فهرس الكتاب
ج / 3 ص -218- أَتَى بِمَا بَقِيَ مِنْهَا أَجْزَأَهُ وَإِنْ قَرَأَ عَامِدًا لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْقِرَاءَةَ كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا، وَإِنْ نَوَى قَطْعَهَا وَلَمْ يَقْطَعْ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِئْنَافُهَا؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِاللِّسَانِ وَلَمْ يَقْطَعْ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى قَطْعَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ بِالْقَلْبِ وَقَدْ قَطَعَ ذَلِكَ.
الشرح: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: تَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ مُرَتَّبَةً مُتَوَالِيَةً ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ يَقْرَأُ هَكَذَا"وَثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"فَإِنْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ فَقَدَّمَ الْمُؤَخَّرَ وَأَخَّرَ الْمُقَدَّمَ - فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ - بَطَلَتْ قِرَاءَتُهُ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ مَا فَعَلَ أَنَّهُ قَرَأَ آيَةً أَوْ آيَاتٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الْفَاتِحَةِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ سَاهِيًا لَمْ يُعْتَدَّ بِالْمُؤَخَّرِ وَيَبْنِي عَلَى الْمُرَتَّبِ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي"الْأُمِّ"، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ، قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يَطُولَ الْفَصْلُ فَيَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْقِرَاءَةِ هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ يَعْتَبِرُ التَّرْتِيبَ مُبْطِلًا لِلْمَعْنَى تَبْطُلُ صَلَاتُهُ كَمَا إذَا تَعَمَّدَهُ، كَمَا قَالُوا إذَا تَعَمَّدَ تَغْيِيرَ التَّشَهُّدِ تَغْيِيرًا يُبْطِلُ الْمَعْنَى ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ وَأَمَّا الْمُوَالَاةُ فَمَعْنَاهَا أَنْ يَصِلَ الْكَلِمَاتِ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ ، وَلَا يَفْصِلَ إلَّا بِقَدْرِ التَّنَفُّسِ فَإِنْ أَخَلَّ بِالْمُوَالَاةِ فَلَهُ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَامِدًا فَيُنْظَرُ إنْ سَكَتَ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ طَوِيلًا بِحَيْثُ أَشْعَرَ بِقَطْعِهِ الْقِرَاءَةَ أَوْ إعْرَاضِهِ عَنْهَا مُخْتَارًا أَوْ لِعَائِقٍ بَطَلَتْ قِرَاءَتُهُ وَوَجَبَ اسْتِئْنَافُ الْفَاتِحَةِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ قِرَاءَتُهُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَالْمَوْجُودُ فِي كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ وُجُوبُ الِاسْتِئْنَافِ، وَإِنْ قَصُرَتْ مُدَّةُ السُّكُوتِ لَمْ يُؤَثِّرْ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ نَوَى قَطْعَ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يَسْكُتْ لَمْ تَبْطُلْ قِرَاءَتُهُ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي"الْأُمِّ"، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ قَالَ فِي"الْأُمِّ": لِأَنَّهُ حَدِيثُ نَفْسٍ وَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ، وَإِنْ نَوَى قَطْعَهَا وَسَكَتَ طَوِيلًا بَطَلَتْ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ سَكَتَ يَسِيرًا بَطَلَتْ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، وَأَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْفَرْدَةَ لَا تُؤَثِّرُ، وَكَذَا السُّكُوتُ الْيَسِيرُ، وَكَذَا إذَا اجْتَمَعَا.
وَإِنْ أَتَى فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ بِتَسْبِيحٍ أَوْ تَهْلِيلٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَذْكَارِ أَوْ قَرَأَ آيَةً مِنْ غَيْرِهَا عَمْدًا بَطَلَتْ قِرَاءَتُهُ بِلَا خِلَافٍ، سَوَاءٌ كَثُرَ ذَلِكَ أَوْ قَلَّ؛ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِقِرَاءَتِهَا. هَذَا فِيمَا لَا يُؤْمَرُ بِهِ الْمُصَلِّي، فَأَمَّا مَا أُمِرَ بِهِ إلَيْهِ كَتَأْمِينِ الْمَأْمُومِ لِتَأْمِينِ إمَامِهِ، وَسُجُودِهِ لِتِلَاوَتِهِ، فَفِيهِ خِلَافٌ نَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُخِلَّ بِالْمُوَالَاةِ نَاسِيًا فَالصَّحِيحُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ قِرَاءَتُهُ، بَلْ يَبْنِي عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، سَوَاءٌ كَانَ أَخَلَّ بِالْمُوَالَاةِ بِسُكُوتٍ أَمْ بِقِرَاءَةِ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ فِي أَثْنَائِهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي"الْأُمِّ"وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ، قَالَ فِي"الْأُمِّ": لِأَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ فِي النِّسْيَانِ، وَقَدْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ كُلَّهَا، وَسَوَاءٌ قُلْنَا يُعْذَرُ بِتَرْكِ الْفَاتِحَةِ نَاسِيًا أَمْ لَا، وَمَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ إلَى انْقِطَاعِ الْمُوَالَاةِ بِالنِّسْيَانِ إذَا قُلْنَا: لَا تَسْقُطُ الْقِرَاءَةُ بِالنِّسْيَانِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ أُعْيِيَ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ فَسَكَتَ لِلْإِعْيَاءِ ثُمَّ بَنَى عَلَى قِرَاءَتِهِ حِينَ أَمْكَنَهُ صَحَّتْ قِرَاءَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي"الْأُمِّ"؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَيَجِبُ أَنْ يَقْرَأَهَا مُرَتَّبًا فَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَقَوْلُهُ فَإِنْ قَرَأَ فِي