التحقيق: من حقّ الشيء يحِقّ إذا ثبت والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغيّر ومن أسماء الله الحسنى (الحق) .
والمناط هو العلة من النوط أي التعليق فالحكم معلق بها، تقول ناط به نوطًا أي علقه.
وتحقيق المناط له صورتان:
الصورة الأولى: تطبيق القاعدة العامّة في آحاد صورها وحينئذ يكون تحقيق المناط بعيدا عن القياس وهذا التعريف هو الذي مال إليه الغزالي في كتابه المستصفى. مثال ذلك: قاعدة العدل في قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِـ?لْعَدْلِ وَالإْحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِى الْقُرْبَى} فتعيين ولي الأمر العدل يعتبر تحقيقًا للمناط لأنّك طبّقت القاعدة العامّة وهي العدل في آحاد صُورها وجزئيّاتها وهو تعيين أولياء الأمور، ونصب القضاة.
وكذلك في قوله تعالى {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} فلو قتل شخصٌ حمارًا وحشيًا فعليه بقرة لأنّها تشبه الحمار الوحشي فهذا تطبيق للقاعدة العامة في مسألة معيّنة.
الصورة الثانية: إثبات علّة متّفق عليها في الأصل في الفرع لإلحاق الفرع بالأصل وهذا ما أشار إليه صاحب مراقي السعود بقوله:
تَحقِيقُ عِلَّةٍ عَلَيْها ائْتُلِفا ... في الْفَرْعِ تَحْقيقُ مَناطٍ اُلِفا
وهذا التعريف أدقّ من التعريف الأوّل فالعلّة المتفق عليها في الأصل إذا أثبتناها في الفرع فهذا هو تحقيق المناط مثال ذلك:
علّة الربا في المطعومات عند مالك هي الاقتيات والادّخار وكان الإمام مالك رحمه الله بالحجاز، وكان التين عندهم غير مقتاتٍ مدّخرِ؛ فلذلك لا يجري فيه الربا فلمّا ذهب تلاميذ الإمام مالك إلى الأندلس وجدوا أنّ التين يُقتات ويدّخر فأثبتوا العلّة التي هي الاقتيات والادّخار في الفرع الذي هو التين من باب تحقيق المناط، وقد اثبتوا رواية عن مالك في ربويته.