فهرس الكتاب
ج / 3 ص -142- دَخَلَ الْكَعْبَةَ خَرَجَ فَصَلَّى إلَيْهَا وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَهُوَ حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَاحْتَجُّوا لِلْجِهَةِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه مَوْقُوفًا عَلَيْهِ."
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا أَنَّ الْوَاجِبَ إصَابَةُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْوَاجِبُ الْجِهَةُ، وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَسَبَقَ دَلِيلُهُمَا.
فرع: فِي تَعَلُّمِ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالثَّانِي: فَرْضُ عَيْنٍ، وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ كَتَعَلُّمِ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانِهَا وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَفَرًا فَيَتَعَيَّنُ، لِعُمُومِ حَاجَةِ الْمُسَافِرِ وَكَثْرَةِ الِاشْتِبَاهِ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ إذْ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ السَّلَفَ أَلْزَمُوا آحَادَ النَّاسِ تَعَلُّمَ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ، بِخِلَافِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى الْقِبْلَةِ سَهْلٌ غَالِبًا، وَالله أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِنْ كَانَ فِي أَرْضِ مَكَّةَ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ حَائِلٌ أَصْلِيٌّ كَالْجَبَلِ فَهُوَ كَالْغَائِبِ عَنْ مَكَّةَ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ طَارِئٌ وَهُوَ الْبِنَاءُ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لَا يَجْتَهِدُ؛ لِأَنَّهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ فَرْضُهُ الرُّجُوعُ إلَى الْعَيْنِ فَلَا يَتَغَيَّرُ [فَرْضُهُ] بِالْحَائِلِ الطَّارِئِ وَالثَّانِي: [أَنَّهُ] يَجْتَهِدُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، لِأَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ حَائِلًا يَمْنَعُ الْمُشَاهَدَةَ فَأَشْبَهَ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا جَبَلٌ"."
الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا صَلَّى بِمَكَّةَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، فَإِنْ عَايَنَ الْكَعْبَةَ كَمَنْ يُصَلِّي عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ أَوْ سَطْحِ دَارٍ وَنَحْوِهِ صَلَّى إلَيْهَا، وَإِذَا بَنَى مِحْرَابَهُ عَلَى الْعِيَانِ صَلَّى إلَيْهِ أَبَدًا، وَلَا يَحْتَاجُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ إلَى الْمُعَايَنَةِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَفِي مَعْنَى الْعِيَانِ مَنْ نَشَأَ بِمَكَّةَ وَتَيَقَّنَ إصَابَةَ الْكَعْبَةِ وَإِنْ لَمْ يُشَاهِدْهَا فِي حَالِ الصَّلَاةِ، فَهَذَا فَرْضُهُ إصَابَةُ الْعَيْنِ قَطْعًا، وَلَا اجْتِهَادَ فِي حَقِّهِ. فَأَمَّا مَنْ لَا يُعَايِنُ الْكَعْبَةَ وَلَا يَتَيَقَّنُ الْإِصَابَةَ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَائِلٌ أَصْلِيٌّ كَالْجَبَلِ فَلَهُ الِاجْتِهَادُ بِلَا خِلَافٍ ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يَلْزَمُهُ صُعُودُ الْجَبَلِ لِتَحْصِيلِ الْمُشَاهَدَةِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةً، وَإِنْ كَانَ الْحَائِلُ طَارِئًا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا أَصَحُّهُمَا: عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَالشَّاشِيِّ وَالرَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: فَإِنْ اجْتَهَدَ رَجُلَانِ فَاخْتَلَفَا فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ لَمْ يُقَلِّدْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَلَا يُصَلِّي أَحَدُهُمَا خَلْفَ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ اجْتِهَادِ صَاحِبِهِ