فهرس الكتاب
ج / 3 ص -206- الْخَامِسُ: أَنَّهُ جَاءَ ذِكْرُ الْبَسْمَلَةِ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيِّ قَالَ"فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ اللَّهُ ذَكَرَنِي عَبْدِي"وَلَكِنَّ إسْنَادَهَا ضَعِيفٌ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ. وَاخْتُلِفَ فِي السَّابِعَةِ فَمَنْ جَعَلَ الْبَسْمَلَةَ آيَةً قَالَ السَّابِعَةُ {صِرَاطَ الَّذِينَ} إلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَمَنْ نَفَاهَا قَالَ: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } [الفاتحة: 7] سَادِسَةٌ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} إلَى آخِرِهَا هِيَ السَّابِعَةُ، قَالُوا: وَيَتَرَجَّحُ هَذَا؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ حَقِيقَةُ التَّنْصِيفِ فَتَكُونُ لِلّهِ تَعَالَى ثَلَاثُ آيَاتٍ وَنِصْفٌ وَالْعَبْدُ مِثْلُهَا، وَمَوْضِعُ التَّنْصِيفِ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5] فَلَوْ عُدَّتْ الْبَسْمَلَةُ آيَةً وَلَمْ يُعَدَّ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] صَارَ لِلّهِ تَعَالَى أَرْبَعُ آيَاتٍ وَنِصْفٌ وَلِلْعَبْدِ آيَتَانِ وَنِصْفٌ ، وَهَذَا خِلَافُ تَصْرِيحِ الْحَدِيثِ بِالتَّنْصِيفِ ، فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: مَنْعُ إرَادَةِ حَقِيقَةِ التَّنْصِيفِ ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
إذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَيْنِ شَامِتٌ وَآخَرُ مُثْنٍ بِاَلَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ
فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّ الْفَاتِحَةَ قِسْمَانِ، فَأَوَّلُهَا لِلّهِ تَعَالَى وَآخِرُهَا لِلْعَبْدِ وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّنْصِيفِ قِسْمَانِ الثَّنَاءُ وَالدُّعَاءُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ لِعَدَدِ الْآيَاتِ الثَّالِثُ: أَنَّ الْفَاتِحَةَ إذَا قُسِمَتْ بِاعْتِبَارِ الْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ وَالْبَسْمَلَةُ مِنْهَا كَانَ التَّنْصِيفُ فِي شَطْرَيْهَا أَقْرَبَ مِمَّا إذَا قُسِمَتْ بِحَذْفِ الْبَسْمَلَةِ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ تَقْسِيمُهَا بِاعْتِبَارِ الْحُرُوفِ. فَإِنْ قِيلَ يَتَرَجَّحُ جَعْلُ الْآيَةِ السَّابِعَةِ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ} لِقَوْلِهِ: فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ {اهْدِنَا الصِّرَاطَ} إلَى آخِرِ السُّورَةِ، قَالَ: فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي، فَلَفْظَةُ هَؤُلَاءِ جَمْعٌ يَقْتَضِي ثَلَاثَ آيَاتٍ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ لِلْعَبْدِ إلَّا آيَتَانِ ، فَالْجَوَابُ أَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ رَوَوْهُ: فَهَذَا لِعَبْدِي ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي"صَحِيحِهِ"، وَإِنْ كَانَ"هَؤُلَاءِ"ثَابِتَةً فِي"سُنَنِ أَبِي دَاوُد"وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادَيْهِمَا"الصَّحِيحَيْنِ".
وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَكُونُ الْإِشَارَةُ بِهَؤُلَاءِ إلَى الْكَلِمَاتِ أَوْ إلَى الْحُرُوفِ أَوْ إلَى آيَتَيْنِ وَنِصْفٍ مِنْ قوله تعالى {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} إلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَمِثْلُ هَذَا يُجْمَعُ كَقَوْلِ الله تَعَالَى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] وَالْمُرَادُ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ أَوْ إلَى آيَتَيْنِ فَحَسْبُ، وَذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ حَقِيقَةٌ أَمْ مَجَازٌ وَحَقِيقَتُهُ ثَلَاثَةٌ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ فِي الِاثْنَيْنِ، حَقِيقَةٌ فِي الثَّلَاثَةِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ هَذَا كُلُّهُ إذَا سَلَّمْنَا أَنَّ التَّنَصُّفَ تَوَجَّهَ إلَى آيَاتِ الْفَاتِحَةِ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَصْلِهِ، وَإِنَّمَا التَّنَصُّفُ مُتَوَجِّهٌ إلَى الصَّلَاةِ بِنَصِّ الْحَدِيثِ. فَإِنْ قَالُوا: الْمُرَادُ قِرَاءَةُ الصَّلَاةِ. قُلْنَا: بَلْ الْمُرَادُ قِسْمَةُ ذِكْرِ الصَّلَاةِ أَيْ الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِيهَا، وَهُوَ ثَنَاءٌ وَدُعَاءٌ، فَالثَّنَاءُ مُنْصَرِفٌ إلَى الله تَعَالَى، سَوَاءٌ مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي الْقِرَاءَةِ وَمَا وَقَعَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِهِمَا. وَالدُّعَاءُ مُنْصَرِفٌ إلَى الْعَبْدِ، سَوَاءٌ مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي فِي ذَلِكَ لِمَا سَبَقَ. ثُمَّ ذَكَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ إخْبَارِهِ بِقِسْمَةِ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ أَمْرًا آخَرَ وَهُوَ مَا يَقُولُهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ قِرَاءَةِ