فهرس الكتاب
ج / 3 ص -212- قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَيْسَ لَهُ عِلَّةٌ. وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ حَدِيثَيْنِ كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ لَيْسَ فِي رُوَاتِهِ مَجْرُوحٌ: أَحَدُهُمَا:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَهَرَ بِبَسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"وَالثَّانِي:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِبَسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"وَهَذَا الثَّانِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ إسْنَادُهُ بِذَاكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ فَحَصَلَ لَنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحَّحَهَا الْأَئِمَّةُ لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ شَيْئًا مِنْهَا، بَلْ ذَكَرَ حَدِيثًا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الْمَكِّيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَزُلْ يَجْهَرُ بِبَسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي السُّورَتَيْنِ حَتَّى قُبِضَ"قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَعُمَرُ بْنُ حَفْصٍ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِهِ، وَلَيْسَ هَذَا بِإِنْصَافٍ وَلَا تَحْقِيقٍ فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ عَنْ ابْن عَبَّاسٍ فِي الْجَهْرِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ مِنْ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ: أَنَّ فِي"صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ عَنْ هَمَّامٍ وَجَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سُئِلَ أَنَسٌ"كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: كَانَتْ مَدًّا ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِسْمِ الله وَيَمُدُّ الرَّحْمَنَ وَيَمُدُّ الرَّحِيمَ"قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَازِمِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً. قَالَ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْجَهْرِ مُطْلَقًا يَتَنَاوَلُ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لَوْ اخْتَلَفَتْ فِي الْجَهْرِ بَيْنَ حَالَتَيْ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا لَبَيَّنَهَا أَنَسٌ وَلَمَا أَطْلَقَ جَوَابَهُ، وَحَيْثُ أَجَابَ بِالْبَسْمَلَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَجْهَرُ بِهَا فِي قِرَاءَتِهِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَجَابَ أَنَسٌ بِ"الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"أَوْ غَيْرِهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ فِي"صَحِيحِ مُسْلِمٍ"عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ"بَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إذْ أَغْفَى إغْفَاءً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ بسم الله الرحمن الرحيم {إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} إلَى آخِرِهَا"وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالْجَهْرِ بِهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ فَكَذَا فِي الصَّلَاةِ كَسَائِرِ الْآيَاتِ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي"صَحِيحِهِ"عَقِبَ الْحَدِيثِ الْمُحْتَجِّ بِهِ فِي نَفْيِ الْجَهْرِ كَالتَّعْلِيلِ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا جَهَرَ بِهَا فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ تَلَا مَا أُنْزِلَ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُبَلِّغَهُ جَمِيعَهُ فَجَهَرَ كَبَاقِي السُّوَرِ. قُلْنَا: فَهَذَا دَلِيلٌ لَنَا؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ مِنْ السُّورَةِ فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ بَاقِيهَا فِي الْجَهْرِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ خِلَافَهُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: مَا اعْتَمَدَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ مِنْ إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم خِلَافًا لِمَا ادَّعَتْهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ الْإِجْمَاعِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الله بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خَيْثَمٍ أَنْ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى مُعَاوِيَةُ بِالْمَدِينَةِ صَلَاةً يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَرَأَ"بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"لِأُمِّ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَقْرَأْ بِهَا لِلسُّوَرِ الَّتِي بَعْدَهَا حَتَّى قَضَى تِلْكَ الْقِرَاءَةَ وَلَمْ يُكَبِّرْ حِينَ يَهْوِي حَتَّى قَضَى تِلْكَ الصَّلَاةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَاهُ مَنْ شَهِدَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ كُلِّ مَكَان: يَا مُعَاوِيَةُ أَسَرَقْتَ الصَّلَاةَ أَمْ نَسِيتَ؟ فَلَمَّا صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ قَرَأَ"بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"لِلَّتِي بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَكَبَّرَ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا وَرَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ