الصفحة 124 من 130

وبينما هو كذلك إذ قُطعَت يمينه، فأخذ الراية بشماله، فُقطعَت! فاحتضنها بعضديه حتى قُتل! فأثابه الله جناحين في الجنة يطير فيهما حيث يشاء، فلمّا قتل جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويترددُ بعض التردد وهو يقول:

أقسمتُ يا نفسي لتَنْزِلنّه ** لتَنْزلنّ أو لتُكرِهنّه

إن أجلَبَ الناسُ وشَدّوا الرَنّة ** ما لي أراكِ تكرهين الجنّة؟

قد طالَ ما قد كُنتِ مُطمئنة ** هل أنتِ إلا نُطفَة في شَنّة

ثم نَزلَ فقاتل القوم حتى قُتل -رضي الله عنه-، كل ذلك والنبي - صلى الله عليه وسلم - يرقُب المعركة بوحي من الله عز وجل، فقال لمن عنده: (أخَذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قُتل شهيدًا) ، فذرفَت عيناه - صلى الله عليه وسلم -، قال: (ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قُتل شهيدًا) .

ثم صمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تغيّرت وجوه الأنصار، وظنّوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون -إذ كان من الأنصار-

ثم قال: (ثم أخذها عبدالله بن رواحة فقاتل بها حتى قُتل شهيدًا) .

ثم قال - صلى الله عليه وسلم: (لقد رُفعوا إلى الجنة، فيما يرى النائم، على سرر من ذهب ... )

وبعد قَتْل الأمراء الثلاثة، أخَذ الراية سيف من سيوف الله تعالى، خالد بن الوليد، فانحاز بالقوم حتى انصرف، وعُدَّ ذلك نصرًا للمسلمين، فلله الأمرُ من قبل ومن بعد.

ومن أجل كَسْر شوكة الروم جَهّز النبي - صلى الله عليه وسلم - جيش أسامة -رضي الله عنه-، وكان عُمْر أسامة آن ذاك ثمانية عشر سنة، وفي الجيش كبار الصحابة كعُمر وأبي بكر، ثم استثنى النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر منهم للصلاة، فلمّا خرجوا إلى الجُرف خيّموا هناك، فلما ثَقُل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقاموا هناك، فلمّا مات -عليه الصلاة والسلام- عَظُم الخطب، واشتدّ الحال، ونجَم النفاقُ في المدينة، وارتدّ من ارتد من أحياء العرب حول المدينة، وامتنع آخرون من أداء الزكاة إلى أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- ولم يبقَ للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة! وأصبح المسلمون كالغنم المطيرة في الليلةِ الشاتية بأرض مسبعَه؛ لفقدهم نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وقلّتهم، وكثرة عدوهم، فأشار بعض الصحابة ومنهم عمر على أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- ألا يُنْفذ جيش أسامة وأن يبقيه لِما هو أهم، فامتنع الصديق -رضي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت