فهرس الكتاب
ج / 3 ص -273- مُوسَى.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ، وَمِثْلُهُ فِي"صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، وَفِي"صَحِيحِ مُسْلِمٍ"مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي أَوْفَى وَغَيْرِهِ. وَثَبَتَ فِي"صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"فَيَقْتَضِي هَذَا مَعَ مَا قَبْلَهُ أَنَّ كُلَّ مُصَلٍّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ فَيُسْتَحَبُّ لِغَيْرِهِ كَالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنْ لَا يَفْتُرَ عَنْ الذِّكْرِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِالذِّكْرَيْنِ فِي الرَّفْعِ وَالِاعْتِدَالِ، بَقِيَ أَحَدُ الْحَالَيْنِ خَالِيًا عَنْ الذِّكْرِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: صلى الله عليه وسلم"وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ"فَقَالَ أَصْحَابُنَا: فَمَعْنَاهُ قُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مَعَ مَا قَدْ عَلِمْتُمُوهُ مِنْ قَوْلِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَا بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ جَهْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَإِنَّ السُّنَّةَ فِيهِ الْجَهْرُ، وَلَا يَسْمَعُونَ قَوْلَهُ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ سِرًّا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَكَانُوا يَعْلَمُونَ قَوْلَهُ: صلى الله عليه وسلم"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"مَعَ قَاعِدَةِ التَّأَسِّي بِهِ صلى الله عليه وسلم مُطْلَقًا، وَكَانُوا يُوَافِقُونَ فِي سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى الْأَمْرِ بِهِ، وَلَا يَعْرِفُونَ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ فَأُمِرُوا بِهِ، وَالله أَعْلَمُ.
فرع: ثَبَتَ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ رضي الله عنه قَالَ:"كُنَّا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ، قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَنْ الْمُتَكَلِّمُ؟ قَالَ: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَذْكَارِ فَيَقُولُ فِي ارْتِفَاعِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَإِذَا انْتَصَبَ قَالَ:"اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ إلَى قَوْلِهِ: مِنْكَ الْجَدُّ".
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: ثُمَّ يَسْجُدُ وَهُوَ فَرْضٌ لقوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْتَدِئَ عِنْدَ الْهُوِيِّ إلَى السُّجُودِ بِالتَّكْبِيرَاتِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه فِي الرُّكُوعِ.
الشرح: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: أَصْلُ السُّجُودِ التَّطَامُنُ وَالْمَيْلُ. وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: أَصْلُهُ الْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ، وَكُلُّ مَنْ تَذَلَّلَ وَخَضَعَ فَقَدْ سَجَدَ، وَسُجُودُ كُلِّ مَوَاتٍ فِي الْقُرْآنِ طَاعَتُهُ لِمَا سَجَدَ لَهُ، هَذَا أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ، وَقِيلَ لِمَنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ فِي الْأَرْضِ سَجَدَ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ الْخُضُوعِ. وَالسُّجُودُ فَرْضٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّكْبِيرُ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَّ أَحْمَدَ أَوْجَبَ تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ لَا يَشْرَعُ، وَذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيُسْتَحَبُّ مَدُّ التَّكْبِيرِ مِنْ حِينِ يَشْرَعُ فِي الْهُوِيِّ حَتَّى يَضَعَ