فهرس الكتاب
ج / 3 ص -223- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَهَلْ تَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ؟ فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ يُسِرُّ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ يَجْهَرُ فِيهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ، قَالَ فِي الْأُمِّ وَالْبُوَيْطِيِّ يَجِبُ، لِمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ:"صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم [الصُّبْحَ] فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إنِّي لَأَرَاكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إمَامِكُمْ، قُلْنَا: وَالله أَجَلْ يَا رَسُولَ الله نَفْعَلُ هَذَا. قَالَ: لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِأُمِّ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا"وَلِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ قِيَامُ الْقِرَاءَةِ لَزِمَهُ الْقِرَاءَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ كَالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ. وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: لَا يَقْرَأُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ"أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ: هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله قَالَ: إنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِيمَا جَهَرَ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ مِنْ الصَّلَوَاتِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم".
الشَّرْحُ: هَذَانِ الْحَدِيثَانِ رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُمَا حَدِيثَانِ حَسَنَانِ. وَصَحَّحَ الْبَيْهَقِيُّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ وَضَعَّفَ الثَّانِيَ"حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ"وَقَالَ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ابْنُ أُكَيْمَةَ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ - وَهُوَ مَجْهُولٌ. قَالَ وَقَوْلُهُ:"فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِيمَا جَهَرَ فِيهِ"وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ الرَّاوِي عَنْ ابْنِ أُكَيْمَةَ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَاسْتَدَلُّوا بِرِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ حِينَ مَيَّزَهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَجَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ.
قَوْلُهُ"أَجَلْ يَا رَسُولَ الله نَفْعَلُ هَذَا"هُوَ بِتَشْدِيدِ الذَّالِ وَتَنْوِينِهَا هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ، وَهَكَذَا ضَبَطَهُ الْبُخَارِيُّ فِي"مَعَالِمِ السُّنَنِ"، وَكَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيّ"نَهُذُّهُ هَذًّا""أَوْ نَدْرُسُهُ دَرْسًا"قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: الْهَذُّ السُّرْعَةُ وَشِدَّةُ الِاسْتِعْجَالِ فِي الْقِرَاءَةِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْهَذِّ هُنَا الْجَهْرُ، وَتَقْدِيرُهُ يَهُذُّ هَذًّا، وَقَدْ بَسَطْتُ شَرْحَهُ وَضَبْطَهُ فِي تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ:. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ"وَلِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ قِيَامُ الْقِرَاءَةِ لَزِمَهُ الْقِرَاءَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ كَالْإِمَامِ"اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ:"لَزِمَهُ قِيَامُ الْقِرَاءَةِ"عَنْ الْمَسْبُوقِ ، وَبِقَوْلِهِ"مَعَ الْقُدْرَةِ"عَمَّنْ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَعَلَى الْمَسْبُوقِ فِيمَا يُدْرِكُهُ مَعَ الْإِمَامِ بِلَا خِلَافٍ. وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الْقَدِيمِ": لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْجَهْرِ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ"الْقَدِيمِ"وَ"الْإِمْلَاءِ"، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِمْلَاءَ مِنْ الْجَدِيدِ، وَنَقَلَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْ"الْقَدِيمِ"وَ"الْإِمْلَاءِ"وَبَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مِنْ الْجَدِيدِ. وَحَكَى الرَّافِعِيُّ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَجْهًا فِي السِّرِّيَّةِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَإِذَا قُلْنَا: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ فَالْمُرَادُ بِاَلَّتِي يُشْرَعُ فِيهَا الْجَهْرُ، فَأَمَّا ثَالِثَةُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَرَابِعَةُ الْعِشَاءِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا قُلْنَا: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ بِأَنْ كَانَ أَصَمَّ أَوْ بَعِيدًا مِنْ الْإِمَامِ لَا يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ فَفِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ، أَصَحُّهُمَا: تَجِبُ؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهِ كَالسِّرِّيَّةِ: وَالثَّانِي: لَا