واختاره ابن جرير أنّ ذلك هوجحود ما أنزل الله من الحكم الشّرعي وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم فإنّ الأصول المتقرّرة المتفق عليها بينهم أنّ من جحد أصلا من أصول الدّين أوفرعا مجمعا عليه أوأنكر حرفا ممّا جاء به الرّسول صلى الله عليه وسلم قطعيا فهوكافر الكفر النّاقل عن الملّة.
الثاني: ألا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كون حكم الله ورسوله حقا لكن اعتقد أن حكم غير الرّسول صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه وأتم وأشمل لما يحتاجه النّاس من الحكم بينهم عند التنازع إمّا مطلقا أوبالنسبة إلى ما استجدّ من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال، وهذا لا ريب أنّه كافر لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان وصِرف حثالة الأفكار على حكم الحكيم الحميد.
الثالث: أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله لكن اعتقد أنّه مثله، فهذا كالنّوعين الذين قبله في كونه كافرا الكفر النّاقل من الملّة لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق والمناقضة والمعاندة لقوله عزّ وجلّ: {ليس كمثله شيء} [الشورى11]
الرّابع: أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلا لحكم الله ورسوله فضلا عن أن يعتقد كونه أحسن منه، لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله فهذا كالذي قبله يصدق عليه ما يصدق عليه لإعتقاده جواز ما علم بالنّصوص الصّحيحة الصّريحة القاطعة تحريمه.
الخامس: وهوأعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشّرع ومكابرة لأحكامه ومشاقة لله ورسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشّرعيّة إعدادا وإمدادا وإرصادا وتأصيلا وتفريعا وتشكيلا وتنويعا وحكما وإلزاما ومراجع ومستندات فكما أنّ للمحاكم الشّرعية مراجع مستمدات مرجعها كلّها إلى كتاب الله وسنّة رسول الله فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتّى وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي والقانون الأمريكي ... والقانون البريطاني وغيرها من القوانين ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشّريعة ونحوذلك، فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيئة مكملة مفتوحة الأبواب والنّاس إليها أسراب إثر أسراب يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنّة والكتاب، من أحكام ذلك القانون وتلزمهم به وتقرّهم عليه وتحتّمه عليهم، فأيّ كفر فوق هذا الكفر وأيّ مناقضة للشّهادة بأنّ محمّدا رسول الله بعد هذه المناقضة؟!
السّادس: ما يحكم به كثير من رؤساء القبائل والعشائر من البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التي يسمونها"سلومهم"يتوارثون ذلك منهم ويحكمون به ويحرصون على التحاكم إليه عند النّزاع إبقاءا على أحكام الجاهلية وإعراضا ورغبة عن حكم الله ورسوله فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله.
وأمّا القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهوالذي لا يخرج من الملّة وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في قضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أنّ حكم الله ورسوله هوالحق واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهوى، وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملّة فإنّ معصيته عظمى أكبر من الكبائر كالزّنى وشرب الخمر والسّرقة واليمين الغموس وغيرها، فإنّ معصيته سمّاه الله في كتابه كفرا أعظم من معصيته لم يسمها كفرا) [تحكيم القوانين صلى الله عليه وسلم ص:1] .