الصفحة 16 من 31

مطمئن ٌ بالإيمان) [1] ولقوله صلى الله عليه وسلم (إن الله وضع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) [2] ، والأمر بالمثول أمام القضاء إكراه ٌ لما يترتّب على مخالفته من عواقب وخيمة ٍ.

قال الشيرازي-رحمه الله- في المهذّب شارحًا حديث الإكراه السابق: (ولا يصير مكرها إلا بثلاثة شروط، أحدها أن يكون المكرٍه قاهرًا له لا يقدر على دفعه، والثاني أن يغلب على ظنه أن الذي يخافه من جهته يقع به، والثالث أن يكون ما يهدده به مما يلحقه ضرر به كالقتل والقطع والضرب المبَرّح والحبس الطويل .... ) [3]

الفرع الرابع:

كما لا يأثم المسلم إذا لجأ للقضاء غير الإسلاميّ إذا كانت الطريقة الوحيدة لضمان حقّه أو استرداده من غاصبه باعتبار ذلك من الضّرورات، وعلى اعتبار أن الضرورة هي

(ما يلحق المكلّف ضررٌ بتركه، ولا يقوم غيره مقامه) [4] وليس فقط (بلوغ الإنسان حدًّا إذا لم يتناول الممنوع هلك أو قارب) [5] .

ومن صور ماسبق: أن لا يوجد تحكيمٌ إسلاميّ البتة، أو يكون المحكّم سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع التحكيم لعدم الكفاءة، أو كان ممّن لا يُقبل تحكيمه لرحم ٍ أو مصاهرة ٍمع أحد الخصوم، أو لشبهة انتفاع المحكّم بشراكة ٍ أو مصلحةٍ ظاهرة مع أحدهما، أو لعداوة ٍ ومظنّة انتقامٍ، أو غير ذلك من الأسباب المُعتدّ بها شرعًا.

وقد ذهب مجمع الفقه الإسلامي هذا المذهب فقال (إذا لم تكن هناك محاكم دولية إسلامية، يجوز احتكام الدول أو المؤسسات الإسلامية إلى محاكم دولية غير إسلامية توصلًا لما هو جائز شرعًا) [6] . وظاهرٌ من القرار أن الاحتكام لا يشترط أن يكون لتحصيل أمر ٍ لو فُقد لأدّى للهلاك أو لمقاربة الهلاك.

وبمثل قول مجمع الفقه قال المجلس الأوروبي للإفتاء (الأصل أن يختار المسلم عند حاجته إلى تحكيم محكّمين مسلمين، أو مراكز تحكيم ملتزمة بأحكام الشريعة

(1) 47 سورة النحل، اية 106

(2) 48 صحّحه الحاكم وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين، وحسّنه النووي والبيهقي. وقد ذكر ابن الملقّن ثمانية طرق بعبارات ٍ متقاربة ٍ لهذا الحديث جلّها للوضع والضعف أقرب منها للحسن والصّحة، ولم يصرّح هو بضعف ٍ ولا بصحّة. انظر:

البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير، ج 4 ص 177 وما بعدها. اسم المؤلف: سراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بابن الملقن الوفاة: 804، دار النشر: دار الهجرة للنشر والتوزيع - الرياض-السعودية - 1425 هـ-2004 م، الطبعة: الاولى، تحقيق: مصطفى أبو الغيط و عبدالله بن سليمان وياسر بن كمال.

كما احتجّ به ابن حزم ٍ في أكثر من عشرة مواضع في المحلّى، وقال في مقدمة كتابه (لم نحتجّ إلا بخبر ٍ صحيح ٍ من رواية الثّقات مسند) . وعلى ي حال، فتحسين النّووي رحمه الله يكفي لاطمئنان النّفس لجواز الاحتجاج به، فالحديث حسن ٌ لغيره على أقل تقدير، والله أعلم

(3) 49 المهذب في فقه الإمام الشافعي، ج 2 ص 78، ا سم المؤلف: إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي أبو إسحاق الوفاة: 476، دار النشر: دار الفكر - بيروت

(4) 50 انظر تمييزًا بين الضرورة والحاجة على أساس (وجود البديل) عند ابن قدامة في المغني ج 2 ص 235 دار الفكر العربي طبعة عام 1405 هـ، فقد اعتبر -رحمه الله- ما يحتاجه الناس وله بديل ٌ حاجة ً، ولازم كلامه أن ما يحتاجه الناس وليس لهم بديل ٌ سواه يُعد ضرورة ً. كما وانظر مناقشة ً وانتصارًا لهذا الرأي في:

القروض الطلابيةّ في الولايات المتحدة: واقعها وحكمها، ص 19 وما بعدها، د. معن القضاة، وهو بحثٌ منشورٌ على موقع مجمع فقهاء

ومنشورٌ أيضًا باللغة الإنجليزية في: مجلة اللغات والترجمة- جامعة الأزهر، العدد: الثامن والأربعون - شهر يوليو لعام 2010 ... الصفحات 143 إلى 198.

(5) 51 الأشباه والنظائر ج 1 ص 85، المؤلف: جلال الدين السيوطي، دار النشر: مصطفى البابي الحلبي، طبعة عام 1398 هـ

(6) 52 مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي: المؤتمر التاسع المنعقد في دولة الإمارات-أبو ظبي عام 1995 م، انظر:

مجلة المجمع، العدد 9 ج 4 ص 5، القرار السادس حول مبدأ (التحكيم في الفقه الإسلامي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت