فهرس الكتاب
ج / 3 ص -289- ضَعْفَهَا وَقَالَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ، ثُمَّ رَوَى عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ حَكَى عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ: الْإِقْعَاءُ أَنْ يُلْصِقَ أَلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ قَالَ: وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْإِقْعَاءُ جُلُوسُ الْإِنْسَانِ عَلَى أَلْيَتَيْهِ نَاصِبًا فَخِذَيْهِ مِثْلَ إقْعَاءِ الْكَلْبِ وَالسَّبُعِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْإِقْعَاءِ غَيْرَ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم، فَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَمَا رَوَيْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ مَسْنُونٌ. قَالَ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ"فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَارِدًا فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، فَلَا يَكُونُ مُنَافِيًا لِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْبَيْهَقِيّ رحمه الله، وَلَقَدْ أَحْسَنَ وَأَجَادَ وَأَتْقَنَ وَأَفَادَ وَأَوْضَحَ إيضَاحًا شَافِيًا، وَحَرَّرَ تَحْرِيرًا وَافِيًا رحمه الله، وَأَجْزَلَ مَثُوبَتَهُ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى هَذَا الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الصَّلَاحِ فَقَالَ بَعْد أَنْ ذَكَرَ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ الْإِقْعَاءِ: هَذَا الْإِقْعَاءُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَهَذَا الْإِقْعَاءُ غَيْرُ مَا صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، فَذَلِكَ الْإِقْعَاءُ أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ قَاعِدًا عَلَيْهَا وَعَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ، وَقَدْ اسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي"الْإِمْلَاءِ"و"الْبُوَيْطِيُّ"قَالَ: وَقَدْ خَبَطَ فِي الْإِقْعَاءِ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ مَنْ1 يَعْلَمُ أَنَّهُ نَوْعَانِ كَمَا ذَكَرْنَا. قَالَ: وَفِيهِ فِي"الْمُهَذَّبِ"تَخْلِيطٌ: هَذَا آخِرُ كَلَامِ أَبِي عَمْرٍو رحمه الله، وَهَذَا كِتَابُهُ الَّذِي حَكَاهُ عَنْ الْبُوَيْطِيِّ"وَالْإِمْلَاءِ"مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، قَدْ حَكَاهُ عَنْهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ"مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْآثَارِ"وَأَمَّا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَا حَصَلَ لِلْبَيْهَقِيِّ، وَخَالَفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَادَتَهُ فِي حَلِّ الْمُشْكِلَاتِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَلِفَةِ، بَلْ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ قَالَ: وَأَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْإِقْعَاءِ وَأَنَّهُ عَقِبُ الشَّيْطَانِ.
وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ وَوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"قَعَدَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مُفْتَرِشًا قَدَمَهُ الْيُسْرَى". قَالَ: وَرَوَيْتُ كَرَاهَةَ الْإِقْعَاءِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَهْلُ الرَّأْيِ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ: وَالْإِقْعَاءُ أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَقْعُدَ مُسْتَوْفِزًا غَيْرَ مُطْمَئِنٍّ إلَى الْأَرْضِ، وَهَذَا إقْعَاءُ الْكِلَابِ وَالسِّبَاعِ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: وَأَهْلُ مَكَّةَ يَسْتَعْمِلُونَ الْإِقْعَاءَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْسُوخًا، وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي صِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ، وَهُوَ فَاسِدٌ مِنْ أَوْجُهٍ: مِنْهَا أَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى أَحَادِيثِ النَّهْيِ فِيهِ، وَادَّعَى أَيْضًا نَسْخَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالنَّسْخُ: لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَعَلِمْنَا التَّارِيخَ، وَلَمْ يَتَعَذَّرْ هُنَا الْجَمْعُ بَلْ أَمْكَنَ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَيْضًا التَّارِيخُ، وَجَعَلَ أَيْضًا الْإِقْعَاءَ نَوْعًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا هُوَ نَوْعَانِ. فَالصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ: أَنَّ الْإِقْعَاءَ نَوْعَانِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو: أَحَدُهُمَا: مَكْرُوهٌ: وَالثَّانِي: جَائِزٌ أَوْ سُنَّةٌ.
وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَحَادِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ وَوَائِلٍ وَغَيْرِهِمَا فِي صِفَةِ صَلَاةِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا ولعله"من لا يعلم"والله أعلم (ط) .