فهرس الكتاب
ج / 3 ص -191- هُنَا.
وَقَوْلُهُ"للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"فِي مَعْنَى رَبٍّ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: الْمَالِكُ، وَالسَّيِّدُ، وَالْمُدَبِّرُ، وَالْمُرَبِّي. قَالَ: فَإِنْ وَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِأَنَّهُ رَبٌّ أَوْ مَالِكٌ أَوْ سَيِّدٌ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَإِنْ قِيلَ؛ لِأَنَّهُ مُدَبِّرُ خَلْقِهِ أَوْ مُرَبِّيهِمْ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ، قَالَ: وَمَتَى أَدْخَلْتَ عَلَيْهِ الْأَلْفَ وَاللَّامَ فَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالله تَعَالَى دُونَ خَلْقِهِ، وَإِنْ حَذَفْتَهَا كَانَ مُشْتَرَكًا فَتَقُولُ: رَبُّ الْعَالَمِينَ وَرَبُّ الدَّارِ، وَأَمَّا الْعَالَمُونَ فَجَمْعُ عَالَمٍ، وَالْعَالَمُ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَقِيقَتِهِ، فَقَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، وَجَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْمُفَسِّرُونَ: الْعَالَمُ كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُمْ الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ. وَقِيلَ: هُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْفَرَّاءُ وَقِيلَ: بَنُو آدَمَ، قَالَهُ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ وَأَبُو مُعَاذٍ النَّحْوِيُّ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
قَالَ الْوَاحِدِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِ الْعَالَمِ فَقِيلَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَلَامَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ دَلَالَةٌ وَعَلَامَةٌ عَلَى وُجُودِ صَانِعِهِ، فَالْعَالَمُ اسْمٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَدَلِيلُهُ اسْتِعْمَالُ النَّاسِ فِي قَوْلِهِمْ الْعَالَمُ مُحْدَثٌ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَدَلِيلُهُ مِنْ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:23] قَالَ:"رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا"وَقِيلَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعِلْمِ، فَالْعَالَمُونَ عَلَى هَذَا مَنْ يَعْقِلُ خَاصَّةً، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْهَيْثَمِ وَالْأَزْهَرِيُّ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] . قَوْلُهُ"اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ"قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: فِيهِ مَذْهَبَانِ لِلنَّحْوِيِّينَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: أَصْلُهُ يَا اللَّهُ آمِنَّا بِخَيْرٍ، فَكَثُرَتْ فِي الْكَلَامِ وَاخْتَلَطَتْ، فَقِيلَ: اللَّهُمَّ وَتُرِكَتْ مَفْتُوحَةَ الْمِيمِ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ وَالْمِيمُ الْمُشَدَّدَةُ عِوَضٌ عَنْ يَاءِ النِّدَاءِ، وَالْمِيمُ مَفْتُوحَةٌ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الْمِيمِ قَبْلَهَا وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، فَلَا يُقَالُ: يَا اللَّهُمَّ، وَقَوْلُهُ: أَنْتَ الْمَلِكُ أَيْ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ"وَأَنَا عَبْدُكَ"قَالَ الْأَزْهَرِيُّ أَيْ إنِّي لَا أَعْبُدُ غَيْرَكَ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَا مُعْتَرِفٌ بِأَنَّكَ مَالِكِي وَمُدَبَّرِي وَحُكْمُكَ نَافِذٌ فِي، قَوْلُهُ"ظَلَمْتُ نَفْسِي"قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هُوَ اعْتِرَافٌ بِالذَّنْبِ قَدَّمَهُ عَلَى سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ عليهما السلام {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [لأعراف: 23] قَوْلُهُ:"اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ"أَيْ أَرْشِدْنِي لِصَوَابِهَا، وَوَفِّقْنِي لِلتَّخَلُّقِ بِهِ وَسَيِّئُهَا: قَبِيحُهَا.
قَوْلُهُ"لَبَّيْكَ"قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ: مَعْنَاهُ أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ إقَامَةً بَعْدَ إقَامَةٍ، يُقَالُ: لَبَّ بِالْمَكَانِ لَبًّا وَأَلَبَّ إلْبَابًا أَقَامَ بِهِ، وَأَصْلُ لَبَّيْكَ لَبَّيْنَ، فَحُذِفَتْ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ، وَقَوْلُ"وَسَعْدَيْكَ"قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: أَيْ مُسَاعَدَةً لِأَمْرِكَ بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ، وَمُتَابَعَةً بَعْدَ مُتَابَعَةٍ لِدِينِكَ الَّذِي ارْتَضَيْتَهُ بَعْدَ مُتَابَعَةٍ.
قَوْلُهُ"وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ"فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ:
أَحَدُهَا: مَعْنَاهُ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْك، قَالَهُ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ وَالْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ.