فهرس الكتاب
ج / 3 ص -219- خِلَالِهَا غَيْرَهَا إلَى آخِرِهِ لَيْسَ مُرَادُهُ بِهِ تَفْسِيرَ التَّرْتِيبِ وَالتَّفْرِيعَ عَلَيْهِ، إذْ لَيْسَ فِي هَذَا تَرْكُ تَرْتِيبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ أَنَّ الْمُوَالَاةَ وَاجِبَةٌ كَالتَّرْتِيبِ فَبَيَّنَّ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْمُوَالَاةَ عَمْدًا لَا تُجْزِيهِ الْقِرَاءَةُ، وَاسْتَغْنَى بِهِ عَنْ قَوْلِهِ: وَتَجِبُ الْمُوَالَاةُ وَالله أَعْلَمُ
فرع: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إذَا كَرَّرَ الْفَاتِحَةَ أَوْ آيَةً مِنْهَا كَانَ شَيْخِي يَقُولُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ كَانَ ذَلِكَ لِتَشَكُّكِهِ فِي أَنَّ الْكَلِمَةَ قَرَأَهَا جَيِّدًا كَمَا يَنْبَغِي أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَإِنْ كَرَّرَ كَلِمَةً مِنْهَا بِلَا سَبَبٍ كَانَ شَيْخِي يَتَرَدَّدُ فِي إلْحَاقِهِ بِمَا لَوْ أَدْرَجَ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ ذِكْرًا آخَرَ. قَالَ الْإِمَامُ وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ لَا تَنْقَطِعُ مُوَالَاتُهُ بِتَكْرِيرِ كَلِمَةٍ مِنْهَا كَيْفَ كَانَ، هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَقَدْ جَزَمَ شَيْخُهُ وَهُوَ وَالِدُهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِهِ التَّبْصِرَةِ بِأَنَّهُ لَا تَنْقَطِعُ قِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ كَرَّرَهَا لِلشَّكِّ أَوْ لِلتَّفَكُّرِ. وَقَالَ الْبَغَوِيّ إنْ كَرَّرَ آيَةً لَمْ تَنْقَطِعْ الْقِرَاءَةُ، وَإِنْ قَرَأَ نِصْفَ الْفَاتِحَةِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ أَتَى بِالْبَسْمَلَةِ فَأَتَمَّهَا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ أَتَى بِهَا يَجِبُ أَنْ يُعِيدَ مَا قَرَأَ بَعْدَ الشَّكِّ، وَلَا يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْ فِيهَا غَيْرَهَا.
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْفَاتِحَةِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي إنْ كَرَّرَ الْآيَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا لَمْ تَبْطُلْ قِرَاءَتُهُ، وَإِنْ أَعَادَ بَعْضَ الْآيَاتِ الَّتِي فَرَغَ مِنْهَا بِأَنْ وَصَلَ إلَى"أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ"ثُمَّ قَرَأَ"مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ"فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى الْقِرَاءَةِ مِنْ"مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ"أَجْزَأَتْهُ قِرَاءَتُهُ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى"مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ"ثُمَّ عَادَ فَقَرَأَ"غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ"لَمْ تَصِحَّ قِرَاءَتُهُ وَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُهَا؛ لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي التِّلَاوَةِ وَهَذَا إنْ كَانَ عَامِدًا فَإِنْ كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَنْقَطِعْ قِرَاءَتُهُ كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ بِمَا لَيْسَ مِنْهَا نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَكَذَا لَا تَبْطُلُ قِرَاءَتُهُ هُنَا وَأَمَّا صَاحِبُ الْبَيَانِ فَقَالَ: إنْ قَرَأَ آيَةً مِنْ الْفَاتِحَةِ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ أَوَّلَ آيَةً أَوْ آخِرَهَا لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ كَانَتْ فِي أَثْنَائِهَا فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَنَّهُ كَمَا لَوْ قَرَأَ فِي خِلَالِهَا غَيْرَهَا فَإِنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَهُ بَطَلَتْ قِرَاءَتُهُ، وَإِنْ سَهَا بَنَى، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْبَيَانِ لَمْ يَقِفْ عَلَى النَّقْلِ الَّذِي حَكَيْتُهُ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَلِهَذَا قَالَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ، وَهَذِهِ عَادَتُهُ فِيمَا لَمْ يَرَ فِيهِ نَقْلًا وَالله أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: فَإِنْ قَرَأَ الْإِمَامُ الْفَاتِحَةَ فَأَمَّنَ وَالْمَأْمُومُ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ فَأَمَّنَ بِتَأْمِينِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ تَنْقَطِعُ الْقِرَاءَةُ كَمَا لَوْ قَطَعَهَا بِقِرَاءَةِ غَيْرِهَا. وَقَالَ شَيْخُنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ لَا تَنْقَطِعُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ فَلَا تَنْقَطِعُ الْقِرَاءَةُ كَالسُّؤَالِ فِي آيَةِ الرَّحْمَةِ، وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ النَّارِ فِي آيَةِ الْعَذَابِ فِيمَا يَقْرَأُ فِي صَلَاتِهِ مُنْفَرِدًا.
الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا أَتَى فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ بِمَا نُدِبَ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَتَأْمِينِ الْمَأْمُومِ وَسُجُودِهِ مَعَهُ لِتِلَاوَتِهِ وَفَتْحِهِ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ وَسُؤَالِهِ الرَّحْمَةَ عِنْدَ قِرَاءَةِ آيَتِهَا وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الْعَذَابِ عِنْدَ قِرَاءَةِ آيَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَلْ تَنْقَطِعُ مُوَالَاةُ الْفَاتِحَةِ؟"فِيهِ وَجْهَانِ"مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا: لَا يَنْقَطِعُ بَلْ يُبْنَى عَلَيْهَا وَتَجْزِيهِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَالْقَفَّالُ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَأَبُو الْحَسَنِ الْوَاحِدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْبَسِيطِ، وَصَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ: وَالثَّانِي: تَنْقَطِعُ فَيَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيِّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ، وَلَا يَطَّرِدُ الْوَجْهَانِ فِي كُلِّ مَنْدُوبٍ، فَلَوْ أَجَابَ الْمُؤَذِّنَ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ أَوْ عَطَسَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ فَتَحَ