عليه وسلم لم يتبين أمرها، إلا بعد مئات السنين. والاكتشافات العلمية الحديثة ما زالت تظهر لنا يومًا بعد يوم موافقتها للقول النبوي الشريف و تصديقه، مما يزيد في الاعتقاد في صحة هذا الدين وصدقه، وأن هذا لا يصدر عن بشر، وإنما من مشكاة النبوة، وأن من جاء به أكمل الخلق على الإطلاق، وأنه مؤيد بوحي إلهي، خارج عن قوة البشرية جمعاء"وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" (سورة الإسراء أية 85)
والإنسان العاقل المنصف، إن اطلع على شيء مما لا يعرفه، لا يبادر إلى التكذيب، ولا يسارع إلى الإنكار، ولكن يقول بصدق وشجاعة: هذا مما لا أعرف، ويسأل عنه بصبر وأمانة وروية حتى يتبين له وجه الصواب.
وهذا هو حال سلفنا الصالح رضي الله عنهم أجمعين، من صحابة وتابعين وأتباع تابعين، إن انكماش أحدهم عن الفتوى أكثر بأضعاف مضاعفة من تسارع هؤلاء، لإصدار الأحكام الفجة، التي لو تروى أحدهم لندم على هذا الإقدام.
ومن الغريب جدًا أن هذا الحديث بعينه (حديث الذبابة) لم يكن مما قد استدركه أحد أئمة الحديث على البخاري رحمة الله عليه، بل هو عندهم جميعًا، مما جاء على شرطه، وفي أعلى درجات الصحة، ولم يتكلم فيه إلا من لا خلاق لهم، في العصور المتأخرة.
إن هذا الحديث قد أجمع المسلمون على الأخذ به، والعمل بمقتضاه، وجعلوه أصلًا، بنوا عليه حكمًا مهمًا، وهو طهارة الماء القليل، والطعام إذا وقع فيه ما لا نفس له سائلة، وقاسوا على الذبابة ما شاكلها مما يرتبط معها بنفس العلة ..