فهرس الكتاب
ج / 3 ص -249- الله عنها: أَرَأَيْتِ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْ آخِرَهُ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا أَوْتَرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا أَوْتَرَ فِي آخِرِهِ، قُلْت: اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً. قُلْتُ: أَرَأَيْتِ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ وَيَخْفِتُ بِهِ؟ قَالَتْ رُبَّمَا جَهَرَ بِهِ وَرُبَّمَا خَفَتَ، قُلْت: اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيح وَرَوَاهُ غَيْرُهُ وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: صلى الله عليه وسلم"الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَالنَّسَائِيُّ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ:"اعْتَكَفَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَالَ: أَلَا إنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ قَالَ فِي الصَّلَاةِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ."
فَصْلٌ: فِي مَسَائِلَ مُهِمَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَأَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَكْثَرَهَا مُخْتَصَرَةً خَوْفًا مِنْ الْإِمْلَالِ بِكَثْرَةِ الْإِطَالَةِ.
إحْدَاهَا: قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةِ، وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا غَيْرِهَا بِالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قُرْآنًا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالتَّوَاتُرِ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ السَّبْعَةِ مُتَوَاتِرَةٌ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يُعْدَلُ عَنْهُ، وَمَنْ قَالَ غَيْرَهُ فَغَالِطٌ أَوْ جَاهِلٌ، وَأَمَّا الشَّاذَّةُ فَلَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً، فَلَوْ خَالَفَ وَقَرَأَ بِالشَّاذَّةِ أُنْكِرَ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَقَدْ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ بَغْدَادَ عَلَى اسْتِتَابَةِ مَنْ قَرَأَ بِالشَّوَاذِّ، وَقَدْ ذَكَرْتُ [تَفْصِيلَهُ1] فِي التِّبْيَانِ فِي آدَابِ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ. وَنَقَلَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِالشَّاذِّ وَأَنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقْرَأُ بِهَا، قَالَ الْعُلَمَاءُ: فَمَنْ قَرَأَ بِالشَّاذِّ إنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِ أَوْ بِتَحْرِيمِهِ عُرِّفَ ذَلِكَ، فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ عُزِّرَ تَعْزِيرًا بَلِيغًا إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ عَنْ ذَلِكَ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ عَلَى الْإِنْكَارِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ بِالشَّاذَّةِ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَغَيُّرُ مَعْنًى وَلَا زِيَادَةُ حَرْفٍ وَلَا نَقْصُهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِذَا قَرَأَ بِقِرَاءَةٍ مِنْ السَّبْعَةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُتِمَّ الْقِرَاءَةَ بِهَا، فَلَوْ قَرَأَ بَعْضَ الْآيَاتِ بِهَا وَبَعْضَهَا بِغَيْرِهَا مِنْ السَّبْعَةِ جَازَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا قَرَأَهُ بِالثَّانِيَةِ مُرْتَبِطًا بِالْأُولَى.
الثَّانِيَةُ: تَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ بِجَمِيعِ حُرُوفِهَا وَتَشْدِيدَاتِهَا، وَهُنَّ أَرْبَعَ عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً، فِي الْبَسْمَلَةِ مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ، فَلَوْ أَسْقَطَ حَرْفًا مِنْهَا أَوْ خَفَّفَ مُشَدَّدًا أَوْ أَبْدَلَ حَرْفًا بِحَرْفٍ مَعَ صِحَّةِ لِسَانِهِ لَمْ تَصِحَّ قِرَاءَتُهُ، وَلَوْ أَبْدَلَ الضَّادَ بِالظَّاءِ فَفِي صِحَّةِ قِرَاءَتِهِ وَصَلَاتِهِ وَجْهَانِ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ: أَصَحُّهُمَا لَا تَصِحُّ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: كَمَا لَوْ أَبْدَلَ غَيْرَهُ، وَالثَّانِي: تَصِحُّ لِعُسْرِ إدْرَاكِ مَخْرَجِهِمَا عَلَى الْعَوَامّ وَشَبَهِهِمْ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في مكان تفصله كانت كلمة (قصة) في كل من ش و ق ولا يراها سائغة (ط) .