فهرس الكتاب

الصفحة 1170 من 4102

ج / 3 ص -291- قوِيًّا لَمْ يَجْلِسْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِرَاحَةِ، وَحَمَلَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَجْلِسُ جَلَسَ مُفْتَرِشًا لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"ثَنَى رِجْلَهُ فَقَعَدَ عَلَيْهَا، حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ إلَى مَوْضِعِهِ ثُمَّ نَهَضَ"وَيُسْتَحَبُّ: أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدَيْهِ فِي الْقِيَامِ لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"اسْتَوَى قَاعِدًا ثُمَّ قَامَ وَاعْتَمَدَ [عَلَى] الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ"قَالَ الشَّافِعِيُّ: لِأَنَّ هَذَا أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ وَأَعْوَنُ لِلْمُصَلِّي وَيَمُدُّ التَّكْبِيرَ إلَى أَنْ يَقُومَ حَتَّى لَا يَخْلُوَ [فِعْلٌ] مِنْ ذِكْرٍ.

الشرح: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ، وَحَدِيثُ وَائِلٍ غَرِيبٌ وَحَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ"صَحِيحِهِ"، وَحَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ بِطُولِهِ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ. وَحَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ الْأَخِيرُ صَحِيحٌ أَيْضًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ، وَسَأَذْكُرُهُ بِلَفْظِهِ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ الرُّوَاةِ سَبَقَ ذِكْرُهُمْ وَبَيَانُ أَحْوَالِهِمْ إلَّا مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ، وَهُوَ أَبُو سُلَيْمَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، وَيُقَالُ: ابْنُ الْحَارِثِ اللَّيْثِيُّ رضي الله عنه تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ فِيمَا قِيلَ وَقَوْلُهُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"فَإِذَا اسْتَوَى قَاعِدًا نَهَضَ"يَعْنِي قَالَ هَذَا فِي"مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ".

أَمَّا حُكْمُ الْفَصْلِ: فَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ كَانَتْ السَّجْدَةُ يَعْقُبُهَا تَشَهُّدٌ مَدَّهُ حَتَّى يَجْلِسَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا يَعْقُبُهَا تَشَهُّدٌ فَهَلْ تُسَنُّ جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ؟ فِيهَا النَّصَّانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَلِلْأَصْحَابِ فِيهَا ثَلَاثَةُ طُرُقٍ.

أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: هُمَا مَحْمُولَانِ عَلَى حَالٍ فَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي ضَعِيفًا لِمَرَضٍ أَوْ كِبَرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا اُسْتُحِبَّ وَإِلَّا فَلَا.

الطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِأَنَّهَا تُسْتَحَبُّ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَبِهَذَا قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي"تَعْلِيقِهِ"وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي"الْمُقْنِعِ"وَالْفُورَانِيُّ فِي"الْإِبَانَةِ"وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي كُتُبِهِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ.

الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يُسْتَحَبُّ: وَالثَّانِي: لَا يُسْتَحَبُّ، وَهَذَا الطَّرِيقُ أَشْهَرُ، وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِهِ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ اسْتِحْبَابُهَا، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي الْمَذْهَبِ اسْتِحْبَابُهَا، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي ثَبَتَتْ فِيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا قُلْنَا: لَا تُسَنُّ جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ ابْتَدَأَ التَّكْبِيرَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّفْعِ وَفَرَغَ مِنْهُ مَعَ اسْتِوَائِهِ قَائِمًا، وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ وَهُوَ: أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، قَالَ أَصْحَابُنَا: هِيَ جِلْسَةٌ لَطِيفَةٌ جِدًّا، وَفِي التَّكْبِيرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ"الْبَيَانِ"وَآخَرُونَ أَصَحُّهَا: عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي"التَّنْبِيهِ"، وَنَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يَرْفَعُ مُكَبِّرًا وَيَمُدُّهُ إلَى أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا وَيُخَفِّفُ الْجِلْسَةَ، وَدَلِيلُهُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أَنْ لَا يَخْلُوَ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ عَنْ ذِكْرٍ الثَّانِي: يَرْفَعُ غَيْرَ مُكَبِّرٍ وَيَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ جَالِسًا وَيَمُدُّهُ إلَى أَنْ يَقُومَ وَالثَّالِثُ: يَرْفَعُ مُكَبِّرًا فَإِذَا جَلَسَ قَطَعَهُ ثُمَّ يَقُومُ بِلَا تَكْبِيرٍ، نَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِتَكْبِيرَتَيْنِ، مِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالسُّنَّةُ فِيهَا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت