الصفحة 6 من 20

وإذا لم يكن سؤالهم عمّا احتجّ به مبتدعة زماننا من القضاء في الأموال والأعراض والدّماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام، وبالإحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه ولا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ورغبة عن دينه وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى وهذا كفر لا يشكّ أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والدّاعي إليه.

والذي نحن فيه اليوم هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم وتعطيل لكل ما في شريعة الله، بل بلغ الأمر مبلغ الإحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة وادّعاء المحتجين لذلك بأنّ أحكام الشّريعة إنّما أنزلت لزمان غير زماننا ولعلل وأسباب انقضت، فسقطت الأحكام كلّها بانقضائها، فأين هذا ممّا بينّاه من حديث أبي مجلز والنّفر من الإباضية من بني عمروا بن سدوس؟!!

ولوكان الأمر على ما ظنوا من خبر أبي مجلز - أنّهم أرادوا مخالفة السّلطان في حكم من أحكام الشّريعة - فإنّه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سنّ حاكم حكما وجعله شريعة ملزمة للقضاء بها هذه واحدة.

وأخرى: أنّ الحاكم الذي حكم في قضيّة بعينها بغير حكم الله فيها، فإنّه: إمّا أن يكون حكم بها وهو جاهل فهذا أمره أمر الجاهل بالشّريعة، وإمّا أن يكون حكم بها هوى ومعصية فهذا تناله التّوبة وتلحقه المغفرة، وإمّا أن يكون حكم به متأولا حكما خالف به سائر العلماء فهذا حكمه حكم كلّ متأوّل يستمد تأويله من الإقرار بنصّ الكتاب وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأمّا أن يكون كان في زمن أبي مجلز أوقبله أوبعده حاكم حكم بقضاء في أمر جاحدا لحكم من أحكام الشّريعة أومؤثرا لأحكام أهل الكفر على أحكام أهل الإسلام فذلك لم يكن قط فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز والإباضيين إليه، فمن احتجّ بهذين الأثرين وغيرهما في غير بابها وصرفهما لغير معناهما رغبة في نصرة سلطان أو احتيالا على تسويغ حكم بغير ما أنزل الله وفرضه على عباده فحكمه في الشّريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله: أن يستتاب فإن أصرّ أوكابر أوجحد حكم الله ورضي بتبديل الأحكام، فحكم الكافر المصر على كفره معروف لأهل الدّين، وكتبه محمود محمّد شاكر) إهـ.

قال محمّد بن إبراهيم مفتي الدّيار السّعودية شارحا لهذه الآية وموضحا قول اين عباس رضي الله عنهما: (فانظر كيف سجّل على الحاكمين بغير ما أنزل الله الكفر والظلم و الفسق، من الممتنع أن يسمي الله تعالى سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرا ولا يكون كافرا، بل هو كافر مطلقا، إمّا كفر عمل، وإمّا كفر اعتقاد وما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية من رواية طاووس وغيره يدّل على أنّ الحاكم بغير ما أنزل الله كافر إمّا اعتقاد ناقل عن الملّة، وإمّا كفر عمل لا ينقل عن الملّة.

أمّا الأوّل - وهوكفر الإعتقاد - فهوأنواع:

أحدها: أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله وهومعنى ما روى ابن عباس رضي الله عنهما،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت