فهرس الكتاب
ج / 3 ص -304- الْأَزْهَرِيُّ: قَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُلْكُ، وَقِيلَ الْبَقَاءُ الدَّائِمُ، وَقِيلَ: السَّلَامَةُ وَتَقْدِيرُهُ السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ حَكَاهَا الْأَزْهَرِيُّ، وَقِيلَ: التَّحِيَّةُ الْحَيَا وَالْأَوَّلُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَآخَرُونَ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّمَا قِيلَ التَّحِيَّاتُ بِالْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ تَحِيَّةٌ يُحَيَّا بِهَا فَقِيلَ لَنَا: قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، أَيْ الْأَلْفَاظُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْمُلْكِ مُسْتَحَقَّةٌ لِلّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ. قَالَ الْبَغَوِيّ فِي"شَرْحِ السُّنَّةِ": لِأَنَّ شَيْئًا مِمَّا كَانُوا يُحَيُّونَ بِهِ الْمُلُوكَ لَا يَصْلُحُ لِلثَّنَاءِ عَلَى الله تَعَالَى، وَقَوْلُهُ: الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ قَالُوا: تَقْدِيرُهُ وَالْمُبَارَكَاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ بِالْوَاوِ كَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الْبَاقِيَةِ، وَلَكِنْ حُذِفَتْ الْوَاوُ وَحَذْفُ وَاوِ الْعَطْفِ جَائِزٌ.
قَوْلُهُ:"الصَّلَوَاتُ"قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْعِبَادَاتُ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَقِيلَ: الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ: الْأَدْعِيَةُ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الصَّلَوَاتُ الشَّرْعِيَّةُ، وَقِيلَ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي"الْإِشْرَافِ"وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَاحِبُ"الْعُدَّةِ"و"الْبَيَانِ"، قَالَ صَاحِبُ"الْمَطَالِعِ": عَلَى هَذَا تَقْدِيرُ الصَّلَوَاتِ لِلَّهِ مِنْهُ أَيْ هُوَ الْمُتَفَضِّلُ بِهَا، وَقِيلَ الْمَعْبُودُ بِهَا. قَوْلُهُ:"الطَّيِّبَاتُ"قِيلَ مَعْنَاهُ الطَّيِّبَاتُ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ ثَنَاءٌ عَلَى الله تَعَالَى وَذِكْرٌ لَهُ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ مَا طَابَ وَحَسُنَ مِنْ الْكَلَامِ فَيَصْلُحُ أَنْ يُثْنِيَ بِهِ عَلَيْهِ، وَيُدْعَى بِهِ دُونَ مَا لَا يَلِيقُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ بَطَّالٍ وَصَاحِبُ"الْبَيَانِ": مَعْنَاهُ الصَّالِحَةُ. قَوْلُهُ:"سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ"قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ اسْمُ السَّلَامِ أَيْ اسْمُ الله عَلَيْكَ: وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ تَسْلِيمًا وَسَلَامًا، وَمَنْ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَلِمَ مِنْ الْآفَاتِ كُلِّهَا. قَوْلُهُ"السَّلَامُ عَلَيْنَا"لَمْ أَرَ لِأَحَدٍ كَلَامًا فِي الضَّمِيرِ فِي عَلَيْنَا، وَفَاوَضْتُ فِيهِ كِبَارًا فَحَصَلَ أَنَّ الْمُرَادَ الْحَاضِرُونَ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَوْلُهُ:"وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ"الْعِبَادُ جَمْعُ عَبْدٍ، رَوَيْنَا عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ فِي رِسَالَتِهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ يَقُولُ: لَيْسَ شَيْءٌ أَشْرَفَ مِنْ الْعُبُودِيَّةِ، وَلَا اسْمٌ أَتَمَّ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْوَصْفِ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَكَانَتْ أَشْرَفَ أَوْقَاتِهِ {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1] وَقَالَ تَعَالَى {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10] وَالصَّالِحُونَ جَمْعُ صَالِحٍ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ وَصَاحِبُ"الْمَطَالِعِ": هُوَ الْقَائِمُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الله وَحُقُوقِ عِبَادِهِ وَقَوْلُهُ"أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ"مَعْنَاهُ أَعْلَمُ وَأُبَيِّنُ، قَوْلُهُ:"رَسُولُ الله"قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الرَّسُولُ هُوَ الَّذِي يُتَابِعُ أَخْبَارَ مَنْ بَعَثَهُ، وَقَالَ، غَيْرُهُ: لِتَتَابُعِ الْوَحْيِ إلَيْهِ وَالله أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ:"لِمَا رَوَى جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"كَذَا وَقَعَ فِي"الْمُهَذَّبِ"، وَفِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ"عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُهُمْ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ: بِسْمِ الله وَبِالله، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ"إلَى آخِرِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ"لِأَنَّ هَذَا يَأْتِي عَلَى مَعْنَى الْجَمِيعِ"فَيُنَازَعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ التَّحِيَّاتِ لَا يَتَضَمَّنُ الْمُبَارَكَاتِ وَالصَّلَوَاتِ وَالطَّيِّبَاتِ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَأَكْمَلُ التَّشَهُّدِ عِنْدَنَا تَشَهُّدُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِكَمَالِهِ، وَيَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْكَلَامِ تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ تَشَهُّدُ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم، وَقَدْ بَيَّنَّا الْجَمِيعَ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا غَرِيبًا أَنَّ