لهم عدوًا يجب أن يحذروه هو منهم ومعهم لا يفارقهم، قال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله ما يشاء ... } فأراد الله أن يميز المؤمنين من المنافقين تميزًا مشهودًا فسبب لهم سبحانه ما سبب من محنة.
4)استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء وفيما يحبون وما يكرهون وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقًا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحدٍ في السراء والنعمةِ والعافية.
5)أنه سبحانه وتعالى لو نصرهم دائمًا وأظفرهم بعدوهم في كل موطنٍ وجعل لهم التمكين والقهر لأعدائهم أبدًا لطغت نفوسهم وشمخت وارتفعت، فلو بسط لهم النصر والظفر لكانوا في الحال التي يكونون فيها لو بسط لهم الرزق، فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء والشدة والرخاء والقبض والبسط فهو المدبر لأمر عباده كما يليق بحكمته إنه بهم خبير بصير.
6)أنه إذا امتحنهم بالغلبة والكسرة والهزيمة ذلوا وانكسروا وخضعوا فاستوجبوا منه العز والنصر فإن خلع النصر إنما يكون مع ولاية الذل والانكسار، قال تعالى: {ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلة ... } ، وقال: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا ... } ، فالله سبحانه وتعالى إذا أراد أن ينصر عبده ويعزه كسره أولًا ويكون جبره له ونصره على مقدار ذله وانكساره.
7)أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانًا وركونًا إلى العاجلة وذلك مرض يعوقها عن جدها في مسيرها إلى الله والدار الآخرة فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامة قيض لها الابتلاء والامتحان ما يكون دواءً لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه.
8)أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه والشهداء هم خواصه والمقربون من عباده وليس بعد درجة الصديقين إلا الشهادة، وهو سبحانه وتعالى يحب أن يتخذ من عباده شهداء تراق دماؤهم في محبته ومرضاته ويؤثرون رضاه ومحابه على نفوسهم ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو.
9)أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم ومبالغتهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم، فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم، وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك بقوله {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرحٌ مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين} أه بتصرف.
نعم أحبابي:
{ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون} ، ولا تركنوا إلى المخذلين والمثبطين، ولا تسمعوا للقاعدين المتربصين.
أعلم أنهم اليوم يقولون: لقد قلنا لهم! ونصحناهم! لكنهم لا يسمعون ولا يستشيرون ويكابرون وأعلم أنهم يقولون: لو كانوا على الحق لما أصابهم ما أصابهم؟! ولما ظهر عليهم عدوهم؟! ولما أصبحوا مطاردين