الصفحة 26 من 42

للمناط فيه نوع من التجوز لأن التحقيق ضرب من المعاناة، ولا عنت في إدراك المحسوسات، فما كان مسلكه الحس ووسيلته الذوق أو اللمس كتغير الماء وكمسألة النبيذ الذي ذهب ثلثاه بالطبخ لا يحتاج إلى تعمل. ومنه ما يحتاج معرفة اللغة كمدلولات الألفاظ، ومنه ما يحتاج إلى تجربة وخبرة كما في قضايا الأعراف والعوائد بين أن تكون عامة أو خاصة، أو العرف القولي في كنايات الطلاق والأيمان، والعرف العملي في المعاطاة في التجارة.

أما المسالك العقلية في قياس درجات المصالح والمفاسد المؤثرة في العقود الجلية، وقياس الحاجات المنزلة منزلة الضرورات لإباحة المحظورات.

فهذا النوع من مسالك تحقيق المناط مسلكه عسير ومسربه دقيق في الفهم لا يدركه كل متعاط ولو كان فقيهًا في الأحكام الشرعية ما لم يكن كأبي حنيفة ممارسًا.

وفي الجملة فإن الأجناس المشككة والأوصاف المعنوية عند ما تكون محققة للمناط يدق فهمها ويصعب نظمها ويصبح غالب الظن أغلب مناطها ويعسر على المستنبط الاستقاء من نباطها.

وذلك كالمصلحة والحاجة والمشقة والغرر والجهالة والذريعة والمئال فيكون الأمر فيها بين حد أعلى معتبر وحد أسفل عديم الأثر ووسط محل تجاذب، والآراء فيه موضع تضارب؛ فيختلف الفقهاء ويفتقر إلى الخبراء.

وقد قال أبو حامد إنه ما من لفظ إلا وفيه تقابل بين طرفين، وثالث ما ليس داخلا فيه قطعًا، وما هو داخل فيه قطعًا، وما يتمارى في دخوله وخروجه وضرب مثلا بالطعام في الربويات.

ولهذا فإن تحقيق المناط في معظم القضايا -سواء كان في الأحكام السلطانية أم في القضايا الاجتماعية أو المشكلات الاقتصادية أو الطبية- جدير بأن يكون ناشئًا عن جهد جماعي ومنبثقًا عن اجتهاد مجمعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت