فهرس الكتاب
ج / 3 ص -290- رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَوَصْفِهِمْ الِافْتِرَاشَ عَلَى قَدَمِهِ الْيُسْرَى فَهُوَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ لَهُ فِي الصَّلَاةِ أَحْوَالٌ، حَالٌ يَفْعَلُ فِيهَا هَذَا وَحَالٌ يَفْعَلُ فِيهَا ذَاكَ، كَمَا كَانَتْ لَهُ أَحْوَالٌ فِي تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَتَخْفِيفِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِهَا، وَكَمَا تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَكَمَا طَافَ رَاكِبًا وَطَافَ مَاشِيًا، وَكَمَا أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَآخِرَهُ وَأَوْسَطَهُ وَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ أَحْوَالِهِ. صلى الله عليه وسلم وَكَانَ يَفْعَلُ الْعِبَادَةَ عَلَى نَوْعَيْنِ أَوْ أَنْوَاعٍ لِيُبَيِّنَ الرُّخْصَةَ وَالْجَوَازَ بِمَرَّةٍ أَوْ مَرَّاتٍ قَلِيلَةٍ، وَيُوَاظِبُ عَلَى الْأَفْضَلِ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ وَالْأَوْلَى.
فَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْإِقْعَاءَ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ فَعَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى التَّفْسِيرِ الْمُخْتَارِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَفَعَلَ صلى الله عليه وسلم مَا رَوَاهُ أَبُو حُمَيْدٍ وَمُوَافِقُوهُ مِنْ جِهَةِ الِافْتِرَاشِ، وَكِلَاهُمَا سُنَّةٌ لَكِنَّ إحْدَى السُّنَّتَيْنِ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي حُمَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ رَوَاهَا وَصَدَّقَهُ عَشَرَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا سَبَقَ، وَرَوَاهَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ وَغَيْرُهُ، , وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُوَاظَبَتِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهَا وَشُهْرَتِهَا عِنْدَهُمْ، فَهِيَ أَفْضَلُ وَأَرْجَحُ، مَعَ أَنَّ الْإِقْعَاءَ سُنَّةٌ أَيْضًا، فَهَذَا مَا يَسَّرَ اللَّهُ الْكَرِيمُ مِنْ تَحْقِيقِ أَمْرِ الْإِقْعَاءِ، وَهُوَ مِنْ الْمُهِمَّاتِ لِتَكَرُّرِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَعَ تَكَرُّرِهِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَاسْتِشْكَالِ أَكْثَرِ النَّاسِ لَهُ مِنْ كُلِّ الطَّوَائِفِ، وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ الْكَرِيمُ بِإِتْقَانِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ فِيهِ، مَذْهَبُنَا: أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِمَا، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجِبُ الطُّمَأْنِينَةُ وَلَا الْجُلُوسُ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ عَنْ الْأَرْضِ أَدْنَى رَفْعٍ، وَلَوْ كَحَدِّ السَّيْفِ، وَعَنْهُ وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمَا قَالَا: يَجِبُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِحَيْثُ يَكُونُ إلَى الْقُعُودِ أَقْرَبَ مِنْهُ، وَلَيْسَ لَهُمَا دَلِيلٌ يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ. وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ فِي مَسْأَلَةِ وُجُوبِ الِاعْتِدَالِ عَنْ الرُّكُوعِ.
"ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَةً أُخْرَى مِثْلَ الْأُولَى".
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى .
الشرح: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، وَدَلِيلُهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ وَالْإِجْمَاعُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَصِفَةُ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ صِفَةُ الْأُولَى فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَالله أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيُكَبِّرُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فِي الرُّكُوعِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِذَا اسْتَوَى قَاعِدًا نَهَضَ، وَقَالَ فِي"الْأُمِّ":"يَقُومُ مِنْ السَّجْدَةِ"فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: الْمَسْأَلَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ إحْدَاهُمَا: لَا يَجْلِسُ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ اسْتَوَى قَائِمًا بِتَكْبِيرَةٍ"وَالثَّانِي: يَجْلِسُ لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا". وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إنْ كَانَ ضَعِيفًا جَلَسَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِرَاحَةَ، وَإِنْ كَانَ