فهرس الكتاب

الصفحة 1069 من 4102

ج / 3 ص -190- وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْك" [كَمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ"فَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ"فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرُهُ لَا يَقُولُ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ] ."

الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي"صَحِيحِهِ"بِهَذِهِ الْحُرُوفِ الْمَذْكُورَةِ، وَمِنْ"صَحِيحِ مُسْلِمٍ"نَقَلْتُهُ، وَفِي نُسَخِ الْمُهَذَّبِ مُخَالَفَةٌ لَهُ فِي بَعْضِ الْحُرُوفِ مِنْهَا أَنَّهُ فِي"الْمُهَذَّبِ"فِي أَوَّلِهِ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الْمَكْتُوبَةِ، وَاَلَّذِي فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ أَعَمُّ، وَقَوْلُهُ: وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ هَكَذَا هُوَ فِي"صَحِيحِ مُسْلِمٍ"مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَفِي"الْمُهَذَّبِ"أَنَّ لَفْظَةَ مِنْ لَيْسَتْ فِي الْحَدِيثِ وَهَذَا غَلَطٌ، بَلْ ثَابِتَةٌ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ فِي بَعْضِهَا: وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي بَعْضِهَا: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الْأُمِّ":"رَوَاهُ أَكْثَرُهُمْ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ"وَسَقَطَ فِي الْمُهَذَّبِ قَوْلُهُ: أَنْتَ رَبِّي. وَيَا لَيْتَهُ نَقَلَهُ مِنْ"صَحِيحِ مُسْلِمٍ".

وَأَمَّا تَفْسِيرُ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ فَتَحْتَمِلُ جُزْءًا كَبِيرًا لَكِنِّي أُشِيرُ إلَى مَقَاصِدِهِ رَمْزًا؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ مَأْمُورٌ بِتَدَبُّرِ الْأَذْكَارِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ مَعْنَاهَا لِيُمْكِنَهُ تَدَبُّرُ مَعَانِيهَا.

قَوْلُهُ: إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يَتَنَاوَلُ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ، قَوْلُهُ: وَجَّهْت وَجْهِي. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: مَعْنَاهَا أَقْبَلْتُ بِوَجْهِي. وَقِيلَ قَصَدْتُ بِعِبَادَتِي وَتَوْحِيدِي إلَيْهِ، وَيَجُوزُ فِي وَجْهِي إلَيْهِ إسْكَانُ الْيَاءِ وَفَتْحُهَا، وَأَكْثَرُ الْقُرَّاءِ عَلَى الْإِسْكَانِ. وَقَوْلُهُ"فَطَرَ السَّمَوَاتِ"أَيْ ابْتَدَأَ خَلْقَهَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وَجَمَعَ السَّمَوَاتِ دُونَ الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَتْ سَبْعًا كَالسَّمَوَاتِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ جِنْسَ الْأَرَضِينَ، وَجَمَعَ السَّمَوَاتِ لِشَرَفِهَا، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ السَّمَوَاتِ أَفْضَلُ مِنْ الْأَرَضِينَ، وَقِيلَ الْأَرْضُونَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَقَرُّ الْأَنْبِيَاءِ وَمَدْفِنُهُمْ وَهُوَ ضَعِيفٌ.

وَقَوْلُهُ"حَنِيفًا"قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ: أَيْ مُسْتَقِيمًا، وَقَالَ الزَّجَّاجُ وَالْأَكْثَرُونَ: الْحَنِيفُ الْمَائِلُ. وَمِنْهُ قِيلَ أَحْنَفَ الرَّجُلُ، قَالُوا: وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَائِلُ إلَى الْحَقِّ، وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُخَالِفِيهِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْحَنِيفُ عِنْدَ الْعَرَبِ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم وَانْتَصَبَ حَنِيفًا عَلَى الْحَالِ، أَيْ وَجَّهْتُ وَجْهِي فِي حَالِ حَنِيفِيَّتِي، وَقَوْلُهُ"وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ"بَيَانٌ لِلْحَنِيفِ وَإِيضَاحٌ لِمَعْنَاهُ، وَالْمُشْرِكُ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ كَافِرٍ مِنْ عَابِدِ وَثَنٍ أَوْ صَنَمٍ، وَيَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَزِنْدِيقٍ وَغَيْرِهِمْ. وَقَوْلُهُ"إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي"قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الصَّلَاةُ اسْمٌ جَامِعٌ لِلتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّشَهُّدِ وَغَيْرِهَا. قَالَ: وَالنُّسُكُ الْعِبَادَةُ، وَالنَّاسِكُ الَّذِي يُخْلِصُ عِبَادَتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَصْلُهُ مِنْ النَّسِيكَةِ وَهِيَ النَّقْرَةُ الْخَالِصَةُ الْمُذَابَةُ الْمُصَفَّاةُ مِنْ كُلِّ خَلْطٍ، وَالنَّسِيكَةُ أَيْضًا الْقُرْبَانُ الَّذِي يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى الله تَعَالَى، وَقِيلَ: النُّسُكُ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ. وَقَوْلُهُ"وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي"أَيْ حَيَاتِي وَمَمَاتِي، وَيَجُوزُ فِيهِمَا فَتْحُ الْيَاءِ وَإِسْكَانُهَا، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى فَتْحِ مَحْيَايَ وَإِسْكَانِ مَمَاتِي لِلَّهِ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُ: هَذِهِ لَامُ الْإِضَافَةِ وَلَهَا مَعْنَيَانِ، الْمِلْكُ كَقَوْلِكَ: الْمَالُ لِزَيْدٍ، وَالِاسْتِحْقَاقُ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ، وَكِلَاهُمَا مُرَادٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت