قال الإمام القرافيّ مقرّرًا أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد ( ... فإن القاعدة الشرعية أن وجوب الوسائل تبع لوجوب المقاصد ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) [1] بمعنى أنّه متى كان المقصد واجبًا كانت الوسيلة لهذا المقصد واجبة ً أيضًا.
وفي مسألتنا هذه، إذا كان الاحتكام للشرع واجبٌ وأصلٌ عظيمٌ من أصول الّدين كما سبق، أو (مقصد ٌ) على حدّ عبارة القرافيّ، وكان تطبيق هذا الأصل لا يتمّ خارج ديار الإسلام إلا بالتحكيم، فالتحكيم (وسيلةٌ) لهذا المقصد، وهو واجبٌ شرعًا، لأن مالا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب.
وقد صرّح بهذا الوجوب عددٌ من علماء السّلف عبر القرون، فمن علماء القرن الخامس نذكر قول الإمام الجويني في كتابه الشهير (غياث الأمم) . قال-رحمه الله- في معرض حديثه عن خلوّ الزمان عن السلطان وما الذي يجب على النّاس فعله للحكم بالشّرع (فإذا خلى الزمان عن السلطان وجب البدار على حسب الإمكان إلى درء البوائق عن أهل الإيمان فإن ما يتولاه السلطان من أمور السياسة أوقع وأنجح وأدفع للتنافس وأجمع لشتات الرأي في تمليك الرعايا أمور الدماء) [2]
فهو يقرّر وجوب قيام الناس بتنصيب قاض ٍ بحسب إمكانهم وأن ذلك أدفع لمفسدة تولّي آحاد الناس تطبيق الأحكام السلطانيّة، خاصّة ً ماله علاقة ٌ بالدماء كالحدود والقصاص. ولازم كلامه-رحمه الله- أنه إن كانت تولية محكّم ٍ هو غاية ما يستطيعون فيجب عليهم ذلك.
ومن علماء القرن السابع قول السّيواسي (وإذا لم يكن سلطان ولا من يجوز التقلد منه كما هو في بعض بلاد المسلمين غلب عليهم الكفار كقرطبة في بلاد المغرب الآن وبلنسية وبلاد الحبشة وأقروا المسلمين عندهم على مال يؤخذ منهم يجب عليهم أن يتفقوا على واحد منهم يجعلونه واليا فيولّي قاضيا أو يكون هو الذي يقضي بينهم ... ) [3]
ومن القرن الثالث عشر قول ابن عابدين (وإذا لم يكن سلطان ولا من يجوز التقلد منه كما هو في بعض بلاد المسلمين غلب عليهم الكفار كقرطبة الآن يجب على المسلمين أن يتفقوا على واحد منهم يجعلونه واليا فيولي قاضيا ويكون هو الذي يقضي بينهم وكذا ينصبوا إماما يصلي بهم الجمعة) [4]
فيظهر من هذه النّقول أن الكلمة مجتمعة ٌ على وجوب الحكم بالشّريعة حتّى مع الإقامة خارج ديار الإسلام، وحتى عند عدم وجود السلطان أو وجود السلطان الكافر أو المعطّل لأحكام الشرع متى كان الناس قادرين على ذلك.
(1) الفروق مع هوامشه، ج 1 ص 302، مرجع سابق
(2) 39 غياث الأمم والتياث الظلم، الشهير بالغياثيّ، ج 1 ص 279 اسم المؤلف: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني أبو المعالي الوفاة: 478، دار النشر: دار الدعوة - الاسكندرية - 1979، الطبعة: الأولى، تحقيق: د. فؤاد عبد المنعم، د. مصطفى حلمي
(3) 40 شرح فتح القدير، ج 7 ص 264 اسم المؤلف: كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي الوفاة: 681 هـ، دار النشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة: الثانية
(4) 41 حاشية ابن عابدين، مرجع سابق ج 5 ص 3