الصفحة 2 من 20

إنّ الحكم بغير ما أنزل الله بليّة عظيمة أصيبت بها الأمّة الإسلاميّة في هذه العصور المتأخرة. حادت عن شرع ربها وسنّة نبيها صلى الله عليه وسلم فأذلها الله. إنتهت عن أوامره فلم تأتها وارتكبت نواهيه فلم تنته عنها فشتّت الله شملها وجعل مصيبتها في دينها.

ليس السبيل سوى سبيل محمّد ... فهي الصّراط المستقيم لمن سلك

من يمشي في طرقاته فقد اهتدى ... سبل السّلام ومن يزغ عنها هلك

يقول ابن أبي العزّ الحنفي شارح العقيدة الطّحاوية: (وهنا أمر يجب أن يتفطّن له وهوأنّ الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملّة وذلك بحسب الحاكم، فإنّه إن اعتقد أنّ الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنّه مخيّر فيه أواستهان به مع تيقنه أنّه حكم الله فهذا كفر أكبر) [شرح العقيدة الطّحاوية صلى الله عليه وسلم ص 363 - 364] .

قال ابن القيّم عليه رحمة الله: (والصّحيح أنّ الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفر الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم فإنّه إن اعتقد وجوب الحكم بغير ما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانا - مع إعترافه بأنّه مستحق للعقوبة - فهذا كفر أصغر وإن اعتقد أنّه مخيّر فيه -مع تيقنه أنّه حكم الله - فهذا كفر أكبر وإن جهله أوأخطأ فهذا مخطئ له حكم المخطئين) اهـ [مدارج السّالكين صلى الله عليه وسلم 1/ 337] .

يقول الحافظ ابن كثير عند تفسير قوله تعالى {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [المائدة: 50] : (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، النّاهي عن كلّ شرّ وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والإصطلاحات التي وضعها الرّجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، ممّا يعضدونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به صلى الله عليه وسلم التتار من السّياسات المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم صلى الله عليه وسلم الياسق) وهوعبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتّى من اليهودية والنّصرانية والملّة الإسلامية وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدّمونه على الحكم بكتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك منهم فهوكافر يجب قتاله حتّى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل أوكثير) [تفسير ابن كثير: صلى الله عليه وسلم 2/ 67] .

ويقول أحمد شاكر رحمه الله معلّقا على هذا الكلام: (أقول: أفيجوز مع هذا في شرع الله أن يحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربا الوثنية الملحدة؟ بل تشريع يدخله الأهواء والآراء الباطلة، يغيّرونه ويبدّلونه كما يشاءون، لا يبالي واضعه، أوافق شرعة الإسلام أم خالفها؟. إنّ المسلمين لم يبالوا بهذا قط فيما نعلم من تاريخهم إلاّ في ذلك العهد عهد التتار، وكان من أسوأ عهود الظلم والظلام ومع هذا فإنّهم لم يخضعوا له بل غلب الإسلام التتار ثمّ مزجهم فأدخلهم في شرعته وزال أثر ما صنعوا بثبات المسلمين على دينهم وشريعتهم وبما أنّ هذا الحكم السّيئ الجائر كان مصدره الفريق الحاكم إذ ذاك لم يندمج فيه أحد من أفراد الأمم الإسلامية المحكومة، ولم يتعلموه ولم يعلموه أبنائهم فما أسرع ما زال أثره) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت