وجاء أن الأسواق محل الشياطين، وأن إبليس باض وفرّخ؛ كناية عن ملازمته لها، ثم إنه لم يلازمها إلا على كيفية تقتضي السوء لأهلها، وأنه اختار فيهم ضرب رِقِّهِ عليهم، ولم ينج منه إلا القليل منهم بتوفيقه -تعالى- لذلك الذكر -أو غيره-، وتلك الكيفية هي: أنه نصب كرسيه فيها، وركز رايته، وبث جنده فيها؛ ليرغبوا أهلها في تحصيل الدنيا على أي وجه كان؛ من تطفيف كيل، أو نقص وزن، أو إنفاق سلعة بحلف كاذب، وتملك بعقد فاسد، فهم غافلون، ومن نزول العذاب بهم لذلك ليسوا بآمنين؛ إلا من ذَكَرَ ربَّه وآثر قربه، فإنه متعرض لرد غضبه، هازم للشيطان وجنده، متدارك لدفع ما اقتضاه فعلهم، داخل في قوله -تعالى-: ? ? ? ? ? ? ? [البقرة:251] ؛ فدفع بكلمات هذا الذكر قضايا أفعالهم، فبكلمة التوحيد ذلت قلوبهم الممتلئة بالهوى، قال -تعالى-:? ? ? ? [الجاثية:23] ، وبـ «وحده لا شريك له» ما رسخ فيها من حب المال الحامل على أخذه بغير حقه، وبـ «له الحمد» ما تمالئوا عليه من عدم الشكر للنعم، والتعرض للنقم، وبـ «يحيى ويميت» غفلتهم عن شؤم حركاتهم المؤدي دوامها على موت قلوبهم والرجوع عنها على إحيائها، وبقوله: «وهو حي لا يموت» ما جهلوه مما يجب له -تعالى-، المؤدي الجهل به إلى كون الجاهل به على مدرجة الهلاك الأبدي، وبقوله: «بيده الخير» ما ضيعوه من النظر إليه؛ حتى تحاسدوا وباعوا واشتروا على بيع وشراء بعضهم على بعض، ووقعوا في العقود الفاسدة, وبقوله: «وهو على كل شيء قدير» ما غفلوا عنه من قدرته على أن يحل بهم عذابًا يستأصلهم من آخرهم؛ فظهر أن الآتي بهذا الذكر في السوق جدير أن يحصل له ما ذكر في الخبر من ذلك الفضل العظيم».ا.هـ.
وأخيرًا: اعلم أخا الإيمان أن فضل الله أكبرُ، ورحمته أوسعُ، ويديه مبسوطتان، وخزائنه ملأى - تبارك وتعالى -، فهل مِن مشمِّر؟!
(1) أي: موضع صلاتها.