ثم مضغة، ثم لحما ودما وعظما، أعظم في الأعجوبة، كان أولى أن يدل على صانع صنع النطفة ونقلها من حال إلى حال. وقد قال الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} [الفاتحة: 58، 59] فما استطاعوا أن يقولوا بحجة إنهم يخلقون ما يمنون مع تمنيهم الولد فلا يكون ومع كراهتهم له فيكون. وقد قال الله تعالى منبها لخلقه على وحدانيته: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون} [الذاريات: 21] بين لهم عجزهم وفقرهم إلى صانع صنعهم ومدبر دبرهم.
فإن قالوا: فما يؤمنكم أن تكون النطفة لم تزل قديمة؟ قيل لهم: لو كان ذلك كما ادعيتم لم يجز أن يلحقها الاعتمال والتأثير، ولا الانقلاب والتغيير؛ لأن القديم لا يجوز انتقاله وتغيره، وأن يجرى عليه سمات الحدث؛ لأن ما جرى ذلك عليه ولزمته الضعة لم ينقل من سمات الحدث، وما لم يسبق المحدث كان محدثا مصنوعا؛ فبطل بذلك قدم النطفة وغيرها من الأجسام.
مسألة
فإن قال قائل: لم زعمتم أن الباري سبحانه لا يشبه المخلوقات؟ قيل [له] : لأنه لو أشبهها لكان حكمه في الحدث حكمها،