فهرس الكتاب
ج / 3 ص -287- وَجْهَانِ. حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُمَا أَظْهَرُهُمَا: عِنْدَ الْغَزَالِيِّ: الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ التَّنَكُّسُ وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى شَيْءٍ، فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا لَزِمَهُ الْآخَرُ وَأَصَحُّهُمَا: عِنْدَ غَيْرِهِ: لَا يَجِبُ، بَلْ يَكْفِيهِ الْخَفْضُ الْمَذْكُورُ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: هَذَا أَشْبَهُ بِكَلَامِ الْأَكْثَرِينَ؛ لِأَنَّ هَيْئَةَ السُّجُودِ مُتَعَذِّرَةٌ فَيَكْفِيهِ الْخَفْضُ الْمُمْكِنُ قَالَ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ عَجَزَ عَنْ وَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَأَمْكَنَهُ وَضْعَهَا عَلَى وِسَادَةٍ مَعَ التَّنْكِيسِ لَزِمَهُ ذَلِكَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ [وَيُكَبِّرُ] لِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فِي الرُّكُوعِ ثُمَّ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، يَفْرُشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، لِمَا يُرْوَى أَنَّ أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّ وَصَفَ صَلَاةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَقَعَدَ وَاعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ إلَى مَوْضِعِهِ"وَيُكْرَهُ الْإِقْعَاءُ فِي الْجُلُوسِ، وَهُوَ أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَجْعَلَ يَدَيْهِ فِي الْأَرْضِ وَيَقْعُدَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:"نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ الْإِقْعَاءِ [أَيْ يُقْعِي1] إقْعَاءَ الْقِرَدَةِ"وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ فِي جُلُوسِهِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم [لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ] "ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي جُلُوسِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي [وَاجْبُرْنِي] وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ذَلِكَ"."
الشرح: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي التَّكْبِيرِ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ، وَسَبَقَ هُنَاكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ فِيهِ، وَحَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ صَحِيحٌ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ، وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْإِقْعَاءِ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَرَوَى النَّهْيَ عَنْ الْإِقْعَاءِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَنَسٌ وَسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ رَوَاهَا كُلَّهَا الْبَيْهَقِيُّ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَضَعَّفَهُ، وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي النَّهْيِ عَنْ الْإِقْعَاءِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ"ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا"فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ مِنْ رِوَايَةِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي"الْمُسْتَدْرَكِ"وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي"وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: مِثْلُهُ لَكِنَّهُ ذَكَرَ"وَأَجِرْنِي وَعَافِنِي"وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ"وَارْفَعْنِي"بَدَلَ"وَاهْدِنِي"وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ"رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَجِرْنِي وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي"فَالِاحْتِيَاطُ وَالِاخْتِيَارُ: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَيَأْتِيَ بِجَمِيعِ أَلْفَاظِهَا وَهِيَ سَبْعَةٌ"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَأَجِرْنِي وَارْفَعْنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي"وَقَوْلُهُ: يَفْرُشُ هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَحُكِيَ كَسْرُ الرَّاءِ.
أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ: فَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَرْضٌ وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ فَرْضٌ لِلْحَدِيثِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كل ما بين المعقوفين فيما سبق ليس في ش. و. ق (ط) .