إذا تقرّر ذلك، فإنّ القول بوجوب التحكيم يتفرّع عنه عددٌ من الأحكام، منها:
الفرع الأول:
الأصل هو حرمة اللجوء للقضاء غير الإسلاميّ لغير عذر ٍمقبولٍ شرعًا متى كان التحكيم متوفّرًا لأن في ذلك تركٌ للواجب، وترك الواجب ذنبٌ يستوجب العقوبة. قال الجصّاص -رحمه الله- (ترك الواجب يُستحَق به العقاب) [1] .
كما أنّ في قوله تعالى (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به) [2] بيانُ ذلك شافيًا، فإن الله سبحانه بيّن أن التحاكم إلى الطاغوت منافٍ للإيمان لأن الزّعم كُنية الكذب كما يُقال.
قال الشاطبيّ- رحمه الله- في بيان هذه الاية (فكأن هؤلاء قد أقروا بالتحكيم غيرأنهم أرادوا أن يكون التحكيم على وفق أغراضهم زيغا عن الحق وظنا منهم أن الجميع حُكم ٌ وجهلوا أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم هو حكم الله الذي لا يرد وأن حكم غيره مردودٌ إن لم يكن جاريًا على حكم الله) [3]
الفرع الثاني:
لا يجوز للمسلم أن يرفض التحكيم بغيرعذرٍ مشروع ٍ متى دُعي إليه وتعيّن وسيلة ً لفضّ النزاع، وسواءً علم أنّ الحقّ له أو عليه أو لم يعلم ذلك البتّه.
قال تعالى (وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريقٌ منهم معرضون إنّما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) [4]
قال ابن تيمية- رحمه الله- في بيان ما يستنبط من الآية (فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم سمعوا وأطاعوا فبين أن هذا من لوازم الإيمان) [5]
الفرع الثالث:
لا يأثم المسلم إذا أُلجئ إلى القضاء إلجاءًا من قِبلِ خصمه مع عدم رضاه بذلك لأن هذا من الإكراه المعفوّ عنه شرعًا. قال تعالى رافعًا الإثم عن المكره (إلا من أكره وقلبه
(1) 42 أحكام القرآن للجصاص، ج 1 ص 297، مرجع سابق.
(2) 43 سورة النّساء، اية 60
(3) 44 الاعتصام، ج 1 ص 136 اسم المؤلف: أبو إسحاق الشاطبي الوفاة: 790، دار النشر: المكتبة التجارية الكبرى - مصر
(4) 45 سورة النور، آية 48 إلى 51
(5) 46 مجموع الفتاوى، ج 7 ص 221، مرجع سابق