فهرس الكتاب
ج / 3 ص -293- وَلِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ: وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَشْرُوعَةً لَسُنَّ لَهَا ذِكْرٌ كَغَيْرِهَا.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ أَنَّهُ"رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ بِمَعْنَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ:"اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي"صَحِيحِهِ"بِهَذَا اللَّفْظِ فِي كِتَابِ"السَّلَامِ". وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم أَنَّهُ وَصَفَ صَلَاةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"ثُمَّ هَوَى سَاجِدًا ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ وَقَعَدَ حَتَّى رَجَعَ كُلُّ عَظْمٍ مَوْضِعَهُ ثُمَّ نَهَضَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ"فَقَالُوا: صَدَقْتَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَإِسْنَادُ أَبِي دَاوُد إسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ فِي الرُّكُوعِ. وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ إنَّمَا عَلَّمَهُ الْوَاجِبَاتِ دُونَ الْمَسْنُونَاتِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ سَبَقَ ذِكْرُهُ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ وَائِلٍ فَلَوْ صَحَّ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مُوَافَقَةِ غَيْرِهِ فِي إثْبَاتِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِتَرْكِهَا، وَلَوْ كَانَ صَرِيحًا لَكَانَ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَأَبِي حُمَيْدٍ وَأَصْحَابِهِ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: صِحَّةُ أَسَانِيدِهَا: وَالثَّانِي: كَثْرَةُ رُوَاتِهَا، وَيَحْتَمِلُ حَدِيثُ وَائِلٍ أَنْ يَكُونَ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي وَقْتٍ أَوْ أَوْقَاتٍ تَبَيُّنًا لِلْجَوَازِ، وَوَاظَبَ عَلَى مَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ بَعْدَ أَنْ قَامَ يُصَلِّي مَعَهُ وَيَتَحَفَّظُ الْعِلْمَ مِنْهُ عِشْرِينَ يَوْمًا، وَأَرَادَ الِانْصِرَافَ مِنْ عِنْدِهِ إلَى أَهْلِهِ:"اذْهَبُوا إلَى أَهْلِيكُمْ وَمُرُوهُمْ وَكَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"وَهَذَا كُلُّهُ ثَابِتٌ فِي"صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"مِنْ طُرُقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ: صلى الله عليه وسلم هَذَا وَقَدْ رَآهُ يَجْلِسُ الِاسْتِرَاحَةَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا هُوَ الْمَسْنُونُ لِكُلِّ أَحَدٍ لَمَا أَطْلَقَ صلى الله عليه وسلم قَوْلَهُ:"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ فَرْقِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، وَيُجَابُ بِهِ أَيْضًا عَنْ قَوْلِ مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ: لَيْسَ تَأْوِيلُ حَدِيثِ وَائِلٍ وَغَيْرِهِ بِأَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: إنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ عَلَى هَذَا، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْجِلْسَةِ إثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ تَنْفِيهَا؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا عَلَى سَبِيلِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْأَحَادِيثِ، وَنَجِدُ فِيهَا خِلَافَهُ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ فِيهَا إثْبَاتُهَا وَلَا نَفْيُهَا لَمْ يَلْزَمْ رَدُّ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ مِنْ جِهَاتٍ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ: إنَّهَا لَيْسَتْ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، فَمِنْ الْعَجَبِ الْغَرِيبِ فَإِنَّهَا مَشْهُورَةٌ فِيهِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ لِلْمُتَقَدِّمِينَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَوْ شُرِعَ لَكَانَ لَهَا ذِكْرٌ، فَجَوَابُهُ: أَنَّ ذِكْرَهَا التَّكْبِيرُ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ يَمُدُّ حَتَّى يَسْتَوْعِبَهَا وَيَصِلَ إلَى الْقِيَامِ كَمَا سَبَقَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذِكْرٌ لَمْ يَجُزْ رَدُّ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ وَالله أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي كَيْفِيَّةِ النُّهُوضِ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَسَائِرِ الرَّكَعَاتِ: قَدْ ذَكَرْنَا: أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ مُعْتَمِدًا عَلَى يَدَيْهِ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمَكْحُولٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ