. ز) فاضت كل من التجليات والأيونات من الخالق حتى يتم سد الهوة بين الإله الخفي والعالم (من أجل تحقيق عملية الخلاص) . وعملية الفيض هذه لا تعني انفصال التجليات أو الأيونات عن الخالق (فهذا يخلق ثغرة وهو أمر مستحيل في المنظومات الحلولية الواحدية) وإنما هي عملية تمايز وحسب لجوانب مختلفة للمطلق. ولذا، بعد عملية الفيض والتمايز، تشكل الأيونات البليروما وتشكل التجليات هرم الملكوت الملكي. 3 ـ يمكننا هنا أن نتناول قضية مفردات الحلولية (الجنس - الجنين - الجسد ... إلخ) التي تُستخدَم في كلٍّ من الغنوصية والقبَّالاه: أ) يوجد دائماً أيون أنثوي أساسي في المنظومات الغنوصية هي صوفيا أما في القبَّالاه فهي الشخيناه. ب) تحمل كل من الأيونات والتجليات أحياناً أسماء جنسية وطبيعية مباشرة فتُسمَّى بأسماء أعضاء الجسم الإنساني (وخصوصاً الأعضاء التناسلية) . جـ) الأيونات مثل التجليات ثمرة الجماع الجنسي بين الإله الأب والأم وهو تزاوج يعني التلاحق الجسدي الكامل وسد الثغرات. د) تأخذ عملية الخلق شكل فيض وسلسلة لا تنقطع، وهي صورة مجازية في جوهرها جنسية. هـ) يأخذ الإله أحياناً في كل من القبَّالاه وفي المنظومة الغنوصية شكل إله خنثى (ذكر وأنثى) وتأخذ عملية الخلق شكل انفصال بين العنصرين. و) تأخذ عملية الخلاص شكل اقتراب تدريجي من الخالق إلى أن يتحقق التوحد الكامل، وهو توحُّد جنسي في بعض المنظومات. وتُستخدَم كلمة «يحود» لوصف هذا التوحد، وهي كلمة تعني «التوحد مع الخالق» وتعني أيضاً «الجماع الجنسي» . ز) يمكن أن نتخيل العالم الغنوصي على هيئة مخروط: مجموعة من الدوائر المتداخلة التي تَدق كلما تحركنا من القاعدة إلى القمة، وهي دوائر متداخلة ذات مركز واحد تختلف في الحجم ولا تختلف في البنية. وعضو التذكير هو قمة المخروط أما قاعدته فهي عضو التأنيث، فهو إذن الإله الذكر والأنثى. وهذا أيضاً هو شكل العالم في المفاهيم اليهودية وفي القبَّالاه، فالإين سوف هو رأس المخروط المدبب وهو عضو التذكير، والشخيناه قاعدته، وهي امتداد الإله في الدنيا، والشعب اليهودي بنت صهيون وهي أيضاً عضو التأنيث الذي ستفيض فيه الرحمة الإلهية لتوزع على العالمين. 4 ـ تحاول كل من المنظومة الغنوصية والقبَّالاه حل مشكلة الشر في العالم عن طريق قصص أسطورية جوهرها إسقاط البُعد الأخلاقي للقضية. أ) فالشر في المنظومة الغنوصية ناجم عن خلل حدث في المنظومة نتيجة حب صوفيا العارم والمفرط للإله (ويأخذ شكل عشق ذاتها وصورتها، فهي من صلب الإله) الأمر الذي يؤدي إلى سقوطها أو سقوط بعض الشرارات النورانية الإلهية واختلاطها بقوى الظلام والمادة. وتُسمَّى هذه الحادثة في المنظومة القبَّالية حادثة تهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) وهي ناجمة عن حب الشخيناه العارم والمتطرف للإين سوف. وفي رواية أخرى، ينجم الخلل وتبعثر الشرارات عن أن النور الإلهي يثقل الأوعية فيهشمها، ويُقال إن ما يسبب حادثة التهشم والتبعثر هذه هو تطرُّف تجلِّي الحكمة على حساب تجلِّي العاطفة. ب) ينجم الشر في إحدى المنظومات الغنوصية عن خديعة الإله الصانع (الأرضي) إذ يسرق الشرارة الإلهية ويحبسها في المادة أو يخلق إنساناً على هيئة الأنثروبوس ويضع فيه الشرارة. وفي المنظومة القبَّالية يُقال إن الشخيناه تلد الشر دون أن تدري، إذ يتقمص أحد الشياطين شكل الإين سوف ويعاشرها جنسياً فتلد الأغيار والشياطين الذين يحوِّلون العالم إلى مكان معاد لليهود. جـ) وتطرح المنظومة الغنوصية فكرة صوفيا المزدوجة: واحدة سماوية والأخرى أرضية فتحارب صوفيا ضد الشر (وتلحق بعد ذلك بالسماوية) ، وكذا في المنظومة القبَّالية توجد شخيناه سماوية وأخرى أرضية رهيبة ستنتقم من أعداء جماعة يسرائيل ثم تلتحق بقرينتها السماوية (وهذا تعبير آخر عن الثنائية الصلبة الوهمية) . 5 ـ ثمة تشابه عميق بين مفهوم الخلاص والخير والشر والبعث في كل من المنظومة الغنوصية والقبَّالاه. أ) العالم فاسد والزمان رديء في المنظومة الغنوصية ولا جدوى من فعل الخير أو محاولة التسامي، والخلاص لا علاقة له بالأخلاق أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لهذا، لا يوجد بعث فردي ولا حساب وإنما التحام للروح في الكل الإلهي وذوبان فيه. وعالم الأغيار في القبَّالاه عالم فاسد والتاريخ الإنساني رديء، وتبهت فكرة البعث في القبَّالاه وتحل محلها فكرة تناسخ الأرواح التي تنكر المسئولية الخلقية والثواب والعقاب (وتشبه فكرة العود الأزلي عند نيتشه) . والعودة إلى أرض الميعاد فكرة قومية جماعية تلغي أيضاً المسئولية الخلقية والخلود الفردي للروح. ب) لفهم عملية الخلاص وحدودها، لابد أن ندرك الهرمية الصارمة التي يتسم بها كل من العالم الغنوصي وعالم القبَّالاه. فالبشر الروحانيون (في المنظومة الغنوصية) يوجدون في قمة الهرم والنفسانيون في وسطه والجسمانيون في قاعدته، والاختلافات بينهم ليست اختلافات أخلاقية أو حتى معرفية وإنما اختلافات أنطولوجية. وفكرة الاختلاف الأنطولوجي بين اليهود والأغيار فكرة أساسية في القبَّالاه، فالأغيار مثل الجسمانيين والنفسانيين ليسوا بشراً، ومخطَّط الخلاص لا ينصرف إليهم. وأكدت القبَّالاه المفهوم النخبوي داخل اليهودية بالتركيز على مفهوم البقية الصالحة وهم نخبة الروحانيين أو نخبة النخبة، خير من في الشعب اليهودي. جـ) في المنظومة الغنوصية، يعيش الإنسان (الروحاني) منفياً في العالم المادي، فقد سقط فيه عن طريق الخطأ أو الخلل الذي حدث. ووجوده في هذا العالم هو مصدر تعاسته، وهو يحلم دائماً بالعودة إلى أصله الرباني النوراني ليلتحم به مرة أخرى ولن تتحق سعادته إلا بهذه العودة حيث يُترَك البشر النفسانيون والجسمانيون في كوكبهم الأرضي المدنَّس، فهم لا قداسة لهم مستبعدون من عملية الخلاص، وتنسحب الشرارات الإلهية تماماً من الكون بانسحاب أصحاب العرفان منه (يصبح العالم مادة محضة وقد يختفي ويذوب) . وكل هذه العناصر توجد في القبَّالاه، فسقوط الإنسان (وصوفيا) يشبه سقوط الشعب اليهودي والشخيناه. وقد كان اليهود جزءاً من الآدم قدمون والإله قبل السقوط فتبعثروا وسقطت الشرارات أو الأرواح في أجساد مادية زائلة، وحُبست الشرارات في المادة وفي عالم الأغيار المعادي. ولذا، فاليهود يعيشون حالة نفي يحلمون بالعودة إلى أصلهم الإلهي أو إلى أرض الميعاد. وحالة النفي حالة نهائية مادامت هناك دنيا ومادام هناك تاريخ، ومن ثم فلا جدوى من البحث عن السعادة والمتعة (في عالم المادة بين الأغيار) إذ ليس بإمكان اليهود (النورانيين) أن يحصلوا على السعادة إلا بالعودة إلى الأصل الإلهي في أرض صهيون والالتحام بها في نهاية التاريخ حين ينتصرون على كل شعوب الأرض من الأغيار، الذين يُستبعَدون تماماً من عملية الخلاص. د) وخلاص الإنسان في المنظومة الغنوصية هو عودة الإنسان باعتباره شرارة إلهية إلى الواحدية الإلهية (البليروما) ، وعودة كل الشرارات هو كمال للذات الإلهية وخلاص لها، فكأن الإنسان بتخليصه نفسه يخلِّص الإله أيضاً (وهذه هي أيضاً فكرة الخلاص أو التيقون في القبَّالاه، فهي عودة الإنسان إلى بداياته النورانية وعودة الشعب اليهودي إلى أرض الميعاد والتحامه بالخالق، وهي عودة تعني أن الخالق ينهي حالة تبعثره ويعود لوحدته الأصلية) . هـ) تتسم الغنوصية بميل إلى رفض الشرائع المُرسَلة للبشر، فالغنوصيون نورانيون لا يخضعون لمثل هذه الشرائع، فهم جزء لا يتجزأ من الإله ولذا لا يسري عليهم ما يسري على الآخرين (الأغيار) ولهذا يقدس الغنوصيون الشخصيات الملعونة في العهد القديم والجديد مثل قابيل، وهم يعبدون الشيطان تعبيراً عن رفضهم النواميس البشرية والشرائع الإلهية. ويظهر هذا أيضاً في الحركات الشبتانية اليهودية فأتباع الحركة الفرانكية كانوا يقدسون عيسو وقابيل وكانوا يسمون الأدوميين أي الحمر نسبة إلى أدوم وهو اسم آخر لعيسو. بل إن الثعبان الذي كشف لآدم وحواء سر شجرة المعرفة هو بطل قصة الخلق الحقيقي من وجهة نظر الغنوصية، فهو رمز تحدِّي الخالق، ورفض الحدود والشريعة، ورفض الجهل الذي ضربه الإله الصانع على الإنسان، أي أنه رمز رفض الكون. و) ولأن الشر في العالم ليست له علاقة بالأخلاق، فإن الخلاص لا يتم من خلال التوبة والغفران وإنما من خلال البحث عن الصيغة السحرية المناسبة. والقبَّالاه ليست تمارين أخلاقية تهدف إلى كبح جماح الجسد أو إلى تهذيب نفس المؤمن وإنما تهدف إلى حل طلاسم الروح والعالم وكلمات التوراة للوصول إلى الخالق والقوة الحيوية في الكون وإلى التوراة الخفية أي الغنوص التي عن طريقها يمكن التحكم في العالم. والإصلاح (تيقون) يتم من خلال اتباع اليهود الأوامر والنواهي التي تحولت إلى شعائر مجردة تشبه التعويذات والصيغ الدقيقة، وما يهم فيها هو طريقة أدائها لا مضمونها الأخلاقي. بل إن المضمون الأخلاقي نفسه قد طُمس تماماً وحل محله مضمون ميتافيزيقي (بغير أخلاق) فهي تهدف إلى تقريب اليهود من الخالق للتعجيل بالخلاص ولتحقيق «يحود» ، وهي كلمة عبرية تعني التوحد مع الخالق (وتعني أيضاً الجماع الجنسي) . والغنوصية والقبَّالاه، في هذا، يشبهان تماماً العلم الحديث بنزعته الفاوستية للتحكم في العالم من خلال الصيغ الدقيقة، وهو يقدم ميتافيزيقا (ضرورة التحكم في العالم) دون أية أعباء أخلاقية. ز) المخلّص في المنظومة الغنوصية شخصية عجائبية، تتجاوز قوانين الطبيعة، وهو شخصية أزلية أبدية تتجسد من خلال شخصيات تاريخية (زائلة) يأتي هو لها بالعرفان الثابت. والماشيَّح في اليهودية (والقبَّالاه) شخصية عجائبية. وتتسم اليهودية بتعدد المشحاء الدجالين باعتبار أن كل واحد منهم هو تَجسُّد زمني للإله ويحمل العرفان. ويمكن القول بأن تقاليد النبوة المفتوحة في اليهودية تعبير عن النمط نفسه، نمط الحلول والوحي المستمر عبر التاريخ. وشخصية التساديك في المنظومة الحسيدية تعبير متطرف عن هذا النمط من التجسد المستمر للماشيَّح في التاريخ. ح) والمخلِّص في المنظومة الغنوصية مُرسَل من الإله، ولكن عملية الخلاص هي جمع الشرارات الإلهية الكامنة في الروحانيين، ولذا فإن المخلّص، حينما يُخلّص أصحاب الغنوص، إنما يُخلِّص نفسه. وصوفيا قد تكون هي هدف الخلاص، فقد سقطت مع الشرارات الإلهية، ولكنها هي أيضاً أداته. والماشيَّح في القبَّالاه اللوريانية يأتي لينقذ الشخيناه المشتتة (الشعب اليهودي المشتت) التي هي الشرارات الإلهية فيجمعهم أي بقايا الشخيناه (صوفيا) ، ويعود بها إلى الأصل الإلهي أي يجمع المنفيين من اليهود ويعود بهم إلى صهيون. والشخيناه هي هدف الخلاص وأداته، فالشعب اليهودي (الشخيناه) هو الذي سيُجمَع في أرض الميعاد، ومن خلال خلاصه (وجمعه) يعم السلام في العالم ويأتي الخلاص (مثل عودة النيوما إلى البليروما) .ولكن الشخيناه (الشعب اليهودي) جزء من الإله/الآدم قدمون، وبالتالي فخلاصها هو خلاص الإله. ومن خلال عودة الشخيناه من المنفى والتبعثر، تعود للإله وحدته، فالمخلَّص إذن هو المخلِّص الذي يُخلِّص نفسه ويُخلِّص الآخرين، فهو المخلِّص المخلَّص. 6 ـ المنظومة الغنوصية تتسم بالواحدية، ولذا فهي تتسم أيضاً بالثنائية الصلبة الزائفة، إذ تنحل الثنائية في واحدية سائلة. والقبَّالاه أيضاً نظام ثنائي صلب في ثنائيته، فهناك النور والظلام، والخير والشر، واليمين واليسار، وهي ثنائية واهية لأن الشر غير موجود أساساً، فهو وهم. أو لأنه إن وُجد فهو جزء من الخير وصورة أخرى منه، فإن ما يظهر باعتباره شراً هو في واقع الأمر خير (وقد بعثت القبَّالاه العناصر الثنوية: الاهتمام المفرط بالملائكة والشياطين باعتبارها شريكة للإله عز وجل في الخلق، وميتاترون وليليت، وهي مفاهيم من بقايا الوثنيات الحلولية دخلت اليهودية) . وتتضح الثنائية في المنظومة «الأخلاقية» الغنوصية والقبَّالية، فسلوك الإنسان قد يأخذ شكل رهبنة كاملة وإنكار متطرف للعالم ورفض له، وقد يأخذ شكل انغماس في الرذيلة هو في جوهره رفض للعالم (فهو مكان شرير وزمان رديء) . والمخلِّص في القبَّالاه هو الماشيَّح الذي ينزل في عالم الظلمات أيضاً، وقد يكون هو المخلِّص الداعر الذي يرتكب الموبقات حتى ترهق الطبيعة (مثل جيكوب فرانك) ، وهو ما يُسمَّى «الهبوط من أجل الصعود» (بالعبرية: يريداه بشفيل عالياه) . وقد يكون راهباً منسحباً، وقد ينتقل من حالة إلى أخرى مثل شبتاي تسفي الذي كان يتأرجح بين الرهبنة الكاملة والعهر الكامل (وضمنه الشذوذ الجنسي) ، ومثل البعل شيم طوف مؤسس الحركة الحسيدية الذي يُقال إنه امتنع عن معاشرة زوجته جنسياً لمدة أربعة عشر عاماً، ويذهب أتباعه إلى أن زوجته حملت ابنها هرشل «من خلال الكلمة» . ومع هذا كان معروفاً عنه إقباله الشديد على النساء وشغفه بهن، وخصوصاً الجميلات منهن. وكثير من المخلِّصين أسقط الشريعة تماماً. وتحولت نواه مثل «لا تزن» إلى وصايا مثل «فلتزن» . وتوجد تفاصيل أخرى عديدة تبين مدى التقابل المدهش بين الغنوصية والقبَّالاه، ولكن ما حاولنا حصره هو بعض السمات البنيوية المشتركة وتجلِّيها في بعض التفاصيل. الهندوكية والقبَّالاه Hinduism and Kabbalah لاحَظ عالم الأنثروبولوجيا الإسرائيلي روفائيل باتاي أن ثمة تشابهاً عميقاً بين النسق الديني القبَّالي والنسق الديني الهندوكي يتمثل فيما يلي: 1 ـ تبدأ القبَّالاه من اللاشيء الإلهي «الإين سوف» وهو «الخفي» وهو «العدم» ، وكذا الهندوكية، فالإله «شيفا» هو «مُطلق المطلَق» ، أي «الحالة التي لا يحدث فيها شيء» ، وهو حالة سكون كاملة، وهو القصور الذاتي النهائي والخواء الكامل. وحتى اللعب بالألفاظ في القبَّالاه، بين «الإين» و «الآيين» و «الآني» له ما يقابله في الهندوكية، ذلك أن «شيفا» (بغض النظر عن حروف العلة) هو «شافا» ، أي «الجثة» . وهو يصبح «شيفا» حينما يضاف إليه حرف العلة، وتكون صاحبته الإلهية شاكتي (ممثلة الحياة والحركة) ، حينئذ يصبح «شافا/العدم» هو «شيفا/الطاقة» . 2 ـ كما أن مراحل التجلي، التي يُطلَق عليها التجليات النورانية العشرة (سفيروت) في القبَّالاه، لها ما يقابلها في الهندوكية، وهي تُسمَّى «تاتفا» ، أي «الأسس» أو «المقولات الأساسية» أو «الجواهر» . والتاتفا، مثل التجليات النورانية العشرة، تخرج الواحدة من الأخرى. وفي القبَّالاه عشرة تجليات من الكيتير عليون (التاج العلوي) في الأعالي إلى الشخيناه وهي التجلي الأدنى الذي يلي العالم الأرضي، وفي الأعالي ثمة وحدة أبدية بين الحوخمة والبيناه، وهي أبو الأعالي وأم الأعالي. وكذلك في الهندوكية، فكان هناك في القمة الوحدة الأزلية بين شيفا وشاكتي، وتخرج عشرة تجليات هي الحالات المادية العشر. 3 ـ يُلاحَظ أن الإله في القبَّالاه نصفه ذكر ونصفه أنثى. وكذا في الهندوكية، فشيفا وشاكتي يكوِّنان وحدة إلهية هي جوهر الوجود الإلهي. 4 ـ وفي كل من القبَّالاه والهندوكية فكرة الدورات الكونية. 5 ـ وفي كل من القبَّالاه والهندوكية مقولة إدراكية جنسية أساسية تصف علاقة الابن بالابنة، أو الشيفا بشاكتي. وكل من الابن وشيفا لا تكتمل سيادتهما، بل وجودهما، إلا إذا اجتمعا مع الابنة وشاكتي. 6 ـ وهناك أسطورة نفي في الهندوكية تماماً كما في القبَّالاه، إذ يقوم شيطان بغزو الكون، ويخرج الآلهة العظيمة من الجنة إلى المنفى. وحينما تذهب شاكتي إلى المنفى، فهي مثل الشخيناه، تفصل عن شيفا وتصبح عرضة للاغتصاب من قبل عمالقة مخيفين. 7 ـ تُصوَّر الشخيناه، في أحد تجلياتها وحشاً كاسراً منتقماً، وفي الهندوكية تتجلى شاكتي على هيئة كالي، إلهة الانتقام. 8 ـ يُصوَّر الشر في كل من القبَّالاه والهندوكية باعتباره جزءاً من الإله، وهو مجرد الجانب الآخر والشر هو المحارة أو القشرة الخارجية. 9- تقوم كل من القبَّالاه والهندوكية بتجنيس الإله وتأليه الجنس (بمعنى الغريزة الجنسية) . 10 ـ تؤمن القبَّالاه كما تؤمن الهندوكية بالتناسخ. وهذا التشابه العميق يثير قضية التأثير والتأثر، ويطرح السؤال التالي: هل اطلع القبَّاليون على بعض المصادر الهندوكية أم أن بعض الأفكار الأساسية تسربت إليهم، فقاموا بتطويرها داخل الإطار اليهودي؟ أم مجرد تشابه بنيوي بمعنى أن البنية الحلولية في كل من القبَّالاه والهندوكية قد تطورتا بشكل مستقل ووصلتا إلى نسقين متشابهين بشكل مستقل؟ هذه قضية خلافية لا تزال مطروحة للنقاش. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْوَصِيَّةُ فِي اللُّغَةِ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ أُصِيهِ - مِنْ بَابِ وَعَدَ - وَصَلْتُهُ وَأَوْصَيْتُ إِلَيْهِ بِمَالٍ جَعَلْتُهُ لَهُ. وَالْوَصِيَّةُ تُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْمُوصَى بِهِ. (1) وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَال فِي الاِصْطِلاَحِ: تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الأَْعْيَانِ أَوْ فِي الْمَنَافِعِ. (2) وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: الإِْيصَاءُ يَعُمُّ الْوَصِيَّةَ وَالْوِصَايَةَ لُغَةً، وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا مِنَ اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ، وَهِيَ تَخْصِيصُ الْوَصِيَّةِ بِالتَّبَرُّعِ الْمُضَافِ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْوِصَايَةِ بِالْعَهْدِ إِلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ (3) . __________ (1) الْقَامُوس الْمُحِيط وَالْمِصْبَاح الْمُنِير وَالْمُعْجَم الْوَسِيط. (2) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 8 / 416 طَبْعَة بُولاَق، وَالدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ 5 / 457، وَحَاشِيَة الصَّاوِي عَلَى الشَّرْحِ الصَّغِيرِ 4 / 579، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 38ـ39، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 336. (3) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 39. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الإِْيصَاءُ: 2 - الإِْيصَاءُ مَصْدَرُ أَوْصَى، يُقَال: أَوْصَى إِلَيْهِ: جَعَلَهُ وَصِيَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْرِهِ وَمَالِهِ وَعِيَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَوْصَى فُلاَنًا بِالشَّيْءِ، أَمَرَهُ بِهِ وَفَرَضَهُ عَلَيْهِ. (1) وَفِي الاِصْطِلاَحِ إِقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي التَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالإِْيصَاءِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَمْرٌ بِالتَّصَرُّفِ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ غَيْرَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ وَالإِْيصَاءُ الْعَهْدُ إِلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ. (2) ب - الْهِبَةُ: 3 - الْهِبَةُ لُغَةً: إِعْطَاءُ شَيْءٍ غَيْرَهُ بِلاَ عِوَضٍ. يُقَال: وَهَبَ لَهُ الشَّيْءَ يَهَبُهُ وَهْبًا وَوَهَبًا، وَهِبَةً: أَعْطَاهُ إِيَّاهُ بِلاَ عِوَضٍ. (3) وَالْهِبَةُ شَرْعًا: تَمْلِيكُ عَيْنٍ بِلاَ عِوَضٍ فِي حَال الْحَيَاةِ تَطَوُّعًا (4) . __________ (1) الْمِصْبَاح الْمُنِير وَالْمُعْجَم الْوَسِيط. (2) الْفَتَاوَى الْخَانِيَة 3 / 513، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 39. (3) الْمُعْجَم الْوَسِيط. (4) فَتْح الْقَدِير 7 / 113، وَالدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 530 ط الْحَلَبِيّ، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 139، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 396، وَالْمُغْنِي 5 / 591، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 329، وَغَايَة الْمُنْتَهَى 2 / 328. وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ تَمْلِيكٌ لَكِنَّ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْهِبَةَ حَال الْحَيَاةِ. ج - الصَّدَقَةُ: 4 - الصَّدَقَةُ فِي اللُّغَةِ: بِفَتْحِ الصَّادِ وَالدَّال - مَا أَعْطَيْتَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَمْلِيكُ شَيْءٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي الْحَيَاةِ لِمُحْتَاجٍ لأَِجْل ثَوَابِ الآْخِرَةِ (1) . وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ إِلاَّ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ وَالْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ. مَشْرُوعِيَّةُ الْوَصِيَّةِ: 5 - الْوَصِيَّةُ مَشْرُوعَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول. (2) أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي تَوْزِيعِ الْمِيرَاثِ وَالتَّرِكَةِ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} . وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَل: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ __________ (1) مُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 397. (2) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 414، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 371. تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ (1) } ، فَهَذَانَ النَّصَّانِ جَعَلاَ الْمِيرَاثَ حَقًّا مُؤَخَّرًا عَنْ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ وَأَدَاءِ الدَّيْنِ، لَكِنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ، لِقَوْل عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآْيَةَ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} وَأَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْل الْوَصِيَّةِ (2) . وَحِكْمَةُ تَقْدِيمِهَا فِي الآْيَةِ: أَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتِ الْمِيرَاثَ فِي كَوْنِهَا بِلاَ عِوَضٍ، فَكَانَ فِي إِخْرَاجِهَا مَشَقَّةٌ عَلَى الْوَارِثِ، فَقُدِّمَتْ حَثًّا عَلَى إِخْرَاجِهَا. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَحَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَال: لاَ، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَال: لاَ، الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ (3) . __________ (1) سُورَة النِّسَاء: 12. (2) حَدِيث عَلَيَّ: " إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآْيَةَ. . . . ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (4 / 416 - ط الْحَلَبِيّ) ، وَضَعْف إِسْنَادِهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ (5 / 377) . (3) حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص: قُلْت: " يَا رَسُول اللَّهِ أَنَا ذُو مَال. " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح 3 / 164) وَمُسْلِم (3 / 1250 - 1251 ط الْحَلَبِيّ) وَاللَّفْظ لِمُسْلِم. وَحَدِيثُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ، زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ (1) . وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ (2) . وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ. وَأَمَّا الْمَعْقُول: فَهُوَ حَاجَةُ النَّاسِ إِلَى الْوَصِيَّةِ زِيَادَةً فِي الْقُرُبَاتِ وَالْحَسَنَاتِ وَتَدَارُكًا لِمَا فَرَّطَ بِهِ الإِْنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ مِنْ أَعْمَال الْخَيْرِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَ الْوَصِيَّةِ، لأَِنَّهُ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إِلَى حَال زَوَال مَالِكِيَّتِهِ، وَلَوْ أُضِيفَ إِلَى حَال قِيَامِهَا بِأَنْ قِيل: مَلَّكْتُكَ غَدًا، كَانَ بَاطِلاً، فَهَذَا أَوْلَى، إِلاَّ أَنَّا __________ (1) حَدِيث مُعَاذ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَصْدُقُ عَلَيْكُمْ " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (3 / 150 ط دَارَ الْمَحَاسِن) ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي بُلُوغ الْمَرَام (ص 322 ط دَار ابْن كَثِير) وَذَكَرَ أَنَّ طُرُقَهُ كُلّهَا ضَعِيفَة وَلَكِنْ قَدْ يُقَوِّي بَعْضهَا بعضا. (2) حَدِيث ابْن عُمَر: " مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح 5 / 355 ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (3 / 1249) وَاللَّفْظ لِمُسْلِم. اسْتَحْسَنَّاهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهَا. فَإِنَّ الإِْنْسَانَ مَغْرُورٌ بِأَمَلِهِ، مُقَصِّرٌ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا عَرَضَ لَهُ الْمَرَضُ، وَخَافَ الْبَيَانَ، يَحْتَاجُ إِلَى تَلاَفِي بَعْضِ مَا فُرِّطَ مِنْهُ، مِنَ التَّفْرِيطِ بِمَالِهِ، عَلَى وَجْهٍ لَوْ مَضَى فِيهِ يَتَحَقَّقُ مَقْصِدُهُ الْمُآلِي، وَلَوْ أَنْهَضَهُ الْبُرْءُ يَصْرِفُهُ إِلَى مَطْلَبِهِ الْحَالِيِّ، وَفِي شَرْعِ الْوَصِيَّةِ ذَلِكَ، فَشُرِعَتْ (1) .. حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْوَصِيَّةِ: 6 - حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْوَصِيَّةِ: تَحْصِيل ذِكْرِ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا، وَنَوَال الثَّوَابِ وَالدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ فِي الآْخِرَةِ (2) ، لِذَا شَرَعَهَا الشَّارِعُ تَمْكِينًا مِنَ الْعَمَل الصَّالِحِ، وَمُكَافَأَةِ مَنْ أَسْدَى لِلْمَرْءِ مَعْرُوفًا، وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَالأَْقَارِبِ غَيْرِ الْوَارِثِينَ، وَسَدِّ خَلَّةِ الْمُحْتَاجِينَ، وَتَخْفِيفِ الْكَرْبِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْبُؤَسَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَذَلِكَ بِشَرْطِ الْتِزَامِ الْمَعْرُوفِ أَوِ الْعَدْل، وَتَجَنُّبِ الإِْضْرَارِ فِي الْوَصِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ (3) } . وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الإِْضْرَارُ فِي __________ (1) الْهِدَايَة مَعَ شُرُوحِهَا 10 / 413. (2) الْهِدَايَة مَعَ شُرُوحِهَا 10 / 411. (3) سُورَة النِّسَاء: 12. الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ (1) . وَالْعَدْل الْمَطْلُوبُ: قَصْرُهَا عَلَى مِقْدَارِ ثُلُثِ التَّرِكَةِ الْمُحَدَّدِ شَرْعًا. أَمَّا عَدَمُ نَفَاذِ الْوَصِيَّةِ لِوَارِثٍ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ الآْخَرِينَ، فَهُوَ لِمَنْعِ التَّبَاغُضِ وَالتَّحَاسُدِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: 7 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَال. أ - فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِجُزْءٍ مِنَ الْمَال لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى أَحَدٍ، وَهُوَ قَوْل الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْقَل عَنْهُمْ وَصِيَّةٌ، وَلَمْ يُنْقَل لِذَلِكَ نَكِيرٌ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ يُخِلُّوا بِذَلِكَ وَلَنُقِل عَنْهُمْ نَقْلاً ظَاهِرًا، وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ عَطِيَّةٌ لاَ تَجِبُ فِي الْحَيَاةِ فَلاَ تَجِبُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَعَطِيَّةِ الأَْجَانِبِ. ثُمَّ قَال هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءُ: تُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنَ الْمَال لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى __________ (1) حَدِيث ابْن عَبَّاسٍ: " الإِْضْرَار فِي الْوَصِيَّةِ فِي الْكَبَائِرِ " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (3 / 151 ط دَارَ الْمَحَاسِن) ، وَصَحَّحَ الْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ (6 / 271 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) وَقَفَهُ عَلَى ابْن عَبَّاسٍ. قَال: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَْقْرَبِينَ (1) } ، فَنُسِخَ الْوُجُوبُ وَبَقِيَ الاِسْتِحْبَابُ فِي حَقِّ مَنْ لاَ يَرْثُ لِحَدِيثِ: لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ (2) وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا ابْنَ آدَمَ اثْنَتَانِ لَمْ تَكُنْ لَكَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا: جَعَلْتُ لَكَ نَصِيبًا مِنْ مَالِكَ حِينَ أَخَذْتُ بِكَظَمِكَ لأُِطَهِّرَكَ بِهِ وَأُزَكِّيَكَ وَصَلاَةُ عِبَادِي عَلَيْكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِكَ (3) . وَعَنْ مُعَاذٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ (4) . وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي __________ (1) سُورَة الْبَقَرَة: 180. (2) حَدِيث: " لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِث ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (4 / 433 ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ ابْن أمامة الْبَاهِلِيّ، وَحَسَّنَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّخْلِيصِ (3 / 92 ط شَرِكَة الطِّبَاعَةِ الْفَنِّيَّةِ) (3) حَدِيث ابْن عُمَر: يَا ابْن آدَمَ، اثْنَتَانِ لَمْ تَكُنْ لَك وَاحِدَة مِنْهُمَا أَخْرِجْهُ ابْن مَاجَهْ (2 / 904 ط الْحَلَبِيّ) ، وَقَال الْبُوصَيْرِيّ فِي مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ (2 / 98 ط دَار الْجِنَان) : هَذَا إِسْنَاد فِيهِ مَقَال. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى جَهَالَة أَحَد رُوَاته وَإِلَى ضَعْفٍ آخَرَ. وَالْكَظْمُ هُوَ مُخْرِجُ النَّفْسِ. (4) حَدِيث مُعَاذ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَصْدُقُ عَلَيْكُمْ. . " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه (5) . الْمُعْتَمَدِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ يَسْتَوْعِبَ الْمُوصِي الثُّلُثَ بِالْوَصِيَّةِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ (1) . وَأَضَافَ الْحَنَابِلَةُ: إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالأَْفْضَل لِلْغَنِيِّ الْوَصِيَّةُ بِالْخُمُسِ. وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ - كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ - ظَاهِرُ قَوْل السَّلَفِ وَعُلَمَاءِ أَهْل الْبَصْرَةِ، وَأُثِرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَال: " الْخُمُسُ فِي الْوَصِيَّةِ أَحَبُّ إِلَيَّ، لأَِنَّ اللَّهَ رَضِيَهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ سَهْمًا ". وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ يَسْتَحِبُّونَ الرُّبُعَ فِي الْوَصِيَّةِ. قَال إِسْحَاقُ: السُّنَّةُ الرُّبُعُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلاً يَعْرِفُ فِي مَالِهِ حُرْمَةَ شُبُهَاتٍ أَوْ غَيْرَهَا فَلَهُ اسْتِيعَابُ الثُّلُثِ. وَقَال الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ كَانَ الْمُوصِي غَنِيًّا اسْتُحِبَّ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ. (2) __________ (1) حَدِيث: " الثُّلْث وَالثُّلْث كَثِير " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح 5 / 363) وَمُسْلِم (3 / 1253) . (2) الاِخْتِيَار 5 / 64، وَالْكَافِي لاِبْن عَبْد الْبَرّ 2 / 1023، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 47، وَحَاشِيَة الْجَمَل 4 / 49، وَالْمُغْنِي 6 / 4. وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ إِذَا كَانَ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ وَالْمَال كَثِيرًا، أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَال قَلِيلاً وَالْوَرَثَةُ مُحْتَاجُونَ فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْفَقِيرَ الَّذِي لَهُ وَرَثَةٌ مُحْتَاجُونَ لاَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ. وَقَال عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِرَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ: إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ طَائِلاً إِنَّمَا تَرَكْتَ شَيْئًا يَسِيرًا فَدَعْهُ لِوَرَثَتِكَ. وَقَال الشَّعْبِيُّ: مَا مِنْ مَالٍ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ مَالٍ يَتْرُكُهُ الرَّجُل لِوَلَدِهِ يُغْنِيهِمْ عَنِ النَّاسِ. وَقَال الْكَاسَانِيُّ: إِنْ كَانَ مَالُهُ قَلِيلاً وَلَهُ وَرَثَةٌ فُقَرَاءُ فَالأَْفْضَل أَنْ لاَ يُوصِيَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّكَ إِنْ تَرَكْتَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ (1) وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَكُونُ صِلَةً بِالأَْجَانِبِ وَالتَّرْكَ يَكُونُ صِلَةً بِالأَْقَارِبِ فَكَانَ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ كَثِيرًا فَإِنْ كَانَتْ وَرَثَتُهُ فُقَرَاءَ فَالأَْفْضَل أَنْ يُوصِيَ بِمَا دُونَ الثُّلُثِ وَيَتْرُكَ الْمَال لِوَرَثَتِهِ لأَِنَّ غُنْيَةَ الْوَرَثَةِ تَحْصُل بِمَا __________ (1) حَدِيث: " إِنَّك إِنْ تَرَكْت وَرَثَتَك أَغْنِيَاء خَيْر لَك. . . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ الْفَتْح (12 / 14) وَمُسْلِم (3 / 1253) وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ. زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إِذَا كَانَ الْمَال كَثِيرًا وَلاَ تَحْصُل عِنْدَ قِلَّتِهِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تُكْرَهُ الْوَصِيَّةُ فِي مَالٍ قَلِيلٍ. (1) وَقَال النَّوَوِيُّ: قَال أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنْ كَانَتِ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ اسْتُحِبَّ أَنْ يُوصِيَ بِالثُّلُثِ تَبَرُّعًا، وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ اسْتُحِبَّ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ الثُّلُثِ. (2) وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ وَاجِبَةٌ. رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَال: جَعَل اللَّهُ الْوَصِيَّةَ حَقًّا عَمَّا قَل أَوْ كَثُرَ. وَقِيل لأَِبِي مِجْلَزٍ: عَلَى كُل مَيِّتٍ وَصِيَّةٌ؟ قَال: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا. ب - وَقَال أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةٌ لِلأَْقْرَبِينَ الَّذِينَ لاَ يَرِثُونَ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَسْرُوقٍ وَطَاوُسٍ وَإِيَاسٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ جَرِيرٍ: وَاحْتَجُّوا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى ( {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَْقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى __________ (1) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 331، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 579، وَالْخَرَشِيّ 8 / 168، وَالْمُغْنِي 6 / 3. (2) شَرْح مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ 11 / 86 ط دَار الْقَلَم، وَانْظُرِ الأُْمّ لِلشَّافِعِيِّ 4 / 30. الْمُتَّقِينَ} ) (1) ، وَبِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ يَبِيتُ ثَلاَثَ لَيَالٍ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ قَال ابْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال ذَلِكَ إِلاَّ وَعِنْدِي وَصِيَّتِي " (2) . وَرُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا كَانَ يُشَدِّدَانِ فِي الْوَصِيَّةِ. وَكَانَ مِمَّنْ قَال بِوُجُوبِ الْوَصِيَّةِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَطَاوُسٌ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُو سُلَيْمَانَ. وَقَالُوا: نُسِخَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَْقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ وَبَقِيَتْ فِيمَنْ لاَ يَرِثُ مِنَ الأَْقْرَبِينَ. (3) أَرْكَانُ الْوَصِيَّةِ وَكَيْفِيَّةُ انْعِقَادِهَا: 8 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ لِلْوَصِيَّةِ أَرْكَانًا أَرْبَعَةً: صِيغَةٌ، وَمُوصٍ، وَمُوصًى لَهُ، وَمُوصًى بِهِ. (4) __________ (1) سُورَة الْبَقَرَة: 180. (2) حَدِيث ابْن عُمَر: " مَا حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (3 / 1250) . (3) الْمُغْنِي 6 / 1ـ3، حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 415، وَالْقُرْطُبِيّ 2 / 359، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 579، وَغَايَة الْمُنْتَهَى 2 / 328، وَالْمُحَلَّى 9 / 312. (4) كِفَايَة الأَْخْيَار 2 / 56 وَمَا بَعْدَهَا، وَالْمُهَذَّب 1 / 586 وَمَا بَعْدَهَا، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 39، 52 وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 4، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 345 وَمَا بَعْدَهَا، وَنِيل الْمَآرِب 2 / 46، وَالشَّرْح الصَّغِير مَعَ حَاشِيَةِ الصَّاوِي عَلَيْهِ 4 / 585 وَمَا بَعْدَهَا. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي رُكْنِ الْوَصِيَّةِ: فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: الرُّكْنُ هُوَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول، الإِْيجَابُ مِنَ الْمُوصِي وَالْقَبُول مِنَ الْمُوصَى لَهُ، فَمَا لَمْ يُوجَدَا جَمِيعًا لاَ يَتِمُّ الرُّكْنُ، وَقَالُوا: إِنْ شِئْتَ قُلْتَ رُكْنُ الْوَصِيَّةِ الإِْيجَابُ مِنَ الْمُوصِي وَعَدَمُ الرَّدِّ مِنَ الْمُوصَى لَهُ وَهُوَ أَنْ يَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ رَدِّهِ. وَقَال زُفَرُ: رُكْنُ الْوَصِيَّةِ هُوَ الإِْيجَابُ مِنَ الْمُوصِي فَقَطْ، وَاسْتَدَل بِأَنَّ مِلْكَ الْمُوصَى لَهُ بِمَنْزِلَةِ مِلْكِ الْوَارِثِ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمِلْكَيْنِ يَنْتَقِل بِالْمَوْتِ ثُمَّ مِلْكُ الْوَارِثِ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى قَبُولِهِ، فَكَذَا مِلْكُ الْمُوصَى لَهُ. وَاسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ وَالصَّاحِبَانِ عَلَى أَنَّ الرُّكْنَ هُوَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول مَعًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} ) (1) فَظَاهِرُهُ أَنْ لاَ يَكُونَ لِلإِْنْسَانِ شَيْءٌ بِدُونِ سَعْيِهِ، فَلَوْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ لَثَبَتَ مِنْ غَيْرِ سَعْيِهِ وَهَذَا مَنْفِيٌّ إِلاَّ مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ، وَلأَِنَّ الْقَوْل بِثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ قَبُولِهِ __________ (1) سُورَة النَّجْمِ: 39. يُؤَدِّي إِلَى الإِْضْرَارِ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَلْحَقُهُ ضَرَرُ الْمِنَّةِ، وَلِهَذَا تَوَقَّفَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى قَبُولِهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الْمِنَّةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَصِيَّ بِهِ قَدْ يَكُونُ شَيْئًا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُوصَى لَهُ فَلَوْ لَزِمَهُ الْمِلْكُ مِنْ غَيْرِ قَبُولِهِ لَلَحِقَهُ الضَّرَرُ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِهِ وَإِلْزَامِ مَنْ لَيْسَ لَهُ وِلاَيَةُ الإِْلْزَامِ إِذْ لَيْسَ لِلْمُوصِي وِلاَيَةُ إِلْزَامِ الضَّرَرِ فَلاَ يَلْزَمُهُ. (1) الرُّكْنُ الأَْوَّل: الصِّيغَةُ: 9 - الصِّيغَةُ تَتَكَوَّنُ مِنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، وَيَتِمُّ الإِْيجَابُ بِكُل لَفْظٍ يَدُل عَلَى التَّمْلِيكِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَقَوْل الْمُوصِي: وَصَّيْتُ لَكَ بِكَذَا، أَوْ وَصَّيْتُ لِزَيْدٍ بِكَذَا، أَوْ أَعْطُوهُ مِنْ مَالِي بَعْدَ مَوْتِي كَذَا، أَوِ ادْفَعُوهُ إِلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ جَعَلْتُهُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ هُوَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ هُوَ لَهُ مِنْ مَالِي بَعْدَ مَوْتِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَى الْوَصِيَّةِ. (2) وَتَنْعَقِدُ الْوَصِيَّةُ بِالْكِتَابَةِ كَاللَّفْظِ بِاتِّفَاقِ __________ (1) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 416 ط بُولاَق، وَبَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 331ـ332، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 184. (2) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 90، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 344، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 52. الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ ثَلاَثَ لَيَالٍ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ (1) وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْكِتَابَةِ، فَدَل عَلَى الاِكْتِفَاءِ بِهَا، وَلأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ وَغَيْرِهِمْ مُلْزِمًا لِلْعَمَل بِتِلْكَ الْكِتَابَةِ وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلأَِنَّ الْكِتَابَةَ تُنْبِئُ عَنِ الْمَقْصُودِ فَهِيَ كَاللَّفْظِ. إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ اعْتَبَرُوا الْكِتَابَةَ كِنَايَةً فَلاَ تَنْعَقِدُ بِهَا إِلاَّ مَعَ النِّيَّةِ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الاِعْتِرَافِ بِهَا نُطْقًا مِنَ الْوَصِيِّ أَوْ مِنْ وَارِثِهِ وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ بِالْكِتَابَةِ وَالْعَمَل بِهَا أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ الْمَكْتُوبَةُ بِخَطِّ الْمُوصِي الثَّابِتِ بِإِقْرَارِ وَرَثَتِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ تُعَرِّفُ خَطَّهُ. (2) وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْعِقَادِ الْوَصِيَّةِ بِالإِْشَارَةِ مِنَ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ انْعِقَادِ الْوَصِيَّةِ بِالإِْشَارَةِ مِنَ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ. __________ (1) حَدِيث: (مَا حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. .) تَقَدَّمَ تَخْرِيجه ف 5. (2) الأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص 339، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 601، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 36، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 337. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى انْعِقَادِ الْوَصِيَّةِ بِالإِْشَارَةِ مِنَ الْقَادِرِ عَلَى الْكَلاَمِ. (1) كَمَا اخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِ الْوَصِيَّةِ بِالإِْشَارَةِ مِنْ مُعْتَقَل اللِّسَانِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إِنْ كَانَ الْمُوصِي مُعْتَقَلاً لِسَانُهُ بِإِشَارَةٍ وَلَوْ فُهِمَ، إِلاَّ إِنْ أَيِسَ مِنْ نُطْقِهِ بِأَنْ دَامَتِ الْعُقْلَةُ إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنِ اعْتُقِل لِسَانُهُ لَوَصِيَّتُهُ تَصِحُّ بِالإِْشَارَةِ. (2) وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ (إِشَارَة ف11، صِيغَة ف12) . أَمَّا الْقَبُول فَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَحْدِيدِ الْمُرَادِ بِهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: الْقَوْل الأَْوَّل لِلْحَنَفِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّ الْقَبُول الْمَطْلُوبَ: هُوَ عَدَمُ الرَّدِّ، فَيَكْفِي إِمَّا الْقَبُول الصَّرِيحُ، مِثْل: قَبِلْتُ الْوَصِيَّةَ أَوْ رَضِيتُ بِهَا، __________ (1) الأَْشْبَاه لاِبْنِ نَجِيم ص 343، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 584، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 444، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 336، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 52 - 53. (2) الأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص 344، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 36، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 584 وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 336. أَوِ الْقَبُول دَلاَلَةً، بِأَنْ يَتَصَرَّفَ الْمُوصَى لَهُ فِي الْمُوصَى بِهِ تَصَرُّفَ الْمُلاَّكِ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالإِْجَارَةِ. وَيَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ الْمُوصَى بِهِ بِالْقَبُول إِلاَّ فِي مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَمُوتَ الْمُوصِي، ثُمَّ يَمُوتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْل الْقَبُول، فَيَدْخُل الْمُوصَى بِهِ فِي مِلْكِ وَرَثَتِهِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ قَدْ تَمَّتْ مِنْ جَانِبِ الْمُوصِي بِمَوْتِهِ تَمَامًا لاَ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنَّمَا تُوقَفُ لِحَقِّ الْمُوصَى لَهُ، فَإِذَا مَاتَ دَخَل الْمُوصَى بِهِ فِي مِلْكِهِ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فِي أَثْنَاءِ الْخِيَارِ الْمَمْنُوحِ لَهُ قَبْل إِجَازَةِ الْبَيْعِ. (1) الْقَوْل الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الْقَبُول بِالْقَوْل أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الرِّضَا عِنْدَ الْوَصِيَّةِ لِمُعَيَّنٍ، وَلاَ يُكْتَفَى بِعَدَمِ الرَّدِّ، لأَِنَّهُ غَيْرُ الْقَبُول الْمَطْلُوبِ، فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، لأَِنَّهَا عَطِيَّةٌ صَادَفَتِ الْمُعْطَى مَيِّتًا، فَلَمْ تَصِحَّ. كَمَا لَوْ وَهَبْتَ مَيِّتًا (2) . الْقَوْل الثَّالِثُ: لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الْمُعْتَمَدِ وَهُوَ أَنَّ __________ (1) الْهِدَايَة وَشُرُوحهَا 8 / 432 طَبْعَة بُولاَق. (2) شَرْح الزُّرْقَانِيّ 8 / 176ـ177، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 583، وَحَاشِيَة الْجُمَل 4 / 48، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 344. الْمُرَادَ بِالْقَبُول الْقَبُول اللَّفْظِيُّ فَلاَ يُكْتَفَى بِالْفِعْل وَهُوَ الأَْخْذُ. (1) وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُل إِذَا رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، لأَِنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي حَالٍ يَمْلِكُ قَبُولَهُ وَأَخْذَهُ، كَتَنَازُل الشَّفِيعِ عَنِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ (2) . الْفَوْرِيَّةُ فِي الْقَبُول وَالرَّدِّ بَعْدَ الْمَوْتِ: 10 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنْ لاَ عِبْرَةَ بِقَبُول الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي، كَمَا لاَ عِبْرَةَ بِرَدِّهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لأَِنَّ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي لَمْ يَثْبُتْ لِلْمُوصَى لَهُ حَقٌّ. وَلأَِنَّ أَوَانَ ثُبُوتِ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي لِتَعَلُّقِهَا بِهِ فَلاَ يُعْتَبَرُ الْقَبُول قَبْل الْمَوْتِ. (3) وَقَال زُفَرُ: إِذَا رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ فِي وَجْهِ الْمُوصِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبَل بَعْدَ ذَلِكَ لأَِنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ قَبْل وُجُوبِهِ كَالشَّفِيعِ قَبْل الْبَيْعِ (4) . __________ (1) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، وَحَاشِيَة الْجُمَل 4 / 48. (2) شَرْح الزُّرْقَانِيّ 8 / 176ـ177، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 583، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 344، وَرَوْضَة الْقُضَاة 4 / 682. (3) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 421، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 427، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 6 / 367، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 583، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 142ـ143. (4) رَوْضَة الْقُضَاة 2 / 681. كَمَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْقَبُول أَوِ الرَّدِّ فَوْرًا بَعْدَ الْمَوْتِ بَل هُمَا عَلَى التَّرَاخِي، فَيَجُوزُ كُلٌّ مِنْهُمَا بَعْدَ الْوَفَاةِ، وَلَوْ إِلَى مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، لأَِنَّ الْفَوْرَ عُرْفًا إِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي الْعُقُودِ الْمُنْجَزَةِ الَّتِي يَرْتَبِطُ الْقَبُول فِيهَا بِالإِْيجَابِ كَالْبَيْعِ، وَلَيْسَتِ الْوَصِيَّةُ مِنْهَا. وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْبَل الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَلاَ رَدَّ الْوَصِيَّةَ فَلِلْوَارِثِ مُطَالَبَةُ الْمُوصَى لَهُ بِالْقَبُول أَوِ الرَّدِّ فَإِنِ امْتَنَعَ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ وَبَطَل حَقُّهُ مِنَ الْوَصِيَّةِ لأَِنَّهَا إِنَّمَا تَنْتَقِل إِلَى مِلْكِهِ بَعْدَ الْقَبُول وَلَمْ يُوجَدْ. (1) الرُّجُوعُ عَنِ الْقَبُول: 11 - لِلْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ الرُّجُوعِ عَنِ الْقَبُول ثَلاَثَةُ آرَاءٍ: الرَّأْيُ الأَْوَّل: صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ بِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ لَوْ قَبِل الْوَصِيَّةَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ رَدُّ الْقَبُول قَبْل الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ لَزِمَتْ وَصَحَّتْ. __________ (1) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 344ـ345، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 5 / 90، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 427. وَلَوْ رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَمْ يَقْبَلْهَا فَهُوَ رَدٌّ وَلاَ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَقْبَل بَعْدَ هَذَا لأَِنَّ الإِْيجَابَ بَطَل بِالرَّدِّ كَإِيجَابِ الْبَيْعِ (1) . الرَّأْيُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَصِحُّ الرَّدُّ بَعْدَ الْقَبُول وَقَبْل الْقَبْضِ. وَقَدْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْقَوْل وَقَال الأَْذْرُعِيُّ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الأُْمِّ وَجَرَى عَلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَاخْتَارَهُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ لأَِنَّ مِلْكَ الْمُوصَى لَهُ لِلْمُوصَى بِهِ قَبْل الْقَبْضِ لَمْ يَتِمَّ (2) . الرَّأْيُ الثَّالِثُ: يَصِحُّ رَدُّ الْمُوصَى لَهُ فِي الْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ بَعْدَ قَبُولِهِ وَقَبْل الْقَبْضِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (3) تَجَزُّؤُ الْقَبُول: 12 - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَبِل __________ (1) رَوْضَة الْقُضَاة 2 / 681ـ682، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 583، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 424، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 344ـ345، وَالإِْنْصَاف 7 / 205، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ 6 / 66، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 142. (2) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ 6 / 66، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 43، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 142، وَالإِْنْصَاف 7 / 105. (3) الإِْنْصَاف 7 / 105. الْمُوصَى لَهُ بَعْضَ الْمُوصَى بِهِ فِيهِ احْتِمَالاَنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَصِحُّ وَرَجَّحَهُ بَعْضُ الْيَمَانِيِّينَ. وَقَالُوا: الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَبَيْنَ الْبَيْعِ فِيمَا إِذَا قَبِل بَعْضَهُ حَيْثُ لَمْ يَصِحَّ أَنَّ الْبَيْعَ فِيهِ الْمُعَاوَضَةُ فَلَمْ يُغْتَفَرْ فِيهِ مَا اغْتُفِرَ فِي الْوَصِيَّةِ. وَقَال زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: أَرْجَحُ الاِحْتِمَالَيْنِ: الْبُطْلاَنُ. (1) مَنْ يَمْلِكُ الْقَبُول وَالرَّدَّ: 13 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنَ يَمْلِكُ بِنَفْسِهِ الْقَبُول أَوِ الرَّدَّ إِذَا كَانَ كَامِل الأَْهْلِيَّةِ رَشِيدًا، لأَِنَّهُ صَاحِبُ الْوِلاَيَةِ عَلَى نَفْسِهِ. وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ أَوِ الْجَمَاعَةَ غَيْرُ الْمَحْصُورِينَ كَالْفُقَهَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَوُجُوهِ الْقُرْبِ كَالْمَسَاجِدِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَبُولٍ وَلاَ رَدٍّ، وَإِنَّمَا تَلْزَمُ الْوَصِيَّةُ بِمُجَرَّدِ إِيجَابِ الْمُوصِي، لأَِنَّ اعْتِبَارَ الْقَبُول مِنْهُمْ مُتَعَذِّرٌ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ كَالْوَقْفِ عَلَيْهِمْ. أَمَّا إِنْ كَانَ الْمُوصَى لَهُ وَاحِدًا كَزَيْدٍ، أَوْ جَمْعًا مَحْصُورًا كَأَوْلاَدِ عَمْرٍو، فَلاَ بُدَّ مِنَ __________ (1) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 43. الْقَبُول أَوْ عَدَمِ الرَّدِّ بَعْدَ الْمَوْتِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكُ مَالٍ فَاعْتُبِرَ قَبُولُهُ كَالْهِبَةِ (1) . وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ فَيَقُومُ وَلِيُّهُ مَقَامَهُ فِي الْقَبُول أَوِ الرَّدِّ فَيَفْعَل مَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَإِنْ فَعَل الْوَلِيُّ غَيْرَ مَا فِيهِ الْحَظُّ لَمْ يَصِحَّ، فَإِذَا كَانَ الْحَظُّ فِي قَبُول الْوَصِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ الرَّدُّ وَكَانَ لَهُ قَبُولُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: إِنِ امْتَنَعَ وَلِيُّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مِنْ قَبُول الْوَصِيَّةِ وَكَانَ الْحَظُّ لَهُ فِيهِ فَالْمُتَّجِهُ أَنَّ الْحَاكِمَ يَقْبَل وَلاَ يَحْكُمُ بِالرَّدِّ. (2) (ر: إِيصَاء ف14، صِغَر ف 41) . مَوْتُ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ: 14 - لِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ أَحْوَالٌ: إِمَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ مَعَ مَوْتِهِ، فَتَبْطُل الْوَصِيَّةُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَإِذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي بِلاَ قَبُولٍ وَلاَ رَدٍّ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ __________ (1) رَوْضَة الْقُضَاة 2 / 68، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 416، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 585، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 1 / 53، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 344. (2) رَوْضَة الْقُضَاة 1 / 180، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 459ـ460، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53ـ54، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ 6 / 66. الْوَصِيَّةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ: فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ غَيْرَ زُفَرَ: أَنَّ مَوْتَ الْمُوصَى لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَبُولٌ وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ اسْتِحْسَانًا. وَفِي الْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْل زُفَرَ وَأَبِي حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ قَال عَنْهُ الْقَاضِي هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: يَكُونُ الْمُوصَى بِهِ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي وَلاَ يَمْلِكُهُ الْمُوصَى لَهُ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، لأَِنَّ تَمَامَهَا مَوْقُوفٌ عَلَى الْقَبُول وَقَدْ فَاتَ الْقَبُول. (1) وَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) أَنَّ وَرَثَةَ الْمُوصَى لَهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي رَدِّ الْوَصِيَّةِ وَقَبُولِهَا، لأَِنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلْمُوَرَّثِ فَيُنْقَل إِلَى وَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ (2) ، وَكَخِيَارِ الْعَيْبِ. وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ هُنَا عَقْدٌ لاَزِمٌ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَلَمْ تَبْطُل بِمَوْتِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ. (3) __________ (1) رَوْضَة الْقُضَاة 2 / 682، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 421، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 23 - 24. (2) حَدِيث: " مَنْ تَرَكَ مَالاَ فَلِوَرَثَتِهِ " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي 9 / 7) وَمُسْلِم (3 / 1237) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (3) الدُّسُوقِيّ 4 / 424، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 583، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 54، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 23ـ24، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 344، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 459. تَعْلِيقُ الْوَصِيَّةِ عَلَى شَرْطٍ وَإِضَافَتُهَا لِلْمُسْتَقْبَل: 15 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ تَعْلِيقِ الْوَصِيَّةِ عَلَى شَرْطٍ وَإِضَافَتِهَا لِلْمُسْتَقْبَل. فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ تَعْلِيقَ الْوَصِيَّةِ بِالشَّرْطِ جَائِزٌ لأَِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ إِثْبَاتُ الْخِلاَفَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ (1) ، فَإِذَا قَال الْعَبْدُ أَوِ الْمَكَاتَبُ إِذَا أُعْتِقْتُ فَثُلُثُ مَالِي وَصِيَّةٌ يَصِحُّ. (2) وَإِنْ قَال الدَّائِنُ لِمَدْيُونِهِ إِذَا مِتُّ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ دَيْنِيَ الَّذِي عَلَيْكَ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ وَلَوْ قَال: إِنْ مِتُّ لاَ يَبْرَأُ لِلْمُخَاطَرَةِ. (3) وَقَالُوا: الإِْيصَاءُ وَالْوَصِيَّةُ لاَ يَكُونَانِ إِلاَّ مُضَافَيْنِ. (4) وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ إِنْ قَال الْمُوصِي فِي صِيغَةِ وَصِيَّتِهِ إِنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أَوْ إِنْ مِتُّ مِنْ سَفَرِي هَذَا فَلِفُلاَنٍ كَذَا وَلَمْ يَمُتْ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ سَفَرِهِ فَتَبْطُل، لأَِنَّهُ عَلَّقَ الْوَصِيَّةَ عَلَى الْمَوْتِ فِيهِمَا وَلَمْ يَحْصُل. وَمَحَل بُطْلاَنِ الْوَصِيَّةِ إِنْ لَمْ يَكْتُبْهَا فِي كِتَابٍ __________ (1) الْفَتَاوَى البزازية بِهَامِش الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 437. (2) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 432. (3) الدَّرّ الْمُخْتَار 5 / 427. (4) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 5 / 148. وَأَخْرَجَهُ وَلَمْ يَسْتَرِدَّهُ، فَإِنْ كَتَبَهَا وَأَخْرَجَهُ وَلَمْ يَسْتَرِدَّهُ وَلَمْ يَمُتْ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ لاَ تَبْطُل. (1) وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْوَصِيَّةِ عَلَى شَرْطٍ فِي الْحَيَاةِ، لأَِنَّهَا تَجُوزُ فِي الْمَجْهُول فَجَازَ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ كَالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ وَيَجُوزُ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ بَعْدَ الْمَوْتِ، لأَِنَّ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فِي الْوَصِيَّةِ كَحَال الْحَيَاةِ. فَإِذَا جَازَ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ فِي الْحَيَاةِ جَازَ بَعْدَ الْمَوْتِ. (2) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ عَلَّقَ الْوَصِيَّةَ عَلَى صِفَةٍ بَعْدَ مَوْتِهِ يَرْتَقِبُ وُقُوعَهَا كَقَوْلِهِ: أَوْصَيْتُ لَهُ بِكَذَا إِذَا مَرَّ شَهْرٌ بَعْدَ مَوْتِي صَحَّ، أَوْ قَال: وَصَّيْتُ لِفُلاَنَةَ بِكَذَا إِذَا وَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِي صَحَّ التَّعْلِيقُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ (3) وَثَبَتَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ تَعْلِيقُهَا، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ لاَ تَتَأَثَّرُ بِالْفَوْرِ فَأَوْلَى أَنْ لاَ تَتَأَثَّرَ بِالتَّعْلِيقِ لِوُضُوحِ الأَْمْرِ وَقِلَّةِ الْغَرَرِ. فَإِنْ كَانَتِ الصِّفَةُ لاَ يُرْتَقَبُ وُقُوعُهَا بَعْدَ __________ (1) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 587ـ588. (2) الْمُهَذَّب مَعَ تَكْمِلَةِ الْمَجْمُوعِ 14 / 339. (3) حَدِيث: " الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (3 / 626 ط الْحَلَبِيّ) فِي حَدِيثِ عَمْرو بْن عَوْف الْمُزَنِيّ وَقَال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. الْمَوْتِ فَقَدْ قَال الْبُهُوتِيُّ: فِي التَّعْلِيقِ عَلَيْهَا نَظَرٌ، وَالأَْوْلَى عَدَمُ جَوَازِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِضْرَارِ الْوَرَثَةِ بِطُول الاِنْتِظَارِ لاَ إِلَى أَمَدٍ يُعْلَمُ. (1) صِفَةُ الْوَصِيَّةِ مِنْ حَيْثُ اللُّزُومِ وَعَدَمِهِ وَالرُّجُوعِ عَنْهَا: 16 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُوصِي فِي حَال حَيَاتِهِ الرُّجُوعُ عَنْهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا، سَوَاءٌ وَقَعَتْ مِنْهُ الْوَصِيَّةُ فِي حَال صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ، " لِقَوْل عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُغَيِّرُ الرَّجُل مَا شَاءَ فِي وَصِيَّتِهِ " (2) ، وَلأَِنَّهَا عَطِيَّةٌ أَوْ تَبَرُّعٌ لَمْ يَتِمَّ، يُنْجَزُ بِالْمَوْتِ، فَجَازَ الرُّجُوعُ عَنْهَا قَبْل تَنْجِيزِهَا كَالْهِبَةِ، وَلأَِنَّ الْقَبُول يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَوْتِ، وَالإِْيجَابُ يَصِحُّ إِبْطَالُهُ قَبْل الْقَبُول، كَمَا فِي الْبَيْعِ. وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الرُّجُوعَ عَنِ الْوَصِيَّةِ يَكُونُ إِمَّا بِالْقَوْل أَوْ بِالدَّلاَلَةِ. وَالرُّجُوعُ بِالْقَوْل مِثْل أَنْ يَقُول الْمُوصِي: نَقَضْتُ الْوَصِيَّةَ أَوْ أَبْطَلْتُهَا أَوْ رَجَعْتُ فِيهَا، أَوْ فَسَخْتُهَا أَوْ أَزَلْتُهَا، أَوْ هُوَ حَرَامٌ عَلَى الْمُوصَى لَهُ، أَوْ هَذَا لِوَارِثِي وَنَحْوَ ذَلِكَ. __________ (1) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 351. (2) أَثَر عُمَر: يُغَيِّرُ الرَّجُل مَا شَاءَ فِي وَصِيَّتِهِ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي الْمُصَنَّفِ (9 / 71 ط الْمَجْلِس الْعِلْمِيّ) . وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ مَا إِذَا قَال الْمُوصِي فِي وَصِيَّتِهِ أَنْ لاَ رُجُوعَ لَهُ فِيهَا فَإِنَّهَا لاَ تَبْطُل بِالرُّجُوعِ حَتَّى يَنُصَّ عَلَيْهَا. وَالرُّجُوعُ بِالدَّلاَلَةِ يَكُونُ بِالْفِعْل كَأَنْ يَقُومَ الْمُوصِي بِتَصَرُّفٍ فِي الْمُوصَى بِهِ يَدُل عَلَى رُجُوعِهِ كَالْبَيْعِ، وَالإِْصْدَاقِ، وَالْهِبَةِ وَالرَّهْنِ مَعَ قَبْضٍ أَمْ لاَ، وَاسْتِهْلاَكِ الشَّيْءِ كَذَبْحِ الشَّاةِ الْمُوصَى بِهَا، وَخَلْطِ الْمُوصَى بِهِ بِغَيْرِهِ خَلْطًا يَعْسُرُ تَمْيِيزُهُ، وَطَحْنِ حِنْطَةٍ وَعَجْنِ دَقِيقٍ وَغَزْل قُطْنٍ وَنَسْجِ غَزْلٍ، وَقَطْعِ ثَوْبٍ قَمِيصًا، وَصَوْغِ مَعْدِنٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَبِنَاءٍ وَغِرَاسٍ فِي سَاحَةٍ. (1) فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ بِهِ يُفْتَى - وَعَلَيْهِ الْمُتُونُ - وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ جُحُودَ الْوَصِيَّةِ لَيْسَ بِرُجُوعٍ لأَِنَّ الرُّجُوعَ عَنِ الشَّيْءِ يَقْتَضِي سَبْقَ __________ (1) تَبْيِين الْحَقَائِقِ مَعَ حَاشِيَة الشلبي 6 / 186 وَمَا بَعْدَهَا، وَتَكْمِلَة فَتْحِ الْقَدِير 8 / 438ـ441، وَالدَّرِّ الْمُخْتَارِ 5 / 465 وَمَا بَعْدَهَا، وَاللُّبَاب مَعَ الْكِتَابِ 4 / 178 وَمَا بَعْدَهَا، وَرَوْضَة الْقُضَاة 2 / 708 - 710، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 9 / 369، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 587، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 71ـ72، وَالْمُهَذَّب 1 / 468 وَمَا بَعْدَهَا، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 348 وَمَا بَعْدَهَا، وَالْمُغْنِي 6 / 67 وَمَا بَعْدَهَا، وَالإِْنْصَاف 6 / 211 وَمَا بَعْدَهَا، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 460 وَمَا بَعْدَهَا. وُجُودِهِ وَجُحُودَ الشَّيْءِ يَقْتَضِي سَبْقَ عَدَمِهِ إِذِ الْجُحُودُ نَفْيٌ لأَِصْل الْعَقْدِ فَلَوْ كَانَ الْجُحُودُ رُجُوعًا انْتَفَى وُجُودُ الْوَصِيَّةِ وَعَدَمُهَا فِيمَا سَبَقَ وَهُوَ مُحَالٌ. (1) وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ قَال عَنْهُ فِي الْعُيُونِ إِنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ قَدَّمَهُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ صَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ أَنَّ جُحُودَ الْوَصِيَّةِ رُجُوعٌ. وَقَال الرَّافِعِيُّ: يُقَاسُ جُحُودُ الْوَصِيَّةِ عَلَى جَحْدِ الْوَكَالَةِ فَيُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ لِغَرَضٍ وَبَيْنَ مَا لَمْ يَكُنْ لِغَرَضٍ، فَإِنْ كَانَ الْجُحُودُ لِغَرَضٍ لاَ يَكُونُ رُجُوعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِغَرَضٍ فَيَكُونُ رُجُوعًا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. (2) الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمُوصِي: 17 - الْمُوصِي مَنْ صَدَرَتْ مِنْهُ الْوَصِيَّةُ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُوصِي مَا يَأْتِي: أَوَّلاً: أَنْ يَكُونَ أَهْلاً لِلتَّبَرُّعِ: وَيَكُونُ أَهْلاً __________ (1) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 436 ط الْبَابِيّ الْحَلَبِيّ، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 71، وَالْمُغْنِي 6 / 68، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 64، وَالإِْنْصَاف 6 / 213، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 463. (2) الْمَرَاجِع السَّابِقَة. لِلتَّبَرُّعِ عِنْدَ تَوَافُرِ مَا يَلِي: أ - الْعَقْل وَالْبُلُوغُ: 18 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَقْل، فَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ عِبَارَتَهُمْ مُلْغَاةٌ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ. وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ، فَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَلَوْ كَانَ مُمَيِّزًا مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ ضَرَرًا مَحْضًا، إِذْ هِيَ تَبَرُّعٌ، كَمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَعْمَال التِّجَارَةِ. وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَصِيَّةَ الْمُمَيِّزِ، لأَِنَّ " عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَجَازَ وَصِيَّةَ صَبِيٍّ مِنْ غَسَّانَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ أَوْصَى لأَِخْوَالِهِ " (1) ، وَلأَِنَّهُ لاَ ضَرَرَ عَلَى الصَّبِيِّ فِي جَوَازِ وَصِيَّتِهِ، لأَِنَّ الْمَال سَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْ وَصِيَّتِهِ، كَكُل مُوصٍ. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُمَيِّزَ الَّذِي تَصِحُّ __________ (1) أَثَر عُمَر " أَنَّهُ أَجَازَ وَصِيَّة صَبِيّ فِي غَسَّان " أَخْرَجَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأِ (2 / 762 ط الْحَلَبِيّ) وَالْبَيْهَقِيّ (6 / 282 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) ، وَأَعُلْهُ بِالاِنْقِطَاعِ بَيْنَ عُمَر وَالرَّاوِي عَنْهُ. وَصِيَّتُهُ هُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ فَأَقَل مِمَّا يُقَارِبُهَا إِذَا أَصَابَ وَجْهَ الْوَصِيَّةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ اخْتِلاَطٌ (1) . وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ مُمَيِّزٍ عَاقِلٍ لِلْوَصِيَّةِ. وَقَال الْمَرْدَاوِيُّ: إِذَا جَاوَزَ الصَّبِيُّ الْعَشْرَ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَلاَ تَصِحُّ مِمَّنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ، وَفِيمَا بَيْنَ السَّبْعِ وَالْعَشْرِ رِوَايَتَانِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تَصِحُّ. (2) وَأَمَّا وَصِيَّةُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ إِلَى أَنَّهُ تَجُوزُ وَصِيَّةُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ. وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ نَفَاذَ الْوَصِيَّةِ إِذَا كَانَتْ بِالْقُرْبِ وَأَبْوَابِ الْخَيْرِ، مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَاعْتَبَرُوا جَوَازَ الْوَصِيَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ بَابِ الاِسْتِحْسَانِ قَالُوا: وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِمَعْنَى النَّظَرِ لَهُ كَيْلاَ يُتْلِفَ مَالَهُ وَيَبْقَى كَلًّا عَلَى غَيْرِهِ وَذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ لاَ فِيمَا يَنْفُذُ مِنَ الثُّلُثِ بَعْدَ وَفَاتِهِ حَال اسْتِغْنَائِهِ وَذَلِكَ إِذَا وَافَقَتْ وَصِيَّتُهُ وَصَايَا أَهْل الْخَيْرِ وَالصَّلاَحِ كَالْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ أَوْ __________ (1) الشَّرْح الصَّغِير وَحَاشِيَة الصَّاوِي عَلَيْهِ 4 / 580. (2) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 336، وَالإِْنْصَاف 7 / 185، وَالْمُغْنِي 6 / 101. لِلْمَسَاكِينِ أَوْ لِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ. الْقَوْل الثَّانِي: لاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ كَتَبَرُّعَاتِهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالْقَوْل الْمُقَابِل الْمَذْهَبِ عِنْدِ الشَّافِعِيَّةِ. (1) أَمَّا السَّكْرَانُ: فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ السَّكْرَانَ مِنْ مُبَاحٍ لاَ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ وَصِيَّةِ السَّكْرَانِ إِذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا بِسُكْرِهِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ: الأَْوَّل: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وُوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ صِحَّةَ وَصِيَّةِ السَّكْرَانِ الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ لأَِنَّ سُكْرَهُ بِمُحَرَّمٍ لاَ يُبْطِل تَكْلِيفَهُ فَتَلْزَمُهُ الأَْحْكَامُ. الثَّانِي: يَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ السَّكْرَانِ الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ عَاقِلٍ أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ. الثَّالِثُ: يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ وَصِيَّةَ السَّكْرَانِ الْمُمَيِّزِ صَحِيحَةٌ أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ حَال الإِْيصَاءِ __________ (1) اللُّبَاب 2 / 71، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 94، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 580، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 443، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 39، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 4، وَالإِْنْصَاف 6 / 185. فَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ. (1) ب - الْحُرِّيَّةُ: 19 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ، فَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْعَبْدِ، لأَِنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْل التَّبَرُّعِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ شَيْئًا حَتَّى يُمَلِّكَهُ لِغَيْرِهِ (2) . ج - الرِّضَا وَالاِخْتِيَارُ ج - أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي رَاضِيًا مُخْتَارًا لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ إِيجَابُ مِلْكٍ، فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ الرِّضَا، كَإِيجَابِ الْمِلْكِ بِسَائِرِ الأَْشْيَاءِ وَالتَّصَرُّفَاتِ مِنْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا، فَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمُكْرَهِ وَالْهَازِل وَالْمُخْطِئِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ تُفَوِّتُ الرِّضَا. (3) وَصَايَا غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ 21 - لاَ يُشْتَرَطُ إِسْلاَمُ الْمُوصِي لِصِحَّةِ __________ (1) الْحَموِي مَعَ الأَْشْبَاهِ 2 / 151، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 580، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 39، 279، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 444، وَالإِْنْصَاف 7 / 187، وَالْمُغْنِي 6 / 302، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 336. (2) الاِخْتِيَار 5 / 64، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 580، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 39، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 443 - 444. (3) الْبَدَائِع 7 / 335، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 7، 3 / 39، وَالشَّرْح الصَّغِير 2 / 548ـ550. الْوَصِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ، فَتَصِحُّ وَصِيَّةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ بِمَا تَصِحُّ بِهِ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ. وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى صِحَّةِ وَصِيَّةِ الْكَافِرِ وَلَوْ كَانَ مُرْتَدًّا أَوْ حَرْبِيًّا وَلَوْ كَانَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ صِحَّةَ وَصِيَّةِ الْمُرْتَدِّ بِأَنْ لاَ يَمُوتَ أَوْ يُقْتَل كَافِرًا لأَِنَّ مِلْكَهُ مَوْقُوفٌ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ وَصِيَّةَ الْمُرْتَدِّ فِي حَال رِدَّتِهِ بَاطِلَةٌ. (1) وَيَتَوَقَّفُ مِنْ وَصَايَا الْمُرْتَدِّ مَا يَصِحُّ مِنَ الْمُسْلِمِ وَيَبْطُل مَا لاَ يَصِحُّ مِنَ الْمُسْلِمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ تَصَرُّفَاتُ الْمُرْتَدِّ نَافِذَةٌ لِلْحَال فَيَصِحُّ مِنْهُ مَا يَصِحُّ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ انْتَقَل إِلَيْهِمْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ، مَعْصِيَةٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ لاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمَا. وَأَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْ وَصَايَاهَا مَا يَصِحُّ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِي انْتَقَلَتْ إِلَيْهِمْ. (2) __________ (1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 131، وَالْخَرَشِيّ 8 / 168 وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 39، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 352 - 353، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 6 / 185. (2) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 131 - 132. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَأَمَّا إِسْلاَمُ الْمُوصِي فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ وَصِيَّتِهِ فَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الذِّمِّيِّ بِالْمَال لِلْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي الْجُمْلَةِ لأَِنَّ الْكُفْرَ لاَ يُنَافِي أَهْلِيَّةَ التَّمْلِيكِ أَلاَ تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ الْكَافِرِ وَهِبَتُهُ فَكَذَا وَصِيَّتُهُ وَكَذَا الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ إِذَا أَوْصَى لِلْمُسْلِمِ أَوِ الذِّمِّيِّ يَصِحُّ فِي الْجُمْلَةِ لِمَا ذَكَرْنَا غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ دَخَل وَارِثُهُ مَعَهُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ وَأَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ وُقِفَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ عَلَى إِجَازَةِ وَارِثِهِ لأَِنَّهُ بِالدُّخُول مُسْتَأْمَنًا الْتَزَمَ أَحْكَامَ الإِْسْلاَمِ أَوْ أَلْزَمَهُ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِهِ لإِِمْكَانِ إِجْرَاءِ الأَْحْكَامِ عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ وَمِنْ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِمَّنْ لَهُ وَارِثٌ تَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ وَارِثِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَصْلاً تَصِحُّ مِنْ جَمِيعِ الْمَال كَمَا فِي الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ لَكِنَّهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لأَِنَّ امْتِنَاعَ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ وَحَقُّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومٍ لأَِنَّهُ لاَ عِصْمَةَ لأَِنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَلأَِنْ لاَ يَكُونَ لِحَقِّهِمُ الَّذِي فِي مَال مُورِّثِهِمْ عِصْمَةٌ أَوْلَى. وَذَكَرَ فِي الأَْصْل: لَوْ أَوْصَى الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِوَصِيَّةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْل الدَّارِ أَوْ صَارُوا ذِمَّةً ثُمَّ اخْتَصَمَا إِلَيْنَا فِي تِلْكَ الْوَصِيَّةِ فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا أَجَزْتُهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدِ اسْتُهْلِكَتْ مِنْ قَبْل الإِْسْلاَمِ أَبْطَلْتُهَا لأَِنَّ الْحَرْبِيَّ مِنْ أَهْل التَّمْلِيكِ، أَلاَ يَرَى أَنَّهُ مِنْ أَهْل سَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فَكَانَتْ وَصِيَّتُهُ جَائِزَةً فِي نَفْسِهَا إِلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا وِلاَيَةُ إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ وَتَنْفِيذِهَا فِي دَارِهِمْ فَإِذَا أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً قَدَرْنَا عَلَى التَّنْفِيذِ فَنُنَفِّذُهَا مَا دَامَ الْمُوصَى بِهِ قَائِمًا، فَأَمَّا إِذَا صَارَ مُسْتَهْلَكًا أَبْطَلْنَا الْوَصِيَّةَ وَأَلْحَقْنَاهَا بِالْعَدَمِ لأَِنَّ أَهْل الْحَرْبِ إِذَا أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً لاَ يُؤْخَذُونَ بِمَا اسْتَهْلَكَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا اغْتَصَبَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ بَل يَبْطُل ذَلِكَ، كَذَا هَذَا. (1) الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمُوصَى لَهُ 22 - الْمُوصَى لَهُ مَنْ تَبَرَّعَ لَهُ الْمُوصِي بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُوصَى لَهُ مَا يَأْتِي: أَوَّلاً: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ مَوْجُودًا: 23 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمُوصَى لَهُ مَوْجُودًا (حِينَ الْوَصِيَّةِ) عَلَى قَوْلَيْنِ: الْقَوْل الأَْوَّل: يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُوصَى لَهُ مَوْجُودًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ وَعَلَى هَذَا إِذَا قَال: __________ (1) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 335. أَوْصَيْتُ بِثُلُثِ مَالِي لِمَا فِي بَطْنِ فُلاَنَةَ فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا حَال الْوَصِيَّةِ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ وَإِلاَّ فَلاَ. وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِزَيْدٍ وَبَكْرٍ، وَبَكْرٌ مَيِّتٌ وَهُوَ يَعْلَمُ أَوْ لاَ يَعْلَمُ، أَوْ لِزَيْدٍ وَبَكْرٍ إِنْ كَانَ حَيًّا وَهُوَ مَيِّتٌ، أَوْ لَهُ وَلِمَنْ كَانَ فِي هَذَا الْبَيْتِ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، أَوْ لَهُ وَلِعَقِبِهِ، أَوْ لَهُ وَلِوَلَدِ بَكْرٍ فَمَاتَ وَلَدُهُ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي، أَوْ لَهُ وَلِفُقَرَاءِ وَلَدِهِ، أَوْ لِمَنِ افْتَقَرَ مِنْ وَلَدِهِ وَفَاتَ شَرْطُهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَلِزَيْدٍ كُلُّهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، لأَِنَّ الْمَعْدُومَ أَوِ الْمَيِّتَ لاَ يَصْلُحُ مُسْتَحِقًّا فَلَمْ تَثْبُتِ الْمُزَاحَمَةُ لِزَيْدٍ، وَصَارَ كَمَا لَوْ أَوْصَى لَزِيدٍ وَجِدَارٍ، وَكَذَا الْعَقِبُ لأَِنَّ الْعَقِبَ مَنْ يَعْقُبُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَكُونُ مَعْدُومًا فِي الْحَال. (1) الْقَوْل الثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ كَوْنُ الْمُوصَى لَهُ مَوْجُودًا حَال الْوَصِيَّةِ وَعَلَى ذَلِكَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِمَنْ سَيَكُونُ مِنْ حَمْلٍ مَوْجُودٍ أَوْ سَيُوجَدُ فَيَسْتَحِقُّهُ إِنِ اسْتَهَل صَارِخًا. __________ (1) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 335، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 105، الإِْنْصَاف 7 / 231، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 40، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 30، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 100. وَجَزَمَ ابْنُ رَزِينٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلْمَعْدُومِ. (1) ثَانِيًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ أَهْلاً لِلتَّمَلُّكِ: 24 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنُ حَال الْوَصِيَّةِ أَهْلاً لِلتَّمَلُّكِ. وَقَدْ فَرَّعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ مَسَائِل مِنْهَا: أ - الْوَصِيَّةُ لِلْمَيِّتِ 25 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى لِمَيِّتٍ وَلاَ يَعْلَمُ الْمُوصِي حِينَ الْوَصِيَّةِ أَنَّهُ مَيِّتٌ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل التَّمَلُّكِ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْمُوصِي حَال الْوَصِيَّةِ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ مَيِّتٌ فَقَدْ أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ الْوَصِيَّةَ وَيُصْرَفُ الشَّيْءُ الْمُوصَى بِهِ عِنْدَهُمْ لِلْمَيِّتِ فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَإِلاَّ فَلِوَارِثِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلاَ وَارِثَ لَهُ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ وَلاَ يَأْخُذُهَا بَيْتُ الْمَال. (2) __________ (1) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 581 - 582، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 100، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 40، وَالإِْنْصَاف 7 / 231. (2) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 105، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 116، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 40، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 365، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 581 - 582. ب - الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْل: 26 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلْحَمْل إِنْ كَانَ مَوْجُودًا حَال الْوَصِيَّةِ لأَِنَّ الْحَمْل يَرِثُ وَالْوَصِيَّةُ كَالْمِيرَاثِ وَيُعْلَمُ كَوْنُ الْحَمْل مَوْجُودًا بِأَنْ يُولَدَ حَيًّا لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْوَصِيَّةِ إِنْ كَانَتِ الأُْمُّ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ، لأَِنَّ أَقَل مُدَّةِ الْحَمْل سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَإِذَا وَضَعَتْهُ حَيًّا لأَِقَل مِنْهَا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حِينَهَا. أَوْ تَضَعُهُ لأَِقَل مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ لَمْ تَكُنِ الأُْمُّ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ وَلِسَنَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ الْمُوصِي بِأَنَّهَا حَامِلٌ فَتَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ لَهُ إِنْ وَضَعَتْهُ مَا بَيْنَ سَنَتَيْنِ مِنْ يَوْمِ أَوْصَى، لأَِنَّ وُجُودَهُ فِي الْبَطْنِ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْمُوصِي فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ لأَِنَّهُ مُوجِبٌ لَهُ مَا هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الإِْقْرَارِ وَهُوَ الثُّلُثُ فَيَلْحَقُ بِمَا لَوْ صَارَ مَعْلُومًا يَقِينًا بِأَنْ وَضَعَتْهُ لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَإِنِ انْفَصَل الْحَمْل مَيِّتًا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ لاِنْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ (1) . __________ (1) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 418، وَالشَّرْح الْكَبِير مَعَ الدُّسُوقِيّ 4 / 423، مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 40، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 99 - 100، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 30 - 31، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 356. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ لِلْمُوصَى لَهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْوَصِيَّةِ، أَمْ مُنْتَظَرَ الْوُجُودِ كَالْحَمْل، وَتَصِحُّ لِمَنْ سَيَكُونُ مِنْ حَمْلٍ مَوْجُودٍ أَوْ سَيُوجَدُ إِنِ اسْتَهَل صَارِخًا وَنَحْوَهُ، مِمَّا يَدُل عَلَى تَحَقُّقِ حَيَاتِهِ، لَكِنْ فِي قَوْلٍ: لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ غَلَّةِ الْمُوصَى بِهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ إِلاَّ بَعْدَ وَضْعِهِ حَيًّا، فَتَكُونُ الْغَلَّةُ لِوَارِثِ الْمُوصِي. وَفِي الْقَوْل الآْخَرِ: تُوقَفُ وَتُدْفَعُ لِلْمُوصَى لَهُ إِذَا اسْتَهَل كَالْمُوصَى بِهِ، وَيُوَزَّعُ الشَّيْءُ الْمُوصَى بِهِ لِمَنْ سَيَكُونُ إِنْ وَلَدَتْ لأَِكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، بِحَسَبِ الْعَدَدِ، أَيْ إِنَّ الذَّكَرَ كَالأُْنْثَى عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، فَإِنْ نَصَّ الْمُوصِي عَلَى تَفْضِيلٍ عُمِل بِهِ. (1) ثَالِثًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ مَعْلُومًا غَيْرَ مَجْهُولٍ: 27 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمُوصَى لَهُ مَعْلُومًا غَيْرَ مَجْهُولٍ أَيْ مُعَيَّنًا بِشَخْصِهِ كَزَيْدٍ أَوْ بِنَوْعِهِ كَالْمَسَاكِينِ. وَفَرَّعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ مَسَائِل مِنْهَا: أ - الْوَصِيَّةُ لِمُبْهَمٍ: 28 - لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لأَِحَدِ هَذَيْنِ __________ (1) الشَّرْح الْكَبِير 4 / 423، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 581 - 582. الرَّجُلَيْنِ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِجَهَالَةِ الْمُوصَى لَهُ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنِ اصْطَلَحَا فَالْوَصِيَّةُ لَهُمَا. وَقَال مُحَمَّدٌ: الْخِيَارُ إِلَى الْوَرَثَةِ يُعْطُونَ أَيَّهُمَا شَاءُوا. (1) ب - الْوَصِيَّةُ لِجَمَاعَةٍ: 29 - لَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِجَمَاعَةٍ لاَ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ كَالْقَبِيلَةِ الْعَظِيمَةِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي لُزُومِ التَّعْمِيمِ مِنْ عَدَمِهِ: فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَلْزَمُ التَّعْمِيمُ وَلاَ التَّسْوِيَةُ، وَيُعْطَوْنَ بِالاِجْتِهَادِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: فِي الأَْظْهَرِ يُجْزِئُ دَفْعُ الْوَصِيَّةِ إِلَى ثَلاَثَةٍ مِنْهُمْ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُجْزِئُ الدَّفْعُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ. __________ (1) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 416، وَرَوْضَة الْقُضَاة 2 / 698 - 699، وَعَقْد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 416، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 357، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 40. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّ مَنْ أَوْصَى لِقَبِيلَةٍ لاَ تُحْصَى كَتَمِيمٍ وَعَقِيلٍ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ إِذْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُوصَى لَهُ مَعْلُومًا أَمَّا إِذَا كَانُوا يُحْصَوْنَ صَحَّتِ التَّوْصِيَةُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالُوا: لَوْ أَوْصَى بِإِخْرَاجِ ثُلُثِهِ إِلَى مُجَاوِرِي مَكَّةَ إِنْ لاَ يُحْصَوْنَ يُصْرَفُ إِلَى مُحْتَاجِهِمْ وَإِنْ يُحْصَوْنَ يُقَسَّمُ عَلَى رُءُوسِهِمْ. (1) قَال الْكَاسَانِيُّ: اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الإِْحْصَاءِ. فَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانُوا لاَ يُحْصَوْنَ إِلاَّ بِكِتَابٍ أَوْ حِسَابٍ فَهُمْ لاَ يُحْصَوْنَ. وَقَال مُحَمَّدٌ: إِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ فَهُمْ لاَ يُحْصَوْنَ. وَقِيل: إِنْ كَانُوا بِحَيْثُ لاَ يُحْصِيهِمْ مُحْصٍ حَتَّى يُولَدَ مِنْهُمْ مَوْلُودٌ وَيَمُوتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ فَهُمْ لاَ يُحْصَوْنَ. وَقِيل: يُفَوَّضُ إِلَى رَأْيِ الْقَاضِي. (2) __________ (1) رَوْضَة الْقُضَاة 2 / 699، وَالْفَتَاوِي البزازية بِهَامِش الْهِنْدِيَّة 6 / 438، وَعَقْد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 416، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 434. وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 40، 62 - 63، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 43، وَالْمُغْنِي 6 / 56. (2) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 342. ج - الْوَصِيَّةُ لِدَابَّةٍ: 30 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِذَاتِ الدَّابَّةِ بَاطِلَةٌ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْل الْمِلْكِ، سَوَاءٌ قَصَدَ تَمْلِيكَهَا أَوْ أَطْلَقَ. أَمَّا إِذَا أَوْصَى بِمَالٍ لِعَلَفِ دَابَّةِ فُلاَنٍ جَازَ وَتَكُونُ وَصِيَّةً لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ وَيَصْرِفُهَا فِي عَلَفِهَا. وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِدَابَّةٍ وَقَال: يُصْرَفُ فِي عَلَفِهَا فَالْمَنْقُول صِحَّتُهَا وَيُشْتَرَطُ قَبُول مَالِكِ الدَّابَّةِ. وَإِذَا أَوْصَى بِمَالٍ لِفَرَسِ فُلاَنٍ فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْهَا صَاحِبُ الْفَرَسِ وَيُصْرَفُ فِي عَلَفِهِ رِعَايَةً لِقَصْدِ الْمُوصِي، فَإِنْ مَاتَ الْفَرَسُ قَبْل إِنْفَاقِ الْكُل عَلَيْهِ فَالْبَاقِي لِوَرَثَةِ الْمُوصِي لاَ لِمَالِكِ الْفَرَسِ لأَِنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ لَهُ عَلَى صِفَةٍ وَهِيَ الصَّرْفُ فِي مَصْلَحَةِ دَابَّتِهِ رِعَايَةً لِقَصْدِ الْمُوصِي. وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَبُول صَاحِبِ الدَّابَّةِ لِلْوَصِيَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ مِمَّنْ تَصِحُّ لَهُ وَصِيَّةُ الْمُوصِي. وَقَالُوا: تُرَدُّ الْوَصِيَّةُ بِرَدِّ الْمُوصَى لَهُ وَبِمَوْتِهِ قَبْل الْمُوصِي (1) . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِفَرَسٍ حَبِيسٍ مَا لَمْ يُرِدِ الْمُوصِي تَمْلِيكَهُ، أَمَّا إِذَا أَرَادَ تَمْلِيكَهُ فَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ حِينَئِذٍ لاِسْتِحَالَةِ تَمْلِيكِهِ. وَأَضَافَ الْحَنَابِلَةُ: يُنْفَقُ الْمُوصَى بِهِ لِلْفَرَسِ الْحَبِيسِ لأَِنَّهُ مَصْلَحَةٌ، فَإِنْ مَاتَ الْفَرَسُ الْحَبِيسُ رُدَّ الْمُوصَى بِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أُنْفِقَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ رُدَّ بَاقِيهِ عَلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي لأَِنَّهُ لاَ مَصْرِفَ لَهُ. وَإِنْ شَرَدَ الْفَرَسُ الْمُوصَى لَهُ أَوْ سُرِقَ أَوْ غُصِبَ انْتُظِرَ عَوْدُهُ، وَعِنْدَ عَدَمِ الْعَوْدِ رُدَّ الْمُوصَى بِهِ إِلَى الْوَرَثَةِ إِذْ لاَ مَصْرِفَ لَهُ (2) . د - الْوَصِيَّةُ لِلْعَبْدِ: 31 - وَصِيَّةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِعِتْقِهِ أَوْ بِمَالٍ لَهُ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَال لَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِمُشَاعٍ أَوْ بِمُعَيَّنٍ كَمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ قَدْ تَكُونُ لِعَبْدِهِ __________ (1) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 425، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 426، وجواهر الإِْكْلِيل 2 / 317، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 42، وكشاف الْقِنَاع 4 / 365، والإنصاف 6 / 246 (2) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 42، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 32، وكشاف الْقِنَاع 4 / 365 الْمَمْلُوكِ وَقَدْ تَكُونُ لِعَبْدِ غَيْرِهِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (رِقّ ف 106) . هـ - الْوَصِيَّةُ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ: 32 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ مِنْ مُسْلِمٍ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ كَعِمَارَةِ مَسْجِدٍ إِنْشَاءً وَتَرْمِيمًا لأَِنَّهَا قُرْبَةٌ. وَفِي مَعْنَى الْمَسْجِدِ الْمَدْرَسَةُ وَالرِّبَاطُ الْمُسْبَل وَالْخَانِقَاهُ وَالْقَنْطَرَةُ وَالسِّقَايَةُ (1) . وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ الْقُرْبَةُ، فَيَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ مُبَاحَةٍ كَالْوَصِيَّةِ لِلأَْغْنِيَاءِ مَثَلاً (2) . كَمَا ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ) إِلَى أَنَّ وَصِيَّةَ الْمُسْلِمِ لِبِنَاءِ كَنِيسَةٍ أَوْ بِيعَةٍ لاَ تَجُوزُ لأَِنَّهَا مَعْصِيَةٌ. __________ (1) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 40 - 42، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 30، وكشاف الْقِنَاع 4 / 359، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 422 والبدائع 7 / 341، وروضة الْقُضَاة 2 / 680 (2) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 30، والدسوقي 4 / 422، والإنصاف 7 / 237، وكشاف الْقِنَاع 4 / 360، ومواهب الْجَلِيل 6 / 365 وَفَصَّل الْحَنَفِيَّةُ فِي وَصِيَّةِ الذِّمِّيِّ بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْكَنِيسَةِ أَوْ لِلْبِيعَةِ وَقَالُوا: لَوْ أَوْصَى الذِّمِّيُّ بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْبِيعَةِ أَوْ لِلْكَنِيسَةِ أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهَا فِي إِصْلاَحِهَا أَوْ أَوْصَى لِبَيْتِ النَّارِ أَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُذْبَحَ لِعِيدِهِمْ أَوْ لِلْبِيعَةِ أَوْ لِبَيْتِ النَّارِ ذَبِيحَةٌ جَازَ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ لاَ يَجُوزُ. وَجُمْلَةُ الْكَلاَمِ فِي وَصَايَا أَهْل الذِّمَّةِ أَنَّهَا لاَ تَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ أَمْرًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ أَوْ يَكُونَ أَمْرًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا لاَ عِنْدَهُمْ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ لاَ عِنْدَنَا. فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ شَيْئًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ بِأَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ أَنْ يُتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى فُقَرَاءِ أَهْل الذِّمَّةِ أَوْ بِعِتْقِ الرِّقَابِ أَوْ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى وَنَحْوِ ذَلِكَ جَازَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لأَِنَّ هَذَا مِمَّا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْل الذِّمَّةِ. وَإِنْ كَانَ شَيْئًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ عِنْدَهُمْ بِأَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ أَوْ أَوْصَى أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا لِلْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لاَ يَجُوزُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَكَانَ مُسْتَهْزِئًا فِي وَصِيَّتِهِ وَالْوَصِيَّةُ يُبْطِلُهَا الْهَزْل. وَإِنْ كَانَ شَيْئًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ لاَ عِنْدَنَا بِأَنْ أَوْصَى بِأَرْضٍ لَهُ تُبْنَى بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ أَوْ بِعِمَارَةِ الْبِيعَةِ أَوِ الْكَنِيسَةِ أَوْ بَيْتِ النَّارِ أَوْ بِالذَّبْحِ لِعِيدِهِمْ أَوْ لِلْبِيعَةِ أَوْ لِبَيْتِ النَّارِ ذَبِيحَةً فَهُوَ عَلَى الاِخْتِلاَفِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجُوزُ، وَعِنْدَهُمَا لاَ يَجُوزُ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَذِهِ الأَْشْيَاءِ وَصِيَّةٌ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَعَاصِي لاَ تَصِحُّ، وَوَجْهُ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي وَصِيَّتِهِمْ مَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ لاَ مَا هُوَ قُرْبَةٌ حَقِيقَةً لأَِنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْل الْقُرْبَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَلِهَذَا لَوْ أَوْصَى بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ عِنْدَهُمْ لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُ كَالْحَجِّ وَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَدَل أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ وَقَدْ وُجِدَ، وَلَكِنَّا أُمِرْنَا أَنْ لاَ نَتَعَرَّضَ لَهُمْ فِيمَا يَدِينُونَ كَمَا لاَ نَتَعَرَّضَ لَهُمْ فِي عِبَادَةِ الصَّلِيبِ وَبَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ (1) . و الْوَصِيَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى 32 م - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ وَتُصْرَفُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، وَبِقَوْل مُحَمَّدٍ يُفْتَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَيُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ عِنْدَهُمْ. __________ (1) الْبَدَائِع 7 / 341 ز - الْوَصِيَّةُ فِي سَبِيل اللَّهِ: 22 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى. يُصْرَفُ فِي الْغَزْوِ؛ لأَِنَّهُ الْمَفْهُومُ شَرْعًا وَالْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ. وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهَا تُصْرَفُ فِي الْحَجِّ أَيْضًا قَال مُحَمَّدٌ: لَوْ أَعْطَى حَاجًّا مُنْقَطِعًا جَازَ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْغَزْوِ. ح - الْوَصِيَّةُ لأَِعْمَال الْبِرِّ وَوُجُوهِ الْخَيْرِ. 33 م - لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لأَِعْمَال الْبِرِّ قَال الْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ -: يُصْرَفُ فِي الْقُرَبِ كُلِّهَا وَيُبْدَأُ بِالْغَزْوِ. وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ فِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ أَنَّ كُل مَا لَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكٌ فَهُوَ مِنْ أَعْمَال الْبِرِّ، حَتَّى يَجُوزَ صَرْفُهُ إِلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَسِرَاجِهِ، دُونَ تَزْيِينِهِ، وَلاَ يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَى بِنَاءِ السُّجُونِ. وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى أَقَارِبِ الْمُوصِي، فَإِنْ لَمْ يُوجَدُوا فَإِلَى أَهْل الزَّكَاةِ، وَقَال فِي التَّهْذِيبِ: يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى مَا فِيهِ صَلاَحُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ، وَإِصْلاَحِ الْقَنَاطِرِ وَسَدِّ الثُّغُورِ، وَدَفْنِ الْمَوْتَى وَغَيْرِهَا. وَلَوْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَصِحُّ وَيُصْرَفُ إِلَى الْقَنْطَرَةِ، أَوْ بِنَاءِ مَسْجِدٍ أَوْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ. وَنُقِل عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى إِلَى جِهَةِ الْخَيْرِ، تُصْرَفُ عَلَى مَصَارِفِ الزَّكَاةِ وَلاَ يُبْنَى بِهَا مَسْجِدٌ وَلاَ رِبَاطٌ، وَإِنْ أَوْصَى إِلَى جِهَةِ الثَّوَابِ صُرِفَ إِلَى أَقَارِبِهِ. وَلَوْ قَال: ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ قَال الْحَنَابِلَةُ يَصِحُّ وَيُصْرَفُ فِي أَيِّ جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْقُرَبِ، وَالأَْفْضَل صَرْفُهُ إِلَى فُقَرَاءِ أَقَارِبِهِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ قَال: ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ رَأَيْتَ أَوْ فِيمَا أَرَاكَ اللَّهُ فَالأَْوْلَى صَرْفُهُ إِلَى أَقَارِبِ الْمُوصِي الَّذِينَ لاَ يَرِثُونَهُ ثُمَّ إِلَى مَحَارِمِهِ مِنَ الرِّضَاعِ ثُمَّ إِلَى جِيرَانِهِ وَلَيْسَ لَهُ وَضْعُهُ فِي نَفْسِهِ (1) . رَابِعًا: أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ قَاتِلاً لِلْمُوصِي. 34 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمُوصَى لَهُ غَيْرَ قَاتِلٍ لِلْمُوصِي: __________ (1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 97، وروضة الْقُضَاة 2 / 680، والمبسوط 27 / 189، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 61 - 62، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 172، 5 / 320 - 321، وكشاف الْقِنَاع 4 / 359، والإنصاف 7 / 236 فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ وَالثَّوْرِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُوصَى لَهُ أَنْ لاَ يَكُونَ قَاتِلاً لِلْمُوصِي، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ لِقَاتِلٍ وَصِيَّةٌ " (1) . وَلأَِنَّ الْقَتْل يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ الَّذِي هُوَ آكَدُ مِنَ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، وَمُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، لِقَاعِدَةِ مَنِ اسْتَعْجَل شَيْئًا قَبْل أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ. وَالْقَتْل الْمَانِعُ مِنَ الْوَصِيَّةِ هُوَ الْقَتْل الْمَضْمُونُ بِقِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ وَلَوْ كَانَ خَطَأً، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَتْل مُبَاشَرَةً أَوْ تَسَبُّبًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَشْتَرِطُونَ فِي الْقَتْل الْمَانِعِ مِنَ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيل الْمُبَاشَرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمُبَاشَرَةِ فَلاَ يَمْنَعُ الْوَصِيَّةَ وَالإِْرْثَ وَأَنْ يَكُونَ لِلْمُوصِي وَارِثٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي وَارِثٌ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ. كَمَا يَشْتَرِطُونَ فِي الْقَاتِل أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ كَمَا لَوْ كَانَ __________ (1) حَدِيث: " لَيْسَ لِقَاتِل وَصِيَّةٍ " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (4 / 237 ط دَارَ الْمَحَاسِن) مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب، ثُمَّ قَال الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَحَدِ رُوَاته: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، يَضَعُ الْحَدِيث صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا. وَلاَ يُفَرِّقُ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ قَبْل الْجُرْحِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّ الْقَاتِل لاَ يَسْتَحِقُّ الْوَصِيَّةَ وَلَوْ أَوْصَى لَهُ الْمُوصِي بَعْدَ الْجُرْحِ. قَال الْكَاسَانِيُّ: لَوِ اشْتَرَكَ عَشَرَةٌ فِي قَتْل رَجُلٍ فَأَوْصَى لِبَعْضِهِمْ بَعْدَ الْجِنَايَةِ لَمْ تَصِحَّ؛ لأََنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ عَلَى الْكَمَال حِينَ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَكَانَتْ وَصِيَّةً لِقَاتِلِهِ فَلَمْ تَصِحَّ (1) . وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَرَحَهُ ثُمَّ أَوْصَى لَهُ فَمَاتَ مِنَ الْجُرْحِ لَمْ تَبْطُل وَصِيَّتُهُ، لأَِنَّهَا صَدَرَتْ مِنْ أَهْلِهَا فِي مَحَلِّهَا وَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهَا مَا يُبْطِلُهَا، بِخِلاَفِ مَا إِذَا تَقَدَّمَتْ فَإِنَّ الْقَتْل طَرَأَ عَلَيْهَا فَأَبْطَلَهَا (2) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ - اخْتَارَهَا ابْنُ حَامِدٍ - إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ غَيْرَ قَاتِلٍ لِلْمُوصِي سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْل عَمْدًا أَوْ خَطَأً لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ بِعَقْدٍ __________ (1) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 339، وروضة الْقُضَاة 2 / 685، حاشية ابْن عَابِدِينَ 5 / 416، والإنصاف 7 / 232 - 233، وكشاف الْقِنَاع 4 / 358، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 43 (2) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 358 فَأَشْبَهَتِ الْهِبَةَ وَخَالَفَتِ الإِْرْثَ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: صَحَّ الإِْيصَاءُ مِنْ مَقْتُولٍ إِلَى قَاتِلِهِ سَوَاءٌ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً إِذَا عَلِمَ الْمُوصِي بِسَبَبِ الْقَتْل، بِأَنْ عَلِمَ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ضَرَبَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْمُوصِي بِالسَّبَبِ بِحَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ ضَارِبَهُ فَأَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ فَتَأْوِيلاَنِ: أَحَدُهُمَا: صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ الضَّرْبِ فَلاَ يُتَّهَمُ الْمُوصَى لَهُ بِالاِسْتِعْجَال. وَالآْخَرُ: عَدَمُ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَوْ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الْقَاتِل لَهُ لَمْ يُوصِ لَهُ؛ لأََنَّ الشَّأْنَ أَنَّ الإِْنْسَانَ لاَ يُحْسِنُ لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ. قَال الدُّسُوقِيُّ: الظَّاهِرُ مِنَ التَّأْوِيلَيْنِ الثَّانِي وَهُوَ عَدَمُ الصِّحَّةِ. وَلاَ يَدْخُل فِي التَّأْوِيلَيْنِ: أَعْطُوا مَنْ قَتَلَنِي لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ اتِّفَاقًا. وَقَالُوا: تَكُونُ الْوَصِيَّةُ فِي الْخَطَأِ فِي الْمَال وَالدِّيَةِ وَفِي الْعَمْدِ تَكُونُ فِي الْمَال فَقَطْ إِلاَّ أَنْ يَنْفُذَ مَقْتَلُهُ وَيَقْبَل وَارِثُهُ الدِّيَةَ وَيَعْلَمَ الْمَقْتُول فِيهَا فَتَكُونُ فِي الدِّيَةِ أَيْضًا (1) . __________ (1) الشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ 4 / 426، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 43، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 32، والإنصاف 7 / 232 ـ 233 خَامِسًا: أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ وَارِثًا عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي: 35 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَلاَّ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ وَارِثًا لِلْمُوصِي عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، إِذَا كَانَ هُنَاكَ وَارِثٌ آخَرُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُل ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ " (1) . وَقَوْلِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا: لاَ تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ " (2) وَلأَِنَّ فِي إِيثَارِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الآْخَرِينَ ضَرَرًا يُؤَدِّي إِلَى الشِّقَاقِ وَالنِّزَاعِ، وَقَطْعِ الرَّحِمِ وَإِثَارَةِ الْبَغْضَاءِ وَالْحَسَدِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ. وَمَعْنَى الأَْحَادِيثِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ لاَ تَنْفُذُ مَهْمَا كَانَ مِقْدَارُ الْمُوصَى بِهِ، إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ. 36 - فَإِنْ أَجَازَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ __________ (1) حَدِيث: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُل ذِي حَقِّ حَقِّهِ " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (4 / 433 ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وحسنه ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (3 / 92 ط شَرِكَة الطِّبَاعَةِ الْفَنِّيَّةِ) (2) حَدِيث: " لاَ تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِث. . . . " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (4 / 98 ط دَارَ الْمَحَاسِن) مِنْ حَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ، ورجح ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (3 / 92 ط شَرِكَة الطِّبَاعَةِ الْفَنِّيَّةِ) إِرْسَاله وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ) إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ لِحَدِيثِ: لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلاَّ أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ " (1) . وَلأَِنَّهُ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ فَصَحَّ كَمَا لَوْ أَوْصَى لأَِجْنَبِيٍّ. . وَإِنْ أَجَازَهَا بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، جَازَتْ فِي حِصَّةِ الْمُجِيزِ، وَبَطَلَتْ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُجِزْ؛ لِوِلاَيَةِ الْمُجِيزِ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ (2) . وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ لِحَدِيثِ: لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ " (3) فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ مَا أَوْصَى بِهِ لِلْوَارِثِ، فَعَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ مِنْهُمْ، لاَ تَنْفِيذٌ لِوَصِيَّةِ الْمُوصِي فَلاَ بُدَّ مِنْ قَبُول الْمُوصَى لَهُ ثَانِيًا بَعْدَ الإِْجَازَةِ، وَأَمَّا الْقَبُول الأَْوَّل فَهُوَ كَالْعَدَمِ (4) . __________ (1) حَدِيث: " لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلاَّ أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (4 / 98 ط الْمَحَاسِن) مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو، وقال ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (3 / 92) : إِسْنَادُهُ وَاهٍ (2) الْبَدَائِع 7 / 337، وتبيين الْحَقَائِق 6 / 182 - 183، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 427 والقوانين الْفِقْهِيَّة ص411، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 43، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ 6 / 6 (3) حَدِيث: " لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثِ " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه ف (7) (4) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 427 والقوانين الْفِقْهِيَّة ص411، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 43، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ 6 / 6 وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإِْجَازَةِ شَرْطَانِ: الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ الْمُجِيزُ مِنْ أَهْل التَّبَرُّعِ: بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلاً، غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ عَتَهٍ أَوْ مَرَضِ مَوْتٍ فَلاَ تَصِحُّ الإِْجَازَةُ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ وَلاَ مِنْ وَلِيِّهِمْ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْمُجِيزُ عَالِمًا بِالْمُوصَى بِهِ، فَلاَ تَصِحُّ عِنْدَهُمْ إِجَازَةُ وَارِثٍ لَمْ يَعْلَمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ الْمُوصِي (1) . الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الإِْجَازَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: فَلاَ عِبْرَةَ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ حَال حَيَاةِ الْمُوصِي، فَلَوْ أَجَازُوهَا حَال حَيَاتِهِ، ثُمَّ رَدُّوهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، صَحَّ الرَّدُّ وَبَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا أَوْصَى شَخْصٌ لِوَارِثٍ، أَوْ بِزَائِدٍ عَنِ الثُّلُثِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ، فَلِبَقِيَّةِ __________ (1) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير: 10 / 422 وَمَا بَعْدَهَا، فتح الْعَلِيّ الْمَالِك 1 / 322 وَمَا بَعْدَهَا، القوانين الْفِقْهِيَّة ص406، كفاية الأَْخْيَار 2 / 60، المهذب 1 / 589، ط ثَالِثَة، ونيل الْمَآرِب 3 / 246 وَمَا بَعْدَهَا، كشاف الْقِنَاع 4 / 376، مطالب أُولِي النُّهَى 4 / 448 - 449، 451، المغني 6 / 6، مغني الْمُحْتَاج 3 / 43، الشرح الصَّغِير 4 / 585 - 586 الْوَرَثَةِ أَوِ الْوَارِثِ الإِْجَازَةُ وَالرَّدُّ. فَإِنْ أَجَازَ حَال مَرَضِ الْمُوصِي لَزِمَتْهُ الإِْجَازَةُ، فَلاَ رَدَّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَلْزَمُهُ الإِْجَازَةُ بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: أَوَّلُهَا: كَوْنُ الإِْجَازَةِ بِمَرَضِ الْمُوصِي الْمَخُوفِ سَوَاءٌ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ فِيهِ أَوْ فِي الصِّحَّةِ. ثَانِيهَا: أَنْ لاَ يَصِحَّ الْمُوصِي بَعْدَ ذَلِكَ. ثَالِثُهَا: أَنْ لاَ يَكُونَ مَعْذُورًا بِكَوْنِهِ فِي نَفَقَةِ الْمُوصَى أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَهُ أَوْ خَائِفٌ مِنْ سَطْوَتِهِ. رَابِعُهَا: أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُجِيزُ مِمَّنْ يَجْهَل أَنَّ لَهُ الرَّدَّ وَالإِْجَازَةَ. خَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُجِيزُ رَشِيدًا، قَال الصَّاوِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْوَارِثَ أَنْ يُجِيزَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا أَجَازَ وَصِيَّةَ مُوَرِّثِهِ قَبْل مَوْتِهِ فِيمَا لَهُ فِيهِ الرَّدُّ بَعْدَهُ لَزِمَتْهُ تِلْكَ الإِْجَازَةُ بِتِلْكَ الشُّرُوطِ سَوَاءٌ تَبَرَّعَ بِالإِْجَازَةِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ طَلَبَهَا مِنْهُ الْمُوصِي كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ الرَّدُّ مُتَمَسِّكًا بِأَنَّهُ مِنْ إِسْقَاطِ الشَّيْءِ قَبْل وُجُوبِهِ؛ لأَِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْمَرَضُ (1) . __________ (1) الشَّرْح الصَّغِير مَعَ حَاشِيَةِ الصَّاوِي 4 / 595 - 596 وَالْعِبْرَةُ بِكَوْنِهِ وَارِثًا بِالاِتِّفَاقِ هُوَ وَقْتُ مَوْتِ الْمُوصِي، لاَ وَقْتُ إِنْشَاءِ الْوَصِيَّةِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَحُكْمُهُ يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلَوْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ، كَأَخٍ مَعَ وُجُودِ ابْنٍ، ثُمَّ صَارَ وَارِثًا بِأَمْرٍ حَادِثٍ عِنْدَ الْمَوْتِ كَأَنْ مَاتَ الاِبْنُ، صَارَتِ الْوَصِيَّةُ مَوْقُوفَةً، وَلَوْ كَانَ وَارِثًا عِنْدَ إِنْشَاءِ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ أَصْبَحَ عِنْدَ الْمَوْتِ غَيْرَ وَارِثٍ، بِسَبَبِ حَجْبِهِ مَثَلاً، كَأَنْ أَوْصَى لأَِخٍ وَلاَ وَلَدَ لَهُ، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ، نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ؛ لأَِنَّ الْعِبْرَةَ فِي الإِْرْثِ وَعَدِمِهِ هُوَ وَقْتُ وَفَاةِ الْمُوصِي، وَلأَِنَّ هَذَا الْوَقْتَ هُوَ أَوَانُ ثُبُوتِ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ الَّذِي هُوَ ثُبُوتُ مِلْكِ الْمُوصَى بِهِ (1) . الْوَصِيَّةُ لِبَعْضِ الأَْشْخَاصِ وَالأَْشْيَاءِ: تَرِدُ فِي بَعْضِ الْوَصَايَا عِبَارَاتٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوصَى لَهُ وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْمَقْصُودُ بِهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَبَيَانُ الْمُرَادِ بِهَا عِنْدَهُمْ فِيمَا يَلِي: __________ (1) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 422، فتح الْعَلِيّ الْمَالِك 1 / 322، القوانين الْفِقْهِيَّة 406، كفاية الأَْخْيَار 2 / 60، المهذب 1 / 589، نيل الْمَآرِب 3 / 246، كشاف الْقِنَاع 4 / 344، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 452، والمغني 6 / 14، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 43، والشرح الصَّغِير 4 / 585 أ - الْوَصِيَّةُ لِلْجِيرَانِ: 37 - مَنْ أَوْصَى لِجِيرَانِهِ، فَهُمُ الْمُلاَصِقُونَ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّ الْجِوَارَ هُوَ الْقُرْبُ، وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ فِي الْمُلاَصِقِ، وَمَا بَعْدَهُ بَعِيدٌ. وَقَال الصَّاحِبَانِ اسْتِحْسَانًا. هُمُ الْمُلاَصِقُونَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَسْكُنُ مَحَلَّةَ الْمُوصِي، وَيَجْمَعُهُمْ مَسْجِدُ الْمَحَلَّةِ لأَِنَّ هَؤُلاَءِ كُلَّهُمْ يُسَمَّوْنَ جِيرَانًا عُرْفًا وَقَدْ تَأَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ صَلاَةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ " (1) وَفُسِّرَ بِكُل مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ وَلأَِنَّ الْمَقْصِدَ بِرُّ الْجِيرَانِ وَاسْتِحْبَابُهُ يَنْتَظِمُ الْمُلاَصِقَ وَغَيْرَهُ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ الاِخْتِلاَطِ وَذَلِكَ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَسْجِدِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَشْمَل الْوَصِيَّةُ جِيرَانَهُ الْمُلاَصِقِينَ لَهُ مِنَ الْجِهَاتِ السِّتِّ (الأَْرْبَعِ، وَالْعُلُوِّ وَالسُّفْل) وَالْجِيرَانَ الْمُقَابِلِينَ لَهُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا زُقَاقٌ أَوْ شَارِعٌ صَغِيرٌ لاَ سُوقٌ أَوْ نَهَرٌ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ: هُمْ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُل جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِ الدَّارِ الأَْرْبَعَةِ، لِحَدِيثِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ __________ (1) حَدِيث: " لاَ صَلاَةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ ". أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ (3 / 57 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَضِعْفه شِهَابٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: السَّاكِنُ مِنْ أَرْبَعِينَ دَارًا جَارٌ. قَال يُونُسُ: فَقُلْتُ لاِبْنِ شِهَابٍ: وَكَيْفَ أَرْبَعُونَ دَارًا؟ قَال: أَرْبَعُونَ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ وَخَلْفَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ " (1) . وَجِيرَانُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الرَّاجِحِ كَجِيرَانِ الدَّارِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: مَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ (2) ، لِحَدِيثِ لاَ صَلاَةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ ". ب - الْوَصِيَّةُ لِلأَْقَارِبِ: 38 - مَنْ أَوْصَى لأَِقْرِبَائِهِ، فَالْوَصِيَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلأَْقْرَبِ فَالأَْقْرَبِ مِنْ كُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، سَوَاءٌ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَلاَ يَدْخُل فِيهِمُ الْوَالِدَانِ وَالْوَلَدُ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يُسَمَّوْنَ أَقَارِبَ وَيَكُونُ ذَلِكَ لاِثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ أَخَفُّ مِنَ الْمِيرَاثِ، __________ (1) حَدِيث: " السَّاكِن مِنْ أَرْبَعِينَ دَار جَار. . . " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل (ص 257 ط الرِّسَالَة) مِنْ حَدِيثِ ابْن شِهَاب الزُّهْرِيّ مُرْسَلاً (2) الْهِدَايَة مَعَ شُرُوحِهَا 10 / 474 وَمَا بَعْدَهَا، والكتاب مَعَ اللُّبَابِ 4 / 179 - 180، والشرح الصَّغِير 4 / 591 - 592، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 58 - 63، والمهذب 1 / 455 وَمَا بَعْدَهَا، وكشاف الْقِنَاع 4 / 363، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 433 وَفِي الْمِيرَاثِ يُعْتَبَرُ الأَْقْرَبُ فَالأَْقْرَبُ، وَالْمَقْصِدُ مِنْ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ تَلاَفِي مَا فُرِّطَ فِي إِقَامَةِ وَاجِبِ الصِّلَةِ وَهُوَ يَخْتَصُّ بِذِي رَحِمٍ مَحْرِمٍ. وَقَال الصَّاحِبَانِ: أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: الْوَصِيَّةُ لِكُل مَنْ يُنْسَبُ إِلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الإِْسْلاَمِ وَهُوَ أَوَّل أَبٍ أَسْلَمَ أَوْ أَوَّل أَبٍ أَدْرَكَ الإِْسْلاَمَ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ، لأَِنَّ الْقَرِيبَ مُنْشَقٌّ مِنَ الْقَرَابَةِ، فَيَكُونُ اسْمًا لِمَنْ قَامَتْ بِهِ. وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِذَوِي قَرَابَتِهِ أَوْ قِرَابَاتِهِ أَوْ لأَِنْسِبَائِهِ أَوْ لأَِرْحَامِهِ أَوْ لِذَوِي أَرْحَامِهِ فَلَهَا نَفْسُ الْحُكْمِ (1) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَقَارِبِ أَبِيهِ غَيْرِ الْوَرَثَةِ، إِنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَل فِي الْوَصِيَّةِ أَقَارِبُ أُمِّهِ (2) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَدْخُل فِي ذَلِكَ كُل قُرَابَةٍ لَهُ، وَإِنْ بَعُدَتْ، عَمَلاً بِعُمُومِ اللَّفْظِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا، إِلاَّ الأَْصْل (الأَْبَ وَالأُْمَّ فَقَطْ) وَالْفَرْعَ (أَوْلاَدَ الصُّلْبِ فَقَطْ) فَلاَ يَدْخُلاَنِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ وَلاَ يُسَمَّوْنَ أَقَارِبَ عُرْفًا (3) . __________ (1) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 477، والبدائع 7 / 348، وتبيين الْحَقَائِق 6 / 201 (2) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 591 592 (3) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 63 وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَدْخُل فِي الْوَصِيَّةِ لِلْقَرَابَةِ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى مِنْ أَوْلاَدِهِ وَأَوْلاَدِ أَبِيهِ وَأَوْلاَدِ جَدِّهِ وَأَوْلاَدِ جَدِّ أَبِيهِ، أَرْبَعَةُ آبَاءٍ فَقَطْ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُجَاوِزْ بَنِي هَاشِمٍ بِهِمْ ذَوِي الْقُرْبَى فَلَمْ يُعْطِ مِنْهُ لِمَنْ هُوَ أَبْعَدُ كَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا (1) وَيَسْتَوِي فِي الْوَصِيَّةِ لِلْقَرَابَةِ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، لِعُمُومِ الْقَرَابَةِ لَهُمْ وَلاَ يَدْخُل فِي الْقَرَابَةِ كَافِرُهُمْ أَوْ مَنْ يُخَالِفُ دِينُهُ دِينَهُمْ وَلاَ تَدْخُل فِي الْقَرَابَةِ أُمُّهُ وَلاَ قَرَابَتُهُ مِنْ قِبَلِهَا، لأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعْطِ مِنْ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى قَرَابَتَهُ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُل عَلَى إِرَادَةِ ذَلِكَ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ أَهْل بَيْتِهِ وَقَوْمَهُ وَنُسَبَاءَهُ وَأَهْلَهُ، وَآلَهُ كَقَرَابَتِهِ، وَذَوِي رَحِمِهِ: قَرَابَتُهُ مِنْ جِهَةِ أَبَوَيْهِ وَلَوْ جَاوَزُوا أَرْبَعَةَ آبَاءٍ، فَيُصْرَفُ إِلَى كُل مَنْ يَرِثُ بِفَرْضٍ أَوْ عُصْبَةٍ أَوْ بِالرَّحِمِ (2) . ج - الْوَصِيَّةُ لأَِقْرَبِ الأَْقَارِبِ: 39 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَوْصَى لأَِقْرَبِ أَقَارِبِهِ يَدْخُل فِيهِ الأَْصْل وَالْفَرْعُ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ __________ (1) حَدِيث: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُجَاوِزْ بَنِي هَاشِم. . . " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح 6 / 244) مِنْ حَدِيثِ جُبَيْر بْن مُطْعِمٍ (2) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 364، 287 الشَّافِعِيَّةِ تَقْدِيمُ ابْنٍ وَإِنْ سَفَل عَلَى أَبٍ لأَِنَّهُ أَقْوَى إِرْثًا وَتَعْصِيبًا، وَتَقْدِيمُ أَخٍ سَوَاءٌ كَانَ لأَِبَوَيْنِ أَوْ لأَِبٍ أَوْ لأُِمٍّ عَلَى جَدٍّ لأَِبٍ وَأُمٍّ لِقُوَّةِ جِهَةِ الْبُنُوَّةِ عَلَى جِهَةِ الأُْبُوَّةِ وَلاَ يُرَجَّحُ بِذُكُورَةٍ وَوِرَاثَةٍ بَل يَسْتَوِي الأَْبُ وَالأُْمُّ وَالاِبْنُ وَالْبِنْتُ وَالأَْخُ وَالأُْخْتُ كَمَا يَسْتَوِي الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ (1) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ وَصَّى لأَِقْرَبِ قَرَابَتِهِ فَالأَْبُ وَالاِبْنُ سَوَاءٌ، وَأَخٌ لأَِبَوَيْنِ أَوْ لأَِبٍ وَجَدٌّ سَوَاءٌ، وَالأَْخُ مِنَ الأَْبِ وَالأَْخُ مِنَ الأُْمِّ سَوَاءٌ، وَأَخٌ مِنْ أَبَوَيْنِ أَوْلَى مِنْ أَخٍ لأَِبٍ وَأَخٍ لأُِمٍّ - وَكُل مَنْ قُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ قُدِّمَ وَلَدُهُ فَيُقَدَّمُ ابْنُ أَخِ الأَْبَوَيْنِ عَلَى ابْنِ أَخٍ لأَِبٍ إِلاَّ الْجَدَّ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى بَنِي أُخْوَتِهِ وَإِلاَّ أَخَاهُ لأَِبِيهِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ لأَِبَوَيْهِ: وَيُقَدَّمُ الاِبْنُ عَلَى الْجَدِّ، وَالأَْبُ عَلَى ابْنِ الاِبْنِ (2) . د - الْوَصِيَّةُ لِلأَْصْهَارِ وَالأَْخْتَانِ وَالآْل: 40 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَوْصَى لأَِصْهَارِهِ، فَالْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ لِكُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنَ امْرَأَتِهِ (الْعَصَبَاتُ وَالأَْرْحَامُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَمَّا تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَعْتَقَ كُل مَنْ مَلَكَ مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا إِكْرَامًا لَهَا، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ أَصْهَارَ __________ (1) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 64 (2) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 363، والإنصاف 7 / 244 النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) . وَكَذَا يَدْخُل فِيهِ كُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ زَوْجَةِ أَبِيهِ، وَزَوْجَةِ كُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، لأَِنَّ الْكُل أَصْهَارٌ بِشَرْطِ مَوْتِهِ وَهِيَ مَنْكُوحَتُهُ، أَوْ مُعْتَدَّتُهُ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ، وَلَوْ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ لاَ يَسْتَحِقُّهَا. وَمَنْ أَوْصَى لأَِخْتَانِهِ فَالْوَصِيَّةُ لِزَوْجِ كُل ذَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، كَزَوْجِ الْبِنْتِ وَالأُْخْتِ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ لأَِنَّ الْكُل يُسَمَّى خَتَنًا وَكَذَا مَحَارِمُ الأَْزْوَاجِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: قِيل هَذَا فِي عُرْفِهِمْ، وَفِي عُرْفِنَا الصِّهْرُ أَبُو الْمَرْأَةِ وَأُمُّهَا وَالْخَتَنُ زَوْجُ الْمَحْرَمِ فَقَطْ (2) . وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى بِكَذَا لآِلِهِ فَهِيَ لآِل بَنِيهِ وَقَبِيلَتِهِ الَّتِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنْ قِبَل آبَائِهِ إِلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الإِْسْلاَمِ، الأَْقْرَبُ وَالأَْبْعَدُ وَالذَّكَرُ وَالأُْنْثَى وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَيَدْخُل فِيهِ أَبُوهُ وَجَدُّهُ وَابْنُهُ وَزَوْجَتُهُ إِذَا كَانَتْ مِنْ قَوْمِ أَبِيهِ إِذَا كَانُوا لاَ يَرِثُونَهُ. وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِجِنْسِهِ أَوْ أَهْل بَيْتِهِ __________ (1) حَدِيث: " تَزَوَّجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُوَيْرِيَّة. . . " أَخْرَجَهُ ابْن إِسْحَاق فِي السِّيرَةِ كَمَا فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لاِبْن هِشَام (3 / 240 241 ط دَار الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ) (2) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 437، وتكملة فَتْح الْقَدِير 10 / 476، وتبيين الحقائق6 / 200 أَوْ أَهْل نَسَبِهِ فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ مَا لَوْ أَوْصَى لآِلِهِ (1) . (ر: آل ف3) . هـ - الْوَصِيَّةُ لِلْعُلَمَاءِ: 41 - لَوْ أَوْصَى لِلْعُلَمَاءِ أَوْ لأَِهْل الْعِلْمِ فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهَا لأَِصْحَابِ عُلُومِ الشَّرْعِ وَهُمْ أَهْل الْفِقْهِ وَأَهْل الْحَدِيثِ. وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَهْل التَّفْسِيرِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْوَصِيَّةَ بِذَلِكَ تَشْمَل مَنِ اتَّصَفَ بِالْعِلْمِ (2) . الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ 42 - لاَ يُشْتَرَطُ إِسْلاَمُ الْمُوصَى لَهُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ فَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ فِي الْجُمْلَةِ، وَغَيْرُ الْمُسْلِمِ يَشْمَل الذِّمِّيَّ، وَالْمُسْتَأْمَنَ، وَالْحَرْبِيَّ، وَالْمُرْتَدَّ، وَنُفَصِّل أَحْكَامَ كُلٍّ فِيمَا يَلِي: __________ (1) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 438، وتبيين الْحَقَائِق 6 / 200 (2) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 121، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 59 ـ 60، والفروع 4 / 617، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 481 أ - الْوَصِيَّةُ لِلذِّمِّيِّ: 43 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلذِّمِّيِّ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُوصِي مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا (1) } قَال مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: إِنَّ ذَلِكَ هُوَ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِلْيَهُودِيِّ. وَرُوِيَ أَنَّ صَفِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَوْصَتْ لاِبْنِ أَخِيهَا بِأَلْفِ دِينَارٍ وَكَانَ يَهُودِيًّا (2) . وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلذِّمِّيِّ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا، أَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَنَحْوِهِمْ فَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ (3) . وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ هَذَا الشَّرْطَ، فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِعَامَّةِ النَّصَارَى أَوْ لِعَامَّةِ أَهْل الذِّمَّةِ أَوْ نَحْوِهِمْ (4) . __________ (1) سُورَة الأَْحْزَابِ: 6 (2) حَدِيث: " أَنَّ صَفِيَّة أَوْصَتْ لاِبْنِ أَخِيهَا. . " أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ (6 / 281 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) (3) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 132، وروضة الْقُضَاة 2 / 684، وبدائع الصَّنَائِع 7 / 341، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 185 ـ 186، والإنصاف 7 / 2212، وكشاف الْقِنَاع 4 / 352 ـ 353، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 42 ـ 43، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 426، والتاج وَالإِْكْلِيل بِهَامِش مَوَاهِب الْجَلِيل 6 / 368 (4) الْمَرَاجِع السَّابِقَة وَقَيَّدَ ابْنُ رُشْدٍ جَوَازَ الْوَصِيَّةِ بِكَوْنِهَا ذَاتَ سَبَبٍ مِنْ جِوَارٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ يَدٍ سَبَقَتْ لَهُمْ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ سَبَبٍ فَالْوَصِيَّةُ لِلذِّمِّيِّ مَحْظُورَةٌ (1) . ب - الْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ: 44 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ لِلْحَرْبِيِّ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ الْمُعَيَّنِ، وَلَوْ كَانَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِقِيَاسِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْهِبَةِ، وَبِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى عُمَرَ حُلَّةً مِنْ حَرِيرٍ فَقَال عُمَرُ: يَا رَسُول اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ فَقَال: إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ (2) ، وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: " أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً - تَعْنِي الإِْسْلاَمَ - فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آصِلُهَا؟ قَال: نَعَمْ (3) ، وَهَذَانِ فِيهِمَا صِلَةُ أَهْل __________ (1) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 426 (2) حَدِيث: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى عُمَر حُلَّة مِنْ حَرِير. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (3 / 1638) مِنْ حَدِيثِ ابْن عُمَر (3) حَدِيث أَسْمَاءٍ: أَتَتْنِي أُمَّيْ رَاغِبَة. . أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح 10 / 413) ومسلم (2 / 696) الْحَرْبِ وَبِرُّهُمْ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَالإِْمَامُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ إِلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْحَرْبِيِّ مُطْلَقًا. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ: لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ) . (1) فَيَدُل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَاتَلَنَا لاَ يَحِل بِرُّهُ (2) . ج - الْوَصِيَّةُ لِلْمُسْتَأْمَنِ: 45 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ __________ (1) سُورَة الْمُمْتَحِنَةِ 8 9 (2) رَوْضَة الْقُضَاة 2 / 684، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 138، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 426، والتاج وَالإِْكْلِيل عَلَى هَامِشِ مَوَاهِبَ الْجَلِيل 6 / 368، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 400، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 43، وتحفة الْمُحْتَاج 7 / 13، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 185ـ186، وكشاف الْقِنَاع 4 / 352، 353، والإنصاف 7 / 221، والمغني 6 / 4 وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ) إِلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْمُسْتَأْمَنِ. وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ جَوَازَ الْوَصِيَّةِ لِلْكَافِرِ بِمَا إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا (1) . د - الْوَصِيَّةُ لِلْمُرْتَدِّ: 46 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ لِلْمُرْتَدِّ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْمُرْتَدِّ. وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ عَدَمَ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلْمُرْتَدِّ لِلأَْمْرِ بِقَتْلِهِ فَلاَ مَعْنَى لِلْوَصِيَّةِ لَهُ. وَعَلَّل الْحَنَابِلَةُ هَذَا الْحُكْمَ بِأَنَّ مِلْكَ الْمُرْتَدِّ زَائِلٌ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْمُرْتَدِّ الْمُعَيَّنِ، أَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ. وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْمُرْتَدِّ __________ (1) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 419، 420، والتاج وَالإِْكْلِيل 6 / 368، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 400، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 43، وكشاف الْقِنَاع 4 / 353، والإنصاف 7 / 221، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 185 ـ 186 مَا إِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ وَامْتَنَعَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ قَالُوا: لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ قَطْعًا (1) . الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْمُوصَى بِهِ: الْمُوصَى بِهِ وَهُوَ مَا أَوْصَى بِهِ الْمُوصِي مِنْ مَالٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ وَيُشْتَرَطُ لِلْمُوصَى بِهِ شُرُوطٌ هِيَ: أَوَّلاً: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَالاً. 47 - يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَالاً لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ، وَلاَ يُمَلَّكُ غَيْرُ الْمَال. وَالْمَال الْمُوصَى بِهِ: يَشْمَل الأَْمْوَال النَّقْدِيَّةَ وَالْعَيْنِيَّةَ وَالدُّيُونَ الَّتِي فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ وَالْحُقُوقَ الْمُقَدَّرَةَ بِمَالٍ وَهِيَ حُقُوقُ الاِرْتِفَاقِ مِنْ مَالٍ وَشُرْبٍ وَمَسِيلٍ، وَالْمَنَافِعَ كَسُكْنَى الدَّارِ وَزِرَاعَةِ الأَْرْضِ وَغَلَّةِ الْبُسْتَانِ الَّتِي سَتَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَل وَنَحْوِهَا مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَإِجَارَتُهُ (2) . لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَمَّا مَلَكَ تَمْلِيكَهَا حَال __________ (1) مَعُونَة أُولِي النُّهَى 6 / 186، والإنصاف 7 / 221، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 43، وتحفة الْمُحْتَاج 7 / 13، وشرح الْخَرَشِيّ 8 / 171، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 92 (2) الْبَدَائِع: 7 / 352 ـ 356، وتبيين الْحَقَائِق 6 / 183، وتكملة فَتْح الْقَدِير 10 / 485 وَمَا بَعْدَهَا، والدر الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ 5 / 459، / 402 255 / 402 والشرح الْكَبِير للدردير 4 / 423، والشرح الصَّغِير 4 / 580 وَمَا بَعْدَهَا، وبداية الْمُجْتَهِد 2 / 329 وَمَا بَعْدَهَا، والقوانين الْفِقْهِيَّة ص 405، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 44 ـ 46، والمهذب 1 / 452، وكفاية الأَْخْيَار 2 / 56 وَمَا بَعْدَهَا، وكشاف الْقِنَاع 4 / 407، 418، وغاية الْمُنْتَهَى 2 / 313، ونيل الْمَآرِب 3 / 252 وَمَا بَعْدَهَا، والمغني 6 / 151 وَمَا بَعْدَهَا حَيَاتِهِ بِعَقْدِ الإِْجَارَةِ وَالإِْعَارَةِ فَلأََنْ يَمْلِكَ بِعَقْدِ الْوَصِيَّةِ أَوْلَى لأَِنَّهُ أَوْسَعُ الْعُقُودِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهَا تَحْتَمِل مَا لاَ يَحْتَمِلُهُ سَائِرُ الْعُقُودِ مِنْ عَدَمِ الْمَحَل وَالْخَطَرِ وَالْجَهَالَةِ، ثُمَّ لَمَّا جَازَ تَمْلِيكُهَا بِبَعْضِ الْعُقُودِ فَلأََنْ يَجُوزَ بِهَذَا الْعَقْدِ أَوْلَى (1) . وَقَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ: لاَ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ وَصِيَّةٌ بِمَال الْوَارِثِ، لأَِنَّ نَفَاذَ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَعِنْدَ الْمَوْتِ تَحْصُل الْمَنَافِعُ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ لأَِنَّ الرَّقَبَةَ مِلْكُهُمْ، وَمِلْكُ الْمَنَافِعِ تَابِعٌ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ فَكَانَتِ الْمَنَافِعُ مِلْكَهُمْ لأَِنَّ الرَّقَبَةَ مِلْكُهُمْ فَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ وَصِيَّةً مِنْ مَال الْوَارِثِ فَلاَ تَصِحُّ، وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ فِي مَعْنَى الإِْعَارَةِ إِذِ الإِْعَارَةُ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ كَذَلِكَ وَالْعَارِيَةُ تَبْطُل بِمَوْتِ الْمُعِيرِ، فَالْمَوْتُ لَمَّا أَثَّرَ فِي بُطْلاَنِ الْعَقْدِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ بَعْدَ صِحَّتِهِ فَلأََنْ يَمْنَعَ مِنَ الصِّحَّةِ أَوْلَى __________ (1) الْبَدَائِع 7 / 352 ؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ أَسْهَل مِنَ الرَّفْعِ (1) . وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُوصَى بِهِ مَالاً كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَجِلْدِهَا قَبْل الدِّبَاغِ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْمِلْكِ. وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ الْوَصِيَّةَ بِجِلْدِ مَيْتَةٍ قَابِلٍ لِلدِّبَاغِ، وَمَيْتَةٍ تَصْلُحُ طُعْمًا لِلْجَوَارِحِ (2) . (ر: ف58) ثَانِيًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مُتَقَوِّمًا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ: 48 - لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ مُسْلِمٍ وَلاَ لِمُسْلِمٍ بِمَالٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ، أَيْ لاَ يَجُوزُ شَرْعًا الاِنْتِفَاعُ بِهِ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالسِّبَاعِ الَّتِي لاَ تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، لِعَدَمِ نَفْعِهَا وَتَقَوُّمِهَا، وَلأَِنَّهَا لاَ تُمْلَكُ أَصْلاً بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ. وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهَا مِنْ نَصْرَانِيٍّ لِمِثْلِهِ لِتَقَوُّمِهَا فِي اعْتِقَادِهِ. وَلاَ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِمَا لاَ يَقْبَل النَّقْل كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَحَقِّ الشُّفْعَةِ. وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَالسِّبَاعِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، لِتَقَوُّمِهَا وَلأَِنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالإِْتْلاَفِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا وَبِهَذَا عَلَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ. __________ (1) الْبَدَائِع 7 / 352، وبداية الْمُجْتَهِد 2 / 362 (2) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 44 ـ 46 وَلأَِنَّ فِيهَا نَفْعًا مُبَاحًا، وَتُقَرُّ الْيَدُ عَلَيْهَا، وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ، فَصَحَّتْ فِي غَيْرِ الْمَال كَالْمَال. وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِزَيْتٍ مُتَنَجِّسٍ لِغَيْرِ مَسْجِدٍ، لأَِنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا، وَهُوَ الاِسْتِصْبَاحُ بِهِ، وَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ لِمَسْجِدٍ، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِصْبَاحُ بِهِ فِيهِ. وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِنَحْوِ زِبْلٍ يُنْتَفَعُ بِهِ كَسَمَادٍ. وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِإِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ؛ لأَِنَّهُ مَالٌ يُبَاحُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي غَيْرِ حَال الاِسْتِعْمَال، بِجَعْلِهِ حُلِيًّا لِلنِّسَاءِ أَوْ بَيْعِهِ وَنَحْوِهِمَا (1) . ثَالِثًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ قَابِلاً لِلتَّمْلِيكِ: 49 - اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُقَابِل بِالأَْصَحِّ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ قَابِلاً لِلتَّمْلِيكِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصَى بِعَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ مَالاً أَوْ نَفْعًا مَوْجُودًا لِلْحَال أَوْ مَعْدُومًا، فَالْوَصِيَّةُ بِمَا تُثْمِرُ نَخِيلُهُ الْعَامَ أَوْ أَبَدًا تَجُوزُ وَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ مَعْدُومًا؛ لأَِنَّهُ يَقْبَل التَّمْلِيكَ __________ (1) البدائع7 / 352، وكشاف الْقِنَاع 4 / 368، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 45، وحاشية الْجُمَل 3 / 481، والشرح الصَّغِير 4 / 581 حَال حَيَاةِ الْمُوصِي بِعَقْدِ الْمُسَاقَاةِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِمَا تَلِدُهُ أَغْنَامُهُ فَإِنَّهَا لاَ تَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اسْتِحْسَانًا لأَِنَّهُ لاَ يَقْبَل التَّمْلِيكَ فِي حَال حَيَاةِ الْمُوصِي بِعَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ. وَلاَ يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمُوصَى بِهِ فِي الْحَال، وَيَجُوزُ عِنْدَهُمُ الْوَصِيَّةُ بِخِدْمَةِ أَجِيرِهِ وَسُكْنَى دَارِهِ (1) . وَقَال الْجُمْهُورُ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَعْدُومِ مُطْلَقًا، كَالْوَصِيَّةِ بِثَمَرَةٍ أَوْ حَمْلٍ سَيَحْدُثَانِ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ احْتُمِل فِيهَا وُجُوهٌ مِنَ الْغَرَرِ رِفْقًا بِالنَّاسِ وَتَوْسِعَةً فَتَصِحُّ بِالْمَعْدُومِ كَمَا تَصِحُّ بِالْمَجْهُول، وَلأَِنَّ الْمَعْدُومَ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ بِعَقْدِ السَّلَمِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالإِْجَارَةِ فَكَذَا بِالْوَصِيَّةِ (2) . وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْمَجْهُول كَشَاةٍ مِنْ غَنَمِهِ وَثَوْبٍ مِنْ أَثْوَابِهِ؛ لأَِنَّ الْمُوصَى لَهُ شَبِيهٌ بِالْوَارِثِ مِنْ جِهَةِ انْتِقَال شَيْءٍ مِنَ التَّرِكَةِ إِلَيْهِ مَجَّانًا، وَالْجَهَالَةُ لاَ تَمْنَعُ الإِْرْثَ فَلاَ تَمْنَعُ الْوَصِيَّةَ كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِمَا لاَ يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَطَيْرِهِ الطَّائِرِ أَوْ بَعِيرِهِ __________ (1) الدَّرّ الْمُخْتَار مَعَ رَدِّ الْمُحْتَارِ 5 / 416، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 45 (2) مَطَالِب أُولِي النهى4 / 490 ـ 491، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 45، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 403 الشَّارِدِ لأَِنَّ الْمُوصَى لَهُ يَخْلُفُ الْمَيِّتَ فِي ثُلُثِهِ، كَمَا يَخْلُفُهُ الْوَارِثُ فِي ثُلُثِهِ، فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَخْلُفَ الْوَارِثُ الْمَيِّتَ فِي هَذِهِ الأَْشْيَاءِ، جَازَ أَنْ يَخْلُفَهُ الْمُوصَى لَهُ. وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ إِذَا صَحَّتْ بِالْمَعْدُومِ فَمَا لاَ يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ أَوْلَى. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْمُشَاعِ وَالْمَقْسُومِ مُطْلَقًا؛ لأَِنَّ الإِْيصَاءَ تَمْلِيكُ جُزْءٍ مِنْ مَالِهِ، فَجَازَ فِي الْمُشَاعِ وَالْمَقْسُومِ كَالْبَيْعِ (1) . وَالَّذِي أَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِمَا يَقْبَل التَّمْلِيكَ، يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ فِي الْمُسْتَقْبَل لَكِنَّ وَقْتَ وُجُودِهِ يَخْتَلِفُ عِنْدَهُمْ بِحَسَبِ نَوْعِ الْمَال: فَإِنْ كَانَ الْمَال مُعَيَّنًا بِالذَّاتِ، كَدَارٍ مُعَيَّنَةٍ وَمَزْرَعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَيُشْتَرَطُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ. وَإِنْ كَانَ شَائِعًا فِي كُل الْمَال، كَالْوَصِيَّةِ بِثُلُثِ مَالِهِ أَوْ رُبُعِهِ، فَالشَّرْطُ وُجُودُهُ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، لأَِنَّهُ وَقْتُ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ. وَإِنْ كَانَ شَائِعًا فِي بَعْضِ الْمَال، كَالْوَصِيَّةِ __________ (1) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 416، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 403، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 44، وكشاف الْقِنَاع 4 / 369، والمغني 6 / 64 بِثُلُثِ غَنَمِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ غَنَمٌ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، اشْتُرِطَ وُجُودُهُ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، كَالنَّوْعِ الأَْوَّل، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَنَمٌ أَصْلاً وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، فَهُوَ كَالشَّائِعِ فِي كُل الْمَال، يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْمَوْتِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ شَيْئًا مُعَيَّنًا حَتَّى تَتَقَيَّدَ بِهِ الْوَصِيَّةُ (1) . رَابِعًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَمْلُوكًا لِلْمُوصِي: 50 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ - قَطَعَ بِهِ الْغَزَالِيُّ - وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ الْمُعَيَّنُ مِلْكًا لِلْمُوصِي حِين الْوَصِيَّةِ، فَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَال الْغَيْرِ وَلَوْ مَلَكَهُ الْمُوصِي بَعْدَ الْوَصِيَّةِ لِفَسَادِ الصِّيغَةِ بِإِضَافَةِ الْحَال إِلَى غَيْرِهِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الآْخَرِ - وَقَال عَنْهُ النَّوَوِيُّ: هُوَ أَفْقَهُ وَأَجْرَى عَلَى قَوَاعِدِ الْبَابِ - وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مِلْكًا لِلْمُوصِي حِينَ الْوَصِيَّةِ لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فُضُولِيًّا، وَوَصِيَّةُ الْفُضُولِيِّ مُنْعَقِدَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ؛ فَإِنْ أَجَازَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ __________ (1) فَتْح الْقَدِير 8 / 435، وحاشية ابْن عَابِدِينَ 5 / 416 سَلَّمَهَا وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُسَلِّمْ كَالْهِبَةِ (1) . وَصَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْكَافِرِ بِمَا لاَ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ لَهُ كَالْمُصْحَفِ وَالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ وَسَائِرِ السِّلاَحِ (2) . خَامِسًا: أَلاَّ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَعْصِيَةً أَوْ مُحَرَّمًا شَرْعًا: 51 - الْقَصْدُ مِنَ الْوَصِيَّةِ تَدَارُكُ مَا فَاتَ فِي حَال الْحَيَاةِ مِنَ الإِْحْسَانِ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَعْصِيَةً (3) . مَا يُشْتَرَطُ لِنَفَاذِ الْوَصِيَّةِ فِي الْمُوصَى بِهِ: 52 - يُشْتَرَطُ لِنَفَاذِ الْوَصِيَّةِ فِي الْمُوصَى بِهِ شَرْطَانِ: أَوَّلاً: أَلاَّ يَكُونَ مُسْتَغْرَقًا بِالدَّيْنِ: لأَِنَّ الدُّيُونَ مُقَدَّمَةٌ فِي وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهَا عَلَى __________ (1) الْخَرَشِيّ 8 / 160، وشرح الزُّرْقَانِيّ 8 / 175، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 119، وكشاف الْقِنَاع 4 / 367، والفروع4 / 36، ومطالب أُولِي النهى4 / 489، والبحر الرَّائِق 6 / 164، وابن عَابِدِينَ 4 / 154 (2) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 34، وتحفة الْمُحْتَاج 7 / 73، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 187 (3) الْبَدَائِع 7 / 341، وحاشية ابْن عَابِدِينَ 5 / 445، حاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 427، مغني الْمُحْتَاج 3 / 40، أسنى الْمَطَالِب 3 / 43، مطالب أُولِي النُّهَى 4 / 496، وكشاف الْقِنَاع 4 / 371 الْوَصِيَّةِ، بَعْدَ تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ. إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا أَبْرَأَهُ الْغُرَمَاءُ مِنَ الدَّيْنِ فَيَنْفُذُ، بِهَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (1) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مُسْتَغْرَقُ الذِّمَّةِ لاَ تَنْعَقِدُ وَصِيَّتُهُ، لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي مَالِكًا (2) . ثَانِيًا: أَلاَّ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ زَائِدًا عَلَى ثُلُثِ التَّرِكَةِ إِذَا كَانَ لِلْمُوصِي وَارِثٌ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ " (3) . وَتَكُونُ الزِّيَادَةُ عَنِ الثُّلُثِ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي قَوْلٍ) ، فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ الزَّائِدَ عَنِ الثُّلُثِ لأَِجْنَبِيٍّ، نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ رَدُّوا الزِّيَادَةَ بَطَلَتْ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَالشَّافِعِيَّةُ __________ (1) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 315، والبدائع 7 / 335، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 47 (2) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 422، الزرقاني 8 / 175، والخرشي 8 / 168 (3) حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص: " الثُّلْث وَالثُّلْث كَثِير ". تَقَدَّمَ تَخْرِيجه (ف5) فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ إِلَى بُطْلاَنِ الْوَصِيَّةِ بِالزَّائِدِ عَنِ الثُّلُثِ (1) . وَإِنْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ فِي حِصَّةِ الْمُجِيزِ فَقَطْ، وَبَطَلَتْ فِي حِصَّةِ غَيْرِهِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي وَارِثٌ، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، تَكُونُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ صَحِيحَةً نَافِذَةً، وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ جَمِيعَ الْمَال؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنْ نَفَاذِ الْوَصِيَّةِ فِي الزَّائِدِ عَنِ الثُّلُثِ إِنَّمَا هُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ، فَلاَ تَنْفُذُ إِلاَّ بِرِضَاهُمْ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَرَثَةٌ، لَمْ يَبْقَ حَقٌّ لأَِحَدٍ (2) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى بِمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ فِيمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ؛ لأَِنَّ مَالَهُ مِيرَاثٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلاَ مُجِيزَ لَهُ مِنْهُمْ فَبَطَلَتْ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَتِهِ وَرَدِّهِ، فَإِنْ رَدَّهَا رَجَعَتِ الْوَصِيَّةُ إِلَى الثُّلُثِ، وَإِنْ أَجَازَهَا __________ (1) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 415 - 420، مواهب الْجَلِيل 6 / 369، والزرقاني 8 / 169، والكافي لاِبْن عَبْد الْبَرّ 2 / 1024، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 47، والإنصاف 7 / 193 - 196 (2) الشَّرْح الصَّغِير مَعَ الصَّاوِي 4 / 585 - 586، والإنصاف 7 / 192، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 448، تكملة فَتْح الْقَدِير 10 / 454 صَحَّتْ، وَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ بِالزَّائِدِ عَنِ الثُّلُثِ بَاطِلَةً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (1) . وَيُعْتَبَرُ الزَّائِدُ عَنِ الثُّلُثِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَوْمَ التَّنْفِيذِ لاَ يَوْمَ الْمَوْتِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُعْتَبَرُ الثُّلُثُ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِثُلُثِ مَالِهِ يُعْتَبَرُ يَوْمَ النَّذْرِ (2) . تَكْيِيفُ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ: 53 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَكْيِيفِ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا تَنْفِيذًا لِوَصِيَّةِ الْمُوصِي، أَوْ هِبَةً مُبْتَدَأَةً مِنْ قِبَل الْمُجِيزِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ. فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ كُل مَا جَازَ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ يَتَمَلَّكُهُ الْمُجَازُ لَهُ مِنْ قِبَل الْمُوصِي، لأَِنَّ السَّبَبَ صَدَرَ مِنَ الْمُوصِي وَالإِْجَازَةُ رَفْعُ الْمَانِعِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقَبْضِ __________ (1) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 586، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 47، والمهذب 1 / 450، والمغني 6 / 4 - 7، 12 - 15، والإنصاف 7 / 113 - 114 (2) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 415 - 419، والزرقاني 8 / 169، ومواهب الْجَلِيل 6 / 369، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 47، وكشاف الْقِنَاع 4 / 377 فَصَارَ كَالْمُرْتَهِنِ إِذَا أَجَازَ بَيْعَ الرَّهْنِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ أَنَّهَا عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ مِنْ قِبَل الْوَارِثِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا شُرُوطُ الْهِبَةِ (1) . أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوصَى بِهِ: هُنَاكَ أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوصَى بِهِ: أ - الْوَصِيَّةُ بِسَهْمٍ مِنَ الْمَال: 54 - مَنْ أَوْصَى بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ: الْقَوْل الأَْوَّل: يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ السُّدُسُ إِنْ كَانَتِ الْفَرِيضَةُ أَقَل مِنْ سِتَّةِ أَسْهُمٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ. الْقَوْل الثَّانِي: لِلْمُوصَى لَهُ كَأَقَل سِهَامِ الْوَرَثَةِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِنْ زَادَ أُعْطِيَ الثُّلُثَ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ. الْقَوْل الثَّالِثُ: لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ مِمَّا تَصِحُّ مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى السُّدُسِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ الثَّلاَثِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. الْقَوْل الرَّابِعُ: لِلْمُوصَى لَهُ مِثْل نَصِيبِ أَقَل __________ (1) الاِخْتِيَار 5 / 63 - 64، والإنصاف 7 / 195 - 196، والزرقاني 8 / 169 ومغني الْمُحْتَاج 3 / 47 الْوَرَثَةِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى السُّدُسِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ اخْتَارَهَا الْخَلاَّل وَصَاحِبُهُ (1) . الْقَوْل الْخَامِسُ: وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَلَهُمْ تَفْصِيلٌ: قَال الدَّرْدِيرُ: إِنْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ، كَقَوْلِهِ: أَوْصَيْتُ لِزَيْدٍ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِي أَوْ قَال: أَوْصَيْتُ لَهُ بِسَهْمٍ مِنْ مَالِي فَبِسَهْمٍ يُحَاسَبُ بِهِ وَيَأْخُذُهُ مِنْ فَرِيضَتِهِ إِنْ لَمْ تَكُنِ الْمَسْأَلَةُ عَائِلَةً، كَقَوْل امْرَأَةٍ: أَوْصَيْتُ لِفُلاَنٍ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِي، وَمَاتَتْ عَنْ زَوْجٍ وَأُمٍّ، فَيَأْخُذُ وَاحِدًا مِنْ سِتَّةٍ ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي عَلَى الْوَرَثَةِ. أَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ عَائِلَةً فَيَأْخُذُ سَهْمًا مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ حَيْثُ عَالَتِ الأَْرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ؛ لأَِنَّ الْعَوْل مِنْ جُمْلَةِ التَّأْصِيل. فَالْوَصِيَّةُ تُقَدَّمُ عَلَى الإِْرْثِ ثُمَّ يُقَسَّمُ عَلَى الْوَرَثَةِ الْبَاقِي، فَالضَّرَرُ يَدْخُل عَنِ الْجَمِيعِ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ فَرِيضَةٌ - بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِرَاثٌ - فَهَل لَهُ سَهْمٌ مِنْ سِتَّةٍ وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ، أَوْ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَهُوَ قَوْل أَشْهَبَ (2) ؟ الْقَوْل السَّادِسُ: لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِالسَّهْمِ وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِجُزْءِ مَا شَابَهَهُ __________ (1) رَوْضَة الْقُضَاة 2 / 686، والإنصاف 7 / 278 - 279 (2) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 599 مِنْ أَلْفَاظٍ (1) . ب - الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ أَوْ حَظٍّ مِنَ الْمَال: 55 - إِذَا أَوْصَى الْمُوصِي رَجُلاً بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ أَوْ بِنَصِيبٍ مِنْ مَالِهِ أَوْ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِهِ أَوْ بِبَعْضٍ أَوْ بِشِقْصٍ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ بَيَّنَ فِي حَيَاتِهِ شَيْئًا وَإِلاَّ أَعْطَاهُ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ مَا شَاءُوا، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْلْفَاظَ تَحْتَمِل الْقَلِيل وَالْكَثِيرَ فَيَصِحُّ الْبَيَانُ فِيهِ مَا دَامَ حَيًّا، وَمِنْ وَرَثَتِهِ إِذَا مَاتَ لأَِنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَهُ. وَهَذَا قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (2) وَأَمَّا قَوْل الْمَالِكِيَّةِ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِسَهْمٍ مِنَ الْمَال (3) . ج - الْوَصِيَّةُ بِشَاةٍ أَوْ بِدَابَّةٍ أَوْ بِكَلْبٍ وَنَحْوِهِ: 56 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَوْصَى لَهُ بِشَاةٍ وَأَطْلَقَ جَازَ أَنْ يُدْفَعَ لِلْمُوصَى لَهُ الصَّغِيرَةُ الْجِسْمِ وَكَبِيرَتُهَا وَالضَّأْنُ وَالْمَعْزُ، لأَِنَّ اسْمَ الشَّاةِ يَقَعُ عَلَيْهَا وَكَذَا الذَّكَرُ فِي الأَْصَحِّ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الشَّاةِ إِنْ لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى الْمُرَادِ، لأَِنَّ الشَّاةَ اسْمُ جِنْسٍ كَإِنْسَانٍ وَلَيْسَتِ التَّاءُ فِيهِ __________ (1) الْمُهَذَّب 1 / 464، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 45 (2) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 356، والمهذب 1 / 464، وحاشية الْجُمَل 4 / 63، والمغني لاِبْنٍ قُدَّامِهِ 6 / 31 ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 498 - 499 (3) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 599 لِلتَّأْنِيثِ بَل لِلْوَحْدَةِ كَحَمَامٍ وَحَمَامَةٍ وَلِهَذَا يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، أَمَّا إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى الْمُرَادِ كَأَنْ يَقُول: أَوْصَيْتُ لَهُ بِشَاةٍ تَنْزُو عَلَى غَنَمِهِ أَوْ تَيْسًا أَوْ كَبْشًا فَتَعَيَّنَ الذَّكَرُ، أَوْ قَال: أَوْصَيْتُ لَهُ شَاةً يَحْلِبُهَا أَوْ يَنْتَفِعُ بَدَرِّهَا وَنَسْلِهَا أَوْ نَعْجَةً تَعَيَّنَ الأُْنْثَى، أَوْ قَال: أَوْصَيْتُ لَهُ بِشَاةٍ يَنْتَفِعُ بِصُوفِهَا تَعَيَّنَ الضَّأْنُ أَوْ بِشَعَرِهَا تَعَيَّنَ الْمَعْزُ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الأَْرْجَحِ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَجْهُولٍ وَيُعْطَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الاِسْمُ لأَِنَّهُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الاِسْمُ بِالْحَقِيقَةِ الْوَضْعِيَّةِ وَالْعُرْفِ كَالشَّاةِ الَّتِي هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلذَّكَرِ وَالأُْنْثَى مِنَ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَالتَّاءُ فِيهَا لِلْوَحْدَةِ وَفِي الْعُرْفِ هِيَ لِلأُْنْثَى الْكَبِيرَةِ مِنَ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ غُلِّبَ الْعُرْفُ كَالأَْيْمَانِ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ إِرَادَتُهُ، وَلأَِنَّهُ لَوْ خُوطِبَ قَوْمٌ بِشَيْءٍ لَهُمْ فِيهِ عُرْفٌ وَحَمَلُوهُ عَلَى عُرْفِهِمْ لَمْ يُعَدُّوا مُخَالِفِينَ. وَإِنْ أَوْصَى بِدَابَّةٍ أُعْطِيَ الْمُوصَى لَهُ فَرَسًا أَوْ بَغْلاً أَوْ حِمَارًا، عَمَلاً بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ. وَإِنْ أَوْصَى بِكَلْبٍ وَنَحْوِهِ وَلاَ كَلْبَ لَهُ، فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، كَمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ كَلْبٌ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُشْتَرَى، فَبَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ عِنْدَهُمْ. وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ، مِنْ كَلْبِ صَيْدٍ وَحَرْثٍ وَمَاشِيَةٍ، وَلاَ تَجُوزُ بِمَا لاَ يَحِل الاِنْتِفَاعُ بِهِ كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ (1) . (انْظُرْ مُصْطَلَحَ كَلْب ف 6) د ـ الْوَصِيَّةُ بِطَبْلٍ: 57 - إِنْ وَصَّى لِشَخْصٍ بِطَبْلٍ مِنْ طُبُولِهِ، وَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ طُبُول الْحَرْبِ، أُعْطِيَ وَاحِدًا مِنْهَا. أَمَّا طُبُول اللَّهْوِ فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِطَبْلٍ مِنْهَا إِنْ صَلَحَ لِمَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي مُبَاحٍ، فَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لَهَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً؛ لأَِنَّهَا وَصِيَّةٌ بِمُحَرَّمٍ (2) . هـ - الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ: 58 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ لأَِنَّهَا كَالأَْعْيَانِ فِي تَمَلُّكِهَا بِعِقْدِ الْمُعَاوَضَةُ وَالإِْرْثِ، فَصَحَّتِ الْوَصِيَّةُ بِهَا كَالأَْعْيَانِ. وَتُخْرَجُ قِيمَةُ الْمَنَافِعِ مِنْ ثُلُثِ الْمَال فَإِنْ لَمْ تُخْرَجْ مِنَ الثُّلُثِ، أُجِيزَ مِنْهَا بِقَدْرِ الثُّلُثِ. وَالْمَنْفَعَةُ الْمُوصَى بِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُطْلَقَةً __________ (1) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 55، 56 ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 492 - 493، 495، وكشاف الْقِنَاع 4 / 369 (2) مُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 46 ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 495 أَمْ مُقَيَّدَةً فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهَا خُرُوجُ الْعَيْنِ الَّتِي أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهَا مِنْ ثُلُثِ الْمَال، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنَ الثُّلُثِ جَازَتِ الْوَصِيَّةُ فِي جَمِيعِ الْمَنَافِعِ، فَلِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا مَا عَاشَ وَإِذَا لَمْ يُوفِ الثُّلُثُ إِلاَّ بِنِصْفِ الْمَنْفَعَةِ مَثَلاً صَارَ نِصْفُ الْمَنْفَعَةِ لِلْوَارِثِ إِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً عَنِ الْوَقْتِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ انْتَقَلَتْ إِلَى مِلْكِ صَاحِبِ الْعَيْنِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنْفَعَةِ قَدْ بَطَلَتْ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ، لأَِنَّهَا تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالإِْعَارَةِ فَتَبْطُل بِمَوْتِ الْمَالِكِ إِيَّاهُ، كَمَا تَبْطُل الإِْعَارَةُ بِمَوْتِ الْمُسْتَعِيرِ، عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ بِانْفِرَادِهَا لاَ تَحْتَمِل الإِْرْثَ وَإِنْ كَانَ تَمَلَّكَهَا بِعِوَضٍ كَإِجَارَةٍ، فَلأََنْ لاَ يُحْتَمَل فِيمَا هُوَ تَمْلِيكٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْلَى. وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُؤَقَّتَةً فَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ تُخْرَجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ يَنْتَفِعُ بِهَا إِلَى الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ، فَإِنْ كَانَ الْمَذْكُورُ سَنَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ فَيَنْتَفِعُ بِهَا الْمُوصَى لَهُ سَنَةً كَامِلَةً ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْوَرَثَةِ. وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ فَبِقَدْرِ مَا يَخْرُجُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ وَبَيْنَ الْوَرَثَةِ أَثْلاَثًا، يَخْدِمُ الْعَبْدُ - إِذَا كَانَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ عَبْدًا - يَوْمًا لِلْمُوصَى لَهُ وَيَوْمَيْنِ لِلْوَرَثَةِ فَيَسْتَوْفِي الْمُوصَى لَهُ خِدْمَةَ السَّنَةِ فِي ثَلاَثِ سِنِينَ. وَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا دَارًا يَسْكُنُ الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَهَا وَالْوَرَثَةُ ثُلْثَيْهَا يَتَهَايَآنِ مَكَانًا، لأَِنَّ التَّهَايُؤَ بِالْمَكَانِ فِي الدَّارِ مُمْكِنٌ وَفِي الْعَبْدِ لاَ يُمْكِنُ، لاِسْتِحَالَةِ خِدْمَةِ الْعَبْدِ بِثُلُثِهِ لأَِحَدِهِمَا وَبِثُلُثَيْهِ لِلآْخَرِ فَمَسَّتِ الضَّرُورَةُ إِلَى الْمُهَايِئَاتِ زَمَانًا. وَإِنْ كَانَ الْمَذْكُورُ مِنَ الْوَقْتِ سَنَةً بِعَيْنِهَا بِأَنْ قَال: سَنَةَ كَذَا أَوْ شَهْرَ كَذَا فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ خِدْمَةَ الْعَبْدِ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ يَنْتَفِعُ بِهَا تِلْكَ السَّنَةَ أَوِ الشَّهْرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ فَفِي الْعَبْدِ يَنْتَفِعُ بِهِ الْوَرَثَةُ يَوْمَيْنِ، وَالْمُوصَى لَهُ يَوْمًا وَفِي الدَّارِ يَسْكُنُ الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَهَا وَالْوَرَثَةُ ثُلُثَيْهَا عَلَى طَرِيقِ الْمُهَايَأَةِ، فَإِذَا مَضَتْ تِلْكَ السَّنَةُ أَوْ ذَلِكَ الشَّهْرُ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ يَحْصُل لِلْمُوصَى لَهُ مَنْفَعَةُ السَّنَةِ أَوِ الشَّهْرِ. وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُكْمِل ذَلِكَ مِنْ سَنَةٍ أُخْرَى أَوْ مِنْ شَهْرٍ آخَرَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ أُضِيفَتْ إِلَى تِلْكَ السَّنَةِ أَوْ ذَلِكَ الشَّهْرِ لاَ إِلَى غَيْرِهِمَا. وَلَوْ عَيَّنَ الشَّهْرَ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَوِ السَّنَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا، بِأَنْ قَال: هَذَا الشَّهْرَ أَوْ هَذِهِ السَّنَةَ، يُنْظَرُ: إِنْ مَاتَ بَعْدَ مُضِيِّ ذَلِكَ الشَّهْرِ أَوْ تِلْكَ السَّنَةِ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ نَفَاذُهَا عِنْدَ مَوْتِهِ وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ الشَّهْرُ أَوْ تِلْكَ السَّنَةُ قَبْل مَوْتِهِ فَبَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ. وَإِنْ مَاتَ قَبْل أَنْ يَمْضِيَ ذَلِكَ الشَّهْرُ أَوِ السَّنَةُ، فَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ تَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ يَنْتَفِعُ بِهَا فِيمَا بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ أَوِ السَّنَةِ. وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَخْرُجُ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ آخَرُ فَفِي الْعَبْدِ يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُوصَى لَهُ يَوْمًا وَالْوَرَثَةُ يَوْمَيْنِ إِلَى أَنْ يَمْضِيَ ذَلِكَ الشَّهْرُ أَوِ السَّنَةُ، وَفِي الدَّارِ يَسْكُنَاهَا أَثْلاَثًا عَلَى طَرِيقِ الْمُهَايَأَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَلَوْ أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ لإِِنْسَانٍ وَبِرَقَبَتِهِ لآِخَرَ، أَوْ بِسُكْنَى دَارِهِ لإِِنْسَانٍ وَبِرَقَبَتِهَا لآِخَرَ، وَالرَّقَبَةُ تَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ فَالرَّقَبَةُ لِصَاحِبِ الرَّقَبَةِ، وَالْخِدْمَةُ كُلُّهَا لِصَاحِبِ الْخِدْمَةِ، لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ لَمَّا احْتَمَلَتِ الإِْفْرَادَ مِنَ الرَّقَبَةِ بِالْوَصِيَّةِ حَتَّى لاَ تَمْلِكَ الْوَرَثَةُ الرَّقَبَةَ وَالْمُوصَى لَهُ الْمَنْفَعَةَ، فَيَسْتَوِي فِيهَا الإِْفْرَادُ بِاسْتِيفَاءِ الرَّقَبَةِ لِنَفْسِهِ وَتَمْلِيكِهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا مُوصًى لَهُ بِالرَّقَبَةِ، وَالآْخَرُ بِالْمَنْفَعَةِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُوصِي مَلَكَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ الرَّقَبَةَ وَصَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ الْمَنْفَعَةَ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَوْصَى بِرَقَبَةِ شَجَرَةٍ أَوْ بُسْتَانٍ لإِِنْسَانٍ وَبِثَمَرَتِهِ لآِخَرَ، أَوْ بِرَقَبَةِ أَرْضٍ لِرَجُل وَبِغَلَّتِهَا لآِخَرَ، لأَِنَّ الثَّمَرَ وَالْغَلَّةَ كُل وَاحِدٍ مِنْهَا يَحْتَمِل الإِْفْرَادَ بِالْوَصِيَّةِ فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَسْتَبْقِيَ الأَْصْل لِنَفْسِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَمْلِكَهُ مِنْ غَيْرِهِ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَنْفَعَةِ. وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُوصَى بِهِ مَوْجُودًا وَقْتَ كَلاَمِ الْوَصِيَّةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَهُ فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي كَلاَمِ الْمُوصِي مَا يَقْتَضِي الْوُجُودَ لِلْحَال فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلاَ مَال لَهُ عِنْدَ كَلاَمِ الْوَصِيَّةِ (1) . وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِمَنْفَعَةٍ فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ كَسَنَةٍ مَثَلاً فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ حُسِبَ مِنَ الثُّلُثِ مَا نَقَصَ مِنْهَا فِي تَقْوِيمِهِ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمُدَّةَ، فَمَنْ أَوْصَى مَثَلاً بِمَنْفَعَةِ حَيَوَانٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً قُوِّمَ الْحَيَوَانُ بِمَنْفَعَتِهِ ثُمَّ قُوِّمَ مَسْلُوبُ الْمَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمُدَّةَ وَيُحْسَبُ النَّاقِصُ مِنَ الثُّلُثِ (2) . وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ خُرُوجُهَا مِنْ ثُلُثِ الْمَال، فَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ أُجِيزَ مِنْهَا بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَقَالُوا: إِذَا أُرِيدَ تَقْوِيمُهَا فَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِمُدَّةِ قُوِّمَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمُدَّةَ ثُمَّ تُقَوَّمُ الْمَنْفَعَةُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَيُنْظَرُ كَمْ قِيمَتُهَا؟ __________ (1) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 353 ـ 354 (2) حَاشِيَة الْجُمَل 4 / 63 ـ 64، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 45 ـ 66 وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ فَقَدْ قِيل: تُقَوَّمُ الرَّقَبَةُ بِمَنْفَعَتِهَا جَمِيعًا وَيُعْتَبَرُ خُرُوجُهَا مِنَ الثُّلُثِ لأَِنَّ شَجَرًا لاَ ثَمَرَ لَهُ لاَ قِيمَةَ لَهُ غَالِبًا. وَقِيل: تُقَوَّمُ الرَّقَبَةُ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَالْمَنْفَعَةُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ، وَصِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يَقُومَ الْحَيَوَانُ مَثَلاً بِمَنْفَعَتِهِ فَإِذَا قِيل: قِيمَتُهُ مِائَةٌ، قِيل: كَمْ قِيمَتُهُ لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ؟ فَإِذَا قِيل: عَشَرَةٌ عَلِمْنَا أَنَّ قِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ تِسْعُونَ (1) . قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَةِ مُعَيَّنٍ وَالْمُوصَى لَهُ مُعَيَّنٌ كَأَنْ يُوصِيَ لَهُ بِمَنْفَعَةِ دَارِهِ سِنِينَ أَوْ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سِنِينَ وَالْحَال أَنَّ ثُلُثَ التَّرِكَةِ لاَ يَحْمِل ذَلِكَ كُلَّهُ أَيْ لاَ يَحْمِل قِيمَةَ رَقَبَةِ الدَّارِ مَثَلاً وَلاَ قِيمَةَ رَقَبَةِ الْعَبْدِ فَإِنَّ الْوَرَثَةَ حِينَئِذٍ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُجِيزُوا وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ أَوْ يَدْفَعُوا لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ جَمِيعِ التَّرِكَةِ مِنَ الْمَال الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ عَيْنًا كَانَ أَوْ عَرَضًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. أَمَّا إِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ لِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَالْمَسَاكِينِ، فَإِنَّ الْوَارِثَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الإِْجَازَةِ وَبَيْنَ الْقَطْعِ لَهُمْ بِالثُّلُثِ قَطْعًا لَكِنْ فِي ذَلِكَ __________ (1) وَالْمُغْنِي 6 / 59 ـ 60، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 498 ـ 499 الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ لاَ فِي كُل مَتْرُوكِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ أَنَّ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ لاَ يُرْجَى رُجُوعُهُ بِخِلاَفِ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّهُ إِذَا هَلَكَ فَيُرْجَى رُجُوعُ الْمُوصَى بِهِ لِلْوَارِثِ (1) (ر: ف 47) . طَرِيقُ الاِنْتِفَاعِ بِالْمَنْفَعَةِ: 59 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا بِنَفْسِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي إِكْسَابِهَا لِغَيْرِهِ بِالإِْجَارَةِ أَوِ الإِْعَارَةِ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ إِجَارَتَهَا وَإِعَارَتَهَا، لأَِنَّهُ إِذَا مَلَكَ النَّفْعَ جَازَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ، وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ. وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ لاَ يَمْلِكُ إِجَارَتَهَا، وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: وَيَنْبَغِي أَنَّ لَهُ الإِْعَارَةَ (2) . __________ (1) شَرْح الزُّرْقَانِيّ 8 / 195، والخرشي مَعَ حَاشِيَةِ الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ 8 / 186 (2) الأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص 352ـ353، ومطالب أُولِي النُّهَى 41، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ 6 / 60، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 45 و 65 وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 416، والمدونة 6 / 31 كَيْفِيَّةُ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْمُشْتَرَكَةِ: 60 - إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ وَبَيْنَ وَرَثَةِ الْمُوصِي، كَالْوَصِيَّةِ بِنِصْفِ مَنْفَعَةِ دَارِهِ، أَوْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ عَدَدٍ مِنَ الْمُوصَى لَهُمْ، كَالْوَصِيَّةِ بِمَنْفَعَةِ دَارٍ لِثَلاَثَةِ أَشْخَاصٍ، فَتُسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةُ عَنْ طَرِيقِ الْقِسْمَةِ بِإِحْدَى وَسَائِل ثَلاَثٍ: الأُْولَى: أَنْ تُقَسَّمَ غَلَّةُ الْمَنْفَعَةِ بَيْنَ الْمُشْتَرِكِينَ: فَتُؤَجَّرَ الدَّارُ أَوْ تُزْرَعَ الأَْرْضُ مَثَلاً، وَتُقَسَّمُ الْغَلَّةُ بِنِسْبَةِ حِصَّةِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ. الثَّانِيَةُ: أَنْ تُقَسَّمَ الْعَيْنُ نَفْسُهَا بَيْنَهُمْ، فَيَأْخُذَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَهْمَهُ فِي الْمَنْفَعَةِ، بِشَرْطِ كَوْنِ تِلْكَ الْعَيْنِ قَابِلَةً لِلْقِسْمَةِ، وَأَنْ لاَ يَتَرَتَّبَ عَلَى قِسْمَتِهَا ضَرَرٌ لِلْوَرَثَةِ، وَلَوْ مَعَ بَقَاءِ الْمَنْفَعَةِ الأَْصْلِيَّةِ. الثَّالِثَةُ: أَنْ تُقَسَّمَ الْعَيْنُ الْمُوصَى بِهَا قِسْمَةً مُهَايَأَةً زَمَانِيَّةً أَوْ مَكَانِيَّةً. فَالزَّمَانِيَّةُ: أَنْ تُعْطَى لأَِحَدِ الشُّرَكَاءِ كُل الْعَيْنِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ، يَنْتَفِعُ بِهَا، ثُمَّ يَأْخُذُهَا الشَّرِيكُ الآْخَرُ بِقَدْرِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَيَنْتَفِعُ بِهَا. وَالْمَكَانِيَّةُ: أَنْ يَأْخُذَ كُل شَرِيكٍ جُزْءًا مِنَ الْعَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ يَنْتَفِعُ بِهَا، ثُمَّ يَتَبَادَل الشَّرِيكَانِ كُل جُزْءٍ مَرَّةً أُخْرَى، فَيَحِل كُل وَاحِدٍ مَحَل الآْخَرِ فِيمَا كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ. وَإِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِحَقٍّ لاَ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ وَلاَ الْمُهَايَأَةُ فِيهِ، أَوْ حَدَثَ اخْتِلاَفٌ اجْتَهَدَ الْقَاضِي فِي كَيْفِيَّةِ تَوْزِيعِ الْمَنْفَعَةِ بِحَسَبِ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ (1) . (ر: قِسْمَة ف 60 وَمَا بَعْدَهَا) انْتِهَاءُ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنْفَعَةِ: 61 - تَنْتَهِي الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ فِي الْحَالاَتِ التَّالِيَةِ: أـ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ لِلاِنْتِفَاعِ قَبْل وَفَاةِ الْمُوصِي. كَمَا تَنْتَهِي الْوَصِيَّةُ بِمُضِيِّ مُدَّةِ الاِنْتِفَاعِ الْمُحَدَّدَةِ بَعْدَ الْوَفَاةِ دُونَ أَنْ يَنْتَفِعَ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ كَمَنْ وَصَّى لِلْمُوصَى لَهُ بِثَمَرَةِ شَجَرَةٍ سَنَةً بِعَيْنِهَا فَلَمْ تَحْمِل تِلْكَ السَّنَةَ فَلاَ شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ (2) . ب ـ بِإِسْقَاطِ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ حَقَّهُ فِي __________ (1) حَاشِيَة الْجُمَل 4 / 63، وبدائع الصَّنَائِع 7 / 353 ـ 354، وكشاف الْقِنَاع 6 / 371، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 426، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 498 (2) الْمُغْنِي 8 / 460 ط هَجَرَ، وبدائع الصَّنَائِع 7 / 353 ـ 354، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 58 الْمَنْفَعَةِ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي أَوْ تَنَازُلِهِ عَنْ حَقِّهِ فِيهَا. ج ـ بِاسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا، لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَيْنَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لِلْمُوصِي. د ـ بِتَمَلُّكِ الْمُوصَى لَهُ الْعَيْنَ الَّتِي أَوْصَى لَهُ بِمَنْفَعَتِهَا. هـ - بِوَفَاةِ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ قَبْل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْمُوصَى بِهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا؛ لأَِنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْوَصِيَّةِ لاَ تُورَثُ وَهَذَا قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَرَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَكَذَلِكَ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ مِنْ قَوْل الْمُوصِي أَنَّهُ أَرَادَ حَيَاةَ الْمُوصَى لَهُ فَلاَ تُورَثُ (1) . زَمَنُ اسْتِحْقَاقِ الْمُوصَى لَهُ الْمَنْفَعَةَ الْمُوصَى بِهَا: 62 - إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِمَنْفَعَةٍ مُقَدَّرَةً بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ كَسَنَةٍ دُونَ تَحْدِيدِ بَدْءِ الاِنْتِفَاعِ، اسْتَحَقَّ الْمُوصَى لَهُ الْمَنْفَعَةَ مُنْذُ وَفَاةِ الْمُوصِي (2) . __________ (1) الأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص 352، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 417، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 64 ـ 65، والإنصاف 7 / 268، وكشاف الْقِنَاع 4 / 499 (2) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 121 ـ 122، وحاشية لِدُسُوقِيّ 4 / 424، والمدونة 6 / 32، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 45، 64 ـ 66، وكشاف الْقِنَاع 4 / 373 ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 498، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 65 مَنْعُ الْمُوصَى لَهُ مِنْ الاِنْتِفَاعِ: 63 - هُنَاكَ حَالاَتٌ قَدْ يَحْدُثُ فِيهَا مَنْعُ الْمُوصَى لَهُ مِنْ الاِنْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ الْمُوصَى لَهُ بِمَنْفَعَتِهَا: قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْمَنْعُ مِنْ أَحَدِ الْوَرَثَةِ، ضَمِنَ لِلْمُوصَى لَهُ بَدَل الْمَنْفَعَةِ؛ لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَيَضْمَنُ نَتِيجَةَ تَعَدِّيهِ. وَإِنْ كَانَ الْمَنْعُ مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، ضَمِنُوا لَهُ بَدَل الْمَنْفَعَةِ أَيْضًا، لِوُجُودِ التَّعَدِّي مِنْهُمْ جَمِيعًا. وَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ فِي الْحَالَتَيْنِ أَنْ يُطَالِبَ بِمُدَّةٍ أُخْرَى لِلاِنْتِفَاعِ بَعْدَ فَوَاتِ الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ (1) . وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ مَنْ فَوَّتَ الْمَنْفَعَةَ يَضْمَنُهَا وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِل وَلَمْ يَسْتَغِل (2) . وَالأَْصْل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّ كُل حَقٍّ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ تَعَلَّقَ بِبَدَلِهَا إِذَا لَمْ يَبْطُل سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهَا، فَإِنْ قُتِل الْحَيَوَانُ الْمُوصَى بِنَفْعِهِ فَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ يَشْتَرِي بِهَا مَا يَقُومُ مَقَامَ الْمُوصَى بِهِ. __________ (1) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 353 ـ 354 (2) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ 3 / 455 وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: يُحْتَمَل أَنْ تَجِبَ الْقِيمَةُ لِلْوَارِثِ أَوْ مَالِكِ الرَّقَبَةِ وَتَبْطُل الْوَصِيَّةُ، لأَِنَّ الْقِيمَةَ بَدَل الرَّقَبَةِ فَتَكُونُ لِصَاحِبِهَا وَتَبْطُل الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ كَمَا تَبْطُل الإِْجَارَةُ. وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّ الأَْمَةَ الْمُوصَى بِنَفْعِهَا إِمَّا أَنْ يَقْتُلَهَا أَجْنَبِيٌّ فَقِيمَتُهَا غَيْرُ مَسْلُوبَةِ الْمَنَافِعِ لِلْوَرَثَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَهَا الْوَارِثُ فَقِيمَةُ مَنْفَعَتِهَا لِلْمُوصَى لَهُ بِنَفْعِهَا، وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَهَا الْمُوصَى لَهُ بِنَفْعِهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الأَْجْنَبِيِّ فِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا غَيْرَ مَسْلُوبَةِ الْمَنْفَعَةِ (1) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِمَنْفَعَةِ دَارٍ سَنَةً مَثَلاً ثُمَّ أَجَّرَهُ سَنَةً وَمَاتَ عَقِبَ الإِْجَارَةِ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، لأَِنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِهَا لِلْمُوصَى لَهُ السَّنَةُ الأُْولَى الَّتِي تَلِي الْمَوْتَ وَقَدْ صَرَفَ الْمُوصِي مَنْفَعَةَ تِلْكَ السَّنَةِ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَبَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، فَإِنْ مَاتَ الْمُوصِي بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ فِي النِّصْفِ الأَْوَّل وَاسْتَحَقَّ الْمُوصَى لَهُ الْمَنْفَعَةَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي. وَلَوْ حَبَسَ الْوَارِثُ أَوْ غَيْرُهُ الْمَنْفَعَةَ السَّنَةَ بِلاَ عُذْرٍ غَرِمَ لِلْمُوصَى لَهُ أُجْرَةَ مِثْل الدَّارِ تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَيَشْمَل ذَلِكَ مَا لَوْ غُصِبَ الْمُوصَى __________ (1) الْمُغْنِي 8 / 463 ـ 464 ط هَجَرَ، ومطالب أُولِي النُّهَى 40 ـ 501، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 58، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 66 بِمَنْفَعَتِهِ فَإِنَّ لِلْمُوصَى لَهُ أُجْرَةَ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ لأَِنَّهَا بَدَلٌ عَنِ الْمَنْفَعَةِ (1) . نَفَقَةُ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا: 64 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعَيْنُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا مِنْ نَفَقَاتٍ، تَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ لأَِنَّهُ صَاحِبُ الْفَائِدَةِ مِنْهَا، وَالْغُرْمُ بِالْغُنْمِ أَوِ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ، فَلَهُ نَفْعُهُ، فَكَانَ عَلَيْهِ ضُرُّهُ وَغُرْمُهُ. وَإِذَا أَهْمَل صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ الْقِيَامَ بِمَا يَلْزَمُ لِبَقَاءِ الْعَيْنِ صَالِحَةً لِلاِنْتِفَاعِ بِهَا، فَأَدَّاهَا صَاحِبُ الرَّقَبَةِ، كَانَ مَا دَفَعَهُ حَقًّا لَهُ فِي غَلَّةِ الْعَيْنِ، يَسْتَوْفِيهِ مِنْهَا قَبْل الْمُوصَى لَهُ. أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ غَيْرَ صَالِحَةٍ لِلاِنْتِفَاعِ بِهَا كَأَرْضٍ بُورٍ، فَإِنَّ نَفَقَةَ إِصْلاَحِهَا وَنَوَائِبِهَا عَلَى صَاحِبِ الرَّقَبَةِ (2) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْعَيْنِ الْمُوصَى __________ (1) تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 79، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 73، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 309، وأسنى الْمَطَالِب مَعَ حَاشِيَة الرَّمْلِيّ عَلَيْهِ 3 / 56، 66 (2) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 444، ومطالب أُولِي النُّهَى 42، والتاج وَالإِْكْلِيل 6 / 386، وشرح الْمِنْهَاج مَعَ حَاشِيَةِ الْقَلْيُوبِيّ 3 / 172، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 66، والفروع 4 / 695، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 57 بِمَنْفَعَتِهَا لِمُدَّةٍ مُحَدَّدَةٍ تَكُونُ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ كَالْمَأْجُورِ تَكُونُ نَفَقَاتُهُ عَلَى الْمَالِكِ، وَكَذَا الْعَيْنُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا مُؤَبَّدًا تَكُونُ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ فِي الأَْصَحِّ (1) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ: نَفَقَةُ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ مَذْهَبًا لأَِحْمَدَ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رُؤُوسِ الْمَسَائِل (2) . و الْوَصِيَّةُ بِالْحُقُوقِ: 65 - تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِحُقُوقِ الاِرْتِفَاقِ الَّتِي تَنْتَقِل بِالإِْرْثِ، كَحَقِّ الشُّرْبِ وَالْمَسِيل وَالْمَجْرَى، وَالتَّعَلِّي، وَحَقِّ الْخُلُوِّ وَنَحْوِهَا (3) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (ارْتِفَاق ف 7 وَمَا بَعْدَهَا) . ز - الْوَصِيَّةُ بِمَا يَتَضَمَّنُ قِسْمَةَ التَّرِكَةِ: 66 - إِذَا أَوْصَى شَخْصٌ بِوَصِيَّةٍ تَتَضَمَّنُ قِسْمَةَ التَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: __________ (1) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 57، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 66، والقليوبي 3 / 172 (2) الْفُرُوع لاِبْن مُفْلِح وَتَصْحِيح الْفُرُوع لِلْمَرْدَاوَيَّ 4 / 695 (3) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 189 ـ 190، وتبيين الْحَقَائِق 6 / 41 ـ 43، والقواعد لاِبْن رَجَب ص 183، 188 فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِكُل وَارِثٍ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ شَائِعًا مِنْ نِصْفٍ أَوْ غَيْرِهِ كَأَنْ أَوْصَى لِكُلٍّ مِنْ بَنِيهِ الثَّلاَثَةِ بِثُلُثِ مَالِهِ فَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ لَغْوًا، لأَِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِغَيْرِ الْوَصِيَّةِ. وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لِكُل وَارِثٍ بِعَيْنٍ هِيَ قَدْرُ حِصَّتِهِ كَأَنْ أَوْصَى لأَِحَدِ ابْنَيْهِ بِدَارٍ قِيمَتُهَا أَلْفٌ وَلِلآْخَرِ بِبُسْتَانٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ وَهُمَا كُل مَا يَمْلِكُهُ فَصَحِيحَةٌ وَلَكِنْ تَفْتَقِرُ إِلَى الإِْجَازَةِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاِخْتِلاَفِ الأَْغْرَاضِ بِالأَْعْيَانِ وَمَنَافِعِهَا، وَهَذَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الْحَنَابِلَةِ. وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، لأَِنَّ حُقُوقَهُمْ فِي قِيمَةِ التَّرِكَةِ لاَ فِي عَيْنِهَا (1) . ثُبُوتُ مِلْكِيَّةِ الْمُوصَى بِهِ وَوَقْتُ الثُّبُوتِ: 67 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ بَيَانُهَا فِيمَا يَلِي: ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنَ لاَ يَمْلِكُ الْمُوصَى بِهِ إِلاَّ بِالْقَبُول بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَإِذَا قَبِل بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ مِنْ حِينِ الْقَبُول. __________ (1) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 44، والمغني 6 / 7، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 449 وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّمَاءَ الْمُنْفَصِل بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصَى وَقَبْل الْقَبُول كَالثَّمَرَةِ وَالنِّتَاجِ وَالْكَسْبِ يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ إِذَا قَبِل الْوَصِيَّةَ يَمْلِكُ الْمُوصَى بِهِ مِنْ وَقْتِ مَوْتِ الْمُوصِي. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّمَاءَ الْمُنْفَصِل الْحَاصِل بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْمُوصَى بِهِ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى قَبُول الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ أَوْ رَدِّهَا. فَإِنْ قَبِل الْمُوصَى لَهُ بَانَ أَنَّهُ مَلَكَ الْوَصِيَّةَ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَانَ أَنَّهَا لِلْوَارِثِ. وَلَوْ رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَعَلَى الْقَوْل الأَْظْهَرِ لَهُ الثَّمَرَةُ وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ الآْخَرَيْنِ لاَ ثَمَرَةَ لَهُ وَلاَ نَفَقَةَ عَلَيْهِ (1) . __________ (1) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 332، وحاشية الشلبي عَلَى الزيلعي 6 / 184، وحاشية الدُّسُوقِيّ وَالشَّرْح الْكَبِير 4 / 424، والمغني 6 / 25، وشرح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 564، والإنصاف 7 / 202 ـ 206، والشرح الصَّغِير 4 / 586، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 54 مَا يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ: 68 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ التَّبَرُّعَاتِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا الشَّخْصُ قَبْل مَوْتِهِ، وَمِنْهَا الْوَصَايَا، تَنْفُذُ مِنْ ثُلُثِ الْمَال الْبَاقِي بَعْدَ أَدَاءِ نَفَقَاتِ التَّكْفِينِ وَالتَّجْهِيزِ، وَوَفَاءِ دُيُونِ الْعِبَادِ كَالدِّيَةِ وَالْقَرْضِ، لاَ مِنْ ثُلُثِ أَصْل الْمَال. أَمَّا دُيُونُ اللَّهِ تَعَالَى كَنَفَقَةِ حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ وَزَكَاةٍ وَنَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ، فَتُخْرَجُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ ثُلُثِ الْمَال فَقَطْ، وَتُؤَدَّى عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ رَأْسِ مَال التَّرِكَةِ، لاَ مِنَ الثُّلُثِ فَقَطْ (1) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِرْث ف 7 وَمَا بَعْدَهَا) مُبْطِلاَتُ الْوَصِيَّةِ: تَبْطُل الْوَصِيَّةُ بِمَا يَأْتِي: أـ زَوَال أَهْلِيَّةِ الْمُوصِي بِالْجُنُونِ الْمُطْبِقِ وَنَحْوِهِ: 69 - تَبْطُل الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِالْجُنُونِ الْمُطْبِقِ وَنَحْوِهِ كَالْعَتَهِ الطَّارِئِ عَلَى الْمُوصِي، __________ (1) شَرْح السراجية 3 / 7، والشرح الصَّغِير 4 / 589، 617، 618، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 3 ـ 4، وكشاف الْقِنَاع 4 / 351 وَمَا بَعْدَهَا، ونيل الْمَآرِب 3 / 253، وابن عَابِدِينَ 5 / 423 ـ 424، واللباب 4 / 177 سَوَاءٌ اتَّصَل بِالْمَوْتِ أَوْ لَمْ يَتَّصِل بِأَنْ أَفَاقَ قَبْل الْمَوْتِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ كَالْوَكَالَةِ، فَيَكُونُ لِبَقَائِهِ حُكْمُ الإِْنْشَاءِ كَالْوَكَالَةِ فَتُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الْعَقْدِ إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ، كَمَا تُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الآْمِرِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ، وَلَمَّا كَانَ الْمَجْنُونُ غَيْرَ أَهْلٍ لإِِنْشَاءِ الْوَصِيَّةِ فِي الاِبْتِدَاءِ؛ لأَِنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مُلْزِمٍ، كَانَ طُرُوءُ الْجُنُونِ الْمُطْبِقِ مُبْطِلاً لَهُ. وَالْجُنُونُ الْمُطْبِقُ: مَا دَامَ شَهْرًا فَأَكْثَرَ، وَهُوَ رَأْيُ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: هُوَ مَا امْتَدَّ سَنَةً. فَإِنْ لَمْ يُطْبِقِ الْجُنُونُ لاَ تَبْطُل الْوَصِيَّةُ؛ لأَِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُشْبِهُ الإِْغْمَاءَ، وَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لاَ تَبْطُل الْوَصِيَّةُ، لأَِنَّ الإِْغْمَاءَ لاَ يُزِيل الْعَقْل. وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ طُرُوءَ الْجُنُونِ الطَّارِئِ غَيْرِ الْمُمْتَدِّ عَلَى الْمُوصِي لاَ يُبْطِل الْوَصِيَّةَ. قَال ابْنُ جُزَيٍّ: لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنَ الْمَجْنُونِ إِلاَّ حَال إِفَاقَتِهِ. وَقَال الْبُهُوتِيُّ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ فِي إِفَاقَةِ مَنْ يُخْنَقُ فِي بَعْضِ الأَْحْيَانِ، لأَِنَّهُ فِي إِفَاقَتِهِ عَاقِلٌ (1) . __________ (1) الْبَدَائِع 7 / 394، والدر الْمُخْتَار 5 / 469 ـ 471، وكشاف الْقِنَاع 4 / 336 ـ 337، والقوانين الْفِقْهِيَّة ص 401 ومواهب الْجَلِيل 6 / 460 والشرح الصَّغِير 4 / 580 وَقَال ابْنُ النَّجَّارِ بَعْدَ أَنْ أَوْضَحَ أَنَّ الْمُبَرْسَمَ لاَ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ، لَكِنْ إِنْ كَانَ يُفِيقُ أَحْيَانًا فَأَوْصَى حَال إِفَاقَتِهِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ فِي حُكْمِ الْعُقَلاَءِ فِي شَهَادَتِهِ وَوُجُوبِ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ (1) . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ طُرُوءَ الْجُنُونِ عَلَى الْمُوصِي لاَ يُبْطِل الْوَصِيَّةَ، لأَِنَّهَا إِذَا لَمْ تَبْطُل بِالْمَوْتِ فَأَوْلَى أَنْ لاَ تَبْطُل بِمَا دُونَهُ (2) . ب ـ رِدَّةُ الْمُوصِي: 70 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُل بِرِدَّةِ الْمُوصِي. وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمُوصِيَ إِذَا رَجَعَ لِلإِْسْلاَمِ بَعْدَ رِدَّتِهِ إِنْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً جَازَتْ وَإِلاَّ فَلاَ (3) . ج ـ رِدَّةُ الْمُوصَى لَهُ: 71 - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ __________ (1) مَعُونَة أُولِي النُّهَى 6 / 130 (2) قَوَاعِد الأَْحْكَامِ فِي مَصَالِحَ الأَْنَام 2 / 353 ط دَار الْقَلَم (3) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 3 / 300، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 426، والشرح الصَّغِير 4 / 584، والخرشي 8 / 170 الْوَصِيَّةَ لاَ تَبْطُل بِرِدَّةِ الْمُوصَى لَهُ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُل بِرِدَّةِ الْمُوصَى لَهُ (1) . د ـ الرُّجُوعُ عَنِ الْوَصِيَّةِ: 72 - تَبْطُل الْوَصِيَّةُ بِالرُّجُوعِ عَنْهَا، لأَِنَّهَا عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، فَيَجُوزُ لِلْمُوصِي الرُّجُوعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ؛ لأَِنَّ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ الإِْيجَابُ فَقَطْ، وَلأَِنَّهَا عَقْدٌ لاَ يَثْبُتُ حُكْمُهُ إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَى الإِْيجَابِ أَيُّ حَقٍّ لِلْمُوصَى لَهُ قَبْل ذَلِكَ، فَيَكُونُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الإِْمْضَاءِ وَالرُّجُوعِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: " يُغَيِّرُ الرَّجُل مَا شَاءَ مِنْ وَصِيَّتِهِ ". وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَال الشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَالنَّخَعِيُّ: يُغَيِّرُ مِنْهَا مَا شَاءَ إِلاَّ الْعِتْقَ لأَِنَّهُ إِعْتَاقٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَمْ يَمْلِكْ تَغْيِيرَهُ كَالتَّدْبِيرِ (2) . __________ (1) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 43، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 427، ومواهب الْجَلِيل 2 / 368 (2) مَعُونَة أُولِي النُّهَى 6 / 171، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 39، ومواهب الْجَلِيل 6 / 369، الفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 92 وَالرُّجُوعُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا أَوْ دَلاَلَةً. فَالرُّجُوعُ الصَّرِيحُ: مَا كَانَ بِلَفْظٍ هُوَ نَصٌّ فِي الرُّجُوعِ، مِثْل قَوْل الْمُوصِي: رَجَعْتُ عَنْ وَصِيَّتِي لِفُلاَنٍ، أَوْ تَرَكْتُهَا، أَوْ أَبْطَلْتُهَا، أَوْ نَقَضْتُهَا، أَوْ مَا أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلاَنٍ هُوَ لِوَرَثَتِي وَنَحْوُهُ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عُدُول الْمُوصِي عَنْ وَصِيَّتِهِ، وَهُوَ يَمْلِكُ الْعُدُول مَتَى شَاءَ (1) . وَالرُّجُوعُ دَلاَلَةً: كُل تَصَرُّفٍ أَوْ فِعْلٍ فِي الْمُوصَى بِهِ يُفِيدُ رُجُوعَهُ عَنِ الْوَصِيَّةِ، وَهُوَ يَشْمَل مَا يَأْتِي: أَوَّلاً: كُل تَصَرُّفٍ قَوْلِيٍّ يُخْرِجُ الْعَيْنَ عَنْ مِلْكِ الْمُوصِي يُعَدُّ رُجُوعًا، كَأَنْ يَبِيعَ الشَّيْءَ الْمُوصَى بِهِ أَوْ يَهَبَهُ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ يَجْعَلَهُ مَهْرًا أَوْ وَقْفًا، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ثَانِيًا: كُل فِعْلٍ فِي الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا يَدُل عَلَى الرُّجُوعِ عَنِ الْوَصِيَّةِ، كَذَبْحِ الشَّاةِ الْمُوصَى بِهَا، وَغَزْل الْقُطْنِ الْمُوصَى بِهِ، __________ (1) مَعُونَة أُولِي النُّهَى 6 / 171، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 460، والخرشي 8 / 172، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 92، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 71، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 63 وَمَا بَعْدَهَا وَنَسْجِ الْغَزْل (1) . أَمَّا لَوْ تَصَرَّفَ الْمُوصِي فِي الْمُوصَى بِهِ تَصَرُّفًا يُزِيل اسْمَهُ فَيُعَدُّ رُجُوعًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. كَمَا لَوْ قَال: أَوْصَيْتُ لِزَيْدٍ بِهَذِهِ الْغِرَارَةِ الْحِنْطَةِ فَطَحَنَهَا فَصَارَ اسْمُهَا دَقِيقًا، أَوْ وَصَّى لإِِنْسَانٍ بِشَيْءٍ مِنْ غَزْلٍ فَنَسَجَ الْغَزَل فَصَارَ يُسَمَّى ثَوْبًا، أَوْ بَنَى الْحَجَرَ أَوِ الآْجُرَّ الْمُوصَى بِهِ فَصَارَ حَائِطًا أَوْ دَارًا، أَوْ غَرَسَ نَوًى مُوصًى بِهِ فَصَارَ شَجَرًا، أَوْ نَجَرَ الْخَشَبَةَ الْمُوصَى بِهَا فَصَارَتْ بَابًا، أَوْ أَعَادَ دَارًا انْهَدَمَتْ، أَوْ جَعَلَهَا حَمَّامًا، أَوْ كَانَ سَفِينَةً فَتَكَسَّرَتْ وَصَارَ اسْمُهَا خَشَبًا فَرُجُوعٌ فِي الْجَمِيعِ (2) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي مَعْرِضِ الْكَلاَمِ عَنِ الرُّجُوعِ دَلاَلَةً: كُل فِعْلٍ لَوْ فَعَلَهُ الإِْنْسَانُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ، فَإِذَا فَعَلَهُ الْمُوصِي كَانَ رُجُوعًا، وَكَذَا كُل فِعْلٍ يُوجِبُ زِيَادَةً فِي __________ (1) غَايَة الْمُنْتَهَى 2 / 353 ـ 354، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 92 ـ 93، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 428، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 71ـ 72 (2) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 92ـ93، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 72، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 307، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 63، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 173 ـ 174، وغاية الْمُنْتَهَى 2 / 254 الْمُوصَى بِهِ لاَ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إِلاَّ بِهَا فَهُوَ رُجُوعٌ إِذَا فَعَلَهُ، وَكَذَا كُل تَصَرُّفٍ أَوْجَبَ زَوَال مِلْكِ الْمُوصِي فَهُوَ رُجُوعٌ (1) . هـ - رَدُّ الْوَصِيَّةِ: 73 - تَبْطُل الْوَصِيَّةُ إِذَا رَدَّهَا الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي، كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ صِيغَةِ الْوَصِيَّةِ (ر: ف 9 ـ 11) . وـ مَوْتُ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي: 74 - تَبْطُل الْوَصِيَّةُ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ سَوَاءٌ عَلِمَ الْمُوصِي بِمَوْتِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ لاَ تَلْزَمُ إِلاَّ بِوَفَاةِ الْمُوصِي وَقَبُول الْمُوصَى لَهُ. وَكَذَلِكَ تَبْطُل الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي قَبْل الْقَبُول. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ تَبْطُل؛ لأَِنَّ الْقَبُول مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ عَدَمُ الرَّدِّ. (ر: ف 9) ز ـ قَتْل الْمُوصَى لَهُ الْمُوصِيَ: 75 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بُطْلاَنِ الْوَصِيَّةِ __________ (1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 92 بِقَتْل الْمُوصَى لَهُ الْمُوصِيَ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى بُطْلاَنِهَا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى عَدَمِ الْبُطْلاَنِ وَذَلِكَ عَلَى تَفْصِيلٍ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي شُرُوطِ الْمُوصَى لَهُ. (ر: ف 37) ح ـ هَلاَكُ الْمُوصَى بِهِ الْمُعَيَّنِ أَوِ اسْتِحْقَاقُهُ: 76 - تَبْطُل الْوَصِيَّةُ إِذَا كَانَ الْمُوصَى بِهِ مُعَيَّنًا بِالذَّاتِ، وَهَلَكَ قَبْل قَبُول الْمُوصَى لَهُ؛ لِفَوَاتِ مَحَل حُكْمِ الْوَصِيَّةِ، وَيَسْتَحِيل ثُبُوتُ حُكْمِ التَّصَرُّفِ أَوْ بَقَاؤُهُ بِدُونِ وُجُودِ مَحَلِّهِ أَوْ بَقَائِهِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِهَذِهِ الشَّاةِ، فَهَلَكَتْ، تَبْطُل الْوَصِيَّةُ؛ لأََنَّ الْوَصِيَّةَ تَعَلَّقَتْ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ وَقْتَ الإِْيصَاءِ، وَقَدْ فَاتَتْ بَعْدَئِذٍ، فَفَاتَ مَحَل الْوَصِيَّةِ. وَكَذَلِكَ تَبْطُل الْوَصِيَّةُ إِذَا كَانَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ فِي شَيْءٍ بِذَاتِهِ أَوْ مِنْ نَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنْ أَمْوَالِهِ، كَأَنْ يُوصِيَ بِنِصْفِ هَذِهِ الدَّارِ، أَوْ يُوصِيَ بِفَرَسٍ مِنْ أَفْرَاسِهِ الْعَشَرَةِ الْمَعْلُومَةِ، فَهَلَكَتْ، أَوْ بِنِصْفِ دُورِهِ فَهُدِمَتْ، فَلاَ شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ، لِفَوَاتِ مَحَل الْوَصِيَّةِ. وَتَبْطُل الْوَصِيَّةُ أَيْضًا بِاسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ الاِسْتِحْقَاقُ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي أَمْ بَعْدَهُ؛ لأَِنَّ بِالاِسْتِحْقَاقِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، فَتَبْطُل (1) . (ر: اسْتِحْقَاق ف 32) ط ـ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ: 77 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بُطْلاَنِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ عَلَى تَفْصِيلٍ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوصَى لَهُ. (ر: ف 35 - 36) الْمُحَاصَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ: 78 - الأَْصْل فِي الْوَصِيَّةِ أَنَّهَا لاَ تَجُوزُ بِأَزْيَدَ مِنْ ثُلُثِ الْمَال إِنْ كَانَ هُنَاكَ وَارِثٌ، فَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِأَزْيَدَ مِنْ ثُلُثِ الْمَال فَإِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ تَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوا جَازَتِ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوا بَطَلَتْ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ (2) . وَعَلَى ذَلِكَ فَمَنْ أَوْصَى بِوَصَايَا تَزِيدُ عَلَى __________ (1) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 394، وابن عَابِدِينَ 5 / 431، وتكملة فَتْح الْقَدِير 10 / 456 وَمَا بَعْدَهَا، ومطالب أُولِي النُّهَى 46، والمغني 6 / 154 ـ 155، وغاية الْمُنْتَهَى 2 / 368، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 440، والخرشي 8 / 182، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 72 (2) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 369، والفواكه الدَّوَانِي 2 / 189، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 46 ـ 47، والمغني 6 / 13 ثُلُثِ مَالِهِ وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ وَكَانَ الثُّلُثُ يَضِيقُ بِالْوَصَايَا فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُمْ يَتَحَاصُّونَ فِي مِقْدَارِ ثُلُثِ التَّرِكَةِ بِنِسْبَةِ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمْ فَيَدْخُل النَّقْصُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ، فَمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلآِخَرَ بِالسُّدُسِ وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا أَثْلاَثًا فَيَقْتَسِمَانِهِ عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا كَمَا فِي أَصْحَابِ الدُّيُونِ الَّذِينَ يَتَحَاصُّونَ مَال الْمُفْلِسِ، وَهَذَا أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ (1) . إِلاَّ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ تَفْصِيلاً بَيَانُهُ كَمَا يَلِي: 79 - قَال الْحَنَفِيَّةُ إِذَا اجْتَمَعَ الْوَصَايَا فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْعِبَادِ أَوْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ اعْتِبَارَ التَّقْدِيمِ مُخْتَصٌّ بِحُقُوقِهِ تَعَالَى لِكَوْنِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَاحِدًا، وَأَمَّا إِذَا تَعَدَّدَ فَلاَ يُعْتَبَرُ. فَمَا لِلْعِبَادِ خَاصَّةً لاَ يُعْتَبَرُ فِيهَا التَّقْدِيمُ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لإِِنْسَانٍ ثُمَّ بِهِ لآِخَرَ إِلاَّ أَنْ يَنُصَّ عَلَى التَّقْدِيمِ، أَوْ يَكُونَ الْبَعْضُ عِتْقًا أَوْ مُحَابَاةً. __________ (1) الْبَدَائِع 7 / 374 وتكملة فَتْح الْقَدِير 9 / 368 نَشْر دَار إِحْيَاء التُّرَاثِ العربي والدر الْمُخْتَار مَعَ حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 427، والفواكه الدَّوَانِي 2 / 191، والمدونة 6 / 51، 54، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 48، وكشاف الْقِنَاع 4 / 340، والمغني 6 / 159 وَمَا لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنْ كَانَ كُلُّهُ فَرَائِضَ كَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ أَوْ وَاجِبَاتٍ كَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ أَوْ تَطَوُّعَاتٍ كَالْحَجِّ التَّطَوُّعِ وَالصَّدَقَةِ لِلْفُقَرَاءِ يَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمَيِّتُ. وَإِنِ اخْتَلَطَتْ يَبْدَأْ بِالْفَرَائِضِ قَدَّمَهَا الْمُوصِي أَوْ أَخَّرَهَا، ثُمَّ بِالْوَاجِبَاتِ وَمَا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ حَقِّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْعِبَادِ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ الثُّلُثَ عَلَى جَمِيعِهَا وَيَجْعَل كُل جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْقُرَبِ مُفْرَدَةً بِالضَّرْبِ وَلاَ يَجْعَل كُلَّهَا جِهَةً وَاحِدَةً، لأَِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِجَمِيعِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى فَكُل وَاحِدَةٍ مِنْهَا فِي نَفْسِهَا مَقْصُودَةٌ فَتَنْفَرِدُ كَوَصَايَا الآْدَمِيِّينَ ثُمَّ تُجْمَعُ فَيُقَدَّمُ فِيهَا الأَْهَمُّ فَالأَْهَمُّ. فَلَوْ قَال: ثُلُثُ مَالِي فِي الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَلِزَيْدٍ وَالْكَفَّارَاتِ قُسِّمَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ وَلاَ يُقَدَّمُ الْفَرْضُ عَلَى حَقِّ الآْدَمِيِّ لِحَاجَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الآْدَمِيُّ غَيْرَ مُعَيَّنٍ بِأَنْ أَوْصَى بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَلاَ يُقَسَّمُ بَل يُقَدَّمُ الأَْقْوَى فَالأَْقْوَى لأَِنَّ الْكُل يَبْقَى حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ. هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَصِيَّةِ عِتْقٌ مُنْفَذٌ فِي الْمَرَضِ، أَوْ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ كَالتَّدْبِيرِ وَلاَ مُحَابَاةٌ مُنْجَزَةٌ فِي الْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَ بُدِئَ بِهِمَا ثُمَّ يُصْرَفُ الْبَاقِي إِلَى سَائِرِ الْوَصَايَا، وَإِنْ تَسَاوَتْ قُوَّةً قُدِّمَ مَا قَدَّمَ إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا (1) . وَقَالُوا: إِنْ كَانَتِ الْوَصَايَا أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ التَّرِكَةِ وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُمْ يَتَحَاصُّونَ فِي ثُلُثِ التَّرِكَةِ فَيَأْخُذُ كُل وَاحِدٍ بِنِسْبَةِ وَصِيَّتِهِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ فُقَهَاءِ الْمَذْهَبِ إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُوصَى لَهُمْ لاَ تَزِيدُ عَلَى ثُلُثِ التَّرِكَةِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا لَمْ تَزِدْ كُل وَاحِدَةٍ مِنَ الْوَصَايَا عَلَى الثُّلُثِ كَثُلُثٍ لِوَاحِدٍ وَسُدُسٍ لآِخَرَ وَرُبُعٍ لآِخَرَ وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ فِي الثُّلُثِ وَلاَ يُقَسَّمُ الثُّلُثُ سَوِيَّةً بَيْنَهُمُ اتِّفَاقًا مَا لَمْ يَسْتَوِيَا فِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ كَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِزَيْدٍ وَلآِخَرَ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ اتِّفَاقًا (2) . قَال فِي الْهِدَايَةِ وَشُرُوحِهَا: لأَِنَّهُ يَضِيقُ الثُّلُثُ عَنْ حَقِّهِمَا إِذْ لاَ يُزَادُ عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ الإِْجَازَةِ وَقَدْ تَسَاوَيَا فِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الاِسْتِحْقَاقِ، وَالْمَحَل يَقْبَل الشَّرِكَةَ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا (3) . وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لأَِحَدِ الْمُوصَى لَهُمْ أَزْيَدَ __________ (1) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 423 ـ 424 (2) الدُّرّ المختار وحاشية ابْن عَابِدِينَ عَلَيْهِ 5 / 427 (3) الْهِدَايَة وَشُرُوحهَا 9 / 368 نَشْر دَار إِحْيَاء التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ مِنَ الثُّلُثِ كَمَنْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلِلآْخَرِ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ فَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: الْمُوصَى لَهُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لاَ يَضْرِبُ فِي الثُّلُثِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ إِلاَّ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل الْمُسْتَثْنَاةِ، فَفِي هَذَا الْمِثَال ـ وَهُوَ الْوَصِيَّةُ بِجَمِيعِ الْمَال لِرَجُلٍ وَبِثُلُثِهِ لِرَجُلٍ آخَرَ مَعَ عَدَمِ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ ـ يَكُونُ ثُلُثُ التَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، لأَِنَّ الْمُوصِيَ قَصَدَ شَيْئَيْنِ: الاِسْتِحْقَاقَ عَلَى الْوَرَثَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَتَفْضِيل بَعْضِ أَهْل الْوَصَايَا عَلَى بَعْضٍ، وَالثَّانِي ـ وَهُوَ التَّفْضِيل ـ ثَبَتَ فِي ضِمْنِ الأَْوَّل، وَلَمَّا بَطَل الأَْوَّل وَهُوَ الزَّائِدُ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ وَعَدَمِ إِجَازَتِهِمْ بَطَل مَا فِي ضِمْنِهِ وَهُوَ التَّفْضِيل، فَصَارَ كَأَنَّهُ أَوْصَى لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِالثُّلُثِ فَيُنَصَّفُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَتَحَاصُّ الْمُوصَى لَهُمْ فِي الثُّلُثِ بِنِسْبَةِ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمْ فَيَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ، لِلْمُوصَى لَهُ بِالْكُل ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ سَهْمٌ، لأَِنَّ الْبَاطِل هُوَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَهُوَ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ اللَّذَيْنِ قَصَدَهُمَا الْمُوصِي وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ، وَهَذَا قَدْ بَطَل لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، وَأَمَّا الشَّيْءُ الآْخَرُ وَهُوَ قَصْدُ الْمُوصِي تَفْضِيل أَحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ فَلاَ مَانِعَ مِنْهُ فَقَدْ جُعِل الْمُوصَى لِصَاحِبِ الْكُل ـ وَهُوَ مَنْ أَوْصَى لَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ ـ ثَلاَثَةَ أَمْثَال مَا جَعَلَهُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ فَيَأْخُذُ مِنْ ثُلُثِ الْمَال بِحِصَّةِ ذَلِكَ الزَّائِدِ بِأَنْ يُقَسَّمَ أَرْبَاعًا، ثَلاَثَةٌ مِنْهَا لِصَاحِبِ الْكُل وَوَاحِدٌ لِلآْخَرِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالصَّحِيحُ قَوْل الإِْمَامِ كَمَا فِي تَصْحِيحِ الْعَلاَّمَةِ قَاسِمٍ وَالدُّرِّ الْمُنْتَقَى عَنِ الْمُضْمَرَاتِ وَغَيْرِهِ (1) . 80 - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مِنَ الْوَصَايَا مَا يُقَدَّمُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا كَفَكِّ الأَْسِيرِ، ثُمَّ الْمُدَبَّرِ فِي الصِّحَّةِ، ثُمَّ زَكَاةِ مَالٍ أَوْصَى بِهَا، ثُمَّ زَكَاةِ فِطْرٍ، ثُمَّ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ وَقَتْلٍ، ثُمَّ كَفَّارَةِ يَمِينٍ ثُمَّ النَّذْرِ الَّذِي لَزِمَهُ. . ثُمَّ ذَكَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُعْتَبَرُ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ثُمَّ أَوْصَى بِالْحَجِّ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْحَجُّ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ فِي الثُّلُثِ وَلاَ يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآْخَرِ (2) . __________ (1) الدَّرّ الْمُخْتَار وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ عَلَيْهِ 5 / 427، 428، والهداية وَشُرُوحهَا 9 / 368، 369، والبدائع 7 / 374 (2) الشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 444، والخرشي 8 / 851، والفواكه الدَّوَانِي 2 / 191 جَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ وَأَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ رَقَبَةٌ قَال: قَال لِي مَالِكٌ: الرَّقَبَةُ مُبْدَأَةٌ عَلَى الْحَجِّ لأَِنَّ الْحَجَّ لَيْسَ عِنْدَنَا أَمْرًا مَعْمُولاً بِهِ، وَقَدْ قَال أَيْضًا: أَنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ، وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَالٍ، وَأَوْصَى بِعِتْقِ رَقَبَةٍ تَحَاصَّا، وَإِذَا أَوْصَى بِمَالٍ وَأَوْصَى بِالْحَجِّ تَحَاصَّا (1) . وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْوَصَايَا الَّتِي لاَ تَبْدِئَةَ فِيهَا وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا فَإِنَّ أَهْل الْوَصَايَا يَتَحَاصُّونَ فِيهَا، جَاءَ فِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي: إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ أَيْ لَمْ يَسَعْ جَمِيعَ مَا أَوْصَى بِهِ تَحَاصَّ أَهْل الْوَصَايَا الَّتِي لاَ تَبْدِئَةَ فِيهَا كَمَا يَتَحَاصُّ غُرَمَاءُ الْمُفْلِسِ فِي الْمَال الَّذِي يَتَحَصَّل مِنْ أَثْمَانِ مَا بِيعَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِنِسْبَةِ دُيُونِهِمْ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ، وَالْوَصَايَا الَّتِي لاَ تَبْدِئَةَ فِيهَا هِيَ الَّتِي لَمْ يُرَتِّبْهَا الْمُوصِي وَلاَ الشَّارِعُ كَأَنْ يُوصِيَ لِشَخْصٍ بِنِصْفِ مَالِهِ مَثَلاً، وَلآِخَرَ بِثُلُثِهِ فَإِنْ لَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ الزَّائِدَ عَلَى الثُّلُثِ اقْتَسَمَا الثُّلُثَ عَلَى النِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَهُمَا مُتَبَايِنَانِ، وَمَقَامُهُمَا مِنْ سِتَّةٍ: لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلاَثَةٌ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ، وَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَهِيَ الْمُحَاصَّةُ فَاجْعَلْهَا ثُلُثَ الْمَال يَكُونُ الْمَال خَمْسَةَ عَشَرَ: خَمْسَةٌ لِلْمُوصَى لَهُمْ، الْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ لَهُ __________ (1) الْمُدَوَّنَة 6 / 42 ثَلاَثَةٌ، وَالْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ اثْنَانِ، وَتَبْقَى عَشَرَةٌ لأَِهْل الْفَرِيضَةِ. وَإِنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِنِصْفِ مَالِهِ وَلآِخَرَ بِرُبُعِهِ فَإِنَّكَ تَأْخُذُ مَقَامَ النِّصْفِ وَمَقَامَ الرُّبُعِ وَتَنْظُرُ بَيْنَهُمَا فَتَجِدُهُمَا مُتَدَاخِلَيْنِ فَتَكْتَفِي بِالأَْرْبَعَةِ فَتَأْخُذُ نِصْفَهَا وَرُبُعَهَا، يَكُونُ الْمَجْمُوعُ ثَلاَثَةً تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَسْهُمٍ، لِصَاحِبِ الرُّبُعِ: سَهْمٌ، وَلِلآْخَرِ سَهْمَانِ. وَإِنْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلآِخَرَ بِرُبُعِهِ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةٌ وَلِصَاحِبِ الرُّبُعِ ثَلاَثَةٌ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ، وَحِسَابُ هَذَا عَلَى حِسَابِ عَوْل الْفَرَائِضِ سَوَاءٌ (1) . وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ التَّحَاصُصُ الْوَصِيَّةَ لِمَجْهُولٍ وَاحِدٍ أَوْ مُتَعَدِّدٍ مَعَ وَصِيَّةٍ لِمَعْلُومٍ كَمَنْ أَوْصَى بِوَقِيدِ مِصْبَاحٍ عَلَى الدَّوَامِ لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ مَثَلاً بِدِرْهَمٍ كُل لَيْلَةٍ وَشِرَاءِ خُبْزٍ يُفَرَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ كُل يَوْمٍ بِدِرْهَمَيْنِ، وَتَسْبِيل مَاءٍ عَلَى الدَّوَامِ بِدِرْهَمَيْنِ مَعَ الْوَصِيَّةِ لِمَعْلُومٍ كَالْوَصِيَّةِ لِزَيْدٍ بِكَذَا وَلِعَمْرٍو بِكَذَا فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُضْرَبُ لِلْمَجْهُول بِالثُّلُثِ أَيْ ثُلُثِ الْمَال أَيْ يُجْعَل الثُّلُثُ فَرِيضَةً ثُمَّ يُضَمُّ إِلَيْهَا مَا أَوْصَى __________ (1) الْفَوَاكِه الدَّوَانِي 2 / 191، والمدونة 6 / 54، 55 بِهِ لِلْمَعْلُومِ وَهُوَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، وَيُجْعَل بِمَنْزِلَةِ فَرِيضَةٍ عَالَتْ، فَإِذَا كَانَ ثُلُثُ الْمَال ثَلاَثَمِائَةٍ جُعِل كُلُّهُ لِلْمَجْهُول ثُمَّ يُضَافُ إِلَيْهِ الْمَعْلُومُ، فَإِذَا كَانَ الْمَعْلُومُ مَثَلاً ثَلاَثَمِائَةٍ فَكَأَنَّهَا عَالَتْ بِمِثْلِهَا فَيُعْطَى الْمَعْلُومُ فَأَكْثَرُ نِصْفَ الثَّلاَثِمِائَةِ وَيَبْقَى نِصْفُهَا لِلْمَجْهُول، وَلَوْ كَانَ الْمَعْلُومُ مِائَةً زِيدَتْ عَلَى الثَّلاَثِمِائَةِ فَكَأَنَّمَا عَالَتْ بِمِثْل رُبُعِهَا فَيُعْطَى الْمَعْلُومُ رُبُعَ الثَّلاَثِمِائَةِ وَيَبْقَى الْبَاقِي لِلْمَجْهُول. ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي تَقْسِيمِ مَا حَصَل لِلْمَجْهُول هَل يُقَسَّمُ بِالْحِصَصِ أَوْ بِالتَّسَاوِي؟ قَوْلاَنِ (1) . وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَال مَالِكٌ: إِذَا أَوْصَى رَجُلٌ فَقَال: أَوْقِدُوا فِي هَذَا الْمَسْجِدِ مِصْبَاحًا أَقِيمُوهُ لَهُ، وَأَوْصَى مَعَ ذَلِكَ بِوَصَايَا فَإِنَّهُ يُنْظَرُ كَمْ قِيمَةُ ثُلُثِ الْمَيِّتِ وَإِلَى مَا أَوْصَى بِهِ مِنَ الْوَصَايَا ثُمَّ يَتَحَاصُّونَ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ، يُحَاصُّ لِلْمَسْجِدِ بِقِيمَةِ الثُّلُثِ، وَلِلْوَصَايَا بِمَا سَمَّى لَهُمْ فِي الثُّلُثِ، فَمَا صَارَ لِلْمَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمُحَاصَّةِ أُوقِفَ لَهُ فَيُسْتَصْبَحُ بِهِ فِيهِ حَتَّى يُنْجَزَ. وَقَال سَحْنُونٌ: إِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ بِشَيْءٍ لَهُ غَايَةٌ وَلاَ أَمَدَ مِثْل أَنْ يَقُول: أَعْطُوا الْمَسَاكِينَ كُل يَوْمٍ خُبْزَةً، أَوْ قَال: اسْقُوا كُل يَوْمٍ رَاوِيَةَ مَاءٍ فِي السَّبِيل، فَهَذَا كَأَنَّهُ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فَإِنَّمَا __________ (1) الشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 435، والخرشي 8 / 178 يُحَاصُّ لِهَذَا بِالثُّلُثِ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ قَدْ أَوْصَى مَعَ هَذَا بِوَصَايَا، قَال سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ كُل مَا كَانَ لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَجَلٍ مِثْل أَنْ يَقُول: أَعْطُوا الْمَسَاكِينَ دِرْهَمًا كُل يَوْمٍ أَوْ كُل شَهْرٍ وَلَمْ يُؤَجِّل فَإِنَّهُمْ يُضْرَبُ لَهُمْ بِالثُّلُثِ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ قَدْ أَوْصَى مَعَهُمْ بِوَصَايَا (1) . وَمِمَّا يَقَعُ فِيهِ التَّحَاصُصُ أَيْضًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ النَّذْرُ وَمُبْتَل الْمَرِيضِ إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ حَمْلِهَا بِخِلاَفِ مَا إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْل. فَإِنَّهُمَا لاَ تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا وَلَكِنْ لاَ يَتَحَاصَّانِ وَإِنَّمَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ لاَ تَتَبَعَّضُ (2) . 81 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا اجْتَمَعَ فِي الْوَصِيَّةِ تَبَرُّعَاتٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَوْتِ، وَعَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهَا وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِتَبَرُّعَاتٍ غَيْرِ الْعِتْقِ فَإِنَّ الثُّلُثَ يُقَسَّطُ عَلَى جَمِيعِ التَّبَرُّعَاتِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ أَوِ الْمِقْدَارِ كَمَا تُقَسَّمُ التَّرِكَةُ بَيْنَ أَرْبَابِ الدُّيُونِ، فَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِائَةٍ وَلِبَكْرٍ بِخَمْسِينَ، وَلِعَمْرٍو بِخَمْسِينَ، وَثُلُثُ مَالِهِ مِائَةٌ، أَعْطَى الأَْوَّل خَمْسِينَ، وَكُلًّا مِنَ الآْخَرَيْنِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَلاَ يُقَدَّمُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالسَّبْقِ لأَِنَّ الْوَصَايَا إِنَّمَا تُمْلَكُ بِالْمَوْتِ فَاسْتَوَى فِيهِ حُكْمُ __________ (1) الْمُدَوَّنَة 6 / 51 (2) الْفَوَاكِه الدَّوَانِي 2 / 191 الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ. وَقَاسَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى الْعَوْل فِي الْفَرَائِضِ، وَهَذَا عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، فَلَوْ رَتَّبَ كَأَنْ قَال: أَعْطُوا زَيْدًا مِائَةً ثُمَّ عَمْرًا مِائَةً جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ تَرْتِيبِهِ. وَلَوِ اجْتَمَعَ عِتْقٌ مَعَ تَبَرُّعَاتٍ أُخْرَى فِي الْوَصِيَّةِ، كَمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ وَأَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِائَةٍ فَإِنَّ الثُّلُثَ يُقَسَّطُ عَلَيْهِمَا بِالْقِيمَةِ لِلْعَتِيقِ لاِتِّحَادِ وَقْتِ الاِسْتِحْقَاقِ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً وَالثُّلُثُ مِائَةً عُتِقَ نِصْفُهُ، وَأُعْطِيَ لِزَيْدٍ خَمْسُونَ، وَفِي قَوْلٍ يُقَدَّمُ الْعِتْقُ لِقُوَّتِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الآْدَمِيِّ (1) . وَإِنْ وَكَّل الْمُوصِي وَكِيلاً فِي هِبَةٍ وَوَكَّل آخَرَ فِي بَيْعٍ بِمُحَابَاةٍ وَوَكَّل آخَرَ فِي صَدَقَةٍ، وَتَصَرَّفَ الْوُكَلاَءُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، قُسِّطَ الثُّلُثُ عَلَى الْكُل بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَمَا يُفْعَل فِي الدُّيُونِ. وَإِنْ كَانَ فِي تَصَرُّفِ الْوُكَلاَءِ عِتْقٌ قُسِّطَ الثُّلُثُ عَلَيْهَا أَيْضًا، وَفِي قَوْلٍ يُقَدَّمُ الْعِتْقُ (2) . وَقَالُوا: إِنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنِ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنْجَزَةِ فِي الْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ التَّبَرُّعَاتُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ نُظِرَتْ: فَإِنْ كَانَتْ فِي هِبَاتٍ أَوْ __________ (1) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 48، والمهذب 1 / 461، وتحفة الْمُحْتَاج 7 / 25 (2) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 49 مُحَابَاةٍ قُسِّمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْجَمِيعِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي اللُّزُومِ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَفَاضِلَةَ الْمِقْدَارِ قُسِّمَ الثُّلُثُ عَلَيْهَا عَلَى التَّفَاضُل، وَإِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً قُسِّمَ بَيْنَهَا عَلَى التَّسَاوِي كَمَا يُفْعَل فِي الدُّيُونِ، وَإِنْ كَانَ عِتْقًا فِي عَبِيدٍ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ. وَإِنْ وَقَعَتِ التَّبَرُّعَاتُ مُتَفَرِّقَةً قُدِّمَ الأَْوَّل فَالأَْوَّل، عِتْقًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لأَِنَّ الأَْوَّل سَبَقَ فَاسْتُحِقَّ بِهِ الثُّلُثُ فَلَمْ يَجُزْ إِسْقَاطُهُ بِمَا بَعْدَهُ. وَإِنْ كَانَتِ التَّبَرُّعَاتُ وَصَايَا وَعَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهَا لَمْ يُقَدَّمْ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالسَّبْقِ لأَِنَّ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ يَلْزَمُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَهُوَ بَعْدَ الْمَوْتِ (1) . 82 - وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ قَوْل ابْنِ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ: مَنْ أَوْصَى بِوَصَايَا وَتَجَاوَزَتِ الْوَصَايَا الثُّلُثَ وَرَدَّ الْوَرَثَةُ الزِّيَادَةَ فَإِنَّ الثُّلُثَ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ عَلَى قَدْرِ وَصَايَاهُمْ، وَيَدْخُل النَّقْصُ عَلَى كُل وَاحِدٍ بِقَدْرِ مَا لَهُ مِنَ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةُ بَعْضِهِمْ عِتْقًا، لأَِنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الأَْصْل وَتَفَاوَتُوا فِي الْمِقْدَارِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، فَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلآِخَرَ بِمِائَةٍ وَلآِخَرَ بِمُعَيَّنٍ قِيمَتُهُ خَمْسُونَ وَوَصَّى بِفِدَاءِ أَسِيرٍ بِثَلاَثِينَ __________ (1) الْمُهَذَّب 1 / 461 وَلِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ بِعِشْرِينَ وَثُلُثُ مَالِهِ مِائَةٌ، جَمَعْتَ الْوَصَايَا كُلَّهَا فَوَجَدْتَهَا ثَلاَثَمِائَةٍ وَنَسَبْتَ مِنْهَا الثُّلُثَ فَتَجِدُهُ ثُلُثَهَا فَتُعْطِي كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثَ وَصِيَّتِهِ، فَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ الْمِائَةُ وَكَذَلِكَ لِصَاحِبِ الْمِائَةِ وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْخَمْسِينَ إِلَى ثُلُثِهَا، وَلِفِدَاءِ الأَْسِيرِ عَشَرَةٌ وَلِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ سِتَّةٌ وَثُلُثَانِ (1) . وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ إِذَا اشْتَمَلَتِ الْوَصَايَا عَلَى عِتْقٍ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ الْعِتْقُ، يُبْدَأُ بِهِ وَلَوِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ. وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَبِهِ يَقُول شُرَيْحٌ وَمَسْرُوقٌ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَقَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ، لأَِنَّ فِيهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَحَقًّا لآِدَمِيٍّ فَكَانَ آكَدَ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَلْحَقُهُ فَسْخٌ وَيَلْحَقُ غَيْرَهُ ذَلِكَ (2) . كِتَابَةُ الْوَصِيَّةِ وَالإِْشْهَادُ عَلَيْهَا: 83 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِ إِذَا أَوْصَى أَنْ يَكْتُبَ وَصِيَّتَهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ ثَلاَثَ لَيَالٍ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ " (3) وَفِي لَفْظٍ: __________ (1) الْمُغْنِي 6 / 159، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 450 (2) الْمُغْنِي 6 / 159، والإنصاف 7 / 195 (3) حَدِيث: " مَا حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. . . ". تَقَدَّمَ تَخْرِيجه فِقْرَة (7) " يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ". (1) وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُوصِي أَنْ يَبْدَأَهَا بِالْبَسْمَلَةِ، وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحَمْدِ وَنَحْوِهِ وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ الشَّهَادَتَيْنِ كِتَابَةً أَوْ نُطْقًا، ثُمَّ الإِْشْهَادِ عَلَى الْوَصِيَّةِ، لأَِجْل صِحَّتِهَا وَنَفَاذِهَا، وَمَنْعًا مِنَ احْتِمَال جُحُودِهَا وَإِنْكَارِهَا (2) . رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلاَنٌ أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَوْصَى مَنْ تَرَكَ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَيُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، أَوْصَاهُمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ (3) : ( {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ) (4) . __________ (1) رِوَايَة حَدِيث: " يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (3 / 1249) (2) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 347، والشرح الصَّغِير 4 / 601، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 39، وكفاية الأَْخْيَار 1 / 55، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ 6 / 70 (3) أَثَر أَنَس: كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ. . أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي الْمُصَنَّفِ (9 / 53 ط الْمَجْلِس الْعِلْمِيّ) (4) سُورَة الْبَقَرَة: 132 طُرُقُ إِثْبَاتِ الْوَصِيَّةِ: 86 - تَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ بِطُرُقِ الإِْثْبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، كَالشَّهَادَةِ وَالْكِتَابَةِ: أَمَّا الْكِتَابَةُ: فَمُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا كَانَتْ مُسْتَبِينَةً مَرْسُومَةً، أَيْ مُسْطَرَةً عَلَى وَرَقٍ وَنَحْوِهِ، وَمُعَنْوَنَةً أَيْ مُصَدَّرَةً بِالْعُنْوَانِ: وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ: مِنْ فُلاَنٍ إِلَى فُلاَنٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَبِينَةً، كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْهَوَاءِ وَالرَّقْمِ عَلَى الْمَاءِ فَلاَ تُعْتَبَرُ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَبِينَةً غَيْرَ مَرْسُومَةٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْجُدْرَانِ وَأَوْرَاقِ الشَّجَرِ، فَهِيَ كِنَايَةٌ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنَ النِّيَّةِ، وَلَكِنْ لاَ يُقْضَى بِالْخَطِّ الْمُجَرَّدِ عِنْدَهُمْ إِلاَّ فِي مَسَائِل: كِتَابِ أَهْل الْحَرْبِ بِطَلَبِ الأَْمَانِ إِلَى الإِْمَامِ، وَدَفْتَرِ السِّمْسَارِ وَالصَّرَّافِ وَالْبَيَّاعِ (1) . وَتَنْعَقِدُ الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِالْكِتَابَةِ، بِأَنْ نَوَى بِالْمَكْتُوبِ الْوَصِيَّةَ، وَأَعْرَبَ بِالنِّيَّةِ نُطْقًا، أَوْ أَقَرَّ بِهَا وَرَثَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَلاَ تَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ بِالْخَطِّ الْمُجَرَّدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلاَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لإِِمْكَانِ التَّزْوِيرِ __________ (1) تَكْمِلَة فَتْحِ الْقَدِير وَالْعِنَايَةِ 8 / 511 وَمَا بَعْدَهَا، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 2 / 347، ورد الْمُحْتَار 3 / 443 وَتَشَابُهِ الْخُطُوطِ. وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى كِتَابِ الْوَصِيَّةِ: فَتَكُونُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بَعْدَ قِرَاءَتِهِ عَلَى الشُّهُودِ، فَيَسْمَعُ الشُّهُودُ مِنَ الْمُوصِي مَضْمُونَهُ، أَوْ تُقْرَأُ عَلَيْهِ فَيُقِرُّ بِمَا فِيهَا؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لاَ يَجُوزُ بِرُؤْيَةِ خَطِّ الشَّاهِدِ بِالشَّهَادَةِ بِالإِْجْمَاعِ (1) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: تَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ إِنْ كَانَتْ بِخَطِّ الْمُوصِي مَعَ الإِْشْهَادِ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهَا عَلَى الشُّهُودِ وَلَمْ يَفْتَحْ كِتَابَ الْوَصِيَّةِ، وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ حَيْثُ أَشْهَدَ بِقَوْلِهِ لِلشُّهُودِ: اشْهَدُوا بِمَا فِي هَذِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا مَحْوٌ، حَتَّى وَلَوْ بَقِيَ كِتَابُ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمُوصِي، وَلَمْ يُخْرِجْهُ حَتَّى مَاتَ. فَإِنْ ثَبَتَ لَدَى الْقَاضِي أَنَّ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْوَرَقَةُ بِخَطِّ الْمُوصِي، أَوْ قَرَأَهَا عَلَى الشُّهُودِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُشْهَدِ الْمُوصِي عَلَى الْوَصِيَّةِ فِي الصُّورَتَيْنِ، بِأَنْ لَمْ يَقُل: اشْهَدُوا عَلَى وَصِيَّتِي، أَوْ لَمْ يَقِل: نَفِّذُوهَا، لَمْ تُنَفَّذْ بَعْدَ مَوْتِهِ، لاِحْتِمَال رُجُوعِهِ عَنْهَا، فَإِنْ قَال الْمُوصِي لِلشُّهُودِ: اشْهَدُوا، أَوْ قَال: أَنْفِذُوهَا، نُفِّذَتْ. __________ (1) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، 4 / 399، وحاشية ابْن عَابِدِينَ 5 / 416، ط بُولاَق وَقَال عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ التَّسَوُّلِيُّ الْمَالِكِيُّ: إِنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ كَالْوَصِيَّةِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا، وَالإِْشْهَادُ إِمَّا كِتَابِيٌّ أَوْ شَفَوِيٌّ (1) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى الرَّاجِحِ: مَنْ كَتَبَ وَصِيَّةً، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا، حُكِمَ بِهَا مَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْهَا، فَتَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ، وَيُقْبَل مَا فِيهَا بِالْخَطِّ الثَّابِتِ أَنَّهُ خَطُّ الْمُوصِي بِإِقْرَارِ وَرَثَتِهِ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ تُعَرِّفُ خَطَّهُ تَشْهَدُ أَنَّهُ خَطُّهُ وَإِنْ طَال الزَّمَنُ، أَوْ تَغَيَّرَ حَال الْمُوصِي، أَوْ بِأَنْ عُرِفَ خَطُّهُ وَكَانَ مَشْهُورَ الْخَطِّ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ ثَلاَثَ لَيَالٍ، إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ " (2) ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْكِتَابَةِ، فَدَل عَلَى الاِكْتِفَاءِ بِهَا، وَ " لأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ وَغَيْرِهِمْ " مُلْزِمًا الْعَمَل بِتِلْكَ الْكِتَابَةِ، وَكَذَلِكَ فَعَل الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلأَِنَّ الْكِتَابَةَ تُنْبِئُ عَنِ الْمَقْصُودِ، فَهِيَ كَاللَّفْظِ. وَإِنْ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ، وَقَال: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِي هَذِهِ الْوَرَقَةِ، أَوْ قَال: هَذِهِ وَصِيَّتِي فَاشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَا، لاَ تَثْبُتُ حَتَّى يَسْمَعُوا مِنْهُ مَا فِيهِ، أَوْ يُقْرَأَ عَلَيْهِ فَيُقِرَّ بِمَا فِيهِ. وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْل __________ (1) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 601 (2) حَدِيث: " مَا حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. . . " سَبَقَ تَخْرِيجَهُ فِقْرَة (7) الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (1) . وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَإِذَا أَرَدْتَ كِتَابَةَ الْوَصِيَّةِ فَالْوَجْهُ فِيهِ كِتَابَةُ كِتَابٍ كَتَبَهُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حِينَ اسْتُكْتِبَ فَأَمْلاَهُ عَلَى السَّائِل عَلَى الْبَدِيهَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنَ الذُّل وَهُوَ الْكَبِيرُ الْمُتَعَال، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ فِي الْقُبُورِ مُبْتَهِلاً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْ مُتَضَرِّعًا أَنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ نِعْمَتَهُ وَأَنْ لاَ يَسْلُبَهُ مَا وَهَبَ لَهُ فِيهِ وَمَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّ لَهُ الْمُلْكَ وَبِيَدِهِ الْخَيْرَ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَوْصَى فُلاَنٌ وَلَدَهُ وَأَهْلَهُ وَقَرَابَتَهُ وَإِخْوَتَهُ وَمَنْ أَطَاعَ أَمْرَهُ بِمَا أَوْصَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَأَوْصَاهُمْ جَمِيعًا أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَأَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ فِي سِرِّهِمْ وَعَلاَنِيَتِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ __________ (1) الْمُغْنِي 6 / 69 وَمَا بَعْدَهَا، وكشاف الْقِنَاع 4 / 373، وغاية الْمُنْتَهَى 2 / 348 وَفِعْلِهِمْ وَأَنْ يَلْزَمُوا طَاعَتَهُ وَيَنْتَهُوا عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَأَنْ يُقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ يَتَفَرَّقُوا فِيهِ وَجَمِيعُ مَا أَوْصَاهُمْ لاَ غِنَى بِهِمْ عَنْهُ وَلاَ غِنَى بِأَحَدٍ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَعَنِ التَّمَسُّكِ بِأَمْرِهِ، وَأَقَرَّ فُلاَنٌ أَنَّ عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ لِفُلاَنٍ كَذَا وَلِفُلاَنٍ كَذَا فَتَنْسُبُهُ وَتُسَمِّيهِ إِلَى أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَأَوْصَى إِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثُ الْمَوْتِ أَنْ يُقْضَى جَمِيعُ دُيُونِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنْ تَجْهِيزِهِ وَتَكْفِينِهِ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى ثُلُثِ مَا بَقِيَ مِمَّا يَخْلُفُ، وَيُنْفَذُ مِنْ ثُلُثِهِ فِي كَذَا وَفِي كَذَا ثُمَّ مَا بَقِيَ بَعْدَ دَيْنِي وَإِنْفَاذِ وَصَايَايَ فَهُوَ مِيرَاثٌ لِوَرَثَتِي وَهُمْ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي جَعَلَهَا لَهُمْ، وَلِي أَنْ أُغَيِّرَ وَصِيَّتِي الَّتِي أَوْصَيْتُ بِهَا فِي ثُلُثِي وَأَرْجِعَ عَمَّا شِئْتُ وَأَنْقُصَ مَا رَأَيْتُ وَأُبَدِّل مِنَ الْمُوصَى لَهُمْ مَنْ شِئْتُ، فَإِنْ مِتُّ فَوَصِيَّتِي مُنَفَّذَةٌ عَلَى مَا أَمُوتُ عَلَيْهِ مِنْهَا. وَقَدْ جَعَل فُلاَنٌ فُلاَنًا وَصِيَّهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَقَبِل فُلاَنٌ الْوَصِيَّةَ مِنْهُ مُوَاجَهَةً، شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ (1) . تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ: 85 - إِذَا كَانَتْ مَوْجُودَاتُ التَّرِكَةِ كُلُّهَا مَالاً حَاضِرًا، لاَ غَائِبَ مِنْهَا، وَلاَ دَيْنَ لِلْمُوصِي عَلَى أَحَدٍ، تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ مِنْ جَمِيعِ الْمَال، __________ (1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 347 ـ 348 سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُوصَى بِهِ نُقُودًا مُرْسَلَةً أَيْ مَبْلَغًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، كَأَلْفِ دِينَارٍ مَثَلاً، أَمْ شَيْئًا مُعَيَّنًا كَدَارٍ مُعَيَّنَةٍ، أَمْ سَهْمًا شَائِعًا كَرُبُعِ التَّرِكَةِ أَوْ ثُلُثِهَا، فَتُقَدَّرُ التَّرِكَةُ جَمِيعُهَا، وَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ سَهْمَهُ مِنْ كُل الْمَال. أَمَّا إِنْ كَانَ بَعْضُ مَال التَّرِكَةِ حَاضِرًا، وَبَعْضُهَا دُيُونًا أَوْ مَالاً غَائِبًا، فَإِنَّ تَنْفِيذَ الْوَصِيَّةِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الأَْحْوَال. الْحَالَةُ الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَالاً مُرْسَلاً، كَأَلْفِ دِينَارٍ مَثَلاً، فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ الْمَال الْحَاضِرِ مِنَ التَّرِكَةِ أَخَذَهُ الْمُوصَى لَهُ، إِذْ لاَ ضَرَرَ فِي أَخْذِهِ عَلَى الْوَرَثَةِ، حَيْثُ يَبْقَى لَهُمْ ثُلُثَا الْمَال الْحَاضِرِ. وَإِنْ كَانَ لاَ يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ اسْتَوْفَى الْمُوصَى لَهُ مِنْهُ بِقَدْرِ ثُلُثِ الْمَوْجُودِ، وَكَانَ الْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ، وَكُلَّمَا حَضَرَ شَيْءٌ، اسْتَوْفَى الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَهُ، حَتَّى يَكْمُل حَقُّهُ. وَهَذَا رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ (1) . الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ عَيْنًا مُعَيَّنَةً، كَدَارٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ نُقُودٍ مُعَيَّنَةٍ كَهَذِهِ النُّقُودِ، أَوِ النُّقُودِ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ فُلاَنٍ. __________ (1) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 430 ـ 432، والإنصاف 7 / 270، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 244 ـ 258 فَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ حَيْثُ يَقُول الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِنَّ الْمُوصَى لَهُ يَأْخُذُ مِنَ الْعَيْنِ الْمُعَيَّنَةِ بِمِقْدَارِ ثُلُثِ الْمَال الْحَاضِرِ، وَيَكُونُ الْبَاقِي مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ مَوْقُوفًا، فَإِذَا حَضَرَ شَيْءٌ مِنَ الْمَال الْغَائِبِ كَانَ بَاقِي الْعَيْنِ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَعَلَّقَتْ بِهَذِهِ الْعَيْنِ، فَتَنْفُذُ فِيهَا الْوَصِيَّةُ مَا دَامَ التَّنْفِيذُ مُمْكِنًا، تَنْفِيذًا لإِِرَادَةِ الْمُوصِي، وَيَظَل بَاقِي الْعَيْنِ مَوْقُوفًا إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ أَمْرُ الْمَال الْغَائِبِ، فَإِذَا حَضَرَ نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ فِي الْعَيْنِ كُلِّهَا، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ كَانَ الْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ (1) . وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ لَوْ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ غَيْرُهُ بِعَيْنٍ هِيَ ثُلُثُ مَالِهِ فَأَكْثَرُ وَهِيَ حَاضِرَةٌ وَبَاقِي الْمَال غَائِبٌ مُلِّكَ الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ الْمَال الْحَاضِرِ فَقَطْ لِجَوَازِ تَلَفِ الْغَائِبِ وَعَدَمِ إِجَازَةِ الْوَارِثِ، وَمُنِعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي ثُلُثِهِ وَكَذَا فِي بَاقِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى يَحْضُرَ مِنَ الْغَائِبِ مَا يَخْرُجُ بِهِ الْحَاضِرُ مِنَ الثُّلُثِ لأَِنَّ تَسَلُّطَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَسَلُّطِ الْوَرَثَةِ عَلَى مِثْل مَا تَسَلَّطَ هُوَ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَتْلَفُ الْغَائِبُ فَلاَ يَصِل إِلَى حَقِّهِ وَلاَ يَتَسَلَّطُ __________ (1) الاِخْتِيَار 5 / 75، وحاشية ابْن عَابِدِينَ 5 / 430 ـ 432، والإنصاف 7 / 270، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 42، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 49 الْوَرَثَةُ عَلَى ثُلُثَيِ الْحَاضِرِ (1) . الْوَصَايَا وَطُرُقُ حِسَابِهَا: الْوَصِيَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِالأَْنْصِبَاءِ أَوْ بِالأَْجْزَاءِ أَوْ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الأَْجْزَاءِ وَالأَْنْصِبَاءِ. الْحَالَةُ الأُْولَى: الْوَصِيَّةُ بِالأَْنْصِبَاءِ: الْوَصِيَّةُ بِالأَْنْصِبَاءِ لَهَا صُوَرٌ: أ - الْوَصِيَّةُ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ الْوَرَثَةِ الْمُعَيَّنِ: 86 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لأَِحَدٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّهُ أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِهِ " (2) وَلأَِنَّ الْمُرَادَ تَقْدِيرُ الْوَصِيَّةِ فَلاَ أَثَرَ لِذِكْرِ الْوَارِثِ. إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُوصَى لَهُ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ - وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ - إِلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ نَصِيبَ ذَلِكَ الْوَارِثِ الْمُعَيَّنِ مَضْمُومًا إِلَى الْمَسْأَلَةِ. فَإِذَا قَال مَثَلاً: أَوْصَيْتُ لِفُلاَنٍ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِي وَلاَ وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ اسْتَحَقَّ الْمُوصَى لَهُ نِصْفَ التَّرِكَةِ إِذَا أَجَازَ الاِبْنُ الْوَصِيَّةَ، فَإِنْ لَمْ يُجِزْ فَلَهُ الثُّلُثُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ ابْنَانِ أَوْ بَنُونَ فَأَوْصَى __________ (1) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 42 (2) أَثَر أَنَس أَنَّهُ أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبٍ أَحَدَّ وَلَده أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي شَيْبَة (10 / 170 ط السَّلَفِيَّة) بِمِثْل نَصِيبِهِمَا أَوْ بِمِثْل نَصِيبِهِمْ فَالْمُوصَى لَهُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ (1) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ بِأَنْ قَال: أَوْصَيْتُ لِزَيْدٍ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِي أَوْ بِمِثْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلاَّ ابْنٌ فَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ جَمِيعَ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ إِنْ أَجَازَ الاِبْنُ الْوَصِيَّةَ، وَإِلاَّ فَلَهُ ثُلُثُ التَّرِكَةِ فَقَطْ، فَإِنْ قَال ذَلِكَ وَمَعَهُ ابْنَانِ فَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ نِصْفَ التَّرِكَةِ إِنْ أَجَازَا الْوَصِيَّةَ وَإِلاَّ فَالثُّلُثُ وَلاَ كَلاَمَ لَهُمَا، وَإِنْ زَادُوا فَلَهُ قَدْرُ نَصِيبِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلاَ كَلاَمَ لَهُمْ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الاِبْنِ ذُو فَرْضٍ فَلِلْمُوصَى لَهُ جَمِيعُ التَّرِكَةِ بَعْدَ ذَوِي الْفَرْضِ إِنْ أَجَازُوا الْوَصِيَّةَ (2) . وَقَال الْمَرْدَاوِيُّ نَقْلاً عَنِ الْفَائِقِ: إِذَا وَصَّى بِمِثْل نَصِيبِ وَارِثٍ مُعَيَّنٍ فَالْمُخْتَارُ لَهُ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ غَيْرَ مُزَادٍ وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي. فَإِذَا وَصَّى بِمِثْل نَصِيبِهِ وَلَهُ ابْنَانِ فَلَهُ الثُّلُثُ عَلَى الْمَذْهَبِ - عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَجُمْهُورِ __________ (1) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ 5 / 429، وتبيين الْحَقَائِق 6 / 188، والحاوي للماوردي 10 / 19، وَمَا بَعْدَهَا، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 208، وكشاف الْقِنَاع 4 / 381، والإنصاف 7 / 275 (2) الشَّرْح الصَّغِير مَعَ حَاشِيَةِ الصَّاوِي عَلَيْهِ 4 / 597، وَمَا بَعْدَهَا، والحاوي 10 / 19 20، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 446 الْفُقَهَاءِ - وَلَهُ النِّصْفُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ وَيُقَسَّمُ النِّصْفُ الْبَاقِي بَيْنَ الاِبْنَيْنِ (1) . ب - الْوَصِيَّةُ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ الْوَرَثَةِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ: 87 - إِذَا أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُوصَى لَهُ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ يَتَسَاوَوْنَ فِي الْمِيرَاثِ كَالْبَنِينَ مَثَلاً فَلَهُ مِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ مُزَادًا عَلَى الْفَرِيضَةِ وَيُجْعَل كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ زَادَ فِيهِمْ، وَإِنْ كَانُوا يَتَفَاضَلُونَ فِي الْمِيرَاثِ فَلَهُ مِثْل نَصِيبِ أَقَلِّهِمْ مِيرَاثًا يُزَادُ عَلَى فَرِيضَتِهِمْ، وَإِنَّمَا جُعِل لَهُ هَذَا لأَِنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ، وَمَا زَادَ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ فَلاَ يَثْبُتُ. فَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِثْل نَصِيبِ وَلَدِهِ وَلَهُ ابْنٌ وَبِنْتٌ فَلَهُ مِثْل نَصِيبِ الْبِنْتِ، لأَِنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ (2) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ الْوَرَثَةِ وَتَرَكَ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، أَوْ تَرَكَ ذُكُورًا فَقَطْ، أَوْ إِنَاثًا فَقَطْ. أَيْ سَوَاءٌ كَانُوا مُتَسَاوِينَ فِي الْمِيرَاثِ أَوْ مُتَفَاضِلِينَ فِيهِ __________ (1) الإِْنْصَاف لِلْمَرْدَاوَيَّ 7 / 275 (2) الْحَاوِي للماوردي 10 / 22، وَمَا بَعْدَهَا، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ 6 / 32، وكشاف الْقِنَاع 4 / 381 382، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 63 فَيُحَاسِبُهُمُ الْمُوصَى لَهُ بِجُزْءٍ مِنْ عَدَدِ رُؤُوسِهِمْ أَيْ يُقَسَّمُ الْمَال عَلَى الْوَرَثَةِ وَعَلَى الْمُوصَى لَهُ الذَّكَرِ كَالأُْنْثَى، فَإِنْ كَانَ عَدَدُ رُؤُوسِ وَرَثَتِهِ ثَلاَثَةً فَلَهُ الثُّلُثُ، أَوْ أَرْبَعَةً فَلَهُ الرُّبُعُ، أَوْ خَمْسَةً فَلَهُ الْخُمُسُ، وَهَكَذَا، وَلاَ نَظَرَ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ كُل وَارِثٍ، بَل يُجْعَل الذَّكَرُ رَأْسًا وَالأُْنْثَى رَأْسًا كَذَلِكَ، ثُمَّ يُقَسَّمُ مَا بَقِيَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ (1) . ج - الْوَصِيَّةُ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ: 88 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ كَانَ لَهُ ابْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. فَمَنْ وَصَّى بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ ثُمَّ مَاتَ وَلاَ وَارِثَ لَهُ غَيْرُ الاِبْنِ يَكُونُ ذَلِكَ وَصِيَّةً بِنِصْفِ الْمَال، لأَِنَّ الْمِثْل يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ فَإِنْ أَجَازَ الاِبْنُ أَخَذَ الْمُوصَى لَهُ النِّصْفَ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْ الاِبْنُ أَخَذَ الثُّلُثَ (2) . وَيُفَرِّقُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ لِلْمُوصِي ابْنٌ وَارِثٌ وَبَيْنَ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ الاِبْنُ مِمَّنْ يَرِثُ، لِكَوْنِهِ رَقِيقًا أَوْ مُخَالِفًا لِدِينِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنٌ أَصْلاً. __________ (1) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 598، وحاشية الدُّسُوقِيّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ 4 / 447 (2) الدَّرّ الْمُخْتَار 5 / 429، وروضة الْقُضَاة 2 / 686، وحاشية الشلبي بِهَامِش تَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 188، وتكملة الْبَحْر الرَّائِق 8 / 470 فَإِنْ كَانَ لِلْمُوصِي ابْنٌ وَارِثٌ وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ. أَمَّا إِذَا أَوْصَى لَهُ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ وَابْنُهُ مِمَّنْ لاَ نَصِيبَ لَهُ فِي الْمِيرَاثِ فَلاَ شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ، لأَِنَّ الاِبْنَ لاَ نَصِيبَ لَهُ فَمِثْلُهُ لاَ شَيْءَ لَهُ. وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ مَا إِذَا قَال الْمُوصِي: " لَوْ كَانَ يَرِثُ " فَيُعْطَى نَصِيبَهُ حِينَئِذٍ. وَأَمَّا إِذَا أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ وَلاَ ابْنَ لَهُ فَتَبْطُل الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلاَّ أَنْ يَقُول الْمُوصِي: لَوْ كَانَ مَوْجُودًا، أَوْ يَحْدُثُ لَهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيُعْطَى نَصِيبَهُ حِينَئِذٍ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لاَ تَصِحُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (1) . د - الْوَصِيَّةُ بِنَصِيبِ ابْنِهِ وَلَهُ ابْنٌ: 89 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ كَذَلِكَ فِيمَا إِذَا أَوْصَى لِشَخْصٍ بِنَصِيبِ ابْنِهِ وَلَهُ ابْنٌ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ - وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالرُّويَانِيِّ إِلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِمِثْل __________ (1) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 446، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 62، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 513، والمغني 6 / 35 نَصِيبِ ابْنِهِ صَوْنًا لِلَّفْظِ عَنِ الإِْلْغَاءِ، فَإِنَّهُ مُمْكِنُ الْحَمْل عَلَى الْمَجَازِ بِحَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، وَمِثْلُهُ فِي الاِسْتِعْمَال كَثِيرٌ، وَالْوَصِيَّةُ وَارِدَةٌ عَلَى مَال الْمُوصِي إِذْ لَيْسَ لِلاِبْنِ نَصِيبٌ قَبْل مَوْتِهِ، وَإِنَّمَا الْفَرْضُ التَّقْدِيرُ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ بَعْدُ. إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ وَرَأْيٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجْعَلُونَهَا وَصِيَّةً بِنِصْفِ الْمَال، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ. وَفِي الرَّأْيِ الآْخَرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تُجْعَل الْوَصِيَّةُ وَصِيَّةً بِجَمِيعِ الْمَال. وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهَا عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي - وَهُوَ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالإِْمَامِ الْبَغَوِيِّ - - وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إِلَى بُطْلاَنِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ، لأَِنَّهَا وَصِيَّةٌ بِمَا لاَ يَمْلِكُ، لأَِنَّ نَصِيبَ الاِبْنِ مِلْكُهُ لاَ مِلْكُ أَبِيهِ، حَيْثُ إِنَّ نَصِيبَ الاِبْنِ ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ آخَرَ فَقَدْ أَرَادَ تَغْيِيرَ مَا فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى فَلاَ يَصِحُّ وَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ لَمْ تَقَعْ فِي مِلْكِهِ وَإِنَّمَا أَضَافَهَا إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَصَارَ كَمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِلْكِ زَيْدٍ ثُمَّ مَاتَ، فَأَجَازَهُ زَيْدٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ. وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِنْ لَمْ يَكُنِ ابْنٌ (1) . الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: الْوَصِيَّةُ بِالأَْجْزَاءِ: 91 - الْوَصِيَّةُ بِالْجُزْءِ لاَ تَخْلُو: إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِجُزْءٍ مُبْهَمٍ، أَوْ تَكُونَ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ. أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مُبْهَمٍ كَأَنْ يُوصِيَ لِشَخْصٍ بِجُزْءٍ أَوْ حَظٍّ أَوْ شَيْءٍ أَوْ نَصِيبٍ أَوْ قِسْطٍ، فَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُمَا (2) . (ر: ف54، 55) . وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ فَلَهَا احْتِمَالاَنِ: فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِالثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ (3) . __________ (1) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 597، والدسوقي 4 / 446، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 62، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 208، والحاوي الْكَبِير 10 / 20، والمغني 6 / 33، وكشاف الْقِنَاع 4 / 381، والإنصاف 7 / 275، وتبيين الْحَقَائِق 6 / 188، وحاشية ابْن عَابِدِينَ 5 / 429، وتكملة فَتْح الْقَدِير 8 / 443 (2) الْمُبْدِع 6 / 78، وغاية الْمُنْتَهَى 2 / 372، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 315، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 63، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 98، وتكملة فَتْح الْقَدِير 8 / 446، والقوانين الْفِقْهِيَّة ص 399، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 421 (3) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 214، والمبدع شَرْح الْمُقْنِع 6 / 81، والممتع فِي شَرْح الْمُقْنِع 4 / 266 الاِحْتِمَال الأَْوَّل: الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ: الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ لاَ تَخْلُو: إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِجُزْءٍ وَاحِدٍ، أَوْ تَكُونَ بِجُزْأَيْنِ فَصَاعِدًا. أ - الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ وَاحِدٍ: 91 - إِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ: كَثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ. وَإِنْ كَانَ لِلْمُوصِي وَرَثَةٌ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي بَيَانِ طُرُقِ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ. فَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ وَاحِدٍ، فَتُصَحَّحُ مَسْأَلَةُ الْمِيرَاثِ عَائِلَةً أَوْ غَيْرَ عَائِلَةٍ، وَيُنْظَرُ فِي مَخْرَجِ جُزْءِ الْوَصِيَّةِ، وَيُخْرَجُ مِنْهُ جُزْءُ الْوَصِيَّةِ. ثُمَّ إِنِ انْقَسَمَ الْبَاقِي عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ صَحَّتِ الْمَسْأَلَتَانِ، وَذَلِكَ كَمَنْ أَوْصَى بِرُبُعِ مَالِهِ وَتَرَكَ ثَلاَثَةَ بَنِينَ، فَمَخْرَجُ جُزْءِ الْوَصِيَّةِ أَرْبَعَةٌ، وَالْبَاقِي بَعْدَ إِخْرَاجِ الرُّبُعِ يَنْقَسِمُ عَلَى الْبَنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَنْقَسِمْ فَلَكَ طَرِيقَانِ: الطَّرِيقُ الأَْوَّل: أَنْ تَنْظُرَ فِي الْبَاقِي وَفِي مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ تَبَايَنَا ضَرَبْتَ مَسْأَلَةَ الْوَرَثَةِ فِي مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ تَوَافَقَا ضَرَبْتَ وَفْقَ مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ فِي مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ، فَمَا بَلَغَ صَحَّتْ مِنْهُ الْقِسْمَةُ. ثُمَّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ أَخَذَهُ مَضْرُوبًا فِيمَا ضَرَبْتَهُ فِي مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ، وَمَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ، أَخَذَهُ مَضْرُوبًا فِيمَا بَقِيَ مِنْ مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ إِخْرَاجِ جُزْءِ الْوَصِيَّةِ إِنْ كَانَ الْبَاقِي مَعَ مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ مُتَبَايِنَيْنِ. وَإِنْ كَانَا مُتَوَافِقَيْنِ فَفِي وَفْقِ الْبَاقِي. وَبِهَذَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْجُمْلَةِ. مِثَالُهُ: ثَلاَثَةُ بَنِينَ، أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ، مَسْأَلَةُ الْوَرَثَةِ مِنْ ثَلاَثَةٍ، وَمَخْرَجُ الْوَصِيَّةِ أَيْضًا ثَلاَثَةٌ، وَالْبَاقِي بَعْدَ جُزْءِ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ لاَ يَنْقَسِمَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ. فَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ: يُضْرَبُ ثَلاَثَةٌ فِي مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ تَبْلُغْ تِسْعَةٌ مِنْهَا الْقِسْمَةَ، كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ يَأْخُذُهُ مَضْرُوبًا فِي الثَّلاَثَةِ الْمَضْرُوبَةِ فِي مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ، وَلِكُل ابْنٍ سَهْمٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ مَضْرُوبٌ فِي الْبَاقِي مِنْ مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ إِخْرَاجِ جُزْءِ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ اثْنَانِ (1) . الطَّرِيقُ الثَّانِي: وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ: تَأْخُذُ مَخْرَجَ جُزْءِ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ تَزِيدُ عَلَى سِهَامِ الْفَرِيضَةِ سِهَامًا قَبْل مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ أَبَدًا، فَإِذَا كَانَ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ زِدْتَ __________ (1) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 214 - 216، والوسيط لِلْغَزَالِيِّ 4 / 474 475 ط دَار السَّلاَمِ، والذخيرة للقرافي 13 / 110 - 112، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 483، والمبدع شَرْح الْمُقْنِع 6 / 81، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 518 نِصْفَهَا، أَوْ بِالرُّبُعِ زِدْتَ ثُلُثَهَا أَوْ بِالْخُمُسِ زِدْتَ رُبُعَهَا، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى الْعُشْرِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ، يُطَّرَدُ ذَلِكَ فِي الْمَفْتُوحِ وَالأَْصَمِّ. فَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ زِدْتَ الْعُشْرَ أَوْ بِجُزْءٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ زِدْتَ جُزْءًا مِنْ أَحَدَ عَشَرَ ثُمَّ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ بِالنِّصْفِ زِدْتَ مِثْلَهَا؛ لأَِنَّ الَّذِي قَبْل مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ وَاحِدٌ، فَالْقِسْمَةُ عَلَى كُل وَاحِدٍ، وَلأَِنَّ النِّصْفَ هُوَ أَكْثَرُ الأَْجْزَاءِ وَأَوَّلُهَا، وَمَا قَبْلَهُ هُوَ الْوَاحِدُ، فَجَعَلْنَا سِهَامَ الْفَرِيضَةِ كَالْوَاحِدِ وَزِدْنَا عَلَيْهَا مِثْلَهَا. وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنَّا إِذَا صَحَّحْنَا الْفَرِيضَةَ وَالْوَصِيَّةَ وَأَخْرَجْنَا جُزْءَ الْوَصِيَّةِ مِنْهَا، وَوَجَدْنَا الْبَقِيَّةَ غَيْرَ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى الْفَرِيضَةِ نَظَرْنَا نِسْبَةَ الْجُزْءِ الَّذِي أَخْرَجْنَاهُ مِنَ الْفَرِيضَةِ إِلَى بَقِيَّتِهَا، فَمَا كَانَ رَدَدْنَا عَلَى الْفَرِيضَةِ مَا نُسِبَتْ إِلَيْهَا تِلْكَ النِّسْبَةُ، وَبِهَذَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ فِي الْجُمْلَةِ. مِثَالُهُ: أَرْبَعَةُ بَنِينَ وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ، فَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ عَلَى الْعِبَارَةِ الأُْولَى تَحْمِل عَلَى فَرِيضَةِ الْوَرَثَةِ جُزْءًا مَا قَبْل مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ، وَهُوَ هَاهُنَا النِّصْفُ فَتَصِيرُ سِتَّةً، يَخْرُجُ جُزْءُ الْوَصِيَّةِ اثْنَيْنِ، تَبْقَى أَرْبَعَةٌ عَلَى أَرْبَعَةٍ، وَعَلَى الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ إِذَا اعْتَبَرْنَا الْجُزْءَ الَّذِي أَخْرَجْنَاهُ مِنْ فَرِيضَةِ الْوَصِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَقِيَّتِهَا وَجَدْنَاهُ نِصْفَ الْبَاقِي فَزِدْنَا عَلَى الْفَرِيضَةِ نِصْفَهَا. وَقَدْ يَقَعُ فِي الْفَرِيضَةِ كَسْرٌ؛ بِسَبَبِ حَمْل الْجُزْءِ عَلَى الْفَرِيضَةِ، فَتُضْرَبُ الْمَسْأَلَةُ وَالْكَسْرُ فِي مَخْرَجِ ذَلِكَ الْكَسْرِ وَمِنْهَا تَصِحُّ. مِثَال ذَلِكَ: أَوْصَى بِالسُّدُسِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِذَا أَخْرَجْنَا جُزْءَ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْ مَخْرَجِهَا وَهُوَ سِتَّةٌ تَبْقَى خَمْسَةٌ، فَلاَ تَنْقَسِمُ عَلَى الْفَرِيضَةِ وَلاَ تُوَافِقُ، فَعَلَى الطَّرِيقِ الأَْوَّل: نَضْرِبُ أَرْبَعَةً فِي السِّتَّةِ تَبْلُغُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَكَذَا فِي الطَّرِيقِ الثَّانِي أَيْضًا يَخْرُجُ مِنَ الأَْرْبَعَةِ وَالْعِشْرِينَ، وَلَكِنْ بَعْدَ وُجُودِ الْكَسْرِ فِيهَا وَضَرْبِهَا وَضَرْبِهِ فِي مَخْرَجِهِ. فَنَقُول عَلَى الْعِبَارَةِ الأُْولَى: إِذَا أَوْصَى بِالسُّدُسِ حَمَلْنَا عَلَى الْفَرِيضَةِ مِثْل خُمُسِهَا - وَخُمُسُ الأَْرْبَعَةِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ - فَتَنْكَسِرُ السِّهَامُ، فَنَضْرِبُ الأَْرْبَعَةَ وَالأَْرْبَعَةَ الأَْخْمَاسِ فِي خَمْسَةٍ تَبْلُغُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ. وَكَذَلِكَ إِذَا نَسَبْنَا جُزْءَ الْوَصِيَّةِ إِلَى مَا بَقِيَ مِنْ مَخْرَجِهَا وَجَدْنَاهُ خُمُسَ الْبَقِيَّةِ فَحَمَلْنَا عَلَى الْفَرِيضَةِ خُمُسَهَا، انْكَسَرَتِ السِّهَامُ، فَتَضْرِبُهَا فِي الْخَمْسَةِ (1) . __________ (1) الذَّخِيرَة 13 / 110 - 112، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 483، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 214 - 216 والمبدع 6 / 81، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 518 ب - الْوَصِيَّةُ بِجُزْأَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي حُدُودِ الثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ: 92 - مَنْ أَوْصَى بِجُزْأَيْنِ ضَرَبْتَ مَخْرَجَ أَحَدِهِمَا فِي مَخْرَجِ الآْخَرِ أَوْ فِي وَفْقِهِ إِنْ كَانَ، وَمَا اجْتَمَعَ فَهُوَ مَخْرَجُ الْفَرِيضَتَيْنِ جَمِيعًا، فَإِذَا أَخْرَجْتَ جُزْءَ الْوَصِيَّةِ مِنْهُ ثُمَّ قَسَمْتَ الْبَاقِيَ عَلَى الْفَرِيضَةِ فَإِنِ انْقَسَمَ وَإِلاَّ ضَرَبْتَ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ الضَّرْبُ فِي عَدَدِ سِهَامِ الْمَسْأَلَةِ، أَوْ فِي وَفْقٍ إِنْ كَانَ، وَمِنْهُ يَصِحُّ حِسَابُ الْوَصِيَّتَيْنِ (1) . وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِجُزْأَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: ثَلاَثَةُ بَنِينَ وَأَوْصَى بِالسُّدُسِ وَلآِخَرَ بِالسُّبُعِ، فَمَخْرَجُ السُّدُسِ مِنْ سِتَّةٍ، وَالسُّبُعِ مِنْ سَبْعَةٍ، وَهُمَا مُتَبَايِنَانِ، تَضْرِبُ أَحَدَهُمَا فِي الآْخَرِ تَبْلُغُ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، يَخْرُجُ جُزْءُ الْوَصِيَّةِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ، تَبْقَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ لاَ تَنْقَسِمُ عَلَى سِهَامِ الْفَرِيضَةِ وَلاَ تُوَافِقُهَا، تَضْرِبُ الثَّلاَثَةَ سِهَامِ الْفَرِيضَةِ فِي اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ تَبْلُغْ مِائَةً وَسِتَّةً وَعِشْرِينَ، جُزْءُ الْوَصِيَّةِ مِنْ ذَلِكَ تِسْعَةٌ وَثَلاَثُونَ، يَبْقَى سَبْعَةٌ وَثَمَانُونَ، لِكُل سَهْمٍ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ (2) . __________ (1) الذَّخِيرَة 13 / 112، وانظر رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 216، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 518 - 519، والممتع 4 / 267، والمبدع 6 / 81 (2) الذَّخِيرَة 13 / 112 وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِجُزْأَيْنِ فَصَاعِدًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَبَوَانِ وَأَوْصَى بِثُمُنِ مَالِهِ لِزَيْدٍ، وَبِخُمُسِهِ لِعَمْرٍو، مَسْأَلَةُ الْوَرَثَةِ مِنْ ثَلاَثَةٍ، وَمَخْرَجُ الْجُزْأَيْنِ أَرْبَعُونَ، لِزَيْدٍ خَمْسَةٌ وَلِعَمْرٍو ثَمَانِيَةٌ، وَيَبْقَى سَبْعٌ وَعِشْرُونَ تَصِحُّ عَلَى ثَلاَثَةِ بَنِينَ. وَأَوْصَى بِرُبُعِ مَالِهِ لِزَيْدٍ، وَبِنِصْفِ سُدُسِهِ لِعَمْرٍو، مَسْأَلَةُ الْوَرَثَةِ ثَلاَثَةٌ، وَمَخْرَجُ الْوَصِيَّتَيْنِ اثْنَا عَشَرَ وَمَجْمُوعُ الْجُزْأَيْنِ أَرْبَعَةٌ، إِذَا أَخْرَجْنَاهَا يَبْقَى ثَمَانِيَةٌ لاَ تَصِحُّ عَلَى ثَلاَثَةٍ: فَعَلَى الطَّرِيقِ الأَْوَّل - الْمَذْكُورِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِجُزْءٍ وَاحِدٍ -: لاَ مُوَافَقَةَ، فَتَضْرِبُ ثَلاَثَةً فِي اثْنَيْ عَشَرَ فَتَبْلُغُ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ مِنْهَا تَصِحُّ. وَعَلَى الطَّرِيقِ الثَّانِي: الْخَارِجُ بِالْوَصِيَّتَيْنِ نِصْفُ الْبَاقِي مِنْ مَخْرَجِهِمَا، فَتَزِيدُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ نِصْفَهَا تَبْلُغْ أَرْبَعَةً وَنِصْفًا، تَبْسُطُهَا أَنْصَافًا تَكُونُ تِسْعَةً، لَكِنَّ نَصِيبَ الْمُوصَى لَهُمَا مِنْ مَخْرَجِ الْوَصِيَّتَيْنِ أَرْبَعَةٌ، وَحِصَّتَهُمَا مِنَ التِّسْعَةِ ثَلاَثَةٌ، لاَ تَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةٍ، فَتَضْرِبُ أَرْبَعَةً فِي تِسْعَةٍ تَبْلُغْ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ. وَلَوْ كَانَ الْبَنُونَ سِتَّةً وَالْوَصِيَّتَانِ بِحَالِهِمَا: فَعَلَى الطَّرِيقِ الأَْوَّل: تَبْقَى ثَمَانِيَةٌ لاَ تَصِحُّ عَلَى سِتَّةٍ، لَكِنْ تَوَافِقُ بِالنِّصْفِ فَتَضْرِبُ نِصْفَ نِصْفِ السِّتَّةِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ تَبْلُغْ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي كَمَا سَبَقَ (1) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ وَصَّى بِجُزْأَيْنِ كَثُمُنٍ وَتُسُعٍ أَخَذْتَهُمَا مِنْ مَخْرَجِهِمَا سَبْعَةَ عَشَرَ، وَهِيَ لاَ تَنْقَسِمُ فَاضْرِبْ ثَمَانِيَةً فِي تِسْعَةٍ تَبْلُغُ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِنْهَا تَصِحُّ، فَأَعْطَى لِصَاحِبِ الثُّمُنِ تِسْعَةً، وَلِصَاحِبِ التُّسْعِ ثَمَانِيَةً، يَبْقَى خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ تُدْفَعُ لِلْوَرَثَةِ. وَإِنْ وَصَّى بِأَكْثَرَ مِنْ جُزْأَيْنِ كَثُمُنٍ وَتُسُعٍ وَعُشُرٍ تَأْخُذُ الْكُسُورَ مِنْ مَخْرَجِهَا الْجَامِعِ لَهَا، وَذَلِكَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَهِيَ لاَ تَنْقَسِمُ فَاضْرِبِ الثَّمَانِيَةَ فِي التِّسْعَةِ تَبْلُغُ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ. ثُمَّ اضْرِبْ ذَلِكَ فِي عَشْرٍ تَبْلُغْ سَبْعَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَمِنْهَا تَصِحُّ، فَأَعْطِ لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّمُنِ تِسْعِينَ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالسُّبْعِ ثَمَانِينَ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْعُشْرِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَتَقْسِمُ الْبَاقِي - وَهُوَ أَرْبَعُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ - عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ. هَذَا إِذَا انْقَسَمَ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَسِمِ الْبَاقِي بَعْدَ الثُّلُثِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ ضَرَبْتَ مَسْأَلَةَ الْوَرَثَةِ إِنْ بَايَنَهَا الْبَاقِي، أَوْ ضَرَبْتَ وَفْقَهَا إِنْ وَافَقَهَا __________ (1) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 216، والذخيرة 13 / 110 - 112 الْبَاقِي فِي مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ فَمَا بَلَغَ فَمِنْهُ تَصِحُّ (1) . الاِحْتِمَال الثَّانِي - الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ: الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ إِمَّا أَنْ تَسْتَغْرِقَ الْمَال وَإِمَّا أَلاَّ تَسْتَغْرِقَهُ. أَوَّلاً: الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ إِذَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الْمَال: 93 - إِذَا أَوْصَى رَجُلٌ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، فَيُنْظَرُ إِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِشَخْصٍ أَوْ جَمَاعَةٍ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ إِمَّا بِجُزْءٍ كَالنِّصْفِ، وَإِمَّا بِجُزْأَيْنِ كَالنِّصْفِ وَالرُّبُعِ، فَمَدَارُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَرَدِّهِمْ: فَمَنْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِنِصْفِ مَالِهِ، وَلآِخَرَ بِثُلُثِهِ، وَلآِخَرَ بِرُبُعِهِ، فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ قُسِّمَ الْمَال بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ وَصَايَاهُمْ، وَأَصْلُهَا مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ فِي هَذَا الْمِثَال لاِجْتِمَاعِ الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَتَعُول بِسَهْمٍ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَلاَثَةَ عَشَرَ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ الرُّبُعِ ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ، وَكَانَ النَّقْصُ بِسَهْمِ الْعَوْل دَاخِلاً عَلَى جَمِيعِهِمْ كَالْمَوَارِيثِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (2) . __________ (1) مَطَالِب أُولِي النُّهَى 4 / 518 - 519 (2) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 216 - 217، والحاوي للماوردي 10 / 31 - 32، والذخيرة 13 / 112، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 97، والممتع 4 / 267 وَإِنْ رَدَّ الْوَرَثَةُ الْوَصَايَا الزَّائِدَةَ عَلَى الثُّلُثِ فَقْدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الثُّلُثِ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ. فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الثُّلُثَ يُقْسَمُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ بِتَقْدِيرِ الإِْجَازَةِ، وَيُقْسَمُ الثُّلُثَانِ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُمْ مِنْ تَجَاوُزِ وَصِيَّتِهِ الثُّلُثَ أَوْ لاَ. وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمَّا قَصَدَ التَّفْضِيل بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ فِي كُل الْمَال قَصَدَ التَّفْضِيل بَيْنَهُمْ فِي كُل جُزْءٍ مِنْهُ فَلَمْ تَجُزِ التَّسْوِيَةُ، وَلأَِنَّ كُل شَخْصَيْنِ جُعِل الْمَال بَيْنَهُمَا عَلَى التَّفَاضُل، لَزِمَ عِنْدَ ضِيقِ الْمَال أَنْ يَتَقَاسَمَاهُ عَلَى التَّفَاضُل كَالْعَوْل فِي الْفَرَائِضِ (1) . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إِلَى __________ (1) الْمُغْنِي 6 / 47، والبناية 10 / 439، والحاوي للماوردي 10 / 32، والذخيرة 13 / 112 - 113، والقوانين الْفِقْهِيَّة ص 400 أَنَّهُ إِذَا لَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ لاَ يَضْرِبُ إِلاَّ بِالثُّلُثِ؛ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ مُلْغَاةٌ (1) . قَال الزَّيْلَعِيُّ فِي مَعْرِضِ الاِسْتِدْلاَل لأَِبِي حَنِيفَةَ: إِنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَقَعَتْ بِغَيْرِ مَشْرُوعٍ عِنْدَ عَدَمِ الإِْجَازَةِ مِنَ الْوَرَثَةِ إِذْ لاَ يُتَصَوَّرُ نَفَاذُهَا بِحَالٍ فَتَبْطُل أَصْلاً؛ وَلاَ يُعْتَبَرُ الْبَاطِل، وَالتَّفْضِيل ثَبَتَ فِي ضِمْنِ الاِسْتِحْقَاقِ فَيَبْطُل بِبُطْلاَنِ الاِسْتِحْقَاقِ، كَالْمُحَابَاةِ الثَّابِتَةِ فِي ضِمْنِ الْبَيْعِ تَبْطُل بِبُطْلاَنِ الْبَيْعِ (2) . وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْخِلاَفِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ الْخِلاَفُ فِي مَسَائِل عِدَّةٍ مِنْهَا: أ - إِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِرُبُعِ مَالِهِ وَلآِخَرَ بِنِصْفِ مَالِهِ وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ فَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ يُقَسَّمُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا عَلَى ثَلاَثَةٍ: لِلْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ سَهْمَانِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالرُّبُعِ سَهْمٌ؛ لأَِنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ يَضْرِبُ بِجَمِيعِ وَصِيَّتِهِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالرُّبُعِ يَضْرِبُ بِالرُّبُعِ، وَالرُّبُعُ مِثْل نِصْفِ النِّصْفِ، فَيُجْعَل كُل رُبُعٍ بَيْنَهُمَا، فَالنِّصْفُ يَكُونُ سَهْمَيْنِ. __________ (1) الْجَوْهَرَة النَّيِّرَة 2 / 395، والبناية 10 / 439 (2) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 187 188 وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَجُوزُ مِنَ الثُّلُثِ، فَيَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةٍ، لِلْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ أَرْبَعَةٌ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالرُّبُعِ ثَلاَثَةٌ (1) . ب - لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلآِخَرَ بِنِصْفِهِ وَلآِخَرَ بِرُبُعِهِ وَرَدَّ الْوَرَثَةُ الْوَصَايَا، فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْوَصَايَا تَرْجِعُ إِلَى الثُّلُثِ، وَكَانَ الثُّلُثُ مَقْسُومًا بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ بِالْحِصَصِ عَلَى ثَلاَثَةَ عَشَرَ سَهْمًا، فَيَكُونُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ الرُّبُعِ ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ يُرَدُّ مِنْ وَصِيَّةِ صَاحِبِ النِّصْفِ لِيَسْتَوِيَ فِي الْوَصِيَّةِ صَاحِبُ الثُّلُثِ وَصَاحِبُ النِّصْفِ، وَيَكُونُ الثُّلُثُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا: لِصَاحِبِ النِّصْفِ أَرْبَعَةٌ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةٌ وَلِصَاحِبِ الرُّبُعِ ثَلاَثَةٌ (2) . ثَانِيًا: الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ وَقَدْ جَاوَزَتِ الْمَال: 94 - إِنِ اسْتَغْرَقَتِ الْوَصَايَا الْمَال وَأُجِيزَتْ، __________ (1) الْجَوْهَرَة النَّيِّرَة 2 / 395، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 97 (2) الْحَاوِي للماوردي 10 / 31 32 قُسِمَ الْمَال بَيْنَ أَصْحَابِ الْوَصَايَا عَلَى قَدْرِ وَصَايَاهُمْ، مِثْل الْعَوْل، وَتُجْعَل وَصَايَاهُمْ كَالْفُرُوضِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ رَدَّ الْوَرَثَةُ الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ قُسِمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ عَلَى نِسْبَةِ أَنْصِبَائِهِمْ بِتَقْدِيرِ الإِْجَازَةِ، هَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (1) . وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ لاَ يَضْرِبُ الْمُوصَى لَهُ عِنْدَ عَدَمِ الإِْجَازَةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ وَقَعَتْ بِغَيْرِ الْمَشْرُوعِ عِنْدَ عَدَمِ الإِْجَازَةِ مِنَ الْوَرَثَةِ، إِذْ لاَ نَفَاذَ لَهَا فَيَبْطُل أَصْلاً (2) . فَمَنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَلِعَمْرٍو بِثُلُثِهِ فَإِنْ أَجَازُوا فَقَدْ عَالَتْ إِلَى أَرْبَعَةٍ: لِزَيْدٍ ثَلاَثَةٌ، وَلِعَمْرٍو سَهْمٌ. وَإِنْ رَدَّ الْوَرَثَةُ الْوَصَايَا، قُسِّمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ وَتَكُونُ قِسْمَةُ الْوَصِيَّةِ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ. هَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ: الثُّلُثُ بَيْنَ __________ (1) الْمُغْنِي 6 / 49، روضة الطَّالِبِينَ 6 / 218 (2) الْبِنَايَة 10 / 439 440، وتكملة فَتْح الْقَدِير 8 / 442 الْمُوصَى لَهُمَا نِصْفَانِ (1) . الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِالأَْجْزَاءِ وَالأَْنْصِبَاءِ: لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِالأَْجْزَاءِ وَالأَْنْصِبَاءِ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا: أ - الْوَصِيَّةُ بِمِثْل نَصِيبِ وَارِثٍ وَبِجُزْءٍ مُضَافٍ إِلَى جَمِيعِ الْمَال: 95 - مِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِذَا هَلَكَ رَجُلٌ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَأَوْصَى لآِخَرَ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَوْ نَصِيبِ ابْنٍ ثَالِثٍ - لَوْ كَانَ - فَأَجَازَا الْوَصِيَّتَيْنِ، فَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثُ الْمَال، وَالْبَاقِي بَيْنَ الاِبْنَيْنِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ أَثْلاَثًا، وَالْحِسَابُ مِنْ تِسْعَةٍ: فَلِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثَلاَثَةٌ، وَيَبْقَى سِتَّةٌ بَيْنَ الاِبْنَيْنِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ أَثْلاَثًا، لِكُل ابْنٍ سَهْمَانِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ أَيْضًا سَهْمَانِ مِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُجِيزَا يُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا نِصْفَانِ. وَلَوْ أَجَازَ الاِبْنَانِ الْوَصِيَّةَ لِصَاحِبِ الْمِثْل __________ (1) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 218، والحاوي 10 / 33 34، والمغني لاِبْنِ قُدَامَة 6 / 49، وتكملة فَتْح الْقَدِير 8 / 441 - 442 دُونَ صَاحِبِ الثُّلُثِ، فَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ نِصْفُ الثُّلُثِ - وَهُوَ السُّدُسُ - كَمَا لَوْ لَمْ تُوجَدِ الإِْجَازَةُ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ ثُلُثُ مَا بَقِيَ لِصِحَّةِ الإِْجَازَةِ فِي حَقِّهِ، وَاحْتَجْنَا إِلَى حِسَابٍ إِذَا رَفَعْنَا السُّدُسَ يَنْقَسِمُ الْبَاقِي مِنْهُ أَثْلاَثًا، وَأَقَل ذَلِكَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، يُعْطَى لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ السُّدُسُ ثَلاَثَةً، وَيَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ تُقْسَمُ بَيْنَ الاِبْنَيْنِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ أَثْلاَثًا لِكُل وَاحِدٍ خَمْسَةٌ. وَإِنْ أَجَازَ أَحَدُ الاِبْنَيْنِ الْوَصِيَّةَ لِصَاحِبِ الْمِثْل دُونَ صَاحِبِ الثُّلُثِ، وَلَمْ يُجِزِ الاِبْنُ الآْخَرُ الْوَصِيَّتَيْنِ أَصْلاً، فَنَقُول: لَوْ لَمْ يُجِيزَا كَانَ لِصَاحِبِ الْمِثْل ثَلاَثَةٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَلَوْ أَجَازَا كَانَ لِصَاحِبِ الْمِثْل خَمْسَةٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَتَفَاوُتُ مَا بَيْنَهُمَا سَهْمَانِ، مِنْ نَصِيبِ كَل وَاحِدٍ مِنَ الاِبْنَيْنِ سَهْمٌ، فَإِذَا أَجَازَ أَحَدُهُمَا صَحَّتِ الإِْجَازَةُ فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةً، فَيَصِيرُ لِصَاحِبِ الْمِثْل أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثَلاَثَةٌ، وَلِلْمُجِيزِ خَمْسَةٌ، وَلِلَّذِي لَمْ يُجِزْ سِتَّةٌ (1) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ لَمْ تَزِدْ جُمْلَةُ الْمَال الْمُوصَى بِهِ عَلَى الثُّلُثِ اجْعَل الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ كَأَحَدِ الْوَرَثَةِ، فَتُصَحَّحُ مَسْأَلَةُ الْوَرَثَةِ __________ (1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 100 ثُمَّ يُؤْخَذُ مَخْرَجُ الْوَصِيَّةِ وَيُخْرَجُ مِنْهُ جُزْءُ الْوَصِيَّةِ، وَيُنْظَرُ هَل يَنْقَسِمُ الْبَاقِي عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ: إِنِ انْقَسَمَ فَذَاكَ وَإِلاَّ فَلِلتَّصْحِيحِ طَرِيقَانِ سَبَقَ ذِكْرُهُمَا عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ وَأَجَازَ الْوَرَثَةُ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ وَالْحِسَابُ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوا قُسِمَ الثُّلُثُ عَلَى نِسْبَةِ الْقِسْمَةِ عِنْدَ الإِْجَازَةِ. مِثَالُهُ: ثَلاَثَةُ بَنِينَ، وَأَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ، وَلِعَمْرٍو بِعُشْرِ الْمَال، فَمَسْأَلَةُ الْوَرَثَةِ وَزَيْدٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَمَخْرَجُ الْجُزْءِ عَشَرَةٌ، يَبْقَى مِنْهَا بَعْدَ إِخْرَاجِ الْجُزْءِ تِسْعَةٌ لاَ تَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَلاَ تُوَافِقُ، فَتَضْرِبُ أَرْبَعَةً فِي عَشَرَةٍ تَبْلُغْ أَرْبَعِينَ، لِعَمْرٍو أَرْبَعَةٌ، وَلِزَيْدٍ وَكُل ابْنٍ تِسْعَةٌ، وَجُمْلَةُ الْوَصِيَّتَيْنِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ (1) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَوَصَّى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلآِخَرَ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنٍ فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الْمَذْهَبُ - لِصَاحِبِ النَّصِيبِ ثُلُثُ الْمَال عِنْدَ الإِْجَازَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَصِيٌّ آخَرُ، وَلِلآْخَرِ الثُّلُثُ. وَعِنْدَ الرَّدِّ يُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ __________ (1) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 221 نِصْفَيْنِ؛ لأَِنَّهُ مُوصَى لَهُمَا بِثُلُثَيْ مَالِهِ وَقَدْ رَجَعَتْ وَصِيَّتُهُمَا بِالرَّدِّ إِلَى نِصْفِهَا وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ. وَالثَّانِي: لِصَاحِبِ النَّصِيبِ مِثْل مَا يَحْصُل لاِبْنٍ؛ لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لأََخَذَ أَكْثَرَ مِنَ الاِبْنِ؛ وَالْمُوصِي قَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا: وَهُوَ ثُلُثُ الْبَاقِي، وَذَلِكَ التُّسُعَانِ عِنْدَ الإِْجَازَةِ؛ لأَِنَّ لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثُلُثَ الْمَال، يَبْقَى سَهْمَانِ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ وَبَيْنَ الاِبْنَيْنِ عَلَى ثَلاَثَةٍ، فَتَضْرِبُهَا فِي ثَلاَثَةٍ تَكُنْ تِسْعَةً، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثَلاَثَةٌ، وَلِكُل ابْنٍ سَهْمَانِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ سَهْمَانِ وَهِيَ تُسُعَانِ. وَعِنْدَ الرَّدِّ يُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ الَّتِي كَانَتْ فِي حَال الإِْجَازَةِ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثَلاَثَةٌ، وَلِصَاحِبِ النَّصِيبِ سَهْمَانِ، وَلِكُل ابْنٍ خَمْسَةٌ. وَإِنْ كَانَ الْجُزْءُ الْمُوصَى بِهِ النِّصْفَ صَحَّتْ عَلَى الأَْوَّل مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ فِي حَال الإِْجَازَةِ، وَفِي الرَّدِّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ. وَعَلَى الثَّانِي تَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ فِي حَال الإِْجَازَةِ، وَفِي الرَّدِّ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ (1) . __________ (1) الْمُبْدِع 6 / 87 - 88، والممتع 4 / 276 - 277، والإنصاف 7 / 281 - 282 ب - الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنْ جُزْءٍ مِنَ الْمَال يَبْقَى بَعْدَ النَّصِيبِ: 96 - مِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: إِذَا كَانَ لِلرَّجُل خَمْسَةُ بَنِينَ فَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ وَثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنَ الثُّلُثِ لآِخَرَ فَالْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدٍ وَخَمْسِينَ سَهْمًا، لِصَاحِبِ النِّسَبِ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ ثُلُثِ مَا بَقِيَ ثَلاَثَةٌ، وَلِكُل ابْنٍ ثَمَانِيَةٌ. فَتَخْرِيجُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ عَدَدِ الْبَنِينَ خَمْسَةً فَتَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ سَهْمًا؛ لأَِنَّهُ أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ؛ وَمِثْل الشَّيْءِ غَيْرُهُ، ثُمَّ تَضْرِبَ ذَلِكَ فِي ثَلاَثَةٍ لأَِجْل وَصِيَّتِهِ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنَ الثُّلُثِ فَيَكُونَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، ثُمَّ تَطْرَحَ السَّهْمَ الَّذِي زِدْتَهُ بَقِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ فَهُوَ الثُّلُثُ، وَالثُّلُثَانِ ضِعْفُ ذَلِكَ فَيَكُونُ جَمِيعُ الْمَال أَحَدًا وَخَمْسِينَ. وَإِنَّمَا طَرَحْنَا هَذَا السَّهْمَ الزَّائِدَ لِتَبَيُّنِ مِقْدَارِ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَلاَ وَصِيَّةَ فِي الثُّلُثَيْنِ فَلاَ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ السَّهْمِ الزَّائِدِ فِيهِ، وَبِهَذَا طَرَحْنَاهُ فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ ثُلُثَ الْمَال سَبْعَةَ عَشَرَ فَوَجْهُ مَعْرِفَةِ النَّصِيبِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَأْخُذَ النَّصِيبَ - وَهُوَ وَاحِدٌ - وَتَضْرِبَهُ فِي ثَلاَثَةٍ ثُمَّ فِي ثَلاَثَةٍ، فَيَكُونَ تِسْعَةً، ثُمَّ تَطْرَحَ مِنْ ذَلِكَ سَهْمًا كَمَا طَرَحْتَ فِي الاِبْتِدَاءِ يَبْقَى ثَمَانِيَةٌ فَهُوَ النَّصِيبُ، فَإِذَا رَفَعْتَ ذَلِكَ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ تَبْقَى تِسْعَةٌ، فَلِلْمُوصَى لَهُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ ثُلُثُ ذَلِكَ ثَلاَثَةٌ، تَبْقَى سِتَّةٌ تُضِيفُهَا إِلَى ثُلُثَيِ الْمَال وَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ وَثَلاَثُونَ فَيَكُونُ أَرْبَعِينَ بَيْنَ خَمْسَةِ بَنِينَ لِكُل ابْنٍ ثَمَانِيَةٌ مِثْل النَّصِيبِ فَاسْتَقَامَ (1) . وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: تَرَكَ ثَلاَثَةَ بَنِينَ وَأَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ وَلآِخَرَ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنَ الثُّلُثِ، اجْعَل ثُلُثَ الْمَال نَصِيبًا مَجْهُولاً وَثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ، اعْزِل نَصِيبَ الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ، يَبْقَى مِنَ الثُّلُثِ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ، يَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْهَا دِرْهَمًا، يَبْقَى دِرْهَمَانِ تُضِيفُهُمَا لِثُلُثَيِ الْمَال وَذَلِكَ نَصِيبَانِ وَسِتَّةُ دَرَاهِمَ فَيَصِيرُ نَصِيبَيْنِ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَكُونُ لِلْبَنِينَ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ ثَلاَثَةُ أَنْصِبَاءَ، فَيَصِيرُ النَّصِيبَانِ لاِبْنَيْنِ وَثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ لِنَصِيبِ الثَّالِثِ، فَقَدْ بَانَ النَّصِيبُ الْمَجْهُول ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ، وَقَدْ جَعَلْتَ ثُلُثَ الْمَال نَصِيبًا وَثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ، فَيَكُونُ الثُّلُثُ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَجَمِيعُهُ ثَلاَثَةٌ وَثَلاَثُونَ، يَخْرُجُ الثُّلُثُ أَحَدَ عَشَرَ وَيَخْرُجُ لِلْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ ثَمَانِيَةٌ، وَبِثُلُثِ مَا يَبْقَى وَاحِدٌ، وَيَبْقَى اثْنَانِ لِثُلُثَيِ الْمَال وَهُوَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ، وَتَكُونُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ بَيْنَ الْبَنِينَ، __________ (1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 100 101 لِكُل ابْنٍ ثَمَانِيَةٌ كَمَا أَخَذَ الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ. فَإِنْ أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ إِحْدَى الأُْخْتَيْنِ وَلآِخَرَ بِثُلُثِ مَا يَبْقَى مِنَ الثُّلُثِ، وَتَرَكَ بِنْتًا وَأُخْتَيْنِ اجْعَل الثُّلُثَ نَصِيبًا وَثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ، فَالنَّصِيبُ لِلْمُوصَى لَهُ بِهِ، وَثُلُثُ الْبَاقِي دِرْهَمٌ لِلْمُوصَى لَهُ بِثُلُثِ الْبَاقِي، وَيَبْقَى دِرْهَمَانِ تُضِيفُهُمَا لِثُلُثَيِ الْمَال فَيَكُونُ نَصِيبَيْنِ وَثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ وَهُوَ يَعْدِل أَرْبَعَةَ أَنْصِبَاءَ؛ لأَِنَّ الأُْخْتَ الْمُوصَى بِمِثْل نَصِيبِهَا لَهَا رُبُعُ التَّرِكَةِ بَعْدَ الْوَصَايَا وَذَلِكَ نَصِيبَانِ فَثَمَانِيَةٌ لِنَصِيبَيْنِ؛ لِكُل نَصِيبٍ أَرْبَعَةٌ وَثَلاَثَةٌ فَذَلِكَ سَبْعَةٌ، وَهَذَا ثُلُثُ الْمَال فَجَمِيعُهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ، لِلْمُوصَى لَهُ بِمِثْل النَّصِيبِ مِنَ الثُّلُثِ أَرْبَعَةٌ، وَبِثُلُثِ مَا يَبْقَى وَاحِدٌ، وَيَبْقَى اثْنَانِ يُضَافَانِ لِثُلُثَيِ الْمَال وَهُوَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَيْنَ الْبِنْتِ وَالأُْخْتَيْنِ، لِلْبِنْتِ ثَمَانِيَةٌ، وَلِكُل أُخْتٍ أَرْبَعَةٌ مِثْل الْمُوصَى لَهُ بِمِثْل نَصِيبِهَا (1) . وَمِثَال هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: ثَلاَثَةُ بَنِينَ وَأَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ، وَلِعَمْرٍو بِمِثْل مَا تَبَقَّى مِنْ ثُلُثِ الْمَال بَعْدَ النَّصِيبِ، تُقَدِّرُ ثُلُثَ الْمَال عَدَدًا لَهُ ثُلُثٌ لِقَوْلِهِ: بِثُلُثِ الْبَاقِي مِنَ الثُّلُثِ. وَلْيَكُنْ ثَلاَثَةً، تَزِيدُ عَلَيْهِ وَاحِدًا لِلنَّصِيبِ فَيَكُونُ أَرْبَعَةً، وَإِذَا كَانَ الثُّلُثُ __________ (1) الذَّخِيرَة للقرافي 13 / 119 أَرْبَعَةً، فَالثُّلُثَانِ ثَمَانِيَةٌ وَالْجُمْلَةُ اثْنَا عَشَرَ، تُعْطِي زَيْدًا سَهْمًا، وَعَمْرًا سَهْمًا، وَهُوَ ثُلُثُ الثَّلاَثَةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ ثُلُثِ الْمَال الْبَاقِي، يَبْقَى سَهْمَانِ، تَضُمُّهُمَا إِلَى ثُلُثَيِ الْمَال تَكُونُ عَشْرَةً، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ثَلاَثَةً، فَيَكُونُ لِكُل ابْنٍ مِثْل النَّصِيبِ الْمَفْرُوضِ، فَقَدْ زَادَ عَلَى مَا يَنْبَغِي سَبْعَةٌ، وَهُوَ الْخَطَأُ الأَْوَّل، ثُمَّ تُقَدِّرُ الثُّلُثَ خَمْسَةً، وَتَجْعَل النَّصِيبَ اثْنَيْنِ، وَتُعْطِي عَمْرًا وَاحِدًا، يَبْقَى سَهْمَانِ، تَزِيدُهُمَا عَلَى ثُلُثَيِ الْمَال، وَهُوَ عَشَرَةٌ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، تَبْلُغُ اثْنَيْ عَشَرَ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سِتَّةً لِيَكُونَ لِكُل ابْنٍ سَهْمَانِ، فَزَادَ عَلَى مَا يَنْبَغِي سِتَّةً، وَهُوَ الْخَطَأُ الثَّانِي، ثُمَّ نَقُول: لَمَّا أَخَذْنَا أَرْبَعَةً زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ سَبْعَةً، وَلَمَّا زِدْنَا سَهْمًا نَقَصَ عَنِ الْخَطَأِ سَهْمٌ، فَعَلِمْنَا أَنَّ كُل سَهْمٍ يَزِيدُ يَنْقُصُ بِهِ مِنَ الْخَطَأِ سَهْمٌ. وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْخَطَأِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ، فَتَزِيدُ لَهَا سِتَّةَ أَسْهُمٍ يَكُونُ أَحَدَ عَشَرَ، فَهُوَ ثُلُثُ الْمَال، النَّصِيبُ مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ، وَجَمِيعُ الْمَال ثَلاَثَةٌ وَثَلاَثُونَ (1) . وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا خَلَّفَ ثَلاَثَةَ بَنِينَ، وَوَصَّى لِرَجُلٍ بِمِثْل نَصِيبِ __________ (1) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 224 - 225 أَحَدِهِمْ، وَلآِخَرَ بِنِصْفِ بَاقِي الْمَال، فَفِيهِ أَوْجُهٌ. الأَْوَّل: يُعْطَى صَاحِبُ النَّصِيبِ مِثْل نَصِيبِ ابْنٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ وَصِيَّةٌ أُخْرَى. وَالثَّانِي: يُعْطَى نَصِيبَهُ مِنْ ثُلُثَيِ الْمَال. وَالثَّالِثُ: يُعْطَى مِثْل نَصِيبِ ابْنٍ بَعْدَ أَخْذِ صَاحِبِ النِّصْفِ وَصِيَّتَهُ فَيَدْخُلُهَا الدَّوْرُ وَلَهَا طُرُقٌ. أَحَدُهَا: أَنْ تَأْخُذَ مَخْرَجَ النِّصْفِ، فَتُسْقِطَ مِنْهُ سَهْمًا يَبْقَى سَهْمٌ، فَهُوَ النَّصِيبُ، فَزِدْ عَلَى عَدَدِ الْبَنِينَ وَاحِدًا، تَكُنْ أَرْبَعَةً، فَتَضْرِبَهَا فِي الْمَخْرَجِ، تَكُنْ ثَمَانِيَةً تُنْقِصُهَا سَهْمًا يَبْقَى سَبْعَةٌ، فَهِيَ الْمَال، لِلْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ سَهْمٌ، وَلِلآْخَرِ نِصْفُ الْبَاقِي ثَلاَثَةٌ وَلِكُل ابْنٍ سَهْمٌ. الثَّانِي: أَنْ تُزِيدَ سِهَامَ الْبَنِينَ نِصْفَ سَهْمٍ، وَتَضْرِبَهَا فِي الْمَخْرَجِ تَكُنْ سَبْعَةً. الثَّالِثُ: طَرِيقُ الْمَنْكُوسِ، وَهُوَ أَنْ تَأْخُذَ سِهَامَ الْبَنِينَ وَهِيَ ثَلاَثَةٌ، فَتَقُول: هَذَا بَقِيَّةُ مَالٍ ذَهَبَ نِصْفُهُ، فَإِذَا أَرَدْتَ تَكْمِيلَهُ، زِدْتَ عَلَيْهِ مِثْلَهُ، ثُمَّ زِدْ عَلَيْهِ مِثْل نَصِيبِ ابْنٍ تَكُنْ سَبْعَةً. الرَّابِعُ: أَنْ تَجْعَل الْمَال سَهْمَيْنِ وَنَصِيبًا، تَدْفَعُ النَّصِيبَ إِلَى الْمُوصَى لَهُ بِهِ يَبْقَى سَهْمٌ لِلْبَنِينَ يَعْدِل ثَلاَثَةَ أَنْصِبَاءَ، فَالْمَال كُلُّهُ سَبْعَةٌ، وَبِالْجَبْرِ تَأْخُذُ مَالاً، وَتَلْقَى مِنْهُ نَصِيبًا يَبْقَى مَال الأَْنْصِبَاءِ، تَدْفَعُ نَصِيبَ الْبَاقِي إِلَى الْوَصِيِّ الآْخَرِ يَبْقَى نِصْفُ مَالٍ إِلاَّ نِصْفَ نَصِيبٍ يَعْدِل ثَلاَثَةَ أَنْصِبَاءَ، اجْبُرْهُ بِنِصْفِ نَصِيبٍ، وَزِدْهُ عَلَيْهِ يَبْقَى نَصِيبًا كَامِلاً يَعْدِل ثَلاَثَةً وَنِصْفًا، فَالْمَال سَبْعَةٌ (1) . ج - الْوَصِيَّةُ بِالنَّصِيبِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ جُزْءٍ مِنَ الْمَال عَنْهُ: 97 - مِثَال هَذِهِ الصُّورَةِ: أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ إِلاَّ نِصْفَ مَالِهِ وَتَرَكَ ابْنًا وَاحِدًا صَحَّا وَلِلْمُوصَى لَهُ رُبُعُ الْمَال؛ لأَِنَّ الْمَال سَهْمٌ إِذِ الاِبْنُ وَاحِدٌ فَزِدْ عَلَيْهِ سَهْمًا لأَِجْل الْوَصِيَّةِ بِالْمِثْل؛ وَاجْعَل كُل سَهْمٍ سَهْمَيْنِ لِحَاجَتِنَا إِلَى مَعْرِفَةِ نِصْفِ الْمَال فَصَارَ كُل الْمَال أَرْبَعَةً، فَأَعْطِ لِلْمُوصَى لَهُ ثَلاَثَةً؛ لأَِنَّهُ لَمَّا اسْتَثْنَى مِنَ النَّصِيبِ نِصْفَ الْمَال كَانَ النَّصِيبُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْمَال وَاسْتَرْجِعْ مِنْهُ نِصْفَ الْمَال وَهُوَ اثْنَانِ فَيَصِيرَ فِي يَدِ الاِبْنِ ثَلاَثَةٌ، وَيَبْقَى لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ وَهُوَ رُبُعُ الْمَال (2) . __________ (1) الْمُبْدِع 6 / 91 - 92 (2) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 103 - 104، وانظر رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 228، والمبدع 6 / 96، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 343، والمغني لاِبْنِ قُدَامَة 6 / 43 وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا: أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ بَنِيهِ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ جُزْءًا مُعَيَّنًا، نَحْوَ ثَلاَثَةِ بَنِينَ أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ إِلاَّ سُبْعَ مَالِهِ، فَيُدْفَعُ لَهُ مَا كَانَ يُصِيبُ أَحَدُ الْبَنِينَ قَبْل الْوَصِيَّةِ وَهُوَ الثُّلُثُ، يَبْقَى ثُلُثُ الْمَال سَهْمَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ مُبَايِنًا، فَتَضْرِبُ ثَلاَثَةً فِي ثَلاَثَةٍ تَبْلُغْ تِسْعَةً، فِي سَبْعَةٍ - مَخْرَجُ الْجُزْءِ الْمُسْتَثْنَى - تَبْلُغْ ثَلاَثَةً وَسِتِّينَ، لِصَاحِبِ الْوَصِيَّةِ ثُلُثُ ذَلِكَ وَاحِدٌ وَعِشْرُونَ، وَالنَّصِيبُ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثٍ، فَأَمَّا لَوْ كَانَ الْبَنُونَ أَرْبَعَةً أَوْ أَكْثَرَ أَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ فِي ثُلُثِ مَا يَبْقَى مِنَ النِّصْفِ لَصَحَّتْ. ثُمَّ الْعَمَل أَنْ تَأْخُذَ مَخْرَجَ الرُّبُعِ إِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً تَضْرِبُهُ فِي مَخْرَجِ ثُلُثِ الثُّلُثِ تِسْعَةٌ، يَكُونُ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ، النَّصِيبُ مِنْهَا تِسْعَةٌ، وَالثُّلُثُ اثْنَا عَشَرَ يَبْقَى مِنْهُ ثَلاَثَةٌ، ثُلُثُهَا وَاحِدٌ فَيُضَافُ عَلَى النَّصِيبِ فَيَصِيرُ عَشَرَةً، وَتَرُدُّ مِنْهُ سُبُعَ الْمَال وَهُوَ تِسْعَةٌ تَبْقَى بِيَدِهِ اثْنَا عَشَرَ وَذَلِكَ جُمْلَةُ مَا يَصِحُّ لَهُ وَيَبْقَى أَحَدٌ وَخَمْسُونَ لِكُل ابْنٍ سَبْعَةَ عَشَرَ (1) . د - الاِسْتِثْنَاءُ مَعَ ذِكْرِ الأَْنْصِبَاءِ وَالْكُسُورِ: الاِسْتِثْنَاءُ مَعَ ذِكْرِ الأَْنْصِبَاءِ وَالْكُسُورِ فِي مَسَائِل الْوَصَايَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ (2) . __________ (1) الذَّخِيرَة 13 / 116 (2) مَعُونَة أُولِي النُّهَى 6 / 349 الضَّرْبُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى جُزْءًا مِمَّا بَقِيَ مِنَ الْمَال بَعْدَ النَّصِيبِ: 98 - مِثَالُهُ: إِذَا كَانَ لِلرَّجُل خَمْسَةُ بَنِينَ فَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ إِلاَّ ثُلُثَ مَا بَقِيَ مِنَ الثُّلُثِ بَعْدِ النَّصِيبِ فَالْفَرِيضَةُ مِنْ سَبْعَةٍ وَخَمْسِينَ، النَّصِيبُ عَشَرَةٌ، وَالاِسْتِثْنَاءُ ثَلاَثَةٌ وَلِكُل ابْنٍ عَشَرَةٌ. وَتَخْرِيجُهُ أَنْ تَأْخُذَ عَدَدَ الْبَنِينَ خَمْسَةً فَتَزِيدَ عَلَيْهَا سَهْمًا بِالْوَصِيَّةِ بِالنَّصِيبِ ثُمَّ تَضْرِبَ ذَلِكَ فِي ثَلاَثَةٍ فَيَكُونَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، ثُمَّ تَزِيدَ عَلَيْهَا سَهْمًا فَيَكُونَ تِسْعَةَ عَشَرَ فَهُوَ ثُلُثُ الْمَال، وَالثُّلُثَانِ ثَمَانِيَةٌ وَثَلاَثُونَ فَالْجُمْلَةُ سَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ، وَمَعْرِفَةُ النَّصِيبِ أَنْ تَأْخُذَ النَّصِيبَ وَهُوَ وَاحِدٌ وَتَضْرِبَهُ فِي ثَلاَثَةٍ ثُمَّ فِي ثَلاَثَةٍ، فَيَكُونَ تِسْعَةً ثُمَّ تَزِيدَ عَلَيْهِ سَهْمًا فِي أَصْل الْمَال فَيَكُونَ عَشَرَةً، وَهُوَ النَّصِيبُ الْكَامِل إِذَا رَفَعْتَهُ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ بَقِيَ تِسْعَةٌ فَاسْتَرْجِعْ بِالاِسْتِثْنَاءِ مِنَ النَّصِيبِ مِثْل ثُلُثِ مَا بَقِيَ، وَهُوَ ثَلاَثَةٌ وَضُمَّ ذَلِكَ إِلَى تِسْعَةٍ فَيَكُونَ اثْنَيْ عَشَرَ ثُمَّ تَضُمَّ ذَلِكَ إِلَى ثُلُثَيِ الْمَال ثَمَانِيَةٍ وَثَلاَثِينَ فَيَكُونَ خَمْسِينَ بَيْنَ خَمْسَةِ بَنِينَ، لِكُل ابْنٍ عَشَرَةٌ مِثْل نَصِيبٍ كَامِلٍ (1) . __________ (1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 100، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 346 348، والمغني لاِبْنِ قُدَامَة 6 / 43، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 129 الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى جُزْءًا مِمَّا بَقِيَ مِنَ الْمَال بَعْدَ الْوَصِيَّةِ: 99 - مِثَالُهُ: أَنْ يَقُول الْمُوصِي: أَوْصَيْتُ لِفُلاَنٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ بَنِيَّ الثَّلاَثَةِ إِلاَّ رُبُعَ الْبَاقِي بَعْدَ الْوَصِيَّةِ فَلَكَ فِيهَا طُرُقٌ مِنْهَا: اجْعَل الْمَخْرَجَ ثَلاَثَةً وَزِدْ عَلَى الْمَخْرَجِ وَاحِدًا يَبْلُغْ أَرْبَعَةً، فَهُوَ النَّصِيبُ، وَرُدَّ عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ الثَّلاَثَةِ سَهْمًا لِيَكُونَ النَّصِيبُ أَرْبَعَةً، وَزِدْ أَيْضًا ثُلُثًا لأَِجْل الْوَصِيَّةِ وَاضْرِبِ الَّذِي صَارَ أَرْبَعَةً وَثُلُثًا فِي ثَلاَثَةٍ الَّتِي هِيَ الْمَخْرَجُ يَكُنْ بِالضَّرْبِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ سَهْمًا، لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ ذَلِكَ سَهْمٌ وَلِكُل ابْنٍ أَرْبَعَةٌ (1) . الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى جُزْءًا مِمَّا بَقِيَ مِنْ جُزْءٍ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ: 100 - مِثَالُهُ: خَلَّفَ ثَلاَثَةَ بَنِينَ وَأَوْصَى لِزَيْدٍ بِنَصِيبِ ابْنٍ إِلاَّ نِصْفَ الْبَاقِي مِنَ الثُّلُثِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، فَقُل: ثُلُثُ الْمَال وَصِيَّةٌ وَقِسْمَانِ، وَنَصِيبُ كُل ابْنٍ وَصِيَّةٌ وَقِسْمٌ؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ نَصِيبٌ إِلاَّ وَاحِدًا - أَيْ نِصْفُ الْبَاقِي - يَكُونُ النَّصِيبُ وَصِيَّةً وَوَاحِدًا؛ وَجَمِيعُ الأَْنْصِبَاءِ ثَلاَثُ وَصَايَا وَثَلاَثَةٌ أَقْسَامٍ وَهِيَ تَعْدِل مَا يَبْقَى مِنَ الْمَال بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ وَصِيَّتَانِ وَسِتَّةُ __________ (1) مَعُونَة أُولِي النُّهَى 6 / 348 349، والمغني لاِبْنِ قُدَامَة 6 / 43، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 229 - 231 أَقْسَامٍ؛ لأَِنَّ ثُلُثَ الْمَال وَصِيَّةٌ وَقِسْمَانِ فَجَمِيعُهُ ثَلاَثُ وَصَايَا وَسِتَّةُ أَقْسَامٍ فَإِذَا أَخْرَجْتَ الْوَصِيَّةَ يَبْقَى مَا ذُكِرَ ثُمَّ بَعْدَ إِلْقَاءِ الْمُشْتَرَكِ يَبْقَى وَصِيَّةٌ تَعْدِل ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ثُلُثُ الْمَال خَمْسَةً وَالْكُل خَمْسَةَ عَشَرَ، وَالْوَصِيَّةُ ثَلاَثَةً وَكُل نَصِيبٍ أَرْبَعَةً (1) . الضَّرْبُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى جُزْءًا مِمَّا يَبْقَى مِنْ جُزْءِ الْمَال بَعْدَ النَّصِيبِ: 101 - مِثَالُهُ: خَلَّفَ ثَلاَثَةَ بَنِينَ وَأَوْصَى لِزَيْدٍ بِنَصِيبِ ابْنٍ إِلاَّ ثُلُثَ مَا يَبْقَى مِنْ ثُلُثِ الْمَال بَعْدَ النَّصِيبِ، فَنَقُول: يَفْرِضُ ثُلُثَ التَّرِكَةِ نَصِيبًا وَثَلاَثَةً لِيَكُونَ لَهَا ثُلُثٌ صَحِيحٌ فَيَكُونُ كُل التَّرِكَةِ ثَلاَثَةَ أَنْصِبَاءَ وَتِسْعَةً فَالْوَصِيَّةُ مِنْهَا نَصِيبٌ إِلاَّ ثُلُثَ الثَّلاَثَةِ إِذِ الثُّلُثُ نَصِيبٌ وَثَلاَثَةٌ، وَالْفَرْضُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ نَصِيبُ ابْنٍ إِلاَّ ثُلُثَ مَا يَبْقَى مِنْ ثُلُثِ الْمَال بَعْدَ النَّصِيبِ، ثُمَّ الْبَاقِي بَعْدَ الْوَصِيَّةِ نَصِيبَانِ وَعَشَرَةٌ، وَذَلِكَ يَعْدِل ثَلاَثَةَ أَنْصِبَاءَ، فَالنَّصِيبُ عَشَرَةٌ، وَالثُّلُثُ ثَلاَثَةَ عَشَرَ، وَالْجَمِيعُ تِسْعَةٌ وَثَلاَثُونَ، وَالْوَصِيَّةُ تِسْعَةٌ وَلِكُل ابْنٍ عَشَرَةٌ (2) . هـ - إِطْلاَقُ الاِسْتِثْنَاءِ: 102 - مَتَى أَطْلَقَ الْمُوصِي الاِسْتِثْنَاءَ كَأَنْ __________ (1) مَعُونَة أُولِي النُّهَى 6 / 349 - 350 (2) مَعُونَة أُولِي النُّهَى 6 / 350 يَقُول: أَوْصَيْتُ لَهُ بِمِثْل نَصِيبِ فُلاَنٍ إِلاَّ رُبُعَ مَا تَبَقَّى مِنَ الْمَال، وَلَمْ يَقُل: بَعْدَ النَّصِيبِ وَلاَ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ فَفِيهِ رَأْيَانِ: الرَّأْيُ الأَْوَّل: يُحْمَل عَلَى مَا بَعْدَ النَّصِيبِ؛ لأَِنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ النَّصِيبُ فَانْصَرَفَ الاِسْتِثْنَاءُ إِلَيْهِ. وَعَزَا ابْنُ قُدَامَةَ هَذَا الرَّأْيَ إِلَى جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. الرَّأْيُ الثَّانِي: يُحْمَل عَلَى الْبَاقِي بَعْدَ الْوَصِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ أَكْثَرُ مِنَ الْبَاقِي بَعْدَ النَّصِيبِ؛ فَيَكُونُ الْمُسْتَثْنَى أَكْثَرَ، وَيَقِل نَصِيبُ الْمُوصَى لَهُ وَقَدْ تَقَرَّرَ تَنْزِيل الْوَصَايَا عَلَى الأَْقَل الْمُتَيَقَّنِ. وَهَذَا قَوْل أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَعَزَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ وَالْبَصْرِيِّينَ (1) . __________ (1) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 44، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 351، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 230 - 231 |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
25 - الوصية
• * حكمة مشروعية الوصية:. • * حكم الوصية:. • * وجوه الوصية:. • * نص الوصية:. • * تبطل الوصية بما يلي:. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* حكمة مشروعية الوصية:
شرع الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الوصية لطفاً بعباده ورحمة بهم حينما جعل للمسلم نصيباً من ماله يفرضه قبل وفاته في أعمال البر التي تعود على الفقراء والمحتاجين بالخير والفضل، ويعود على الموصي بالثواب والأجر في وقت حيل بينه وبين العمل. قال الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة/180). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* حكم الوصية:
1 - الوصية مستحبة لمن له مال كثير ووارثه غير محتاج، فيوصي بشيء من ماله لا يتجاوز الثلث يُصرف في وجوه البر والإحسان ليصل إليه ثوابه بعد موته. 2 - وتجب الوصية على من في ذمته دين لله تعالى، أو لآدمي، أو عنده أمانة لغيره فيكتبها ويبينها؛ لئلا تضيع الحقوق، أو ترك مالاً كثيراً فيلزمه أن يوصي لأقاربه غير الوارثين بما لا يزيد على الثلث. 3 - الوصية المحرمة كأن يوصي لأحد الورثة كابنه الأكبر أو زوجته بمال من بين سائر الورثة. * تسن الوصية لمن له وارث بالخمس أو الربع إن ترك خيراً وهو المال الكثير عرفاً، والخمس أفضل، وتجوز الوصية بالثلث لغير وارث، وتكره وصية فقير ورثته محتاجون، وتجوز الوصية بالكل لمن لا وارث له، ولا تجوز الوصية لأجنبي لمن له وارث بأكثر من الثلث، ولا تجوز الوصية لوارث، وإن أوصى لأمه وأبيه وأخيه ونحوهم بحجة أو أضحية وهم أحياء جاز؛ لأن هذا من باب البر والإحسان إليهم بالثواب لا من باب الوصية التي يقصد بها التمليك. * يشترط في الموصى إليه بالتصرف أن يكون مسلماً، عاقلاً، مميزاً، حسن التصرف فيما أوصي إليه فيه رجلاً كان أو امرأة. * تصح الوصية من البالغ الرشيد، ومن الصبي العاقل، والسفيه بالمال ونحوهم. * تصح الوصية بلفظ مسموع من الموصي، أو خطه، ويستحب أن يكتب وصيته، ويُشهد عليها؛ قطعاً للنزاع. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)). متفق عليه (¬1). * يجوز الرجوع في الوصية ونقصها وزيادتها، فإذا مات استقرت. * تصح الوصية لمن يصح تملكه من مسلم وكافر معين بكل شيء فيه نفع مباح، وتصح للمساجد، والقناطر، ودور العلم ونحو ذلك. ¬_________ (¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2738)، واللفظ له، ومسلم برقم (1627). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* وجوه الوصية:
الوصية تكون بالتصرف المعلوم بعد الموت كأن يزوج بناته وينظر لصغاره، أو يفرق ثلثه، وهي مندوب إليها وقربة يثاب عليها من قدر عليها. وتكون الوصية بالتبرع بالمال كأن يوصي بخمس ماله للفقراء أو أهل العلم أو المجاهدين في سبيل الله، أو لبناء مسجد، أو حفر بئر ماء للشرب ونحو ذلك. * تستحب الوصية للوالدين اللذين لا يرثان، وللأقارب الفقراء الذين لا يرثون؛ لأنها عليهم صدقة وصلة. * يجب أن تكون الوصية بالمعروف، فإن قصد الموصي مضارة الوارث حرم عليه ذلك وهو آثم، ويحرم على الموصى إليه وغيره تبديل الوصية العادلة، ويسن لمن علم أن في الوصية جنفاً أو إثماً أن ينصح الموصي بالأحسن والأعدل، وينهاه عن الجور والظلم، فإن لم يستجب أصلح بين الموصى إليهم ليحصل العدل والتراضي وبراءة ذمة الميت. قال الله تعالى: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة/181 - 182). * لا تصح الوصية ولا تجوز على جهة معصية، كالوصية لبناء الكنائس، وعمارة الأضرحة، سواء كان الموصي مسلماً أو كافراً. * الاعتبار بصحة الوصية وعدم صحتها بحال الموت، فلو أوصى لوارث فصار عند الموت غير وارث، كأخ حُجب بابن تجدد صحت الوصية، ولو أوصى لغير وارث فصار عند الموت وارثاً، كما لو أوصى لأخيه مع وجود ابنه حال الوصية ثم مات ابنه فإنها تبطل الوصية إن لم تجزها الورثة. * إذا مات الإنسان يخرج من تركته الدين، ثم الوصية، ثم الميراث. * يجوز أن يكون الموصى إليه واحداً أو أكثر، فإذا تعدد الأوصياء وحُدد لكل واحد اختصاصه صح فيما خصه به، وإن أوصى إلى وصيين في شيء واحد كالنظر في أمر أولاده، أو أمواله فليس لأحدهما التصرف منفرداً. * يصح قبول الموصى إليه الوصية في حياة الموصي، وبعد موته، فإن امتنع عنها قبل الموت أو بعده سقط حقه؛ لعدم قبوله. * إذا أوصى الموصي بأن قال: أوصيت لفلان بمثل نصيب ابني أو أي وارث فله مثل نصيبه مضموماً إلى المسألة، وإن أوصى بجزء أو حظ أعطاه الورثة ما شاؤوا. * إذا مات الإنسان بموضع لا حاكم فيه ولا وصي كالمفاوز والقفار، جاز لمن حوله من المسلمين حوز تركته والتصرف فيها بما يحقق المصلحة. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* نص الوصية:
يستحب أن يكتب في صدر الوصية ما ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: هذا ما أوصى به فلان ابن فلان، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك بعده من أهله أن يتقوا الله حق تقاته، وأن يصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة/132). ثم يذكر ما يريد أن يوصي به. أخرجه البيهقي والدارقطني (¬1). ¬_________ (¬1) صحيح/ أخرجه البيهقي برقم (12463)، وأخرجه الدارقطني (4/ 154) انظر إرواء الغليل رقم (1647). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* تبطل الوصية بما يلي:
1 - إذا جُنَّ الموصَى له بالتصرف. 2 - إذا تلف الموصى به. 3 - إذا رجع الموصي عن الوصية. 4 - إذا ردها الموصى له. 5 - إذا مات الموصى له قبل موت الموصي. 6 - إذا قتل الموصى له الموصي. 7 - إذا انتهت مدة الوصية، أو انتهى العمل الذي عُهد إلى الوصي القيام به. |
معجم المصطلحات الحديثية للطحان
|
وفيها خلاصة النتائج التى توصلنا إليها
وفى الختام نحمد الله- تعالى- على ما من به من التيسير لإتمام هذا البحث "معجم المصطلحات الحديثية" الذى نسأل الله تعالى أن ينفع به طلبة العلم، لاسيما طلبة الحديث الشريف وقد توصلنا من خلال هذا البحث إلى النتائج التالية: - جمع المصطلحات الحديثية على سبيل الاستيعاب ما أمكن - ترتيبها على حروف المعجم بشكل دقيق، مما يسهل على الباحث العثور عليها بسهولة ويسر - تعريف كل مصطلح: لغة، واصطلاحاً، مما لا يوجد فى كتاب قبله على هذا الشكل - اخترنا تعريف المصطلح الراجح البعيد عن التعقيد - عزونا تعريفات المصطلحات إلى أشهر مصادر علوم الحديث الأصلية، وأشرنا إلى موضع المصطلح فى تلك المصادر بالجزء والصفحة والغاية من هذا البحث تتلخص فى الأهداف التالية: - تسهيل الوصول إلى المصطلحات الحديثية بأقصر وقت - تعميم الفائدة على المتخصصين فى علوم الحديث، وغيرهم - الحصول على تعريفات المصطلحات الحديثية بشكل مختصر مفيد وأخيراً نعود فنكرر الحمد لله- تعالى- على التوفيق لإبراز هذا المعجم بالشكل المناسب، ونسأله- تعالى- أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، إنه- تعالى- جواد كريم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين المراجع: - اختصار علوم الحديث، لابن كثير، الطبعة الثالثة1399هـ- 1979م- مكتبة دار التراث- القاهرة- تحقيق الشيخ أحمد شاكر - الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، للقاضى عياض- تحقيق السيد أحمد صقر- الطبعة الأولى- نشر دار التراث بالقاهرة، والمكتبة العتيقة بتونس- 1389هـ- 197 م - تدريب الراوى فى شرح تقريب النواوى للسيوطى- تحقيق د عبدالوهاب عبداللطيف- الطبعة الثانية- 1385هـ- 1966م- دار الكتب الحديثة- القاهرة - التقريب والتيسير إلى معرفة سنن البشير النذير- للنووى (مطبوع مع تدريب الراوى). - التقييد والإيضاح للعراقى- تحقيق عبدالرحمن محمد عثمان- الناشر محمد عبدالمحسن الكتبى- المكتبة السلفية- المدينة المنورة- الطبعة الأولى- 1389هـ- 1969م - تنقيح الأنظار، لابن الوزير- تحقيق محمد محيى الدين عبدالحميد- الطبعة الأولى- عام1366هـ- مطبعة السعادة- القاهرة - توضيح الأفكار لمعانى تنقيح الأنظار- للصنعانى(مطبوع مع تنقيح الأنظار). - الجامع لأخلاق الراوى وآداب السامع، للخطيب البغدادى- تحقيق د محمود الطحان- نشر مكتبة المعارف- الرياض- 14 3هـ- 1983م - الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة- لمحمد بن جعفر الكتانى- تحقيق محمد المنتصر الكتانى- مطبعة دار الفكر- دمشق- الطبعة الثالثة- سنة1383هـ- 1964م - علوم الحديث، لابن الصلاح- تحقيق د نور الدين عتر- دار الفكر- دمشق- الطبعة الثالثة- 14 4هـ- 1984م - فتح المغيث شرح ألفية الحديث- للسخاوى- تحقيق عبدالرحمن محمد عثمان- الناشر محمد عبدالمحسن الكتبى- المكتبة السلفية- المدينة المنورة- مطبعة العاصمة- القاهرة- الطبعة الثانية- 1388هـ- 1968م - فيض القدير، شرح الجامع الصغير، للمناوى- مطبعة مصطفى محمد- القاهرة- الطبعة الأولى- 1356هـ- 1938م - القاموس المحيط- للفيروزآبادى- الطبعة الميمنية- القاهرة- 1319هـ - قواعد التحديث، للقاسمى- تحقيق الشيخ محمد بهجة البيطار- الطبعة الثانية- 138 هـ- 1961م- نشر عيسى البابى الحلبى وشركاه- القاهرة - قواعد فى علوم الحديث- للتهانوى- تحقيق الشيخ عبدالفتاح أبو غدة- نشر مكتبة المطبوعات الإسلامية- حلب- الطبعة الثالثة- 1391هـ- 1971م - الكفاية فى علم الرواية- للخطيب البغدادى- طبع دائرة المعارف العثمانية- بحيدر آباد الدكن- سنة1357هـ - لسان العرب- لابن منظور- دار صادر- بيروت - المحدث الفاصل بين الراوى والواعى- تحقيق د محمد عجاج الخطيب- نشر دار الفكر- بيروت- الطبعة الأولى- 1391هـ- 1971 - المعجم الوسيط - معرفة علوم الحديث- للحاكم النيسابورى- طبع دائرة المعارف العثمانية- تحقيق د معظم حسين - نخبة الفكر فى مصطلح أهل الأثر- للحافظ ابن حجر- نشر المكتبة العلمية فى المدينة المنورة- تحقيق وتعليق د. نور الدين عتر - نزهة النظر شرح نخبة الفكر- للحافظ ابن حجر- (مطبوعة مع نخبة الفكر). - النكت على كتاب ابن الصلاح- للحافظ ابن حجر- تحقيق د ربيع بن هادى مدخلى- نشر المجلس العلمى التابع للجامعة الإسلامية- المدينة المنورة- الطبعة الأولى- 14 4هـ- 1984م |
|
الوصية: أن يوصي الشيخُ عند سفره أو عند موته ونحوهما لشخص بكتاب - أو بأكثر من كتاب - من كتبه ، من غير أن يصرح له - أو لغيره - بالإذن له بروايته.
وقد ذكر المتأخرون ممن ألف في علوم الحديث الوصيةَ في أقسام التحمل ، وكان الأصح أو الأحوط أن لا تُذكر فيها ، لأن ذلك يوهِم أنها منها وأنها يُعمل بها ويُروى عنها ، ولكن قد يُعتذر عنهم بأن أقسام الرواية أو التحمل المذكورة في كتب علوم الحديث شاملة لما صح ولغيره ، ثم هم قد بينوا حكم الرواية بكل قسم منها ، فلا إيهام. قال ابن الصلاح في (علوم الحديث) (ص157): (القسم السابع من أقسام الأخذ والتحمل: الوصية بالكتب ، بأن يوصي الراوي بكتاب يرويه(1) ، عند موته أو سفره ، لشخص؛ فروي عن بعض السلف رضي الله تعالى عنهم أنه جوز بذلك رواية الموصَى له ، لذلك ، عن الموصي الراوي ؛ وهذا بعيد جداً ؛ وهو إما زلة عالم ،أو متأوَّل على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة التي يأتي شرحها، إن شاء الله تعالى. وقد احتج بعضهم لذلك فشبهه بقسم الإعلام وقسم المناولة(2)، ولا يصح ذلك، فإن لقول من جوز الرواية بمجرد الإعلام والمناولة مستنداً ذكرناه، لا يتقرر مثله ولا قريب منه هاهنا، والله أعلم). انتهى. وقال العراقي في ألفيته: وبعضهم أجاز للموصَى لهْ--بالجزء من راوٍ قضى أجلهْ يرويه أو لسفرٍ أراده-------ورُدَّ ما لم يُردِ الوِجادهْ فقال السخاوي في (شرحه) (2/48): "(وبعضهم) كمحمد بن سيرين (أجاز للموصى له) المعين واحداً فأكثر (بالجزء) من أصوله، أو ما يقوم مقامها بكتبه كلها (من راو) له رواية بالموصى به من غير أنْ يُعْلِمه صريحاً بأن هذا من مرويه؛ سواء كانت الوصية بذلك حين (قضى أجله) بالموت 000 (أو) حين توجهه (لسفر أراده)-----. ولكن رد القول بالجواز حسبما جنح إليه الخطيب، بل نقله عن كافة العلماء، وذلك أنه قال: ولا فرق بين الوصية بها وابتياعها بعد موته في عدم جواز الرواية إلا على سبيل الوجادة؛ قال: وعلى ذلك أدركنا كافة أهل العلم، إلا أن تكون تقدمت من الراوي إجازة للذي سارت غليه الكتب برواية ما صح عنده من سماعاته، فإنه يجوز أن يقول حينئذ فيما يرويه منها: (أخبرنا) و (حدثنا) على مذهب من أجاز أن يقال ذلك في أحاديث الإجازة؛ وتبعه ابن الصلاح حيث قال: إن القول بالجواز بعيد جداً----" ؛ انتهى. تنبيه: قال أحمد محمد شاكر رحمه الله في (شرح ألفية السيوطي) (ص139) في تعريف التحمل بالوصية والكلام عليه: (فهو أن يوصي الشيخ عند سفره أو عند موته لشخص بكتاب يرويه عنه----). قلت: أرى أن كلمة (يرويه عنه) زيادة من الشيخ أحمد شاكر في تعريف الوصية، وهي زيادة غير صحيحة، ومعناها هو الذي جعل الشيخ لا يرى وجهاً للتفرقة بين الوصية والإجازة كما سيأتي في كلامه. إن المراد بالوصية عند الإطلاق الوصية المجردة عن الإذن بالرواية، أو عن قرينة مشعرة بذلك، أو دالة عليه. فهي تحتمل أن تكون وصية على سبيل الصدقة أو الهدية أو من أجل أن ينتفع الموصى له ببيعها، وأنَّ تلك الكتب الموصى بها لعله يكون فيها ما ليس من روايته، أو يكون فيها بعض مسوَّداته التي لم يقابلها على أصولها ولم يعتن بتصحيحها ؛ ويظهر أن هذه المعاني هي التي راعاها ابن الصلاح رحمه الله عندما ذهب إلى ما سبق نقله عنه، وهو مصيب في ذلك ، أعني قوله (بأن يوصي الراوي بكتاب يرويه) ، أي بكتاب قد سمعه من شيوخه ، أو أذنوا له بروايته ؛ ولكن الشيخ العلامة أحمد شاكر رحمه الله زاد عقب كلمة (يرويه) كلمة (عنه) فاختلف المعنى. ثم قال الشيخ أحمد في تتمة كلامه السابق: (وهذا النوع من الرواية نادر الوقوع، ولكنا نرى أنه إن وقع صحت الرواية به، لأنه نوع من الإجازة، إن لم يكن أقوى من الإجازة المجردة، لأنه إجازة من الموصي للموصى له برواية شيء معين مع إعطائه إياه [!!!]، ولا نرى وجهاً للتفرقة بينه وبين الاجازة، وهو في معناها أو داخل تحت تعريفها، كما يظهر ذلك بأدنى تأمل). انتهى. __________ (1) كذا قيد ابن الصلاح هذه العبارة بكلمة (يرويه) أي الشيخ الموصي، وهو قيد مهم ، كما يأتي بيانه. (2) قال الشيخ أحمد شاكر: (وهو يشير بذلك إلى احتجاج القاضي عياض لصحتها بأن في إعطاء الوصية للموصى له نوعاً من الإذن وشبهاً من العرض والمناولة، وأنه قريب من الإعلام). |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
26 - الوصية
- الوصية: هي التبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعد الموت. - الفرق بين الوصية والهبة: الوصية: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع. والهبة: تمليك المال لغيره في الحال. وكلاهما يصح من مسلم وكافر. - حكمة مشروعية الوصية: قد يغفل الإنسان في حياته عن أعمال البر والخير، ومن رحمة الله بعباده أن شرع لهم الوصية؛ زيادة في القربات والحسنات، وتداركاً لما فرط فيه الإنسان في حياته من أعمال البر. فجعل سبحانه للمسلم نصيباً من ماله يفرضه قبل مماته في أعمال البر التي تعود على الفقراء والمحتاجين بالخير والفضل، وتعود على الموصي بالثواب والأجر، والاستزادة من العمل الصالح، ومكافأة من أسدى للمرء معروفاً، وصلة للرحم والأقارب غير الوارثين، وسد خَلّة المحتاجين. - حكم الوصية: الوصية لها خمسة أحكام: 1 - واجبة: كالوصية برد الودائع والديون التي لا يعلمها إلا الموصي، والوصية بقضاء الحقوق الشرعية، سواء كانت لله كالزكاة والكفارات، أو كانت لآدمي كالديون والودائع ونحوهما، والوصية برد المغصوب أو المسروق |
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
|
8 - الوَصيَّة
لغة: تطلق بمعنى العهد إلى الغير فى القيام بفعل أمر، حال حياته أو بعد وفاته، يقال أوصيت له أو إليه: جعلته وصيا يقوم على أولاده من بعده، وهذا المعنى اشتهر فيه لفظ الوصاية. وتطلق أيضا على جعل المال للغير، يقال: وصيت بكذا أو أوصيت، أى جعلته له، والوصايا جمع وصية تعم الوصية بالمال والإيصاء أو الوصاية (1) واصطلاحا: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، وقد عرفها بعض الفقهاء بما هو أعم من ذلك فقال: هى الأمر بالتصرف بعد الموت، وبالتبرع بمال بعد الموت، فشمل الوصية لإنسان بتزويج بناته أو غسله، أو الصلاة عليه إماما (2) أما أدلة المشروعية: فهى الكتاب والسنة والإجماع والمعقول: أما الكتاب فقوله تعالى: {{كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين}} (البقرة 180). وأما السنة: فما روى ابن عمر أن رسول الله ? قال: "ماحق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " (3). وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء فى جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية. وأما المعقول: فهو حاجه الناس إلى الوصية زيادة فى القربات والحسنات وتداركا لما فرط به الإنسان فى حياته من أعمال الخير، وسبب المشروعية أو حكمتها: هو سبب كل التبرعات، وهو تحصيل ذكرى الخير فى الدنيا، ونوال الثواب فى الآخرة، وصلة للرحم والأقارب غير الوارثين، وسد خلة المحتاجين، وتخفيف الكرب عن الضعفاء والبؤساء والمساكين، وذلك بشرط التزام المعروف أو العدل، وتجنب الإضرار فى الوصية لقوله تعالى: {{من بعد وصية يوصى بها أودين غير مضار}} (النساء 12) والعدل المطلوب: قصرها على مقدار ثلث التركة المحدد شرعا، أما عدم نفاذ الوصية لوارث إلا بإجازة الورثة الآخرين، فهو لمنع التباغض والتحاسد وقطيعة الرحم. والوصية أربعة أنواع بحسب صفة حكمها الشرعى: 1 - واجبة: كالوصية برد الودائع والديون المجهولة التى لا مستند لها. 2 - مستحبة: كالوصية للأقارب غير الوارثين ولجهات البر والخير والمحتاجين، ويسن لمن ترك مالا كثيرا بأن يجعل خمسه لفقير قريب. 3 - مباحة: كالوصية للأغنياء من الأجانب والأقارب، فهذه الوصية جائزة (4) 4 - وقد تكون حراما غير صحيحة اتفاقا، كالوصية بمعصية كبناء كنيسة أو ترميمها. أ. د/ فرج السيد عنبر __________ المراجع 1 - المعجم الوسيط 2/ 1038، المصباح المنير 2/ 662 2 - حاشية ابن عابدين 5/ 4 1 4 وما بعدها، حاشية الدسوقى على الشرح الكبير 4/ 422 مغنى المحتاج 3/ 38 وما بعدها، كشاف القناع 4/ 371 ومابعدها، المغنى لابن قدامة 8/ 389 وما بعدها. 3 ـ أخرجه البخارى فى كتاب الوصايا " باب الوصايا وقول النبى - صلى الله عليه وسلم - وصية الرجل مكتوبة عنده، فتح البارى بشرح صحيح البخارى 5/ 419 4 ـ حاشية ابن عابدين 5/ 415 |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
العين والنظر، في خصوصية الخلق والبشر
للشيخ، (2/ 1183) الكامل، أبي عبد الله، محيي الدين: محمد بن علي ابن محمد بن عربي الحاتمي. أوله: (الحمد لله الذي عم إحسانه ... الخ) . مختصر. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
وصية: الإمام أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -
قال: الإيمان إقرار باللسان. ولها: شروح. منها: شرح: للشيخ: محمد بن محمود، المعروف: بأكمل الدين، الحنفي. المتوفى: سنة 786، ست وثمانين وسبعمائة. أوَّله: (الحمد لله المتوحد بوجوب الوجود والبقاء ... الخ) . جمع فيه: فوائد من كلام المشايخ. ومن شروحها: شرح: مسمى: (بتلخيص خلاصة الأصول) . أوَّله: (الحمد لله الذي أبدع الخلق، وأعاد ... ) . وقد ذكر فيه: اسم الأمير: كورل. لعله: من أمراء الجراكسة. ولها شرح آخر: لبعض الفضلاء. أخذه من: (شرح المولى أكمل الدين) . ولها: شرح أيضا. وهو: المسمى (بخلاصة الأصول) . أوَّله: (الحمد لله رب العالمين ... الخ) . ولعلي القاري. شرح عليها، أيضا. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
الوصية للأحياء والأموات
جمعه: بعضهم. مما ورد في الوصية، من: الأحاديث، والآيات، وكلام الأكابر. أوَّله: (الحمد لله الذي أمرنا أن نقي أنفسنا، وأهلينا نارا ... الخ) . |
ميزان الاعتدال في نقد الرجال
|
ليس بمتقن ولا بمعتمد على قوله، والله يسامحه.
|
|
لغة، قال الأزهري: مأخوذة من وصيت الشيء أصيه: إذا وصلته، تطلق على فعل الموصى، وعلى ما يوصى به من مال أو غيره من عهده ونحوه، فتكون بمعنى: المصدر، وهو الإمضاء عند بعض الفقهاء، وتكون بمعنى: المفعول، وهو الاسم. والاسم: الوصية، والوصاة.
واصطلاحا: تمليك مضاف لما بعد الموت، كذا في «التعريفات»، و «التوقيف». - عقد يوجب حقّا في ثلث عاقده يلزم بموته أو نيابة عنه، وكذا في «حدود ابن عرفة». - الأمر بالتصرف بعد الموت أو التبرع بالمال بعده. كذا عرّفها الحنابلة.- عهد خاص مضاف إلى ما بعد الموت (الشوكانى). فوائد: 1- يرى المالكية وبعض الحنابلة أن الوصية والإيصاء بمعنى واحد، كما مر في «التعريف». ويرى الحنفية والشافعية أن الوصية أعم من الإيصاء. 2- سميت الوصية بذلك، لأن الميت لما أوصى بها وصل ما كان فيه من أمر حياته بالعدة من أمر مماته. 3- قال الأزهري: يقال: وصى وأوصى بمعنى واحد. قال ذو الرمة: يضيء الليل بالأيام حتى صلاتنا... مقاسمة يشتق أنصافها السّفر أي: يصل الليل بالأيام. «الزاهر في غرائب ألفاظ الشافعي ص 181، والتعريفات ص 225، والتوقيف ص 727، وشرح حدود ابن عرفة 2/ 681، والروض المربع ص 346، وأنيس الفقهاء ص 298، والثمر الداني ص 451، وفتح المعين ص 92، وكفاية الأخيار 2/ 31، وفتح الوهاب 2/ 13، ونيل الأوطار 6/ 33». |
معجم المصطلحات الاسلامية
معجم المصطلحات الاسلامية
معجم المصطلحات الاسلامية
|
Testament وصية عهد ميثاق
|
|
تَمْلِيكٌ لِغَيْرِه مُضافٌ إلى ما بعد المَوْتِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ، سواء كان عَيْناً أم مَنْفَعَةً.
Bequest/Will: "Wasiyyah": the money or the like determined in a will. It is originally derived from "wasl", which means: connecting something with another. |
ترجمة المصطلحات الاسلامية إلى الإنجليزية - موقع أرشيف الإسلام
|
الآيَةُ المِائَةُ وَالثَمَانُونَ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ ذَكَرَ اللهُ فِيهَا الوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ.
The Verse of Bequest: Verse number 180 of Sūrat al-Baqarah, wherein Allah speaks about bequeathing wealth to the heirs. |