أحبابي الكرام، إن الفِكر القاصر، والإدراك السطحي يُوحِي إلى صاحبه أن الحج أداءٌ للمناسكِ فقط، من طواف وسعي ووقوف بعرفة، ورَمي للجمرات، وحَلْق أو تقصير، ثم لا يُسْعفه ذلك الإدراك عن البحثِ عن مقاصد الشرع الحكيم من وراء هذا المَنْسك العظيم!
عباد الله، إن في الحج معانٍ كبيرة من معاني التوحيد التي تَمثَّلت فيما يلي:
تَمثلَّت أولًا، في مَنْع المشركين من دخول المسجد الحرام، وفي هذا إيذانٌ من الله -سبحانه وتعالى-، وبيان من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا يَبقَينَّ دينان في جزيرة العرب، وهذه من الأمور التي -وللأسف الشديد- قد اختفت عند كثير من الناس.
فهاهم المشركون يجولون ويصولون في جزيرة العرب تحت أي مسمى من المسميات التي جاؤوا بها، وهذا مُنافٍ للتوحيد، ومُنافٍ لمِا أمَر الله -سبحانه وتعالى- به، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}
وتَمثّل ثانيًا، في رفع الأصوات بالتلبية ونفي الشرك عن الله -سبحانه وتعالى-، (لبيكَ اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحَمْدَ والنعمةَ لكَ والمُلك، لا شريك لك) ، فهي تَلبِيةٌ لله -سبحانه وتعالى- خالصة للمولى -جلّ وتعالى-
وتَمثّل التوحيد ثالثًا، في رَكعتَيْ الطواف، حين يقرأ المسلم في أولاهما بـ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، وفي الأخرى بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}
وتَمثّل التوحيد رابعًا، في خير الدعاء وهو دعاء يوم عرفة، حينما قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي أخرجه الترمذي: (خيرُ الدعاء دعاء يوم عرفة، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيّون من قَبْلي: لا إله إلا الله وحْده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)
وتَمثّل التوحيد خامسًا، فيما شرعه الله -سبحانه وتعالى- من ذِكْره في يوم العيد وأيام التشريق {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} ، وقال -جلّ ذكره-: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}
أيها المسلمون، إن التوحيد الخالص هو الأساس المَتين، وهو الركن الركين الذي متى ما اهتَزّ كانت النَكَبات، وحَلَّت الوَيْلات، وتسارعت الفتن والابتلاءات.
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}
والطاغوت هو: كل ما تجاوز به العبد حَدَّه من معبودٍ أو متبوع أو مُطَاع.