الصفحة 5 من 20

كثيرا ممّن يدّعي السّلفية هذه الأيام وهم لا يعرفون منها غير الإسم ينعقون في هذه القضية ويحتجون بقول ابن عباس - رضي الله عنهما - فيجيزون الحكم بغير ما أنزل الله ويقرّون بالإمامة لمن جعل نفسه مشرّعا من دون الله ويحكمون على من خالفهم بالخارجية والتّكفير ... فلننظر أيّها السّلفيون في كلام السّلف وفهمهم لهذه النّصوص وما قالوه في تفسيرهم لقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [سورة المائدة الآية] ليتضح الخفي ويتجلى الغامض وتُفهم النّصوص كما ينبغي أن تفهم.

قال الأستاذ أحمد شاكر رحمه الله [عمدة التّفاسير صلى الله عليه وسلم 4/ 156] عند قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} : (اللّهم إنّي أبرأ إليك من الضلالة، وبعد فإنّ أهل الرّيب والفتن ممّن تصدّوا للكلام في زماننا هذا قد تلمّس المعذرة لأهل السّلطان في ترك الحكم بما أنزل الله وفي القضاء في الدّماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله التي أنزل في كتابه وفي اتّخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام فلمّا وقف على هذين الخبرين - قول ابن عبّاس رضي الله عنهما:"كفر دون كفر"وأثر أبي مجلز- اتّخذهما رأيا يرى به صواب القضاء في الأموال والأعراض والدّماء بغير ما أنزل الله وأنّ مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفّر الرّاضي بها والعامل عليها، والنّاظر في هذين الخبرين لا محيص له من معرفة السّائل والمسؤول فأبو مجلز لاحق ابن حميد السدوسي - تابعي ثقة - وكان يحبّ عليا رضي الله عنه، وكان قوم أبي مجلز، وهم بنو شيبان، من شيعة علي يوم الجمل وصفّين فلمّا كان أمر الحكمين يوم صفّين واعتزلت الخوارج كان فيمن خرج على علي رضي الله عنه طائفة من بني شيبان ومن بني سدوس بنو شيبان وهم نفر من الإباضية.

والإباضية من جماعة الخوارج الحرورية، هم أصحاب عبد الله ابن إباض التميمي، وهم يقولون بمقالة سائر الخوارج في التّحكيم وفي تكفير علي رضي الله عنه إذ حكّم الحكمين وأنّ عليا لم يحكم بما أنزل الله في أمر التّحكيم.

ثمّ إنّ عبد الله ابن إباض قال: إنّ من خالف الخوارج كافر ليس بمشرك فخالف أصحابه وأقام الخوارج على أنّ أحكام المشركين تجري على من خالفهم، ثمّ افترقت الإباضية بعد عبد الله ابن إباض الإمام إفتراقا لا ندري معه - في أمر هذين الخبرين - من أيّ الفريقين كان هؤلاء السائلون، بيد أنّ الإباضية كلّها تقول إنّ دور مخالفهم دور توحيد إلاّ معسكر السّلطان فإنّه دار كفر عندهم، ثمّ قالوا أيضا:"إنّ جميع ما افترض الله سبحانه على خلقه إيمان وإنّ كلّ كبيرة فهي كفر نعمة لا كفر شرك وإنّ مرتكبي الكبائر في النّار خالدون مخلدّون فيها."

ومن البيّن: أنّ الذين سألوا أبا مجلز من الإباضية إنّما كانوا يريدون أن يلزموه الحجّة في تكفير الأمراء لأنّهم في معسكر السّلطان ولأنّهم ربّما عصوا، أوارتكبوا بعض ما نهاهم الله عن ارتكابه ولذلك قال لهم في الخبر الأوّل:"فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أنّهم قد أصابوا ذنبا"وقال لهم في الخبر الثاني:"إنّهم يعملون ما يعملون ويعلمون أنّه ذنب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت