فهرس الكتاب
ج / 3 ص -232- وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَبِهِ جَاءَتْ رِوَايَاتُ الْأَحَادِيثِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: لَوْ قَالَ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ الله تَعَالَى كَانَ حَسَنًا لَا تَنْقَطِعُ الصَّلَاةُ بِشَيْءٍ مِنْ ذِكْرِ الله تَعَالَى: قَالَ: وَقَوْلُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ الْعَبْدُ رَبَّهُ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي التَّأْمِينِ
قَدْ ذَكَرْنَا: أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُهُ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَأَنَّ الْإِمَامَ وَالْمُنْفَرِدَ يَجْهَرَانِ بِهِ، وَكَذَا الْمَأْمُومُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْعَبْدَرِيُّ الْجَهْرَ بِهِ لِجَمِيعِهِمْ عَنْ طَاوُسٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: يُسِرُّونَ بِالتَّأْمِينِ، وَكَذَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَأْمُومِ وَعَنْهُ فِي الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا: يُسِرُّ بِهِ: وَالثَّانِيَةُ: لَا يَأْتِي بِهِ، وَكَذَا الْمُنْفَرِدُ عِنْدَهُ، وَدَلِيلُنَا: الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ، بَلْ احْتَجَّتْ الْحَنَفِيَّةُ بِرِوَايَةِ شُعْبَةَ وَقَوْلِهِ:"وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ".
وَاحْتَجَّتْ الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّ سُنَّةَ الدُّعَاءِ بِآمِينَ لِلسَّامِعِ دُونَ الدَّاعِي، وَآخِرُ الْفَاتِحَةِ دُعَاءٌ فَلَا يُؤَمِّنُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ دَاعٍ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: هَذَا غَلَطٌ، بَلْ إذَا اُسْتُحِبَّ التَّأْمِينُ لِلسَّامِعِ فَالدَّاعِي أَوْلَى بِالِاسْتِحْبَابِ، وَالله أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْفَاتِحَةَ وَأَحْسَنَ غَيْرَهَا، قَرَأَ سَبْعَ آيَاتٍ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا بِقَدْرِ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يُعْتَبَرُ، كَمَا إذَا فَاتَهُ صَوْمُ يَوْمٍ طَوِيلٍ لَمْ يُعْتَبَرْ أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ فِي يَوْمٍ بِقَدْرِ سَاعَاتِ الْأَدَاءِ، وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اُعْتُبِرَ عَدَدُ آيِ الْفَاتِحَةِ اُعْتُبِرَ قَدْرُ حُرُوفِهَا، وَيُخَالِفُ الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمِقْدَارِ فِي السَّاعَاتِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِذِكْرٍ، لِمَا رَوَى عَبْدُ الله بْنُ أَبِي أَوْفَى: رضي الله عنه"أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْفَظَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِينِي فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: سُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَالله أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِالله"وَلِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، فَجَازَ أَنْ يَنْتَقِلَ فِيهِ عِنْدَ الْعَجْزِ إلَى بَدَلٍ كَالْقِيَامِ. وَفِي الذِّكْرِ وَجْهَانِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ رضي الله عنه: يَأْتِي مِنْ الذِّكْرِ بِقَدْرِ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّهُ أُقِيمَ مَقَامَهَا فَاعْتُبِرَ قَدْرُهَا."
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ رضي الله عنه: يَجِبُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ كَالتَّيَمُّمِ لَا تَجِبُ الزِّيَادَةُ فِيهِ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
وَإِنْ أَحْسَنَ آيَةً مِنْ الْفَاتِحَةِ وَأَحْسَنَ غَيْرَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يَقْرَأُ الْآيَةَ ثُمَّ يَقْرَأُ سِتَّ آيَاتٍ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْهَا انْتَقَلَ إلَى غَيْرِهَا، فَإِذَا كَانَ يُحْسِنُ بَعْضَهَا وَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ فِيمَا لَمْ يُحْسِنْ إلَى غَيْرِهَا، كَمَا لَوْ عَدِمَ بَعْضَ الْمَاءِ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ تَكْرَارُ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا مِنْ الذِّكْرِ قَامَ بِقَدْرِ سَبْعِ آيَاتٍ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ ، فَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَلَمْ يَفْعَلْ وَصَلَّى، لَزِمَهُ أَنْ يُعِيدَ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَأَشْبَهَ إذَا تَرَكَهَا، وَهُوَ يُحْسِنُ.
الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ الْقَدْرِ بِتَعَلُّمٍ ، أَوْ