الصفحة 125 من 130

الله عنه- وأبى أشد الإباء! وقال: والله لا أحلُّ عُقدة عقدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو أن الطير تخطفنا، والسباعُ من حول المدينة، ولو أن الكلاب جَرَت بأرجل أمهات المؤمنين، لأجهّزنَّ جيش أسامة وآمر الحرس يكونون حول المدينة.

فلما رأوا إصرار الصديق، قال بعض الأنصار لعمر: قل له فليُأمّر علينا غير أسامة.

فجاء عمر وطَلب منه ذلك الطلب، فأخذ أبو بكر الصديق بلحية عمر، وقال: ثكلتكَ أمك يا ابن الخطاب أؤمر غير أمير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -!

ثم نهض بنفسه -رضي الله عنه- إلى الجُرف، فاستعرض جيش أسامة أمَرَهم بالمسير، وسار معهم ماشيًا وأسامة راكبًا، وعبد الرحمن بن عوف يقود براحلة الصديق، القائد يركب! وأمير المؤمنين -رضي الله عنه- يمشي!

فقال له أسامة: يا أمير المؤمنين إما أن تركب، وإما أن أنزل.

فقال: والله لا أركب ولا تنزل، وما يضرني أن أغبر قدميّ ساعة في سبيل الله؟

فيالها من صورة عظيمة معبّرة، أمير المؤمنين يمشي على الأرض! والقائد يركب! يخرج بنفسه -رضي الله عنه- ليودّع جيشًا سيُلاقي أعظم دولة في دون خوف ووجل؛ لأن القائد مُستقل لا يوالي شرقًا ولا غربًا، وإنما يُوالي الله ورسوله والمؤمنين، ما خاف من حصارٍ اقتصادي؛ لأنه يعلم أن الرزق بيد الله، ولا خاف حصارًا سياسيًا ولا اجتماعيًا؛ لأن المؤمنين إخوة بعضهم من بعض، {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}

فكان ذلك الإصرار يَنُمّ عن حكمةٍ وتوكل على الله، ونظرة طويلة الأمد، فلقد كان الجيش لا يمرّ بحيٍ من أحياء العرب إلا أُرعِبوا منهم، وقالوا: ما خَرَج هؤلاء من قومٍ إلا وبهم مَنَعة شديد، فلندَعُهم حتى يَلقَوا الروم.

فلقُوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين غانمين.

وهكذا -أيها الأحباب الكرام- أدّب أسامة بن زيد ومن معه من العصبة المؤمنة -حيث كانوا سبعمئة مجاهد- الروم النصارى وكسروا شوكتهم وأنْهَوا غطرستهم.

خامسًا وأخيرًا/ ماذا نستنتج من مجريات الأحداث وماذا نستفيد؟

نستنتج من مجريات الأحداث ونستفيد من تسيير جيش أسامة -رضي الله عنه- أن الجهاد في سبيل الله ماضٍ إلى يوم القيامة، وأنه السبيل الوحيد للنصر والعزة والتمكين، وما تَمرّ به الأمة اليوم من ذلٍ وهوان رغم كثرتها وكثرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت