لقد وجّه بعض العلماء النقد إلى حديث السوق دراية، حيث استنكروا الثواب العظيم الوارد فيه على تلك الصفة.
قلت: ولو استحضر الناقد أمورًا؛ لما تعجَّل في ردِّه:
1-أن الجرأة في ردِّ الأحاديث الصحاح من جهة المعنى، أمر في غاية الخطورة؛ للأسباب التالية:
أ- أن الرسوخ في معرفة علل المتن لا يتأتّى إلا للراسخين الذين فهموا وهضموا أسرار الشريعة وقواعدها الكلية بالسبر والاستقراء.
ب- أن كثيرًا من الردِّ مبنيٌّ على معانٍ انقدحت في ذهن الرادِّ، ولعله لم يوفَّق للصواب في فهمه، فكم من آية وحديث ظنَّ متوهِّمٌ معارضتها لآية أخرى أو حديث آخر، فتعجَّل في رده، أو شكَّك فيه، زعمًا أن الدين لا يناقض بعضه بعضًا، وخفي على الرَّادِّ المسكين أن التناقض في عقله وفهمه، لا في حقيقة الأمر؛ لأنه ما إن يأتيه عدول الأمة الذين ينفون عن الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويبيِّنون وجه التوافق؛ إلا وينتفي ما ورد عليه من ظنِّ التناقض.
ولذلك؛ لو ردَّ الذين عجزوا عن إدراك بعض المعاني الصحيحة الأمر لأهله؛ لعلمه الذين يستننبطونه منهم.
2-أن هذا الأجر العظيم الوارد إنما هو في شأن الكلمة الطيبة -كلمة التوحيد والإخلاص، ومفتاح الجنة-، التي هي أعظم الكلام وأفضله، لذلك: فإن أجرها أعظم الأجر وأفضله؛ لأن الجزاء من جنس العمل.
ولهذا المعنى أشار الحافظ ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- في «كلمة الإخلاص» (ص63-64) .
3-أن هذا الحديث له نظائر في «الصحيحين» تضمَّنت الثواب العظيم، والأجر الجزيل على مثل هذه الأذكار؛ منها:
أ- أخرج البخاري في «صحيحه» (11/201/6403) ، ومسلم في «صحيحه» (4/2071/2691) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ لا شَريكَ لَه، لَه المُلكُ، ولَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٍ، في يوم مئةَ مَرَّةٍ؛ كَانَت لَه عَدْلَ عَشْرَ رِقَابٍ، وَكُتِبتُ لَه مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مئة سَيِّئةٍ، وَكَانت لَه حِرْزًا مِن الشَّيطَانِ يَومَهُ ذَلكَ حتَّى يُمْسِي، وَلَمْ يَأَتِ أَحَدٌ بأَفضَلَ مِمَّا جَاءَ؛ إِلاَّ رَجُلٌ عَمِلَ أَكثَرَ مِنهُ (وفي لفظ: من ذلك) » .